Indexed OCR Text

Pages 481-500

- المائدة -
فَسَّر الأوَّلِيَّة بالتقدُّمِ على الأجانبِ جَرْياً على ما مَرَّ في تفسيره: أو آخَران مِنْ
غيرِكم أنَّهما من الأجانبِ لا من الكفارِ. وقال الواحدي: ((وتقديرُهُ مِنَ الْأَوَّلِين
الذين استُحِقَّ عليهم الإِيصاءُ أو الإِثم، وإنما قيل لهم ((الْأُوَّلين)) من حيث
كانوا أَوَّلِين في الذُّكْرِ، أَلا ترى أنه قد تقدَّم: ((يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بَيْنِكم))
وكذلك ((اثنان ذوا عدلٍ منكم)) ذُكِرا في اللفظ قبل قوله: ((أو آخَران من
غيرِكم))، وكان ابنُ عباس يختارُ هذه القراءةَ ويقول: ((أرأيتَ إن كان الْأَوْلَيان
صغيرين كيف يَقُومان مقامَهما))؟ أراد أنهما إذا كانا صغيرين لم يقوما في
اليمين مقامَ الحانثين. ونحا ابن عطية (١) هذا المنحى قال: ((معناه من القوم
الذين استُحِقَّ عليهم أمرُهم أي: غُلِبوا عليه، ثم وصفَهم بأنهم أَوَّلون أي:
في الذكر في هذه الآية)).
وأمَّا قراءة الحسن(٢) فالأولان مرفوعان بـ ((استَحَقَّ)) فإنه يقرؤه مبنياً
للفاعل. قال الزمخشري (٣): ((ويَحْتَجُّ به مَنْ يرى ردَّ اليمين على المُدَّعي))،
ولم يبيّن مَنْ هما الأوَّلان، والمرادُ بهما الاثنان المتقدِّمان في الذكر. وهذه
القراءةُ كقراءةٍ حفص، فيُقَدَّر فيها ما ذُكِر، ثم مما يليقُ من تقديرِ المفعولِ .
وأما قراءة ابن سيرين(٤) فانتصابُها على المَدْحِ ولا يجوزُ فيها الجر،
لأنه : إمَّا على البدل وإمَّا على الوصف بجمع، والْأُوْلَين في قراءته مثنى فتعذر
فيها ذلك. وأمَّا قراءة ((الْأَوْلَيْن)) كالأعلَّيْن فحكاها أبو البقاء قراءةً شاذة
لم يَعْزُها، قال(٥): ((ويُقْرأ ((الْأُوْلَين)) جمعَ الْأَوْلَى، وإعرابه كإعراب الْأَوّلِين)»
يعني في قراءة حمزة، وقد تقدَّم أنّ فيها أربعةً أوجه وهي جارية هنا.
(١) المحرر ٢٢٦/٥.
(٢) استَحَقَّ الأوَّلان.
(٣) الكشاف ١ /٦٥١.
(٤) استُحِقَّ الْأَوْلَيْنْ.
(٥) الإِملاء ٢٣٠/١. ورسمها في المطبوعة ((الأوّلين)).
٤٨١

- المائدة -
قوله: ((فُيُقْسِمان)) نسقٌ على ((يَقُومان)) والسبيَّةُ فيها ظاهرةٌ. و((لَشهادتُنا
أجقُّ)): هذه الجملة جوابُ القسمِ في قوله: ((فُيُقْسِمان)»، و((ذلك أَدْنَى))
لا محلّ لهذه الجملةِ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيلِه، أي:
ما تقدَّم ذكرُه من الأحكام أقربُ إلى حصول إقامة الشهادة على ما ينبغي.
وقيل: المشارُ إليه الحَبْسِ بعد الصلاة، وقيل: تحليفُ الشاهدين. و((أَنْ
[٢٨٨/ب] يأتوا /)) أصلُه إلى أن يأتوا. وقَدَّره أبو البقاء(١) بـ ((من)) أيضاً، أي: أَدْنَى مِنْ:
أَنْ يأْتُوا. وقَدَّرِهِ مكي (٢) بالباء أي: بأَنْ يأْتُوا، وليسا بواضحين، ثُم حَذَّفَ
حرف الجر فَنَشَأ الخَلافُ المشهور (٣). و((على وجهها)) متعلقٌ بـ ((يَأْتُوا)).
وقيل: في محلُّ نصبٍ على الحال منها، وقَدَّره أبو البقاء(٤) بـ (محقّقة
وصحيحة)) وهو تفسيرُ معنى؛ لِما عرفت غير مرة من أنَّ الأكوانَ المقيدة لا تُقَدَّر
في مثله.
قوله: ((أو يَخافوا)) في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب عطفاً على
(يأتوا))، وفي ((أو)) على هذا تأويلان، أحدُهما: أنها على بابِها من كونها لأحدٍ
الشيئين، والمعنى: ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي
أو خوفِ رَدِّ الأيمان إلى غيرِهم فتسقطُ أَيْمانهم. والتأويلُ الآخَرِ: أن تكونَ
بمعنى الواو، أي: ذلك الحكم كله أقربُ إلى أَنْ يأْتُوا، وأقربُ إلى أن
يخافوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عباس. الثاني من وجهي النصب: أنه
منصوبٌ بإضمار ((أَنْ)) بعد ((أو) ومعناها هنا ((إلا)) كقولهم: ((لألزمنُّك أو تقضيّني
حَقِّي)) تقديره: إلَّ أَنْ تقضِيَنِي، فـ ((أو)) حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدَها
(١) الإِملاء ٢٣١/١.
(٢) المشكل ٢٥٣/١.
(٣) أي أن سيبويه يرى أن محلها نصب، ويرى الخليل أن محلها جر. انظر:
الكتاب ١٧/١.
(٤) الإِملاء ٢٣١/١.
٤٨٢

