Indexed OCR Text

Pages 381-400

- المائدة -
منقطع ويقدِّره بـ((لكن الحقَّ فاتبعوه)). قلت: والمستثنى منه يَعْسُر تعيينُه،
والذي يظهر فيه أنه قوله: ((في دينكم)) كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينكم إلا الدين
الحق فإنه يجوز لكم الغلوُّ فيه، ومعنى الغلو فيه ما تقدم من تقرير الزمخشري
له .
وذكر الواحدي فيه الحالَ والاستثناء فقال: ((وانتصابُ ((غيرَ الحق)) من
وجهين، أحدُهما: الحالُ والقطعُ من الدين كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينكم
مخالفين للحقِّ، لأنهم خالفوا الحقَّ في دينهم ثم غَلَوا فيه بالإِصرارِ عليه.
والثاني: أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، فيكون ((الحق)» مستثنّى من المَنْهِيِّ
عن الغلوِّ فيه بأَنْ يجوزَ الغلوُّ فيما هو حق على معنى اتباعِه والثباتِ عليه.
وهذا نصِّ فيما ذكرْتُ لك من أنَّ المستثنى هو («دينكم)).
وتقدَّم معنى الغلوِّ في سورة النساء(١)، وظاهرُ هذه الأعاريب المتقدمةِ أنَّ
((تَغْلُوا)) فعلٌ لازم، وكذا نصَّ عليه أبو البقاء(٢)، إلا أن أهلَ اللغةِ يفسِّرونه
بمعنى متعدٍّ، فإنهم قالوا: معناه لا تتجاوزوا الحد. قال الراغب(٣): ((الغلوُ
تجاوزُ الحَدِّ، يقال ذلك إذا كان في السعر ((غلاءً))، وإذا كان في القَدْر والمنزلة
((غُلُوًّا))، وفي السهم ((غَلْوا))، وأفعالها جميعاً غلا يغلو، فعلى هذا يجوز أن ينتصب
((غير الحق)) مفعولاً به أي: لا تتجاوزوا في دينكم غير الحق، فإنْ فَسَّرنا
((تغلوا)) بمعنى تتباعدوا من قولهم: ((غلا السهمُ)) أي: تباعدَ كانَ قاصراً،
فيحتمل أن يكونَ مَنْ قال بأنه لازم أخذه من هذا لا من الأول.
قوله: ((كثيراً)) في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه / مفعولٌ به، وعلى هذا [٢٦٩/ب]
أكثرُ المتأوِّلين، فإنهم يفسِّرونه بمعنى: وأضَلُّوا كثيراً منهم أو من المنافقين.
(١) الآية ١٧١.
(٢) الإملاء ٢٢٣/١.
(٣) المفردات ٣٧٧.
٣٨١

- المائدة ـ
والثاني: أنه منصوبٌ على المصدرية أي: نعت لمصدر محذوف أي: إضلالاً
كثيراً، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٍ أي: أضَلُّوا غيرهم إضلالاً كثيراً.
آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿مِنْ بني إسرائيل﴾: في محلِّ نصبٍ على
الحال، وصاحبُها: إِمَّا (الذين)) ((وإمَّ)) واو ((كفروا)) وهما بمعنىَّ واحدٍ. وقوله:
((على لسان داود وعيسى)) المرادُ باللسانِ الجارحةُ لا اللغةُ، كذا قال
الشيخ(١)، يعني أنَّ الناطقَ بِلَعْنِ هؤلاء لسانُ هذين النبين، وجاء قولُه (على
لسان)» بالإِفرادِ دون التثنيةِ والجمعِ فلم يَقُلْ: ((على لسانَيْ)) ولا ((على ألسنةٍ))
القاعدةٍ كليةٍ، وهي: أن كلٍّ جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أُضيفا إلى كليهما
من غيرِ تفريقٍ جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ، لفظُ الجمعِ - وهو المختارُ - ويليه التثنيةُ
عند بعضِهم، وعند بعضِهم الإِفرادُ مقدمٌ على التثنيةِ، فيقال: ((قَطَعْتُ رؤوسٌ
الكبشين))، وإنْ شئت: رأسَي الكبشين، وإن شئت: رأسَ الكبشين، ومنه:
((فقد صَغَتْ قلوبُكما))(٢)، فقولي ((جزأين)) تحرُّزٌ من شيئين ليسا بجزأين
نحو: ((درهميكما)) وقد جاء: ((من بيوتكما وعمائمكما وأسيافكما)) لِأُمْنِ
اللَّبْسِ، وبقولي: ((مفردين)) من نحو: ((العينين واليدين)) فأمَّا قولُه تعالى:
((فاقطعوا أيديهما)(٣) فِفُهِم بالإجماع (٤)، وبقولي: ((من غيرِ تفريق)» تحرُّزٌ مِن
نحو: قَطَعْتُ رأس الكبشين: السمينِ والكبشِ الهزيل))، ومنه هذه الآية
فلا يجوزُ إلا الإِفرادُ. وقال بعضهم: ((هو مختارٌ)) أي: فيجوز غيره. وقد مضى
تحقيقُ هذه القاعدةِ في سورة المائدة(٥) بكلامٍ طويلٍ فعليك بالالتفاتِ إليه .
