Indexed OCR Text
Pages 501-520
- المائدة - وبهذه الأجوبةِ يُستغنى عن قولٍ مَنْ قال: ((إنَّ يستطيع زائدةً)) والمعنى: هل يُنَزِّل ربُّك، لأنه لا يُزاد من الأفعال إلا ((كان)) بشرطينٍ(١)، وشَذَّ زيادةُ غيرِها في مواضعَ عَدَدْتُها في غيرِ هذا الكتاب، على أنَّ الكوفيين يُجيزون زيادةً بعض الأفعال مطلقاً، حَكَوْا: ((قَعَد فلانٌ يتهكِّم بي))، وأنشدوا(٢): ١٨٤٥- على ما قام يَشْتِمُني لئيمٌ كخنزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمادِ وحكى البصريون على وجه الشذوذ: ((ما أصبحَ أبردَها وما أمسى أدفاًها)» يعنون الدنيا. قولُه ((أَنْ يُنَزِّل)) في قراءةِ الجماعة في محل نصب مفعولاً به أي: الإِنزالَ. وقال أبو البقاء(٣): ((والتقدير: على أن ينزّل، أو في أن ينزِّل، ويجوزُ ألَّ يُحتاجَ إلى حرف جر على أن يكون ((يَسْتطيع)) بمعنى ((يُطِيقِ)). قلت: إنما احتاج إلى تقديرٍ حَرْفَي الجرِّ في الأول لأنه حَمَل الاستطاعةَ على الإِجابة، وأمَّا قولُه أخيراً ((إنَّ يستطيع بمعنى يُطِيقِ)) فإنما يَظْهَرُ كلَّ الظهورِ على رأي الزمخشري من كونهم ليسوا بمؤمنين. وأمَّا على قراءةِ الكسائي فقالوا: هي في محلِّ نصبٍ على المفعولية بالسؤالِ المقدَّر أي: هل تستطيع أنت أن تسألَ ربَّك الإِنزالَ، فيكون المصدرُ المقدرُ مضافاً لمفعوله الأول وهو ((ربّك)) فلمَّا حُذِفَ المصدرُ انتصب. وفيه نظرٌ من أنهم أعملوا المصدرَ مضمراً، وهو لا يجوزُ عند البصريين، يُؤَوِّلون ما ورد ظاهرُه ذلك. ويجوز أن يكونَ ((أن (١) كونها بلفظ الماضي وأن تقع بين متلازمين ليسا جاراً ومجروراً. انظر: أوضح المسالك ١٣٠. (٢) تقدم برقم ٦١٦. (٣) الإِملاء ٢٣٢/١. ٥٠١ - المائدة - ينزّل)) بدلاً من ((ربك)) بدلَ اشتمالٍ، والتقدير: هل تستطيع أي: هل تُطيق إنزالَ الله تعالى مائدةٌ بسبب دعائك؟ وهو وجهٌ حسن. و ((مائدةً)) مفعول ((يُنَزِّلُ))، والمائدة: الخِوانُ عليه طعامٌ، فإن لم يكن عليه طعامٌ فليست بمائدةٍ، هذا هو المشهور، إلا أن الراغب(١) قال: ((والمائدةُ: الطبقُ الذي عليه طعام، ويقال لكل واحدٍ منها مائدةٌ» وهو مخالفٌ لما عليه المُعْظَمُ، وهذه المسألة لها نظائرُ في اللغة، لا يقال للخِوان مائدةً إلا وعليه طعامٌ وإلا فهو خِوان، ولا يقال كأسُ إلا وفيها خَمْرٌ وإلا فهي قَدَحْ، ولا يقال: ذَنوب(٢) وسَجْل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دَلْو، ولا يقال جِراب إلا وهو مدبوعٌ وإلا فهو إهاب، ولا قَلَمّ إلا وهو مَبْرِيٍّ وإلا فهو أنبوب. واختلف [٢٩٢/أ] اللغويون / في اشتقاقها فقال الزجاج(٣): («هي من مادَ يَميدُ إذا تحرك، ومنه قوله: ((رواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بهم)) (٤) ومنه: مَيْدُ البحر)) وهو ما يُصيب راكبَه، فكأنها تَميد بما عليها من الطعام، قال: ((وهي فاعِلة على الأصل)). وقال أبو عبيد(٥): «هي فاعلة بمعنى مَفْعولة مشتقةٌ من مادَهُ بمعنى أعطاه، وامتادَهُ بمعنى استعطاهُ فهي بمعنى مَفْعولة)) قال: ((كعيشة راضية)) وأصلُها أنها مِيدَ بها صاحبُها أي: أُعْطِيها، والعربُ تقول: ما دَني فلان يَميدني إذا أحسنَ إليَّ وأعطاني)) وقال أبو بكر بن الأنباري(٦): ((سُمِّيت مائدةً لأنها غياثٌ وعطاءً، من قولِ العرب: مادَ فلانٌ فلاناً إذا أَحْسَنَ إليه، وأنشدَ(٧): (١) المفردات ٤٩٨. (٢) الذنوب: الدلو، وكذا السجل. (٣) معاني القرآن ٢٤٣/٢ . (٤) الآية ٣١ من الأنبياء. (٥) نسبة هذا النص لأبي عبيد فيها نظر، وأرجح أن تكون لأبي عبيدة لأنه ورد في كتابه مجاز القرآن ١٨٢/١ وكذا في اللسان ميد والزاهر ٤٧٧/١ منسوباً لأبي عبيدة. (٦) الزاهر ٤٧٧/١. (٧) البيت لرؤية، وهو في ديوانه ٤٠ وقبله: تهدي رؤوس المترفين الأنداد ٥٠٢ - المائدة - ١٨٤٦- إلى أميرٍ المؤمنينَ المُمْتادْ أي: المُحْسِنُ لرعيَّته، وهي فاعِلَة من المَيْد بمعنى مُعْطِية فهو قريب من قولِ أبي عبيد في الاشتقاق، إلا أنَّها عنده بمعنى فاعِلة على بابها. وابنُ قتيبة وافق أبا عبيد في كونها بمعنى مفعولة، قال: ((لأنها يُمادُ بها الآكلون أي يُعْطَوْنها)). وقيل: هي من المَيْد وهو الميل، وهذا هو معنى قول الزجاج. قوله: ((من السماء)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه، وأَنْ يتعلَّق بمحذوف على أنه صفةٌ لـ ((مائدة)) أي: مائدةً كائنةٌ من السماء أي: نازلةً منها. آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿تكونُ لنا عِيداً﴾: في ((تكون)) ضمير يعود على ((مائدة)) هو اسمُها، وفي الخبرِ احتمالان، أظهرُهما: أنه عيد، و((لنا)) فيه