- المائدة -
منصوبٌ بإضمار ((أَنْ)) وجوباً، و((أَنْ)) وما في حَيِّزها مؤولٌ بمصدرٍ، ذلك
المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهُّم من الفعل قبله، فمعنى: لألزمنَّك
أو تقضيّني حقي : ليكوننَّ مني لزومٌ لك أو قضاؤك لحقي، وكذا المعنى هنا
أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ وإلَّ خافوا ردُّ الْأَيْمان، كذا
قَدَّره ابن عطية (١) بواوٍ قبل ((إلا)) وهو خلافُ تقدير النحاة، فإنهم لا يقدِّرون
((أو)(٢) إلا بلفظ ((إلا)) وحدها دون واو. وكأن ((إلا)) في عبارته على ما فهمه
الشيخ ليسَتْ ((إلا)) الاستثنائيةَ، بل أصلُها ((إِنْ)) شرطيةً دَخَلَتْ على ((لا)) النافيةِ
فأُدْغمت فيها، فإنه قال(٣): (أو تكون ((أو)) بمعنى ((إلّ إنْ))، وهي التي عَبِّر
عنها ابن عطية بتلك العبارةِ من تقديرِها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه ـ
وجزاء)) انتهى. وفيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني
كونَ (أو)) بمعنى الشرط. والثاني: أنه بعد أَنْ حَكْم عليها بأنها بمعنى ((إلَّ إِنْ))
جَعَلَها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه.
و ((أَنْ تُرَدَّ» في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به أي: أو يَخافُوا رَوَّ
أَيْمانهم. و((بعد أَيْمانهم)): إمَّا ظرفٌ لـ ((تُرَّ) أو متعلَّقُ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ
لـ «أَيْمان)). وجُمِع الضميرُ في قولِه ((يَأْتُوا)) وما بعده وإنْ كان عائداً في المعنى
على مثنَّى وهو الشاهدان، فقيل: هو عائدٌ على صنفي الشاهدين. وقيل: بل
عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كلُّهم، معناه: ذلك أَوْلى وأجدرُ أَنْ يحذرَ الناسُ
الخيانةَ فَتْحَرَّوا في شهادتِهم خوفَ الشناعةِ عليهم والفضيحةِ في رَدِّ اليمين
على المُدَّعي. وقوله: ((واتقوا الله)) لم يذكرْ متعلَّق التقوى: إمّا للعلم به أي:
واتقوا اللَّهَ في شهادتِكم وفي الموصِين عليهم بأن لا تَخْتَلِسوا لهم شيئاً؛ لأن
القصةُ كانت بهذا السببِ، وإمَّا قصداً لإِيقاعِ التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُنَّقى
(١) المحرر ٢٢٨/٥.
(٢) كما في الآية.
(٣) البحر ٤٧/٤.
٤٨٣

- المائدة -
منه. وكذا مفعولُ ((اسمعوا)) إن شئتَ حذفتَه اقتصاراً أو اختصاراً أي: اسمعوا
أوامره ونواهيه من الأحكام المتقدمة، وما أفصحَ ما جيء بهاتين الجملتين
الأمريتين، فتباركَ اللَّهُ أصدقُ القائلين.
آ. (١٠٩) قوله تعالى: ﴿يومَ يَجْمَعُ﴾: في نصبِه أحدَ عشرَ وجهاً،
أحدها: أنه منصوبٌ بـ ((اتقوا)) أي: اتقوا اللَّهَ في يومِ جَمْعِه الرسلَ قاله
الحوفي، وهذا ينبغي ألَّ يجوزَ، لأنَّ أمرَهم بالتقوى في يوم القيامة لا يكون،
إذ ليس بيومِ تكليفٍ وابتلاء، ولذلك قال الواحدي: ((ولم يُنْصَب اليوم على
الظرفِ للاتقاء، لأنهم لم يُؤْمَروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول
به كقوله: ((واتَّقُوا يوماً)(١). الثاني: أنه منصوب بـ ((اتقوا)) مضمراً يدل عليه
((واتقوا الله)). قال الزجاج(٢): ((هو محمول على قوله: ((واتقوا الله)) ثم قال:
(يوم يجمع)) أي: واتقوا ذلك اليوم))، فدلَّ ذِكْرُ الاتقاء في الأول على الاتقاء
في هذه الآية، ولا يكون منصوباً على الظرف للاتقاء لأنهم لم يُؤمروا بالاتقاء
في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كقوله تعالى: ((واتقوا يوماً لا تَجْزِي
نفسٌ عن نفس شيئاً)). الثالث: أنه منصوب بإضمار ((اذكروا)). الرابع: بإضمار
((احذروا)). الخامس: أنه بدل اشتمال من الجلالة. قال الزمخشري(٣): ((يوم
[٢٨٩/أ] يجمع)) بدل من المنصوب / في ((واتقوا الله)) وهو من بدل الاشتمال كأنه
قيل: واتقوا الله يوم جَمْعِه)) انتهى، ولا بد من حذفِ مضافٍ على هذا الوجهِ
حتى تُصِحّ له هذه العبارةُ التي ظاهرها ليس بجيدٍ، لأنَّ الاشتمالَ لا يُوصَفُ به
الباري تَعالى على أيِّ مذهبٍ فَسَّرناه من مذاهبِ النحويين في الاشتمالِ ،
والتقديرُ: واتقوا عقابَ الله يومَ يجمعُ رسلَه، فإنَّ العقابَ مشتملٌ على زمانِهِ،
أو زمانُه مشتملُ عليه، أو عاملُهما مشتملَ عليهما على حَسَبِ الخلافِ في
(١) الآية ٤٨ من البقرة.
(٢) معاني القرآن ٢٤٠/٢
(٣) الكشاف ٦٥٢/١.
٤٨٤

- المائدة -
تفسيرِ البدلِ الاشتمالي، فقد تبيَّن لك امتناعُ هذه العباراتِ بالنسبةِ إلى
الجلالةِ الشريفة. واستبعد الشيخ(١) هذا الوجه بطول الفصلِ بجملتين،
ولا بُعْدَ فإنَّ هاتين الجملتين من تمامِ معنى الجملةِ الأولى. السادسُ: أَنَّه
منصوبٌ بـ ((لا يَهْدي)) قاله الزمخشري(٢) وأبو البقاء(٣). قال الزمخشري:
((أي: لا يهديهم طريقَ الجنة يومئذ كما يُفْعَلُ بغيرهم)). وقال أبو البقاء: ((أي:
لا يهديهم في ذلك اليوم إلى حُجَّة أو إلى طريق الجنة)).
السابع: أنه مفعولٌ به وناصبه ((اسمعوا)) ولا بد من حذف مضاف حينئذ
لأنَّ الزمان لا يسمع، فقدَّره أبو البقاء(٤): ((واسمعوا خبر يوم يجمع))، ولم يذكر
أبو البقاء غيرَ هذين الوجهين وبدأ بأولهما. وفي نصبِه بـ((لا يَهْدي)) نظر من
حيث إنه لا يهديهم مطلقاً لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحكوم
عليهم بالفسق، وفي تقدير الزمخشري ((لا يهديهم إلى طريق الجنة)) نُحُوُّ إِلى
مذهبه من أنّ نَفْي الهداية المطلقة لا يجوز على الله تعالى، ولذلك خَصَّص
المُهْدَى إليه ولم يذكر غيره، والذي سَهَّل ذلك عنده أيضاً كونُه في يومٍ
لا تكليفَ فيه، وأما في دار التكليف فلا يُجيز المعتزلي أن يُنْسَبَ إلى الله
تعالى نَفْيُ الهدايةِ مطلقاً البتة. الثامن: أنه منصوبٌ بـ ((اسمعوا)) قاله الحوفي،
وفيه نظرٌ لأنهم ليسوا مكلّفين بالسماعِ في ذلك اليومِ، إذ المرادُ بالسماع
السماعُ التكليفي. التاسع: أنه منصوبٌ بإضمارٍ فعلٍ متأخرٍ أي: يوم يَجْمَعُ
اللَّهُ الرسلَ كان كيتَ وكاتَ، قاله الزمخشري(٥). العاشر: قلت: يجوز أن
تكونَ المسألة من باب الإِعمال، فإنَّ كُلّ من هذه العوامل الثلاثة المتقدمة
(١) البحر ٤٨/٤.
(٢) الكشاف ٦٥٢/١.
(٣) الإملاء ٢٣١/١.
(٤) الإملاء ٢٣١/١.
(٥) الكشاف ٦٥٢/١.
٤٨٥