وفي النفسِ من كونِ المرادِ باللسان الجارحةَ شيءٌ، ويؤيد ذلك ما قاله
(١) البحر ٥٤٠/٣.
(٢) الآية ٤ من التحريم
(٣) الآية ٣٨ من المائدة.
(٤) أي فهم الید الیمنی.
(٥) الآية ٣٨.
٣٨٢

- المائدة -
الزمخشري(١) فإنه قال: ((نَزَّل اللّهُ لَعْنَهم في الزبور على لسانِ داود، وفي
الإِنجيل على لسانٍ عيسى)» وقوةُ هذا تَأْبى كونَه الجارحةَ، ثم إني رأيتُ
الواحدي ذكر عن المفسرين قولين، ورجّح ما قلته قال - رحمه الله -: ((وقال
ابن عباس: يريد في الزبور وفي الإِنجيل، ومعنى هذا أنَّ اللّهَ تعالى لَعَنَ في
الزبور مَنْ يكفر من بني إسرائيل وكذلك في الإنجيل، وقيل: على لسان داود
وعيسى؛ لأنَّ الزبورَ لسانُ داود والإِنجيلَ لسانُ عيسى)) فهذا نصٌّ في أن المراد
باللسانِ غيرُ الجارحة، ثم قال: ((وقال الزجاج(٢): ((وجائزٌ أن يكون داود
وعيسى عَلِما أنَّ محمداً نبيٌّ مبعوثٌ، وأنهما لَعَنا مَنْ يكفر به)) والقول
هو الأول، فتجويزُ الزجاجِ لذلك ظاهرٌ أنه يُراد باللسانِ الجارحةُ ولكن ليس
قولاً للمفسرين. و((على لسانٍ)) متعلَّقٌ بـ((لعن)) قال أبو البقاء(٣): ((كما يُقال:
جاء زيدٌ على فرس». وفيه نظرٌ إذ الظاهر أنه حالٌ. وقولُه: ((ذلك بما عَصَوْا)) قد
تقدَّم نظيره(٤). قوله: ((وكانوا يَعْتَدُون)) في هذه الجملةِ الناقصةِ وجهان،
أظهرهما: أن تكونَ عطفاً على صلةِ ((ما)) وهو ((عَصَوْا)) أي: ذلك بسبب
عصيانِهم وكونهم معتدين. والثاني: أنها استئنافيةٌ أي: أخبر الله تعالى عنهم
بذلك. قال الشيخ(٥): ((ويُقَوِّي هذا ما جاءَ بعده كالشرحِ له، وهو قولُه:
«کانوا لا يتناهون».
آ. (٧٩) وقوله تعالى: ﴿عن منكر فَعَلُوه﴾: متعلَّقٌ بـ ((يَتْنَاهُوْن)»
و ((فعلوه)) صفةٌ لـ ((منكر)). قال الزمخشري(٦): ((ما معنى وصفِ المنكرِ
(١) الكشاف ١ /٦٣٦.
(٢) معاني القرآن ٢١٨/٢.