وجهان أحدهما: أنه حال من ((عيدا)) لأنها صفة له في الأصل، والثاني: أنها حال من ضمير ((تكون)) عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالَها في الحال. والوجه الثاني: أنَّ (لنا)) هو الخبر، و((عيداً) حال: إمَّا من ضمير ((تكونُ)) عند مَنْ يرى ذلك، وإمَّا من الضمير في ((لنا)) لأنه وقعَ خبراً فتحمَّل ضميراً، والجملةُ في محلٌ نصبٍ صفةً لمائدة. وقرأ عبدالله: تَكُنْ))(١) بالجزم على جواب الأمر في قوله: ((أَنْزِل)). قال الزمخشري (٢): ((وهما نظير ((يَرِثُني ويرث))(٣) يريد قوله تعالى: ((فهب لي من لدنك ولياً يرثني)» بالرفع صفةً، وبالجزم جواباً، ولكنْ القراءتان هناك متواترتان، والجزمُ هنا في الشاذ. = وهو في مجاز القرآن ١٨٣/١؛ الطبري ٢٢٣/١١؛ والقرطبي ٣٦٧/٦؛ والمحرر ٥/٢٣٥ واللسان: ((ميد))؛ والزاهر ٤٧٧/١. (١) كتبها في الشواذ ٣٦ بالتاء، وكتبها في البحر ٥٦/٤ بالياء أي: يكن يوم نزولها عيداً. (٢) الكشاف ٦٥٥/١. (٣) الآية ٦ من مريم، وقرأ أبو عمرو والكسائي بالجزم في الفعلين، وقرأ الباقون برفعهما. انظر: السبعة ٤٠٧ . ٥٠٣ - المائدة والعِيد مشتق من العَوْد لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي . وقال ابن الأنباري(١): ((النحويون يقولون: يوم العيد، لأنه يعود بالفرح والسرور، وعند العرب لأنه يعود بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليك في وقت فهو عِيد، حتى قالوا للَّيْفِ عِيد)) قال الأعشى (٢): ١٨٤٧- فواكبدي من لاعجِ الحُبِّ والھَوَى إذا اعتاد قَلْبِي من أُمَيْمَةَ عِيدُها أي: طيفُها، وقال تأبَّط شراً(٣): ١٨٤٨- يا عيدُ ما لكَ مِنْ شوقٍ وإيراقٍ وقال (٤). ١٨٤٩- عادَ قلبي من الطويلةِ عِيدُ وقال الراغب(٥): ((والعيدُ حالةً تعاوِدُ الإِنسانَ، والعائدة: كل نفع يرجع إلى الإِنسان بشيء، ومنه ((العَوْدُ)) للبعيرِ المسنِّ: إِمَّا لمعاودته السيرَ والعمل فهو بمعنى فاعِل، وإمَّا لمعاودةِ السنين إياه ومَرِّها عليه فهو بمعنى مفعول، قال امرؤالقيس (٦): (١) الزاهر له ٣٩٤/١. (٢) لم أقف عليه ولم أجده في ديوانه. (٣) عجزه: ومَرِّ طَيْفٍ على الأهوال طَرَّاقٍ وهو في المفضليات ٢٧؛ وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه ٧٣؛ والزاهر ٣٩٥/١. (٤) لم أهتد إلى قائله، وعجزه: واعتراني من حُبِّها تسهيدُ. وهو في الزاهر ٣٩٤/١ واللسان. «عود)). (٥) المفردات ٣٦٤. (٦) تقدم برقم ١٠٨٨. ٥٠٤ - المائدة - ١٨٥٠- على لاحِبٍ لا يُهْتَدى بمنارِهِ إذا سافَه العَوْدُ النباطِيُّ جَرْجَرا وصَغّروه على ((عُيَيْد)) وكَسَّروه على ((أعياد))، وكانَ القياسُ عُوَيْد وأَعْواد، لزوالِ موجبٍ قَلْبِ الواوِ ياءً، لأنها إنما قُلِبت لسكونها بعد كسرةٍ كـ «میزان»، وإنما فَعَلوا ذلك قالوا: فرقاً بينَه وبين عودِ الخشب. قوله: ((لأوَّلِنا وَآخِرنا)) فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه وقعَ صفةً لـ (عيد). الثاني: أنه بدلٌ من ((نا)) في ((لنا))، قال الزمخشري(١): ((لأولنا وآخرنا)) بدلٌ من ((لنا)) بتكريرِ العاملِ)) ثم قال: ((وقرأ زيد بن ثابت والجحدري: لِأُولانا وأُخْرانا(٢)، والتأنيثُ على معنى الأمة)). وخَصَّص أبو البقاء(٣) كلَّ وجه بشيء وذلك أنه قال: ((فأمَّا ((لأولنا وآخرنا)) فإذا جعلت (نا)) خبراً أو حالاً من فاعل ((تكون)) فهو صفةٌ لـ ((عيدا))، وإن جعلت ((لنا)) صفة لـ ((عيد)) كان ((لأولنا)) بدلاً من الضمير المجرور بإعادة الجارِّ). قلت: إنما فعل ذلك لأنه إذا جعل ((لنا)) خبراً كان ((عيداً)) حالاً، وإن جعله حالاً كان (عيداً)) / خبراً، فعلى التقديرين لا يمكنُه جَعْلُ ((لأولنا)) بدلاً من ((لنا» لئلا يلزم [٢٩٢/ب] الفصلُ بين البدلِ والمبدلِ منه: إمَّا بالحال وإما بالخبر وهو ((عيد))، بخلافٍ ما إذا جُعِل ((لنا)) صفةٌ لـ ((عيد))، هذا الذي يظهر في تخصيصِه ذلك بذلك، ولكن يُقال: قولُه ((فإِنْ جعلت لنا صفة لعيداً كان لأولنا بدلاً)» مُشْكل أيضاً، لأنَّ الفصلَ فيه موجود، لا سيما أنَّ قولَه لا يُحْمل على ظاهره لأنَّ ((لنا» ليس صفةً بل هو حالٌ مقدمة، ولكنه نظر إلى الأصل، وأنَّ التقدير: عيداً لنا لأوّلنا، (١) الكشاف ٦٥٥/١. (٢) الشواذ ٣٦؛ البحر ٥٦/٣. (٣) الإملاء ٢٣٢/١. ٥٠٥ ۔ - المائدة - فكأنه لا فصلَ، والظاهرُ جوازُ البدل، والفصلُ بالخبر أو الحال لا يَضُرُّ لأنه من تمامِه فليس بأجنبي . واعلم (١) أن البدلَ من ضمَّيْرِ الحاضر سواءً كان متكلماً أم مخاطباً لا يجوز عند جمهورِ البصريين في بدل الكل من الكلّ لو قلت: ((قمتُ زيدٌ)) يعني نفسَك، و((ضربتُك عَمْراً)) لم يَجُزْ، قالوا: لأنَّ البدلَ إنما يؤتى به للبيانِ غالباً، والحاضرُ متميّزٌ بنفسِه فلا فائدةَ في البدلِ منه، وهذا يَقْرُبُ من تعليلِهم في منعِ وصفِه. وأجازّ الأخفشُ ذلك مطلقاً مستدلاً بظاهر هذه الآية وبقوله (٢). ١٨٥١- أنا سيفُ العشيرةِ فاعرفوني حُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السِّنَامِا فـ (حُمَيْداً)) بدل من ياء اعرفوني، وقولِ الآخر (٣). ١٨٥٢- وشوهاءَ تَغْدُو بي إلى صارخ الوغى بِمُسْتَلْئِمٍ مثلِ الفنيق المُدَّجَّلِ وقوله (٤). ١٨٥٣- بكم قريشٍ كُفينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأَمَّ نهجَ الهُدى مَنْ كان ضِلِّيلا وفي الحديث: (أتينا النبيَّ صلى الله عليه وسلم نفرٌ من الأشعريين))(٥) (١) انظر المسألة في: المقتضب ٢٩٦/٤؛ الكافية ٣٤١/١ وكان المؤلف قد بحث هذه المسألة في إعرابه للآية ١٩٥ من آل عمران. (٢) تقدم برقم ١٠٤٢ .. (٣) تقدم برقم ٠١٥١٨ والشاهد إبدالُ الظاهر ((بمستلئم)) من ضمير الحاضر ((بي)). (٤) تقدم برقم ١٥١٧. (٥) رواه البخاري في: الذبائح (الفتح) ٦٤٥/٩ برواية: ((إني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من الأشعريين». ٥٠٦ - المائدة - والبصريون يُؤَوَّلون جميع ذلك، أمَّا الآية الكريمة فعلى ما تقدم في الوجه الأول، وأما ((حُمَيْداً)) فمنصوب على الاختصاص، وأمَّا ((بمُسْتلئم)) فمن باب التجريد وهو شيءٌ يعرفه أهلُ البيان، يعني أنه جَرَّد من نفسه ذاتً متصفةً بكذا، وأمَّا ((قريش)) فالروايةُ بالرفعِ على أنه منادى نُوِّن ضرورةً كقولِه(١). ١٨٥٤ - سلامُ اللَّهِ يا مطرٌ عليها وليسَ عليك يا مطرُ السَّلامُ وأمَّا (نفرٌ)) فخبر مبتدأ مضمر أي: نحن، ومنع ذلك بعضُهم إلا أَنْ يُفيدَ البدلُ توكيداً وإحاطةَ شمولٍ فيجوزُ، واستدلَّ بهذه الآيةِ ويقول الآخر(٢): ١٨٥٥- فما بَرِحَتْ أقدامُنا في مقامِنا ثلاثيِنا حتى أُزيروا المُنائِيّا بجر ((ثلاثتنا)) بدلاً من ((نا))، ولا حُجَّة فيه لأنَّ (ثلاثتنا)) توكيدٌ جارٍ مَجْرى ((كل)). آ. (١١٣) وقرأ الجمهور: ﴿وَنَعْلَمَ﴾: و((نكون)) بنون المتكلم مبنياً للفاعل، وقرأ(٣) ابن جبير - فيما نقله عنه ابن عطية (٤) - ((وتُعْلَم)) بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضميرُ عائدٌ على القلوب أي: وتُعْلَمَ قلوبُنا، ونُقل عنه ((ونُعْلَم)) بالنون مبنياً للمفعول، وقرىء: ((ويُعْلم))(٥) بالياءِ مبنياً (١) البيت للأحوص، وهو في ديوانه ١٨٩؛ ومجالس ثعلب ٧٤/١؛ والأزهية ١٧٣؛ وأمالي الشجري ٤٣١/١؛ وأمالي الزجاجي ٨١؛ والإنصاف ٣١١؛ والخزانة ٢٩٤/١. (٢) تقدم برقم ١٥١٦. (٣) الشواذ ٣٦؛ البحر ٥٥/٤. (٤) المحرر ٢٣٦/٥ وفي مطبوعته أن القراءة بالياء. (٥) وهي قراءة سعيد بن المسيب كما في الشواذ ٣٦. ٥٠٧ - المائدة - للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل(١): ((أَنْ قد صدقتنا)) أي: ويُعْلَمَ صِدْقُك لنا، ولا يجوز أن يكونَ الفعلُ في هذه القراءةِ مسنداً لضميرٍ القلوب لأنه جارٍ مَجْرى المؤنثِ المجازي، ولا يجوزُ تذكيرُ فعلٍ ضمِيرِه. وقرأ الأعمش: (وَتَعْلَم)) بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير القلوب، ولا يجوزُ أن تكونَ التاءُ للخطاب لفسادِ المعنى، ورُوي: ((وتِعْلَم)) (٢) بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدَّم. وقُرىء: ((وتكون)) بالتاء والضمير للقلوب. و ((أَنْ)) في ((أَنْ قَد صَدَقْتَنا)) مخففةٌ واسمُها محذوفٌ، و((قد)) فاصلةٌ لأنَّ الجملة الواقعةَ خبراً لها فعليةٌ متصرفةٌ غيرُ دعاءٍ، وقد عَرَفْتَ ذلك مما تقدم في قوله: ((أَنْ لا تكونُ فتنةٌ))(٣)، و((أن)) وما بعدها سادَّةٌ مسدَّ المفعولين أو مسئَّ الأول فقط والثاني محذوف. و((عليها)) متعلقٌ بمحذوف يَدُلُّ عليه ((الشاهدين))، ولا يتعلَّقُ بما بعده لأن ((أل)) لا يَعْمل ما بعدَها فيما قبلَها عندٍ الجمهورِ، ومَنْ يُجيز ذلك يقول: ((هو متعلقٌ بالشاهدين، قُدِّم للفواصل)). وأجاز الزمخشري (٤) أن تكونَ ((عليها)) حالاً فإنه قال: ((أو نكونُ من الشاهدين الله بالوحدانية ولك بالنبوة عاكفين عليها، على أن ((عليها)) في موضع الحال)) قلت: قوله ((عاكفين)) تفسيرُ معنىّ؛ لأنه لا يُضْمر في هذه الأماكن إلا الأكوانُ المطلقة، وبهذا الذي قلته لا يَرد عليه ما قاله الشيخ(٥) فإنه غاب عليه ذلك، وجعله متناقضاً من حيث إنه لَمًّا علَّقه بـ ((عاكفين)) كان غير حال؛ لأنه إذا كان حالاً تعلَّق بكون مطلق، ولا أدري ما معنى التناقض وكيف يَتَحَمِّلُ عليه إلى هذا الحَدِّ؟. (١) الأصل: ((المفعول)) وهو سهو. (٢) وهي رواية عن الأعمش كما في الشواذ ٣٦. (٣) الآية ٧١ من المائدة. (٤) الكشاف ٦٥٤/١. (٥) البحر ٥٦/٤. ٥٠٨ - المائدة - آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿وآيةً﴾: عطف على (عيداً))، و((منك)) صفتها. وقرأ اليماني(١): ((وإنَّه)) بـ((إنَّ)) المشددة، والضمير: إما للعيد وإما للإنزال. آ. (١١٥) وقرأ نافع وابن عامر وعاصم(٢): ﴿مُتَزِّهَا﴾: بالتشديد، فقيل: إنَّ أَنْزَل ونَزَّل بمعنى، وقد تقدم تحقيق ذلك /. وقيل: [٢٩٣/أ] التشديد للتكثير، ففي التفسير أنها نَزَلت مراتٍ متعددة، وأما نُنَزِّلُ فَقُدِّم تحقيق الخلاف فيه . آ. (١١٥) قوله تعالى: ﴿بعدُ﴾: متعلق بـ («يكفر»، وبُني لقَطْعِه عن الإِضافة، إذ الأصل: بعد الإِنزالِ. و((منكم)) متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حال من فاعل ((يَكْفُرْ)). وقوله: ((عذاباً)) فيه وجهان، أظهرهما: أنه اسمُ مصدرٍ بمعنى التعذيب، أو مصدرٌ على حَذْفِ الزوائد نحو: ((عطاء ونبات)) لـ ((أعطى)) و ((أنبت))، وانتصابُه على المصدرية بالتقديرين المذكورين. والثاني - أجازه أبو البقاء(٣) -: أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، يعني جَعَلَ الحَدَثَ مفعولاً به مبالغةً، وحينئذ يكون نصبه على التشبيه بالمفعول به، والمنصوبُ على التشبيه بالمفعولِ به عند النحاة ثلاثةُ أنواع: معمولُ الصفةِ المشبهة، والمصدرُ، والظرفُ المتسع فيهما، أمَّ المصدرُ فكما تقدَّم، وأمَّا الظرفُ فنحو: ((يوم الجمعة صُمْتُه))، ومنه قوله(٤): ١٨٥٦ - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعامراً قليلٌ سوى الطعنِ النَّهالِ نوافِلُهْ (١) الشواذ ٣٦. (٢) السبعة ٢٥٠؛ الكشاف ٤٢٣/١. (٣) الإملاء ٢٣٣/١. (٤) تقدم برقم ٤٣٥. ٥٠٩ - المائدة - قال الزمخشري (١): ((ولو أُريد بالعذاب ما يُعَذَّب به لكان لا بد من الباء)» قلت: إنما قال ذلك لأنَّ إطلاقَ العذاب على ما يُعَذَّب به كثير، فخاف أن يُتَوَّهَّم ذلك، وليس لقائلٍ أن يقولَ: كان الأصلُ: بعذاب، ثم حَذَفَ الحرف فانتصب المجرورُ به، لأنَّ ذلكَ لم يَطْرِدْ إلَّ مع ((أَنْ)) و((أنَّ) بشرطِ أَمْنِ اللَّبْسِ . قوله: ((لا أعذِّبُه)) الهاءُ فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها عائدة على ((عذاب)) الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، التقدير: فإني أعذِّبه تعذيباً لا أعذِّبُ مثلَ ذلك التعذيب أحداً، والجملة في محلِّ نصب صفة لـ ((عذاباً) وهذا وجه سالم من تَكَلُّفٍ ستراه في غيره. ولَمَّا ذكر أبو البقاء(٢) هذا الوجه - أعني عودَها على ((عذاباً)) المتقدم - قال: ((وفيه على هذا وجهان، أحدُهما: على حَذْفٍ حرف الجر، أي: لا أعذب به أحداً، والثاني: أنه مفعولٌ به على السَّعة. قلت: أمَّا قوله ((حُذِف الحرف)) فقد عرفت أنه لا يجوز إلا فيما استثني. الثاني من أوجه الهاء: أنها تعود على ((مَن)) المتقدمة في قوله: ((فَمَنْ يكفرْ)) والمعنى: لا أعذِّبُ مثلَ عذاب الكافر أحداً، ولا بد من تقدير هذين المضافين ليصِحِّ المعنى. قال أبو البقاء (٣) في هذا الوجه: ((وفي الكلام حذفٌ أي: لا أعذب الكافر أي: مثل الكافر، أي: مثل عذاب الكافر». الثالث: أنها ضمير المصدر المؤكد نحو: ((ظَنْتُهُ زيداً قائماً)) ولَمًّا ذكر أبو البقاء (٤) هذا. الوجهَ اعترض على نفسِه فقال: ((فإنْ قلت: ((لا أعذِّبه)) صفةٌ لـ ((عذاب))، وعلى هذا التقدير لا يعودُ من الصفة على الموصوف شيءٌ. قيل: إنَّ الثاني لما كان واقعاً موقعَ المصدرِ والمصدرُ جنس و((عذاباً) نكرةً كان الأول داخلاً في (١) الكشاف ٦٥٥/١. (٢) الإملاء ٢٣٣/١. (٣) الإملاء ٢٣٣/١. (٤) الإملاء ٢٣٣/١. ٥١٠ - المائدة - الثاني، والثاني مشتملَ على الأول وهو مثل: ((زيد نعم الرجل)) انتهى، فجعل الرابطَ العمومَ، وهذا الذي ذكره من أنَّ الربط بالعموم إنما ذكره النحويون في الجملةِ الواقعةِ خبراً لمبتدأ، ولذلك نَظَّره أبو البقاء بـ ((زيد نِعْم الرجل)) وهذا لا ينبغي أن يُقاسَ عليه، لأن الربطَ يحصُل في الخبر بأشياءَ لا تجوز في الجملة الواقعةِ صفةٌ، وهذا منها، ثم هذا الاعتراضُ الذي ذَكَره واردٌ عليه في الوجه الثاني ؛ فإنَّ الجملة صفة لـ ((عذاباً) وليس فيها ضميرٌ، فإن قيل: ليست هناك بصفةٌ، قيل: يفسد المعنى بتقدير الاستئناف، وعلى تقديرٍ صحته فلتكنْ هنا أيضاً مستأنفةً. و((أحداً)) منصوبٌ على المفعول الصريحِ. و((من العالمين)) صفةٌ لـ ((أحداً) فيتعلَّق بمحذوف. آ. (١١٦) قوله تعالى: ﴿وإذ قال الله﴾: هل هذا القولُ وقَعَ وانقضَى أو سيقع يومَ القيامة؟ قولان للناس، فقال بعضُهم: لَّمَّا رفعه إليه قال له ذلك، وعلى هذا فـ ((إذ)) و((قال)» على موضوعهما من المُضِيِّ وهو الظاهر. وقال بعضُهم: سيقولُه له يوم القيامة، وعلى هذا فـ((إذ)) بمعنى ((إذا))، و((قال)) بمعنى ((يقول)»، وكونُها بمعنى ((إذا)) أهونُ من قول أبي عُبيد(١) إنها زائدة؛ لأنَّ زيادةً الأسماء ليست بالسهلة. قوله: ((أأنت قُلْتَ)) دَخَلَتِ الهمزةُ على المبتدأ لفائدةٍ ذكرها أهل البيان وهو: أن الفعلَ إذا عُلِم وجودُه وشُكَّ / في نسبته إلى شخص أُولِي الاسمُ [٢٩٣/ب] المشكوك في نسبة الفعل إليه للهمزة فيقال: ((أأنت ضرب زيداً) فَضَرْبُ زیدٍ قد صدر في الوجود وإنما شُكَّ في نسبته إلى المخاطب، وإنْ شُكَّ في أصل وقوع الفعل أُولِي الفعلُ للهمزة فيقال: ((أضربْتَ زيدا) لم تَقْطَّعْ بوقوعِ الضرب بل شَكَكْتَ فيه، والحاصل: أنَّ الهمزةَ يليها المشكوك فيه، جئنا إلى الآية الكريمة فالاستفهامُ فيها يُراد به التقريعُ والتوبيخُ بغيرِ عيسى عليه السلام (١) لعله أبو عبيدة في مجاز القرآن ١٨٣/١، وقد يكون أبو عبيد قد ذهب هذا المذهب. ٥١١ - المـائـدة - وهم المتَّخذون له ولأمه الهين، دَخَل على المبتدأ لهذا المعنى الذي قد ذكرته، لأن الاتخاذَ قد وقع ولا بد. واللام في ((للناس)) للتبليغ فقط، و ((واتخذوني)) يجوز أن تكون بمعنى ((صَيَّر)) فتتعدَّى لاثنين ثانيهما(إلهين))، وأن تكونَ المتعدية لواحد فـ ((إلهين)) حالٌ. و((من دون الله)) فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلقٌ بالاتخاذ. وأجاز أبو البقاء (١) - وبه بدأ - أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنّه صِفَةٌ لـ ((إِلَهين)). قوله: ((سبحانَك)) أي: تنزيهاً، وتقدَّم الكلامُ عليه في البقرة(٢) مشبعاً، ومتعلَّقُه هنا محذوفٌ فقدَّره الزمخشري(٣): ((سبحانك من أن يكون لك شريكٌ)) وقَدَّره ابن عطية(٤): ((عن أَنْ يُقال هذا وينطق به)) ورجَّحه الشيخ(٥) لقولِه بعد: ((ما يكونُ لِي أَنْ أقولَ)). قوله: ((أن أقولَ)) في محلِّ رفع لأنه اسمُ ((يكون))، والخبرُ في الجار قبله، أي: ما ينبغي لي قولُ كذا. و((ما)) يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرة موصوفة، والجملةُ بعدها صلةٌ فلا محلَّ لها، أو صِفَةٌ فمحلُّها النصبُ، فإنّ ((ما)) منصوبةٌ بـ ((أقول) نصبَ المفعول به لأنها متضمنةً الجملة فهو نظيرُ ((قلت كلاماً))، وعلى هذا فلا يُحتاج أن يُؤْوَّل ((أقول)) بمعنى أَدَّعِي أو أذكر، كما فعله أبو البقاء(٦). وفي ((ليس)) ضميرٌ يعودُ على ما هو اسمُها، وفي خبرِها وجهان، أحدهما: أنه ((لي) أي: ما ليس مستقراً لي وثابتاً. وأمَّا ((بحق)) على هذا ففيه ثلاثةُ أوجه، ذكر أبو البقاء(٧) منها وجهین، أحدُهما: أنه حالٌ من الضمير في ((لي)) قال: ((والثاني: أن يكونَ مفعولاً به (١) الإملاء ٢٣٣/١. (٢) الآية ٣٢. (٣) الكشاف ٦٥٥/١ (٤) لم أجد في ((المحرر)) هذا القول في هذا الموضع. (٥) البحر ٥٨/٤. (٦) الإملاء ٢٣٣/١. (٧) الإِملاء ٢٣٣/١. ٥١٢ - المائدة - تقديره: ما ليسَ يَثْبُتُ لي بسببٍ حق، فالباءُ متعلقةٌ بالفعلِ المحذوف لا بنفسِ الجارِّ، لأنَّ المعاني لا تعمل في المفعول به». قلت: وهذا ليس بجیدٍ لأنه قَدَّر متعلَّق الخبرِ كوناً مقيداً ثم حَذّفه وأبقى معموله. الوجه الثالث: أنَّ قوله ((بحق)) متعلقٌ بقوله: ((عَلِمْتَه)) ويكون الوقف على هذا على قوله ((لي)) والمعنى: فقد عَلِمْتَه بحق. وقد رُدَّ هذا بأن الأصل عدم التقديم والتأخير، وهذا لا ينبغي أن يُكتفى به في ردِّ هذا، بل الذي منع من ذلك أنَّ معمولَ الشرطِ أو جوابِه لا يتقدَّم على أداة الشرط لا سيما والمرويُّ عن الأئمة القُرّاء الوقفُ على ((بحق))، ويَبْتدئون بـ ((إنْ كنت قلتُه)) وهذا مَرْوِيٍّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [فوجَبَ اتِّباعه](١). والوجهُ الثاني في خبرِ(ليس)) أنه ((بحق))، وعلى هذا ففي ((لي)) ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه ((يتبين)) كما في قولهم: ((سُقْياً له)) أي: فيتعلَّقُ بمحذوف، والثاني: أنه حال من ((بحق))، لأنه لو تأخّر لكانَ صفةً له، قال أبو البقاء(٢): ((وهذا يُخَرَّج على قولِ مَنْ يجوِّزُ تقديم حالٍ المجرور عليه)) قلت: قد تقدم لك خلافُ الناسِ فيه وما أوردوه من الشواهدِ، وفيه أيضاً تقديمُ الحال على عامِلها المعنوي، فإنَّ ((بحق)) هو العاملُ إذ ((ليس)) لا يجوز أن تعملَ في شيء، وإنْ قلنا: إنَّ ((كان)) أختها قد تعمل لأن ((ليس)» لا حدّثَ لها بالإِجماع. والثالث: أنه متعلَّقٌ بنفسِ ((حق) لأنَّ الباءَ زائدةٌ، وحَقّ بمعنى مُسْتحق أي: ما ليس مستحِقّاً لي. قوله: ((إنْ كنتُ)): ((كنت)) وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى، والتقدير: إن تَصِحَّ دعواي لِما ذُكر، وقَدَّره الفارسي بقوله: ((إن أكن الآن قلتُّه فيما مضى)» لأنَّ الشرطَ والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل)). وقولُه: ((فقد عَلِمْتَه)) أي: فقد تبيَّن وظهرَ عِلمُك به كقوله: ((فصدَقَتْ))(٣) (١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل. (٢) الإملاء ٢٣٣/١. (٣) الآية ٢٦ من يوسف: ((إنْ كان قميصه قُدِّ من قُبُل فصدقَتْ)). ٥١٣ - المائدة- و(فَكَذَبَتْ))(١) و((فَكُبَّت وجوهُهم في النار))(٢). قوله: ((تعلمُ ما في نفسي)) هذه لا يجوزُ أن تكونَ عرفانيةٌ، لأنَّ العرفان كما قَدَّمْتُه يستدعي سَبْقَ جهل، أو يُقْتَصَرُ به على معرفةِ الذات دونَ أحوالها حَسْبَ ما قاله الناس، فالمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: تعلمُ ما في نفسي كائناً وموجّداً على حقيقتِهِ لا يَخْفَى عليك منه شيءٌ، وأمَّا: ((ولا أعلم)) فهي وإنْ كان يجوزُ أن تكونَ عرفانيةً، إلا أنها لَمَّا صارَتْ مقابلةً لما قبلها ينبغي أن [٢٩٤/ أ] يكونَ مثلَها، والمرادُ بالنفس هنا على ما قاله الزجاج (٣) / أنها تُطْلَقُ ويُراد بها حقيقةُ الشيء، والمعنى في قوله ((تعلم ما في نفسي)) إلى آخره واضحٌ. وقال: ((المعنى: تعلمُ ما أُخْفيه من سِرِّي وغيبي، أي: ما غابَ ولم أُظْهِرْهِ، ولا أعلمُ ما تُخْفِيه أنتَ ولا تُطْلِعُنا عليه، فذكر النفس مقابلةً وازدواجاً، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري(٤) فإنه قال: ((تعلمُ معلومي ولا أعلمُ معلومَك))، وأتى بقوله: ((ما في نفسك)) على جهةِ المقابلةِ والتشاكلِ لقوله: ((ما في نفسي)) فهو كقوله: ((ومَكروا ومكر الله))(٥)، وكقوله: «إنما نحن مستهزئون، اللّه يَسْتهزىء بهم))(٦). آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿إلا ما أُمَرْتَنِي﴾: هذا استثناءٌ مفرغ فإنّ ((ما) منصوبةٌ بالقول؛ لأنها وما في حَيِّزها في تأويلِ مقول. وقَدَّر أبو البقاءِ(٧) القولَ بمعنى الذكرِ والتأديةِ. و((ما)) يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةٌ. (١) الآية ٢٧ من يوسف: ((وإنْ كان قميصه قُدَّ من دُبُر فكذبَتْ)). (٢) الآية ٩٠ من النمل: ((وَمَنْ جاء بالسيئة فكُبّت ... )). (٣) معاني القرآن ٢٤٥/٢ . (٤) الكشاف ٦٥٥/١. (٥) الآية ٥٤ من آل عمران. (٦) الآية ١٤ - ١٥ من البقرة. (٧) الإِملاء ٢٣٣/١ . ٥١٤ - المائدة - قوله: ((أَنِ اعْبُدُوا)) في ((أَنْ)) سبعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها مصدرية في محلِّ جر على البدل من الهاء في ((به)) والتقديرُ: ما قلتُ إلا ما أمرتَني بأن اعبدوا، وهذا الوجهُ سيأتي عليه اعتراض. والثاني: أنها في محلّ نصبٍ بإضمار ((أعني))، أي: إنه فَسَّر ذلك المأمورَ به. والثالث: أنه في محلّ نصب على البدل من محلّ (به)) في ((ما أمرتني به)) لأن محلّ المجرور نصب. والرابع: أن موضعَها رفعٌ على إضمار مبتدأ وهو قريبٌ في المعنى من النصب على البدلِ. الخامس: أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به، السادس: أنها بدلٌ من ((ما) نفسِها أي: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا. السابع: أنَّ ((أَنْ)) تفسيرية، أجازه ابن عطية (١) والحوفي ومكي(٢). وممن ذهب إلى جواز أَنَّ ((أَنْ)) بدلٌ مِنْ ((ما)) فتكونُ منصوبةً المحلِّ أو مِن الهاء فتكونُ مجرورتَه أبو إسحق(٣) الزجاج، وأجاز أيضاً أن تكونَ تفسيريةً لا محلَّ لها. وهذه الأوجهُ قد منع بعضَها الزمخشري (٤)، وأبو البقاء(٥) منع منها وجهاً واحداً وهو أن تكون تفسيرية، أما الزمخشري فإنه منع أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي، وبدلاً من (ما)) أو من الهاء في (به)). قال - رحمه الله -: ((أنْ)) في قوله: ((أَن اعبدوا الله)) إنْ جَعَلْتَها مفسرةٌ لم يكن لها بُدُّ من مفسِّر، والمفسِّر: إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له: أما فعل القول فلأنه يُحْكى بعده الجمل ولا يَتَوسَّط بينه وبين محكيِّه حرفُ تفسير، وأما فعل الأمر فمستنِدٌ إلى ضمير الله عز وجل، فلو فَسَّرْتَه بـ ((اعبدوا الله ربي وربكم)) لم يستقم لأن الله لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإنْ جَعَلْتَها بدلاً لم يخلُ (١) المحرر ٢٤٠/٥. (٢) المشكل ٢٥٤/١. (٣) معاني القرآن ٢٤٦/٢. (٤) الكشاف ١ /٦٥٦. (٥) الإِملاء ٢٣٣/١. ٥١٥ - المائدة :- مِنْ أَنْ تجعلَها بدلاً من ((ما)) في ((ما أمرتني به)) أو من الهاء في ((به))، وكلاهما غيرُ مستقيم؛ لأنَّ البدلَ هو الذي يقوم مقامَ المبدلِ منه، ولا يُقال: ما قلتُ لهم إلا أَنِ اعبدوا الله، أي: ما قلتُ لهم إلا عبادتَه لأنَّ العبادةَ لا تقال، وكذلك لو جَعَلْتَها بدلا من الهاء، لأنك لو أَقْتَ ((أن اعبدوا)) مُقَامَ الهاء فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله لبقي الموصولُ بغير راجعٍ إليه من صلِيتِه، فإن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يُحْمل فعلُ القول على معناه، لأنَّ معنى ((ما قلت لهم إلا ما أمرتني به)): ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بـ ((أن اعبدوا الله ربي وربكم))، ويجوزُ أن تكونَ ((أَنْ)) موصولةً عطفاً على بيانٍ الهاء(١) لا بدلاً. وتعقّب عليه الشيخ(٢) كلامَه فقال: ((أمَّا قولَه «وأمَّا فعلُ الأمر إلى آخر المنع وقوله: ((لأنَّ الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم)) فإنما لم يستقمْ لأنه جَعَلَ الجملةَ وما بعدها مضمومةً إلى فعلِ الأمر، ويستقيم أن يكونَ فعلُ الأمر مفسَّراً بقوله: ((اعبدوا الله)) ويكون ((ربي وربكم) من كلام عيسى على إضمار (عني)) أي: ((أعني ربي وربكم))، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عندَه، وأمَّا قولُه: ((لأنّ العبادة لا تُقال)) فصحيحٌ، لكن يَصِحّ ذلك على حَذْفِ مضاف أي: ما قلت لهم إلا القولَ الذي أمرتني به قولَ عبادة الله أي: القولَ المتضمن عبادة الله، وأمَّا قولُه ((لبقي الموصول بغير راجع إليه [٢٩٤/ب] من صلته)) فلا يلزمُ في كل بدل أن يَحُلَّ محلِّ المبدل منه، / ألا ترى إلى تجويز النحويين: ((زيد مررت به أبي عبدِالله)) ولو قلت: ((زيدٌ مررت بأبي عبدالله)) لم يجز(٣) إلا على رأي الأخفش. وأما قولُه «عطفاً على بيان (١) عبارة الكشاف: ((عطف بيان للهاء)) وكلاهما واحد. (٢) البحر ٦١/٤. (٣) لأن جملة الخبر ليس فيها رابط يربطها بالمبتدأ. ٥١٦ - المائدة - الهاء» ففيه بُعْد، لأن عطفَ البيانِ أكثرُه بالجوامدِ الأعلامِ. وما اختاره الزمخشري(١) وجَوَّزه غيرُهُ لا يَصِحُّ، لأنها جاءت بعد ((إلا))، وكلَّ ما كان بعد ((إلا)) المستثنى بها فلا بُدَّ أن يكونَ له موضعٌ من الإعراب، و((أن)) التفسيرية لا موضعَ لها من الإعراب)). انتهى. قلت: أمَّا قوله: ((إنّ ربي وربكم من كلام عيسى)) ففي غاية ما يكون من البُعْد عن الأفهام، وكيف يَفْهم ذلك الزمخشري والسياق والمعنى يقودان إلى أنَّ ((ربي)) تابعٌ للجلالة؟، لا يتبادر للذهن - بل لا يُقْبل - إلا ذلك، وهذا أشدُّ من قولهم ((يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه)) فآل قولُ الشيخ إلى أنَّ ((اعبدوا الله)) من كلام الله تعالى و((ربي وربكم)) من كلام عيسى، وكلاهما مفسِّرٌ لـ ((أمرتَ)) المسند للباري تعالى. وأمَّا قولُه ((يَصِحُ ذلك على حَذْف مضاف)) ففيه بعض جودة، وأما قولُه: ((إنَّ حلولَ البدل محلٌ المبدل منه غيرُ لازم)) واستشهاده بما ذكر فغيرُ مُسَلَّم، لأنَّ هذا معارَضٌ بنصِّهم، على أنه لا يجوز ((جاء الذي مررت به أبي عبدالله)) بجرِّ ((عبد الله)) بدلاً من الهاء، وعَلَّلوه بأنه يلزمُ بقاءُ الموصول بلا عائدٍ، مع أنَّ لنا أيضاً في الربط بالظاهر في الصلة خلافاً قَدَّمْتُ التنبيه عليه، ويكفينا كثرةُ قولهم في مسائل: ((لا يجوزُ هذا لأنّ البدل يَخُلُّ محل المبدل منه)) فيجعلون ذلك علةً مانعةً، يَعْرف ذلك مَنْ عانى كلامَهم، ولولا خوفُ الإِطالة لأوردْتُ منه مسائل شتى. وأمَّا قوله: ((وكلُّ ما كان بعد ((إلا)) المستثنى به إلى آخره)) فكلامٌ صحيح لأنها إيجابٌ بعد نفي فيستدعى تسلّط ما قبلها على ما بعدها. ويجوز في ((أَنْ))(٢) الكسرُ على أصل التقاء الساكنين والضمُّ على الإِتباع، وقد تقدَّم تحقيقُه ونسبتُه إلى مَنْ قرأ به في قوله: ((فَمَنِ اضْطُّ) في (١) أي من كون ((أن)) مفسرة. (٢) يعني في قوله تعالى: ((أن اعبدوا الله)). ٥١٧ - المائدة :- البقرة(١). و((ربي)) نعت أو بدل أو بيان مقطوعُ عن الإِتباع رفعاً أو نصباً، فهذه خمسةُ أوجهٍ تقدَّم إيضاحُها. قوله: ((شهيدا) خبر ((كان))، و((عليهم)) متعلق به، و((ما)) مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: تتقدَّر بمصدر مضاف إليه زمان، و((دام)) صلتها، ويجوز فيها التمامُ والنقصان، فإنْ كانت تامةً كان معناها الإقامةَ، ويكون ((فيهم)) متعلقاً بها، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حال، والمعنى: وكنتُ عليهم شهيداً مدة إقامتي فيهم، فلم يُحْتَج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذٍ متصرفةً، وإنْ كانت الناقصةً لزمت لفظ المضيِّ ولم تكتفِ بمرفوع، فيكون (فيهم» في محلٌّ نصب خبراً لها، والتقديرُ: مدةَ دوامي مستقراً فيهم، وقد تقدم أنه يقال: ((دِمْتَ تَدام)) كخِفْتَ تَخاف. قوله: ((كنت أنت الرقيب)) يجوز في ((أنت)) أن تكون فصلاً وأن تكون تأكيداً. وقرىء (٢) ((الرقيب)) بالرفع على أنه خبر لـ ((أنت)) والجملةُ خبرٌ ((لـ كان))، كقوله(٣): ١٨٥٧- وكنتَ عليها بالمَلا أنْتَ أَقْدَرُ وقد تقدَّم اشتقاقُ ((الرقيب))(٤). و((عليهم)) متعلّقٌ به. و((على كلِّ شيء)) متعلّقٌ بـ((شهيد)) قُدِّم للفاصلة. (١) الآية ١٧٣. (٢) قال في الشواذ ٣٦: ((حكاه أبو معاذ)). (٣) البیت لقیس بن ذريح وصدره: أُبَكِّي على لُبْنِى وأنت تركتُها وهو في الكتاب ٣٩٥/١؛ والمقتضب ١٠٥/٤؛ وابن يعيش ١١٢/٣؛ واللسان: (ملا)). والملا: ما اتسع من الأرض. (٤) انظر: الآية ١ من النساء. ٥١٨ - المائدة - آ. (١١٨) قوله تعالى: ﴿فإنك أنتَ العزيزُ الحكيم): تقدَّم نظيره(١)، وهي في قراءة الناس ومصاحفِهم ((العزيزُ الحكيم))، وفي مصحف ابن مسعود(٢) - وقرأ بها جماعة -: ((الغفورُ الرحيم))، وقد عبِث بعض مَنْ لا يفهم كلامَ العرب بهذه الآيةِ، وقال: ((إنما كان المناسب ما في مصحف ابن مسعود» وخَفِي عليه أنَّ المعنى متعلق بالشرطين جميعاً، ويوضّح هذا ما قاله أبو بكر بن الأنباري، فإنه نَقَلَ هذه القراءة عن بعض الطاعنين ثم قال: (ومتى نُقِل إلى ما قاله هذا الطاعن ضَعُفَ معناه، فإنه ينفرد ((الغفور الرحيم)) بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلُّقٌ، وهو على ما أنزل الله وعلى ما أجمع على قراءته المسلمون / معروف بالشرطين كليهما: أولهما وآخرهما، [٢٩٥/أ] إذ تلخيصه: إنْ تعذبهم فأنت العزيز الحكيم، وإن تغفرْ لهم فأنتَ العزيزُ الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران، فكأنَّ ((العزيز الحكيم)» أليقُ بهذا المكان لعمومه وأنه يجمع الشرطين، ولم يصلُحْ ((الغفور الرحيم)) أَنْ يحتمل من العموم ما احتمله ((العزيز الحكيم)). قلت: وكلامُه فيه دقةٌ، وذلك أنه لا يريد بقوله ((إنه معروف بالشرطين إلى آخره)» أنه جوابٌ لهما صناعةٌ، لأنَّ ذلك فاسدٌ من حيث الصناعةُ العربية؛ فإنَّ الأول قد أخذ جوابه وهو ((فإنهم عبادُك)) وهو جوابٌ مطابِقٌ فإنَّ العبدَ قابل ليصرّفه سيدُه كيف شاء، وإنما يريد بذلك أنه متعلق بهما من جهة المعنى. وقد أكثر الناسُ في الكلامِ على هذه الآية بما لا يحتمله هذا الموضوع، وإنما تعرَّضْتُ لبعضِها لتعلَّقِه بالقراءة الشاذة والرسم الشاذ. (١) انظر: الآية ٣٢ من البقرة. (٢) البحر ٦٢/٢. ٥١٩ - المائدة - آ. (١١٩) قوله تعالى: ﴿يومُ ينفع﴾: الجمهور على رفعه من غير تنوين، ونافع(١) على نصبه من غير تنوين، ونقل الزمخشري(٢) عن الأعمش (يوماً)) بنصبه منوناً، وابن عطية (٣) عن الحسن بن عياش الشامي: ((يوم)) برفعه منوناً، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحةٌ على المبتدأ والخبر، والجملةُ في محل نصب بالقول. وأمَّا قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أنَّ ((هذا)) مبتدأ، و((يوم)) خبره كالقراءة الأولى، وإنما بُنِي الظرفُ لإِضافتِه إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربةً، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلّوا عليه بهذه القراءة، وأمَّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماض، وعليه قولُ النابغة (٤): ١٨٥٨- على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا فقلتُ: أَلِمَّا أَصْحُ والشيبُ وازِعُ وخَرَّجوا هذه القراءةَ على أن ((يوم)) منصوبٌ على الظرف، وهو متعلق في الحقيقةِ بخبر المبتدأ أي: هذا واقعٌ أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضاً في المعنى، ومنهم مَنْ خَرَّجه على أنَّ ((هذا) منصوبٌ بـ ((قال))، وأُشير به إلى المصدرِ فنصبُه على المصدر، وقيل: بل أُشير به إلى الخبر والقِصَص المتقدمةِ فيجري في نصبه خلافٌ: (١) السبعة ٢٥٠؛ الكشف ٤٢٣/١؛ البحر ٦٣/٤. (٢) الكشاف ٦٥٨/١. (٣) المحرر ٢٤٢/٥ وفيه وفي الأصل ((الحسن بن العباس)) وهو تصحيف وقد صوبناه من البحر ٦٣/٤ وتصحيفات المحدّثين للعسكري ٨٦٥/٢ حيث أثبت روايته عن الأعمش وهو الحسن بن عياش بن سالم مولى بني أسد أخو أبي بكر بن عياش، ويكنى أبا محمد. انظر: تهذيب التهذيب ٣١٣/٢. (٤) تقدم برقم ١١٧٢ . ٥٢٠