- المائدة -
يَصِحُّ تسلُّطُه عليه بدليل أنَّ العلماءِ جَوَّزوا فيه ذلك، وتكون المسألةُ مِمَّا تنازع
فيها ثلاثةُ عواملَ وهي ((اتقوا)) و((اسمعوا)) و((لا يَهْدي))، ويكون من إعمال
الأخير لأنه قد حُذِفَ من الأوَّلِين ولا مانع يمنع من الصناعة، وأمَّا المعنى فقد
قَدَّمْتُ أنه لا يظهر نصب ((يوم)) بشيء من الثلاثة لأنَّ المعنى يأباه، وإنما
أجَزْتُ ذلك جرياً على ما قالوه وجَوَّزوه، لا سيما أبو البقاء فإنه لم يذكر غير
كونه منصوباً بـ ((اسمعوا)) أو بـ((لا يهدي))، وكذا الحوفي جَوَّز أن ينتصب
بـ ((اتقوا)) وبـ ((اسمعوا)). الحادي عشر: أنه منصوب بـ ((قالوا: لا علم لنا)»
أي: قال الرسل يوم جمعهم وقول الله لهم ماذا أُجبتم. واختاره الشيخ (١) على
جميع ما تقدم، قال: ((وهو نظيرُ ما قلناه في قوله تعالى: ((وإذقال ربك
للملائكة إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً، قالوا: أَتَجْعَلُ))(٢) وهو وجه حسن.
:
قوله: ((ماذا أُجِبْتُم)) فيه أربعةُ أقوال، أحدُها: أنَّ ((ماذا)) بمنزلةِ اسمٍ
واحدٍ، فَغَلَب فيه جانبُ الاستفهام ومحلُّه النصبُ على المصدرِ بما بعده،
والتقديرُ: أيَّ إجابةٍ أُجِبْتُم. قال الزمخشري(٣): ((ماذا أُجِبْتُم)) منتصِبُ انتصابَ
مصدرهِ على معنى: أيَّ إجابة أُجِبْتُم، ولو أُريد الجوابُ لقيل: بماذا أُجبتم))
أي: لو أُريد الكلامُ المجابُ لقيل: بماذا. ومِنْ مجيء ((ماذا)» كلُّه مصدراً
قوله(٤):
١٨٣٣- ماذا يَغِيرُ ابنَتَُّّ ربعٍ عويلُهما
لا تَرْقُدانٍ ولا بُؤْسَى لِمَنْ رَقَدِا
الثاني: أن ((ما)) استفهاميةٌ / في محل رفع بالابتداء و ((ذا)» خبره، وهي
[٢٨٩/ب]
(١) البحر ٤٨/٤.
(٢) الآية ٣٠ من البقرة.
(٣) الكشاف ٦٥٢/١.
(٤) البيت لعبدمناف بن ربع الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٣٨/٢؛ واللسان: ((لعج).
يغير: ينفع.
٤٨٦

- المائدة -
موصولةٌ بمعنى الذي لاستكمال الشرطين المذكورين، و((أُجِبْتُم)) صلتُها،
والعائدُ محذوفٌ أي: ما الذي أُجِبْتم به، فَحَذَفَ العائدَ، قاله الحوفي. وهذا
لا يجوزُ، لأنه لا يجوزُ حَذْفُ العائدِ المجرورِ إلا إذا جُرِّ الموصولُ بحرف مثلِ
ذلك الحرفِ الجارِّ للعائدِ، وأَنْ يَتَّحِدَ متعلَّقاهما نحو: («مررتُ بالذي مررتَ))
أي به، وهذا الموصولُ غير مجرورٍ، لوقلت: ((رأيت الذي مررتَ)) أي:
مررتَ به لم يجز، اللهم إلا أَنْ يُذَّعى حَذْفُه على التدريج بأن يُحْذَفَ حرفُ الجر
فيصلَ الفعل إلى الضمير فيحذفَ كقوله: ((وخُضْتم كالذي خاضوا))(١) أي في
أحد أوجهه، وقوله: ((فاصْدَعْ بما تُؤْمَرْ))(٢) في أحد وجهيه، وعلى الجملةِ
فهو ضعيف. الثالث: أنَّ ((ما)) مجرورةٌ بحرفِ جَرِّ مقدَّرٍ، لَمَّا حُذِف بقيت في
محل نصب، ذكره أبو البقاء(٣) وضَعَّف الوجه الذي قبله - أي كونَ
ذا موصولةً - فإنه قال: ((ماذا) في موضعِ نصبٍ بـ ((أُجِبْتُم)) وحرفُ الجرِّ
محذوفٌ، و((ما)) و((ذا)) هنا بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، ويَضْعُفُ أَنْ تُجْعَلَ ((ما)) بمعنى
الذي لأنه لا عائدَ هنا، وحذفُ العائدِ مع حرفِ الجَرِّضعيفٌ)). قلت: أمَّا جَعْلُه
حذفَ العائدِ المجرورِ ضعيفاً فصحيحٌ تقدَّم شرحُه والتنبيهُ عليه، وأمَّا حذفُ
حرفِ الجر وانتصابُ مجرورِهِ فهو ضعيفٌ أيضاً، لا يجوزُ إلا في ضرورة
کقوله(٤).
١٨٣٤- فَبِتُّ كأنَّ العائداتِ فَرَشْتَنِي
(١) الآية ٦٩ من التوبة.
(٢) الآية ٩٤ من الحجر.
(٣) الإملاء ٢٣١/١.
(٤) البيت للنابغة، وعجزه:
هَراساً به يُعْلَى فراشي وَيُقْشَبُ
وهو في ديوانه ٧٤. والهراس: الشوك. وصدر البيت في الأصل ((فلو أن العائدات))
وهو مضطرب عروضياً.
٤٨٧