(٣) الإملاء ٢٢٣/١.
(٤) الآية ٦١ من البقرة.
(٥) البحر ٥٤٠/٣.
(٦) الكشاف ٣٦٧/١.
٣٨٣

- المائدة ــ
بفعلوه، ولا يكونُ النهيُّ بعد الفعلِ؟ قلت: معناه لا يتناهَوْن عن معاودةِ منكرٍ
فَعَلُوه، أو عن مِثْلِ منكرٍ فَعَلوه، أو عن منكرٍ أرادُوا فِعْلَه، كما ترى أماراتٍ
الخوضِ في الفسقِ وآلاتِه تُسَوَّى وتُهَيَّأُ، ويجوز أن يُرادَ: لا ينتهون
ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يُصِرُّون عليه ويُداومون، يقال: تناهى عن
الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه».
آ. (٨٠) وقوله تعالى: ﴿لَبِثْسما﴾: و((بئسما قَدَّمَتْ)) قد تقدَّم إعرابُ
نظيرِ ذلك(١). فلا حاجةَ إلى إعادته، وهنا زيادةٌ أخرى لخصوص التركيب
وستعرِفُها. قوله: ((أَنْ سَخِطَ اللّهُ عليهم)) في محلِّه أوجهٌ، أحدها: أنه مرفوعٌ
على البدلِ من المخصوصِ بالذم، والمخصوصُ قد حُذِفَ وأُقيمتِ صِفْتُه
مُقامه فإنك تُعْرِبُ ((ما) اسماً تاماً معرفةً في محلِّ رفعٍ بالفاعلية بفعلِ الذِمُ
والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، و((قَدَّمَتْ لهم أنفُسُهم)) جملة في محلٌّ رفعٍ
صفةً له، والتقديرُ: لبئس الشيءُ شيءٌ قَدَّمَتْهُ لهم أنفُسُهم، فـ ((أَنْ سَخِط اللّهُ
عليهم)) بدلٌ من ((شيء)) المحذوفِ، وهذا هو مذهبُ سيبويه(٢) كما تقدَّم
تقريرُه. الثاني: أنه هو المخصوصُ بالذمِّ فيكونُ فيه ثلاثةُ الأوجهِ المشهورةِ،
أحدُها: أنه مبتدأٌ والجملةُ قبلَه خبرُه، والرابطُ على هذا العمومُ عند مَنْ يَجْعَلُ
ذلك، أو لا يَحْتاج إلى رابط لأن الجملةُ عينُ المبتدأ. الثاني: أنه خبرُ مبتدٍ.
محذوفٍ لأنك لَمَّا قلتَ: ((بِئْسَ الرجل)) قيل لك: مَنْ هو؟ فقلت: فلان،
أي: هو فلان. الثالث: أنه مبتدأُ خبرُه محذوفٌ، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وإلى
كونه مخصوصاً بالذمِّ ذهب جماعةٌ كالزمخشري (٣)، ولم يذكر غيرَه، قال: ((أَنْ
سَخِطَ اللَّهُ عليهم)) هو المخصوص بالذمُّ كأنه قيل: لِئْس زادُهم إلى الآخرة
سُخْطُ اللّهِ عليهم، والمعنى: موجِبُ سُخْطِ الله)). قلت: وفي تقديرٍ هذا
أ.
:
(١) الآية ٩٠ من البقرة.
(٢) الكتاب ٤٧٦/١.
(٣) الكشاف ٦٣٧/١.
٣٨٤

- المائدة -
المضاف من المحاسنِ ما لا يَخْفى على متأمِّله، فإنَّ نفسَ السخطِ المضافَ
إلى الباري تعالى لا يُقال هو المخصوص بالذم، إنما المخصوصُ بالذم
أسبابُه، وذهبَ إليه أيضاً الواحدي ومكي(١) وأبو البقاء(٢)، إلّ أنَّ الشيخ(٣) بعد
أَنْ حكى هذا الوجهَ عن أبي القاسم الزمخشري قال: ((ولم يَصِحَّ هذا
الإِعرابُ إلا على مذهبِ الفراء والفارسي / في جَعْلِ ((ما)) موصولةً، أو على [٢٧٠/أ]
مذهبِ مَنْ يجعلُ ((ما) تمييزاً، و((قَدَّمَتْ لهم)) صفتها، وأمَّا على مذهبٍ
سیبویہ فلا یتأثّی ذلك ثم ذكر مذهب سيبويه.