- المائدة -
وقوله(١):
١٨٣٥-
وأُخْفي الذي لولا الْأُسَى لقَضاني
وقوله(٢).
١٨٣٦ - تَمُرُّون الديارَ ولم تَعُوجُوا
وقد تقدَّم تحقيق ذلك واستثناءُ المطّردِ منه، فقد فَرَّ من ضعيفٍ ووقع
في أضعفَ منه. الرابع: قال ابن عطية(٣): ((معناه: ماذا أجابت به الأمم))
فَجَعَلَ ((ماذا)) كنايةً عن المجابِ به لا المصدرِ، وبعد ذلك، فهذا الكلامُ منه
محتملٌ أَنْ يكونَ مثلَ ما تقدَّم حكايتُه عن الحوفي في جَعْلِه ((ما)) مبتدأٌ
استفهاميةً، و((ذا)) خبره على أنها موصولةٌ، وقد تقدَّم التنبيه على ضعفه،
ويُحْتمل أن يكون ((ماذا)» كلُّه بمنزلةِ اسمِ استفهام في محلٌّ رفع بالابتداءُ،
و ((أُجِبْتُم)) خبرُه، والعائدُ محذوفٌ كما قَدَّره هو، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه
لا يُحْذَفُ عائدُ المبتدأِ وهو مجرورٌ إلا في مواضعَ ليس هذا منها، لوقلت:
(زيدٌ مررتُ)) لم يجز، وإذا تبيّن ضعفُ هذه الأوجهِ رُجِّح الأول.
والجمهور على (أُجِبْتم)) مبنياً للمفعول، وفي حذف الفاعل هنا
ما لا يُبْلَغُ كُنْهُه من الفصاحة والبلاغة حيث اقتصر على خطاب رسله غير
مذكورٍ معهم غيرُهم، رفعاً من شأنهم وتشريفاً واختصاصاً. وقرأ (٤) ابن عباس
(١) البيت لعروة بن حزام وليس في ديوانه، وصدره:
تَحنُّ فُتُبْدي ما بها من صَبابةٍ
وهو في اللسان (غرض))؛ والمغني ١٥٢؛ والعيني ٥٥٢/٢؛ والهمع ٢٩/٢؛
والدرر ٢٢/٢.
(٢) تقدم برقم ١٤٨.
(٣) المحرر ٢٢٨/٥.
(٤) البحر ٤ /٤٩.
٤٨٨

- المائدة -
وأبو حيوة ((أَجْتم)) مبنياً للفاعل والمفعول محذوف أي: ماذا أَجَبْتم أممكم
حين كَذَّبوكم وآذَوْكم، وفيه توبيخٌ للأمم، وليست في البلاغةِ کالأولى.
وقوله: ((إنك أنتَ عَلَّمُ الغُيوبِ)) كقوله: ((إنك أنت العليم الحكيم)) في
البقرة(١). والجمهورُ على رفع ((عَلَّمُ الغيوب))، وقرىء(٢) بنصبِه وفيه أوجهٌ
ذَكَرها أبو القاسم (٣) وهي: الاختصاصُ والنداءُ وصفةٌ لاسم ((إِنَّ)) قال:
(وقُرىء بالنصب على أنّ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله ((إنك أنت)) أي: إنك
الموصوف بأوصافِك المعروفة من العلم وغيرِه، ثم انتصَبَ ((عَلَّم الغيوب))
على الاختصاصِ أو على النداء أو هو صفةٌ لاسم ((إنَّ)). قال الشيخ(٤):
(وهو على حَذْفِ الخبر لفهم المعنى، فَتَمَّ الكلامُ بالمقدَّرِ في قوله ((إنَّك أنتَ))
أي: إِنَّك الموصوفُ بأوصافِك المعروفةِ من العلم وغيره)» ثم قال: ((قال
الزمخشري: ثم انتصب فذكره إلى آخره)) فزعم أنَّ الزمخشري قَدَّر لـ((إنك))
خبراً محذوفاً، والزمخشري لا يريد ذلك البتّةً ولا يَرْتضيه، وإنما يريد أنَّ هذا
الضمير بكونِه الله تعالى هو الدالُّ على تلك الصفات المذكورة / لا انفكاكَ لها [٢٩٠/أ]
عنه، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه البلاغةُ والذي غاص [عليه أبو القاسم،
لا ما قدَّره](٥) الشيخُ مُوهِماً أنه أتى به من عنده. ويعني بالاختصاص النصب
على المدح لا الاختصاصَ الذي هو شبيه بالنداء، فإنَّ شرطه أن يكون حشواً،
ولكنَّ الشيخَ قد رَدَّ على أبي القاسم قولَه ((إنه يجوز أن يكون صفةٌ لاسم ((إِنَّ))
بأنَّ اسمها هنا ضمير مخاطب، والضمير لا يوصف مطلقاً عند البصريين،
ولا يوصّف منه عند الكسائي إلا ضميرُ الغائبِ لإِبهامه في قولهم («مررت به
(١) الآية ٣٢.
(٢) قراءة يعقوب كما في الشواذ ٣٦؛ البحر ٤٩/٤.
(٣) الكشاف ٦٥٢/١.
(٤) البحر ٤ /٤٩.
(٥) ما بين معقوفين مخروم في الأصل.
٤٨٩

- المبائدة =
المسكينِ)) مع إمكان تأويله بالبدل وهو ردٌّ واضح، على أنه يمكن أن يقال أرادَ
بالصفةِ البدلَ وهي عبارة سيبويه، يُطْلِقُ الصفةَ ويريد البدل(١) فله أُسْوَةٌ بإمامه
واللازم مشترك، فما كان جواباً عن سيبويه كان جواباً له، ولكن يَبْقَى فيه البدلُ
بالمشتق وهو أسهلُ من الأول. ولم أَرَهُم خرَّجُوها على لغة مَنْ ينصِبُ
الجزأين بـ ((إنَّ)) وأخواتِها كقولِه(٢):
١٨٣٧- إنَّ العجوزَ خَبَّةً جَرُوزاً
[وقوله](٣):
١٨٣٨-
[وقوله] (٤):
إِنَّحُرَّاسَنا أُشْدًا
١٨٣٩- ليتَ الشبابَ هو الرَّجِيعُ على الفتى
[وقوله](٥):
١٨٤٠- كأنَّ أُذْنيه إذا تَشَوَّفا قادِمةً أو قَلَماً مُجْرَّفا
(١) الكتاب ٣٩٥/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وبعده:
تأكلُ في مقعدها قفِيزاً
وهو في النوادر ١٧٢؛ والهمع ١٣٤/١؛ والدرر ١١٢/١. والخبّة: الخَدَّاعة، والجروز:
كثيرة الأكل، والقفيز: مكيال معروف.
(٣) ينسب البيت لعمر بن أبي ربيعة وليس في ديوانه، وتمامه:
إذا التفَّ جُنْحُ الليلِ فلتأتِ ولتكن خُطاك خفافاً
وهو في الأشموني ٢٦٩/١؛ والهمع ١٣٤/١؛ والخزانة ١٤٤/٢؛ والدرر ١١١/١
(٤) لم أهتد إلى قائله، وعجزه:
والشيب كان هو البَدِيءُ الأولُ
وهو في معاني القرآن للفراء ٣٥٢/٢؛ والزاهر ٢٢٤/٢.
(٥) البيت لأبي نخيلة أو محمد بن ذؤيب العماني، وهو في الكامل ٥١٣؛ والخصائص.
٤٣٠/٢؛ والسمط ٨٧٦؛ والدرر ١١٢/١. وتشوَّفَ: نصب أذنيه للاستماع،
والقادمة: إحدى قوادم الطير، والمحرف هنا: هو الذي كان شقه أعلى من الشق الآخر.
٤٩٠

- المائدة -
ولو قيل به لكان صواباً.
و ((عَلَّمُ)) مثالُ مبالغة فهو ناصب لما بعده تقديراً، وبهذا أيضاً يُرَدُّ على
الزمخشري على تقدير تسليم صحة وصف الضمير من حيث إنه نكرة؛ لأن
إضافته غيرُ محضة وموصوفَه معرفةٌ. والجمهور على ضمِّ العين من ((الغيوب))
وهو الأصل، وقرأ(١) حمزة وأبو بكر بكسرها، والخلافُ جارٍ في ألفاظٍ أُخَرَ
نحو: ((البيوت والجيوب والعيون والشيوخ)) وقد تقدَّم تحرير هذا كله في البقرة
عند ذكر ((البيوت))(٢)، وستأتي كلُّ لفظةٍ من هذه الألفاظِ مَعْزُوَّةٌ لقارئِها في
سورها إن شاء الله تعالى. وجُمِع الغيبُ هنا وإنْ كان مصدراً لاختلافٍ
أنواعِه، وإن أريد به الشيء الغائب، أو قلنا إنه مخففٌ من فَيْعِل كما تقدم
تحقيقه في البقرة(٣) فواضح.
آ. (١١٠) قوله تعالى: ﴿إذ قال الله﴾: فيها أوجه، أحدها: أنه بدل
من ((يوم يجمع)) قال الزمخشري(٤): ((والمعنى: أنه يوبخ الكافرين بسؤال
الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أَظْهر على أيديهم من الآيات العِظام فكذَّبهم
بعضُهم وسَمَّوهم سحرةٌ، وتجاوزَ بعضُهم الحَدَّ فجعله وأمه إلهين)). ولمَّا ذَكّر
أبو البقاء(٥) هذا الوجهَ تأوَّلَ فيه ((قال)» بـ ((يقول))، وأنَّ (إذ)) وإنْ كانت للماضي
فإنما وَقَعَتْ هنا على حكاية الحالِ. الثاني: أنه منصوبٌ بـ((اذكر)) مقدراً،
قال أبو البقاء(٦): ((ويجوزُ أن يكونَ التقديرُ: اذكر إذ يقول))، يعني أنه لا بد من
تأويل الماضي بالمستقبلٍ، وهذا كما تقدَّم له في الوجهِ قبله، وكذا
(١) القرطبي ٣٦١/٦؛ وزاد أنها للكسائي؛ والبحر ٤٩/٤.
(٢) الآية ١٨٩.
(٣) الآية ٣.
(٤) الكشاف ٦٥٣/١.
(٥) الإملاء ٢٣١/١.
(٦) الإملاء ٢٣١/١.
٤٩١

- المائدة -
:
ابن عطية(١) تأوَّله بـ ((يقول)) فإنه قال: ((تقديرُه: اذكر یا محمد إذ)). و ((قال)» هنا
بمعنى ((يقول)) لأنَّ ظاهرَ هذا القولِ إنما هو في يوم القيامة تقدمة لقوله:
((أأنت قلت للناس)). الثالث: أنه في محل رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمر، أي:
ذلك إذ قال، ذكره الواحدي وهذا ضعيفٌ، لأن ((إذ)) لا يُتَصَرَّف فيها، وكذلك
القولُ بأنها مفعول بها بإضمار («اذكر)»، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، اللهم إلا أَنْ
يريدَ الواحدي بكونِه خبراً أنه ظرفٌ قائمٌ مقامَ خبرِ نحو: ((زيدٌ عندك)» فيجوز.
قوله: ((يا عيسى بن مريمَ)) تقدَّم الكلام في اشتقاق هذه المفردات
ومعانيها(٢). و((ابن)) صفة لـ ((عيسى)) نُصِب لأنه مضاف، وهذه قاعدةٌ كلية
مفيدة، وذلك أنَّ المنادى المفردَ المعرفةَ الظاهرَ الضمةِ إذا وُصف بـ((ابن))
أو ابنة ووقع الابن أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ ولم يُفْضَل
بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أحكامٌ منها: أنه يجوزُ إتباعُ المنادى
المضمومِ لحركةِ نون (ابن)) فيُفتح نحو: ((يازيد بن عمرو، ويا هندَ ابنة بكر))
بفتح الدال من ((زيد) و((هند)) وضمِّها، فلو كانت الضمةُ مقدرةً نحو ما نحن
فيه، فإنَّ الضمة مقدرةُ على ألف ((عيسى)) فهل يُقَدَّر بناؤه على الفتح إتباعاً
كما في الضمة الظاهرة؟ خلاف: الجمهورُ على عَدَمِ جوازِه، إذ لا فائدة في
! [٢٩٠/ب] ذلك، فإنه إنما كان للإتباع / وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة. وأجاز
الفراء(٣) ذلك إجراءً للمقدر مُجْرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء (٤) فإنه قال:
((يجوز أن يكونَ على الألف من ((عيسى)) فتحةٌ، لأنه قد وُصِف بـ((ابن))
وهو بين عَلَمين، وأن يكونَ عليها ضمةٌ، وهو مثلُ قولِك: ((يا زيد بن عمرو))
بفتح الدال وضمها)). وهذا الذي قالاء غيرُ بعيدٍ، وَشْهَدُ له مسألة عند الجمیعِ :
!
(١) المحرر ٢٣٠/٥.
(٢) انظر: الآية ٨٧ من البقرة.
(٣) معاني القرآن ٣٢٦/١.
(٤) الإملاء ٢٣١/١.
٤٩٢

- المائدة -
وهو ما إذا كان المنادى مبنياً على الكسرِ مثلاً نحو: ((يا هؤلاء)) فإنهم أجازوا في
صفتِه الوجهين: الرفعَ والنصبَ فيقولون: ((يا هؤلاء العقلاءِ والعقلاءُ)) بنصب
العقلاء ورفعها، قالوا: والرفعُ مراعاةً لتلك الضمة المقدرة على ((هؤلاء)) فإنه
مفرد معرفة، والنصب على محله، فقد اعتبروا الضمةَ المقدرةَ في الإِتباع، وإنْ
كان ذلك فائتاً في اللفظ. وقد يُفَرَّقُ بأنَّ ((هؤلاء)) نحن مضطرون فيه إلى
تقديرِ تلك الحركةِ لأنه مفرد معرفةٌ، فكأنها ملفوظٌ بها بخلافٍ تقديرِ الفتحة
هنا.
وقال الواحدي في ((يا عيسى)): ويجوزُ أن يكونَ في محل النصب [لأنه
في نية الإِضافة، ثم جَعَل الابنَ توكيداً له، وكل ما كان](١) مثلَ هذا جاز فيه
الوجهان نحو: ((يا زيد بن عمرو)) وأنشد(٢):
١٨٤١ - يا حَكَمُّ بنُ المنذرِ بن الجارودُ
أنتَ الجوادُ بنُ الجوادِ بنُ الجودْ
سُرادِقُ المجدِ عليك ممدودْ
بنصب الأول ورفعه على ما بَيِّنًا. وقال التبريزي: ((الأظهر عندي أنَّ
موضع ((عيسى)) نصب؛ لأنك [تجعلُ الاسم مع نعتِه إذا أضفته إلى العلم](٣)
كالشيء الواحد المضافِ، وهذا الذي قالاه لا يُشْبِهُ كلامَ النحاةِ أصلاً، بل
يقولون: الفتحةُ للإِتباع ولم يُعْتَدَّ بالساكن(٤) لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ، كذا قال
الشيخ(٥). قلت: قد قال الزمخشري(٦) ـ وكونه ليس من النحاة مكابرةٌ في
(١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من باقي النسخ.
(٢) تقدم برقم ١٢١٧.
(٣) ما بين معقوفين محروم في الأصل أثبتناه من باقي النسخ.
(٤) أي سكون الباء من ((ابن)).
(٥) البحر ٥٠/٤.
(٦) الكشاف ٦٥٣/١ والنص المقتبس الآن يريد أن يدعم به المؤلف كلام الشيخ، والجملة
الاعتراضية التي ساقها توهم مخالفة الزمخشري لقاعدة أبي حيان وليس كذلك.
٤٩٣