والوجه الثالث من أوجهِ ((أَنْ سَخِطَ)): أنه في محل رفع على البدلِ من
(ما))، وإلى ذلك ذهب مكي (٤) وابنُ عطية(٥)، إلا أن مكِّيّاً حكاه عن غيره،
قال: ((وقيل: في موضعِ رفعٍ على البدلِ من ((ما)) في ((لبئس)) على أنها
معرفةٌ)). قال الشيخ(٦) - بعد ما حكى هذا الوجه عن ابن عطية -: ((ولا يَصِحُ
هذا سواءً كانت ((ما)) تامةً أو موصولةٌ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدلِ منه، و((أَنْ
سَخِطَ)) لا يجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً لـ ((بِئْسَ)) لأنَّ فاعل ((بِئْس)) لا يكونُ أَنْ والفعل)»
وهو إیرادٌ واضحٌ كما قاله.
الوجه الرابع: أنه في محلّ نصبٍ على البدلِ من ((ما)) إذا قيل بأنها
تمييزٌ، ذَكَر ذلك مكي (٧) وأبو البقاء(٨)، وهذا لا يجوزُ البتة؛ وذلك لأنَّ شرطَ
(١) المشكل ٢٤٢/١.
(٢) الإملاء ٢٢٣/١.
(٣) البحر ٥٤١/٣.
(٤) المشكل ٢٤٢/١.
(٥) المحرر ١٦٧/٥.
(٦) البحر ٥٤١/٣.
(٧) المشكل ٢٤٢/١.
(٨) الإملاء ٢٢٣/١.
٣٨٥

- المائدة -
التمييز عند البصريين أن يكونَ نكرةً، و ((أَنْ)) وما في حيِّزها عندهم من قبيلٍ
أعرفِ المعارفِ لأنَّها تُشْبِهُ المُضْمَرَ، وقد تقدم تقريرُ ذلك فكيف يَقعُ تمييزاً
لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلّ المبدل منه؟ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك لأنّهم
لا يُجيزون التمييزَ بكلِّ معرفةٍ خصوصاً أَنْ والفعل. الخامسُ: أنه في محلٌّ
نصبٍ على البدلِ من الضميرِ المنصوبِ بـ ((قَدَّمَتْ)) العائدِ على ((ما))
الموصولةِ أو الموصوفة على حَسَبِ ما تقدَّم، والتقديرُ: قَدَّمَتْه سُخْطَ الله،
كقولك: ((الذي رأيت زيداً أخوك)) وفي هذا بحثٌ في موضعِه. السادس: أنه
في موضع نصب على إسقاطِ الخافضِ ، إذ التقديرُ: لأِنْ سَخِط، وهذا جارٍ
على مذهب سيبويه(١): والفراء(٢) لأنهما يَزْعُمان أنَّ محلَّ ((أَنْ)) بعد حَذْفٍ
الخافض في محلّ نصب. السابع: أنه في محلُّ جرٍ بذلكِ الخافضِ المقدَّرِ،
وهذا جارٍ على مذهبٍ الخليلِ والكسائي لأنهما يَزْعُمان أنَّها في محل جر،
وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مِرةٍ، وعلى هذا فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي:
◌َبْسما قَدَّمَتْ لهم أنفسُهم عملُهم أو صُنْعُهم، ولامُ العلةِ المقدرةُ معلّقَةٌ
إمَّا بجملةِ الذمِّ أي: سببُ ذَمِّهم سخطُ اللّهِ عليهم أو بمحذوفٍ بعده، أي:
لِأَنْ سَخِطَ اللّهُ عليهم كان كيت وكيتَ.