- المائدة :-
الضروريات - عند قوله: ((إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم))(١): ((عيسى
في محل النصب على إتباع حركته حركةَ الابن كقولك: ((يا زيدَ بنَ عمرو)) وهي
اللغة الفاشية، ويجوزُ أن يكونَ مضموماً كقولك ((يا زيدُ بنَ عمرو)» والدليل
عليه قوله(٢):
١٨٤٢- أحارٍ بن عمروٍ كأني خَمِرْ
لأنَّ الترخيم لا يكونُ إلا في المضمومِ)) انتهى. فاحتاج إلى الاعتذار عن
تقديرِ الضمة، واستشهد لها بالبيتِ لمخالفتِها اللغةَ الشهيرة.
وقولي (٣): ((المفرد)) تحرُّزٌ من المُطَوَّل. وقولي ((المعرفة)) تحرز من
النكرة نحو: ((يا رجلاً ابن رجل)) إذا لم تَقْصِدْ به واحداً بعينه. وقولي: ((الظاهرَ
الضمةِ)) تحرُّزٌ من نحوٍ: ((يا موسى بن فلان)) وكالآية الكريمة. وقولي بـ ((ابن)»
تحرُّزٌ من الوصف بغيرِه نحو: ((يا زيدُ صاحبَنا)) وقولي: ((بين علمين أو متفقين
لفظً)» تحرُّزٌ من نحو: ((يا زيد بن أخينا)). وقولي: ((غيرَ مفصولٍ)) تحرُّزٌ من
نحو: ((يا زيدُ العاقلُ ابنَ عمرو)» فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضم.
وقولي: ((أحكام)) قد تقدَّمَتْ منها ما ذكرتُه من جوازٍ فتحِه إتباعاً، ومنها: حَذْفُ
ألفِه خطأً، ومنها: حَذْفُ تنوينِه في غيرِ النداء؛ لأنَّ المنادَى لا تنوينَ فيه. وقولي :
((وصفٌ)) تحرُّزٌ من أن يكون الابن خبراً لا صفة نحو: ((زِيدُ ابنُ عمرو)). وهل
يجوزُ إتباعُ ((ابن)) له فُيُضمَّ نحو: ((يا زيد بنُ عمرو)) بضم (ابن)»؟ فيه خلافٌ.
(١) الآية ١١٢ من المائدة:
(٢) البيت لامرىء القيس وبعده:
ويَعْدُو على المرء ما يأتمِرْ
وهو في ديوانه ١٥٤؛ والأشموني ٣٢/١؛ والدرر ١٠٤/٢. و((حار)» ترخيم حارث،
وخمر: مخمور؛ ويعدوٍ: يسطو.
(٣) يشرح ضابط القاعدة التي قررها في صدر إعرابه للآية.
٤٩٤

- المائدة -
وفي قوله: ((ابنَ مريم)» ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه صفةٌ كما تقدم،
والثاني: أنه بدلٌ، والثالث: أنه بيانٌ، وعلى الوجهين الأخيرين لا يجوزُ تقديرُ
الفتحةِ إِتباعاً إجماعاً، لأنَّ الابنَ لم يَقَعْ صفةً، وقد تقدم أنَّ ذلك شرطٌ.
قوله: ((إذ أَيَّدْتُكَ)) في ((إذ)) أوجهُ، أحدُها: أنه منصوبٌ بـ ((نعمتي)) كأنه
قيل: اذكُر إذ أنعمتُ عليك وعلى أمِّك في وقت تأييدي لك. والثاني: أنه
بدلٌ من («نعمتي)) بدلُ اشتمال، وكأنه في المعنى تفسيرٌ للنعمة. والثالث: أنه
حالٌ من ((نعمتي)) قاله أبو البقاء(١). والرابع: أن يكون مفعولاً به على السَّعَة
قاله أبو البقاء (٢) أيضاً. قلت: هذا هو الوجهُ الثاني - أعني البدليةَ -. وقرأ
الجمهور ((أيَّدتك)) بتشديد الياء، وغيرهم ((آيَدْتُك)) وقد تقدَّم الكلام على ذلك
وعلى مَنْ قرأ بها وما قاله الزمخشري وابن عطية والشيخ في سورة البقرة(٣)
فليُنْظر ثَمَّ .
قوله: (تُكَلِّم الناس في المهد)) إلى آخرها: تقدَّم أيضاً في
آل عمران(٤)، وما فائدةُ قوله: «في المهد وكَهْلاً)»، إلا أنَّ هنا بعضَ زياداتٍ
لا بدَّ من التعرض لها. قرأ(٥) ابن عباس: ((فتنفخُها)» بحذف حرف الجر
اتساعاً. والجمهور: ((فتكونُ)) بالتاء منقوطةً فوق، وأبو جعفر (٦) منقوطةً
تحتُ، أي: فيكونُ المنفوخ فيه. والضمير في ((فيها)) قال ابن عطية(٧):
(١) الإملاء ٢٣١/١.
(٢) الإملاء ٢٣١/١.
(٣) الآية ٨٧؛ والآية ٢٥٣.
(٤) الآية ٤٦.
(٥) البحر ٥١/٤.
(٦) البحر ٥١/٤ ونسبها إلى عيسى بن عمر.
(٧) المحرر ٢٣١/٥.
٤٩٥

- المائدة ــ
((اضطربت فيه أقوال المفسرين)) قال مكي(١): ((هو في آل عمران(٢) عائدٌ على
الطائر، وفي المائدة عائدٌ على الهيئة)). قال: ((وَيَصِحُّ عكس
هذا). وقال غير مكي: ((الضمير المذكور عائد على الطين)).
قال ابن عطية (٣): ((ولا يَصِحُّ عودُ هذا الضمير على الطير ولا على الطين
ولا على الهيئة، لأنّ الطير أو الطائر الذي يَجِيء الطين على هيئته لا يُنْفَخُ فيه
البتةَ، وكذلك لا نفخَ في هيئته الخاصة به، وكذلك الطينُ إنما هو الطينُ العام
ولا نفخَ في ذلك)). وقال الزمخشري(٤): ((ولا يَرْجِعُ الضميرُ إلى الهيئةِ
المضافِ إليها لأنها ليسَت مِنْ خَلْقِهِ ولا مِنْ نفخِه في شيءٍ، وكذلك الضميرُ
في ((فتكون)). ثم قال ابن عطية(٥): ((والوجهُ عودُ ضميرٍ المؤنث على
ما تقتضيه الآيةُ ضرورةٌ أي: صوراً أو أشكالاً أو أجساماً، وعودُ الضميرِ المذكُّر
على المخلوقِ المدلولِ عليه بـ ((تخلقُ)). ثم قال: ((ولك أن تعيدَه على
ما تَدُلُّ عليه الكاف من معنى المثل لأنَّ المعنى: وإذْ تَخْلُق من الطينِ مثلَ
هيئتِه، ولك أن تعيدَه على الكاف نفسِها فتكونَ اسماً في غيرِ الشعر)) انتهى:
وهذا القولُ هوعينُ ما قبله، فإنَّ الكافَ أيضاً بمعنى مِثْل، وكونُها اسماً في
غير الشعرِ لم يَقُلْ به غيرُ الأخفش(٦).
واستشكل الناسُ / قولَ مكي المتقدم كما قَدَّمْتُ حكايتّه عن ابن عطية،
ويمكنُ أَنْ يُجابَ عنه بأنَّ قولَه ((عائدٌ على الطائر)) لا يريدُ به الطائر الذي
أُضيفت إليه الهيئةُ بل الطائرُ المُصَوَّرُ، والتقدير: وإذ تخلق من الطين طائراً
[١/٢٩١]
(١) عبارة مكي في ((المشكل)) في إعرابه لآيتي آل عمران والمائدة ليس فيها هذا التحديد، وإنما
أجاز عودها على الهيئة أو الطير. المشكل ٢٥٣/١؛ ١٤٢/١.
(٢) الآية ٤٩.
(٣) المحرر ٢٣١/٥.
(٤) الكشاف ٦٥٣/١.
(٥) المحرر ٢٣٢/٥.
(٦) انظر المسألة في: المغني ٢٣٩ .
٤٩٦

- المائدة -
صورةَ الطائرِ الحقيقي فتنفخُ فيه فيكونُ طائراً حقيقياً، وأنَّ قولَه ((عائدٌ على
الهيئة)) لا يريدُ الهيئةَ المجرورةَ بالكاف، بل الموصوفةَ بالكاف، والتقدير:
وإذ تخلُق من الطينِ هيئةً مثلَ هيئة الطائر فتنفخُ فيها أي: في الموصوفة
بالكافِ التي نُسِب خَلْقُها إلى عيسى. وأمَّا كونُه كيف يعودُ ضميرٌ مذكر على هيئةٍ
وضميرٌ مؤنثٌ على الطائرِ لأنَّ قوله: ((ويجوز عكسُ هذا)) يؤدي إلى ذلك؟
فجوابُه أنه جازّ بالتأويل، لأنه تُؤَوَّلُ الهيئةُ بالشكل ويُؤَوَّل الطائرُ بالهيئةِ
فاستقام، وهو موضعُ تأولٍ وتأنٍ. وقال هنا ((بإذني)) أربعَ مراتٍ عَقِيب أُربع
جمل، وفي آل عمران (بإذن الله)) مرتين؛ لأنَّ هناك موضعَ إخبارٍ فناسَبَ الإِيجازَ،
وهنا مقامُ تذكيرِ بالنعمةِ والامتنانِ فناسبَ الإِسهابَ؛ وقوله ((بإذني)) حالٌ: إمَّا من
الفاعلِ أو من المفعول.
قوله: ((إلا سحر)) قرأ(١) الأخَوان هنا وفي هود(٢) وفي الصف(٣)
(إلا ساحر)) اسم فاعل، والباقون: ((إلا سحرٌ)) مصدراً في الجميع، والرسمُ
يحتمل القراءتين، فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فتحتمل أن تكون الإِشارةُ إلى ما جاءَ به
من البينات أي: ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارقِ إلا سحرٌ، ويُحْتمل
أن تكونَ الإِشارةُ إلى عيسى، جَعَلُوه نفسَ السحر مبالغةً نحو: «رجلٌ عدلٌ))،
أو على حَذْفِ مضافٍ أي: إلا ذوسحر. وخَصَّ مكي (٤) هذا الوجهَ بكون
المرادِ بالمشار إليه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: ((ويجوزُ أن تكونَ إشارةً
إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على تقديرٍ حَذْفِ مضافٍ أي: إنْ هذا
إلا ذو سحر)). قلت: وهذا جائزٌ، والمرادُ بالمشار إليه عيسى عليه السلام،
وكيف يكونُ المرادُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو لم يكن في زمنٍ عيسى
(١) السبعة ٢٤٩؛ الكشف ١ /٤٢١.
(٢) الآية ٧.
(٣) الآية ٦ .
(٤) المشكل ٢٥٣/١.
٤٩٧

- المائـدة -
والحواربين حتى يشيروا إليه إلا بتأويلٍ بعيد؟. وأمَّا قراءةُ الأخوين فتحتمل أن
يكون ((ساحر)» اسم فاعل والمشارُ إليه ((عيسى))، ويُحتمل أن يكونَ المرادُ به
المصدرَ كقولهم: عائذاً بك وعائذاً بالله مِنْ شَرِّها، والمشارُ إليه ما جاء به
عيسى من البِّنات والإِنجيل، ذَكَر ذلك مكي(١)، وتَّبِعه أبو البقاء(٢)، إلا أنّ
الواحدي مَنَعَ مِنْ ذلك فقال - بعد أَنْ حَكَى القراءتين - ((وكلاهما حَسَنٌ
الاستواءِ كلِّ واحدٍ منهما في أنَّ ذِكْرَه قد تقدَّم، غير أَنَّ الاختيار ((سحر)» لجوازٍ
وقوعِه على الحَدَثِ والشخص، أمَّا وقُوعه على الحدث فسهلٌ كثير، ووقُوعِه
على الشخصِ يريدُ ذوسحر كقوله: ((ولكنَّ البِرَّ مَنْ آمن))(٣) وقالوا: ((إنما
أنت سيرٌ)) و((ما أنت إلا سيرٌ)) و(٤):
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
١٨٤٣-
قلت: وهذا يرجِّحُ ما قَدَّمْتُه من أنه أَطْلق المصدر على الشخص مبالغةً
نحو: ((رجل عدل)) ثم قال: ((ولا يجوزُ أَنْ يُراد بساحر السحر، وقد جاء فاعِل
يراد به المصدرُ في حروفٍ ليست بالكثير نحو: ((عائذاً بالله من شره)» أي:
عياذاً، ونحو ((العافية)) ولم تَصِرْ هذه الحروفُ من الكثرة بحيث يسوغُ القياس
عليها)).
آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿أَن آمِنوا﴾: في ((أَنْ)) وجهان، أظهرهما:
أنها تفسيرية لأنها وردت بعدما هو بمعنى القول لا حروفِه. والثاني: أنها
(١) المشكل ٢٥٣/١.
(٢) الإِملاء ٢٣٢/١.
(٣) الآية ١٧٧ من البقرة.
(٤) البيت للخنساء وهو في ديوانها ٤٨ وصدره:
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حتى إذا اذَّكَرَتْ
والمقتضب ٢٣٠/٣؛ والخصائص ٢٠٣/٢؛ والمحتسب ٤٣/٢؛ وأمالي الشجري
٧١/١؛ وابن يعيش ١٤٤/١؛ والخزانة ٢٠٧/١.
٤٩٨
٠٠