:
أ. (٨١) وقوله تعالى: ﴿ولو كانوا﴾: الظاهرُ أنَّ اسم ((كان)» وفاعل
:
(تخذوهم)) عائدٌ على ((كثيراً) من قوله: ((تَرَى كثيراً منهم))، والضميرُ
المنصوب في ((اتَّخذوهم)) يعودُ على ((الذين كفروا)) في قوله: ((يَتْوَلَّوْن الذين
كفروا))، وأجاز القفال أن يكونَ اسمُ ((كان)» يعودُ على ((الذين كفروا)» وكذلك
الضميرُ المنصوبُ في ((اتَّخذوهم))، والضميرُ المرفوعُ في ((اتخذوهم)» يعودُ
على اليهودِ، والمرادُ بالنبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والتقدير: ولو كان
(١) الكتاب ١٧/١.
(٢) معاني القرآن ١٤٨/١، ٢٣٨/٢.
٣٨٦
-- -

- المائدة -
الكافرون المُتَوَّلُّون مؤمنين بمحمد والقرآن ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياءً،
والأولُ أَوْلِى لأن الحديثَ عن كثيرٍ لا عن المتولّيْن، وجاء جواب ((لو)» هنا على
الأفصح وهو عدمُ دخولِ اللام عليه لكونه منفياً، ومثله قول الآخر(١):
١٧٨٩ - لو أنَّ بالعلمِ تُعْطَى ما تعيشُ به
لَمَا ظَفِرْت من الدنيا بُفْرُوْقٍ
و («ترى)) يجوز أَنْ تكونَ مِنْ رؤية البصر، ويكونُ الكثيرُ المعاصرين
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكونَ العِلْمية، والكثيرُ على هذا
أَسْلافُهم، فمعنى ((تَرى)) تَعْلَمُ أخبارَهم وقصصهم بإخبارِنا إياك، فعلى الأول
يكون قولُه ((يَتَوَّلُّون)» في محلِّ نصب على الحال، وعلى الثاني يكون في محلٌ
نصبٍ على المفعول الثاني. وقولُه: ((ولكنَّ كثيراً منهم)) هذا الاستدراك واضحٌ
بما تقدَّم. وقولُه: ((كثيراً) هو من إقامةِ الظاهر مُقَامَ المضمرِ لأنه عبارةٌ عن
(كثيراً منهم)) المتقدِّمِ، فكأنه قيل: ترى كثيراً منهم ولكنَّ ذلك الكثيرَ،
ولا يريدُ: ولكنَّ كثيراً من ذلك الكثيرِ فاسقون.
آ. (٨٢) قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشدَّ الناسِ﴾: قد تقدَّم إعرابُ هذا
في نحو قوله تعالى: ((ولتجِدَنْهم أحرصَ الناسِ على حياةٍ))(٢)، فَأَغْنَى عن
إعادته / وقال ابنُ عطية(٣): ((اللامُ للابتداءِ))، وليس بشيء، بل هي لامٌ يُتَلَقَّى [٢٧٠/ب]
بها القسمُ. و((أشدَّ الناس)) مفعول أول، و((عداوةً)) نصب على التمييز.
و(للذين)) متعلقٌ بها، قَوِيَتْ باللامِ لَمَّا كانت فرعاً في العمل على الفعل،
ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء لأنها مبنيةً عليها، فهي كقولِه(٤):
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٥٤٢/٣. والثُّفْرُوق: يضرب به المثل في القلة، وهو ما بين
النواة والقِمَع في رأس التمرة. والبيت ليس مثل الآية .
(٢) الآية ٩٦ من البقرة.
(٣) المحرر ١٦٧/٥.
(٤) تقدم برقم ٩٨٢.
٣٨٧

- المبائدة -
... ورهبةٌ عقابَك.