- المائدة -
مصدرية بتأويلٍ متكلف أي: أَوْجَبْتُ إليهم الأمر بالإِيمان، وهنا قالوا ((آمنًّا))
ولم يُذْكر المُؤْمَنْ به، وهناك ((آمنًّا بالله))(١) فذكره، والفرق أنَّ هناك تقدَّم ذِكْرُ
الله تعالى فقط فأُعيدَ المؤمَّنُ به فقيل: ((بالله)) وهنا ذُكِر شيئان قبل ذلك وهما:
(أَنْ آمنوا بي وبرسولي)) فلم يُذْكَر ليشمل المذكورين، وفيه نظرٌ. وهنا ((بأنَّنا»
وهناك ((بأنَّ)) بالحذف، وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ هذا هو الأصل، وإنما جيء هنا
بالأصل لأنَّ المُؤْمَنَ به متعدِّدُ فناسَبَه التأكيد.
قوله: ((هل يستطيع)) قرأ الجمهورُ ((يَسْتَطِيع)) بياء الغيبة ((ربك)) مرفوعاً
بالفاعلية، والكسائي(٢): ((تَسْتطيع)) بتاء الخطاب لعيسى، و((ربَّك)) بالنصب
على التعظيم، وقاعدتُه أنه يُدْغِم لام ((هل)) في أحرف منها هذا المكان،
وبقراءة الكسائي قرأت عائشة، وكانت تقول: ((الحواريُّونَ أعرفُ بالله من أن
يقولوا: هل يستطيع ربك)) كأنها - رضي الله عنها - نَزَّمَتْهم عن هذه المقالةِ
الشنيعة أَنْ تُنْسَبَ إليهم، وبها قرأ معاذ أيضاً وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير
في آخرين، وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة: هل تحتاجُ إلى حَذْفٍ
مضاف أم لا؟ فجمهور المُعْربين / يقدِّرون: هل تستطيعُ سؤالَ ربك، وقال [٢٩١ /ب]
الفارسي (٣): (وقد يمكن أَنْ يُسْتغنى عن تقدير ((سؤالَ)) على أن يكون
المعنى: هل تستطيع أن يُنَزِّل ربُّك بدعائك، فيُرَدُّ المعنى - ولا بد - إلى مقدَّر
يدل عليه ما ذُكِر من اللفظ)). قال الشيخ (٤): ((وما قاله غيرُ ظاهرٍ لأنَّ فعلَه تعالى
وإنْ كان مسبباً عن الدعاءِ فهو غيرُ مقدورٍ لعيسى)). واختار أبو عبيد هذه القراءةَ
قال: ((لأنَّ القراءةَ الأخرى تُشْبه أن يكونَ الحواريُّون شاكِّين، وهذه لا تُوهِمُ
ذلك)). قلت: وهذا بناء من الناسِ على أنهم كانوا مؤمنين، وهذا هو الحقُّ.
(١) آل عمران ٥٢: ((قال الحواريون نحن أنصارُ اللّهِ آمنًّا بالله)).
(٢) السبعة ٢٤٩؛ الكشف ٤٢٢/١؛ البحر ٥٤/٤.
(٣) لم أجد هذا القول للفارسي في مخطوطة ((الحجة)) التي عدت إليها.
(٤) البحر ٥٤/٤.
٤٩٩

- المائدة -
قال ابن الأنباري: ((لا يجوزُ لأحد أن يَتَوَهَّم على الحواريين أنهم شَكُوا
في قدرة الله تعالى)) وبهذا يَظْهَرُ أنَّ قول الزمخشري(١) أنهم ليسوا مؤمنين ليس
بجيدٍ وكأنه خارقٌ للإِجماع. قال ابن عطية (٢): ((ولا خلاف أحفظُه أنهم كانوا
مؤمنين)). وأمَّا القراءةُ الأولى فلا تَدُلُّ له لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبةٍ
منها: أنَّ معناه: هل يَسْهُل عليك أن تسأل ربَّك، كقولك لآخر؛ هل تستطيع
أن تقومَ؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك. ومنها: أنهم سألوه سؤالٌ مستخيرٍ: هل
يُنَزِّل أم لا، فإن كان يُنَزِّلُ فاسأله لنا. ومنها: أنَّ المعنى هل يفعلُ ذلك وهل
يقع منه إجابةٌ لذلك؟ ومنه ما قيل لعبد الله بن زيد: هل تستطيعُ أَن تُرَيَنِي كَيف
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ أي: هل تُحِبُّ ذلك؟ وقيل:
المعنى: هل يطلب ربُّك الطاعةً من نزول المائدة؟ قال أبو شامة: (مثلُ ذلك
في الإِشكال ما رواه الهيثم - وإن كان ضعيفاً - عن ثابت عن أنس أنّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم عادَ أبا طالب في مرض فقال: يابنَ أخي ادعُ ربَّك
الذي تعبده فيعافيني. فقال: اللهم اشفِ عمي، فقام أبو طالب كأنما نَشِط من
عِقال(٣). فقال: يابنَ أخي إنّ ربك الذي تعبدُ لَيطيعُك. قال: وأنتُ يا عَمَّاه
لو أَطَعْتَه، أو: لئن أطعتَ اللّهَ ليطيعَنَّك أي: لَيجِبَّك إلى مقصودك. قلت:
والذي حَسَّن ذلك المقابلةُ منه صلى الله عليه وسلم للفظِ عَمِّه كقوله:
((ومَكَرُوا ومكرَ اللّهُ)) (٤) وقيل: التقدير: هل يُطيع؟ فالسينُ زائدة كقولهم:
استجاب وأجاب، قال(٥):
١٨٤٤- وداع دعا يا مَنْ يُجيب إلى النَّدى
فلم يَسْتِجَبْه عند ذاك مُجيبُ
(١) الكشاف ٦٥٤/١.
(٢) المحرر ٢٣٥/٥.
(٣) العقال في الأصل: هو الحبل الذي يشد به البعير.
(٤) الآية ٥٤ من آل عمران.
(٥) تقدم برقم ٢١٥.
٥٠٠