١٧٩٠-
۔
ويجوزَ أن يكونَ ((للذين)» صفةً لـ ((عداوة)) فيتعلَّقَ بمحذوف، و ((اليهودَ))
مفعولٌ ثانٍ. وقال أبو البقاء(١): ((ويجوزُ أن يكونَ اليهود هو الأولَ، و«أشدَّ))
هو الثاني، وهذا هو الظاهرُ، إذ المقصودُ أَنْ يخبرَ الله تعالى عن اليهودِ
والمشركين بأنّهم أشدُّ الناسِ عداوة للمؤمنين، وعن النصارى بأنهم أقربُ
الناسِ مودةً لهم، وليس المرادُ أَنْ يخبرَ عن أشدِّ الناس وأقربهم بكونهم من
اليهودِ والنصارى. فإنْ قيل: متى استويا تعريفاً وتنكيراً وَجَب تقديمُ المفعولِ
الأولِ وتأخيرُ الثاني كما يجب في المبتدأ والخبرِ وهذا من ذاك. فالجوابُ:
أنه إنما يجب ذلك حيث أَلْبس، أما إذا دَلَّ دليلٌ على ذلك جاز التقديمُ
والتأخيرُ، ومنه قوله(٢)
١٧٩١- بَنُونا بنو أبنائِنا، وبناتُنا
بنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
فـ ((بنو أبناء)) هو المبتدأ، و((بَّنُونا)) خبره، لأنَّ المعنى على تشبيهِ أولادِ
الأبناء بالأبناء، ومثلُه قول الآخر(٣):
١٧٩٢ - قبيلةٌ الْأَمُ الأحياءِ أكرمُها
وأَغْذُر الناسِ بالجيرانِ وافيها
(أكرمُها)) هو المبتدأُ، و((ألأمُ الأحياءِ) خبرُه، وكذا ((وافيها)) مبتدأ
و ((أغدرُ الناس)) خبره، والمعنى على هذا، والآيةُ من هذا القبيلِ فيما ذَكَرْتُ
لك.
(١) لم يذكر ذلك في ((الإملاء))، وإنما ذكر أن ((اليهود)) هو الثاني. الإملاء ٢٢٣/١.
(٢) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٢١٧؛ والإنصاف ٦٦؛ وابن يعيش ٩٩/١؛ والخزانة
٢١٣/١؛ والدرر ٧٦/١.
(٣) البيت لحسان وهو في ديوانه ٢١٦؛ والهمع ١٠٢/١؛ والدرر ٧٦/١.
٣٨٨

- المائدة -
وقوله: ((والذين أَشْركوا)) عطفٌ على اليهود، والكلامُ على الجملة الثانية
كالكلام على ما قبلها. و((ذلك بأنَّ)) مبتدأٌ وخبرُ، وتقدم تقريره، و ((منهم)) خبر
((أنَّ))، و((قسيسين)) اسمها، وأن واسمُها وخبرها في محل جَرِّ بالباء، والباءُ
ومجرورُها ههنا خبر ((ذلك)). والقسيسين جمع (قِسِّيس)) على فِعِيل، وهو مثالُ
مبالَغَة كـ ((صِدِّيق))(١) وقد تقدَّم، وهو هنا رئيسُ النصارى وعابدُهم، وأصلُه من
تَقَسَّسَ الشيءَ إذا تَتَبَعَه وطَلَبه بالليل، يقال: ((تقسَّسْتُ أصواتَهم)) أي: تَتَبَّعْتُها
بالليلِ ، ويُقال لرئيس النصارى: قِسّ وقِسّيس، وللدليلِ بالليل: قَسْقَاس
وقَسْقَس، قاله الراغب(٢)، وقال غيرُه: القَسُّ بفتح القاف تَتَّعُ الشيءٍ، ومنه
سُمِّي عالم النصارى لتُّعِه العلمَ. قال رؤبة(٣) بن العجاج:
١٧٩٣ - أَصْبَحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوافِلا
يَمْشِينْ هَوْناً خُرُداً بَهالِلا
ويقال: قَسَّ الأثرَ وقَصَّه بالصاد أيضاً، ويقال: قَسّ وقِسٌ بفتح القاف
وكسرها، وقِسِّيس. وزعم ابن عطية (٤) أنه أعجمي مُعَرَّب. وقال الواحدي:
((وقد تكلمت العرب بالقَسّ والقِسّيس)) وأنشد المازني (٥):
١٧٩٤ - لو عَرَضَتْ لِيْبُلِيٍّ قَسِّ
أشعثَ في هيكلِهِ مُنْدَسِّ
حَنَّ إليها كحنينِ الطَسِّ
(١) انظر: الآية ٧٥ من المائدة: ((وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)).
(٢) المفردات ٤١٨.
(٣) ديوانه ٢ /١٢١. والخّرُود: السَّكوت.
(٤) المحرر ١٦٩/٥.
(٥) الأبيات للعجاج في ملحق ديوانه ٢٩٥/٢؛ واللسان: قسس؛ والبحر ١٥٦/٣.
والطس: الطست.
٣٨٩

- المائدة ـ
وأنشد لأمية بن أبي الصلت(١):
١٧٩٥ - لو كان مُنْفَلَتْ كانت قساوسةٌ
يُحْبِيهِم اللَّهُ في أَيْديهم الزُّبُرُ
هذا كلامُ أهل اللغة في القِسّيس، ثم قال: ((وقال عروة بن الزبير:
((ضَيَّعَتِ النصارى الإِنجيل وما فيه، وبقي منهم رجلٌ يُقال له قسيساً)) يعني بقي
على دينه لم يُبَدِّلْه، فَمَنْ بقي على هديه ودينه قيل له ((قِسِّيس))، وقال: قطرب:
((القَسّ والقِسّيس: العالم بلغة الروم، قال ورقة(٢):
١٧٩٦- بما خَبِّرْتَنا مِنْ قولِ قَسِّ
من الرهبانِ أكرهُ أَنْ يَبُوحِا
فعلى هذا القَسُ والقِسّيس مما اتفق فيه اللغتان. قلت: وهذا يُقَوّي قولَ
ابن عطية، ولم ينقلْ أهلُ اللغة في هذا اللفظ ((القُس)) بضم القاف لا مصدراً
ولا وصفاً، فأما قُسّ بن ساعدة الإِيادي فهو عَلمَ فيجوز أن يكون مِمَّا غُيِّر
بطريق العلمية، ويكون أصلُه قَسّ أوقِسٌ بالفتح أو الكسر كما نَقَله
ابن عطية(٣)، وقُسُّ بن ساعدة كان أعلمَ أهل زمانه، وهو الذي قال فيه عليه
السلام: (ُبْعَثُ أمةً وحدَه))(٤) وأمَّا جمعُ قِسّيس فجمعُ تصحيحٍ كما في الآية
الكريمة. قال الفراء: ((ولو جُمِع ((قَسُوساً)) كان صواباً لأنهما في معنى واحد))
يعني: ((قِسّاً) و((قسِيس). قال: ((ويُجْمَعُ القِسّيس على ((قساوِسَة)) جمعوه على
[٢٧١/أ] مثال المَهالِيَة، والأصلُ: قساسِسَة، فكثُرت السينات / فأُبْدِلت إحداهُنَّ واواً،
وأنشدوا لأمية: ((لوكان مُنْفَلَتْ كانت قساوسةٌ)) البيت. قال الواحدي:
(١) ديوانه ٣٣؛ واللسان: قسس؛ والبحر ٣/٤.
(٢) البيت في السيرة ١٩٢/١، وبرواية ((يعوجا)) بدلاً من ((يبوحا)).
(٣) المحرر ١٦٩/٥.
(٤) لم أقف عليه.
٣٩٠

- المائدة -
((والقُسوسة مصدرُ القِسّ والقِسِّيس)). قلت: كأنه جَعَل هذا المصدرَ مشتقاً من
هذا الاسمِ كالأبّة والأخوّة والفتوّة من لفظ أب وأخ وفتى، وكنتُ قد قَدَّمْتُ
أن القَسّ بالفتحِ في الأصل هو المصدرُ، وأنَّ العالِمَ سُمِّ به مبالغةً،
ولا أدري ما حملَ مَنْ قال: إنه معرَّب مع وجودِ معناه في لغة العربِ كما
عَرَفْتَه مِمَّا تقدم؟
والرُّهْبان: جمعُ راهبٍ کراکب ورُكْبان، وفارِس وفُرْسان. وقال
أبو الهيثم: ((إنَّ رهباناً يكون واحداً ويكون جمعاً)) وأنشد على كونه مفرداً قولَ
الشاعر(١):
١٧٩٧ - لو عايَنَتْ رهبانَ دَيْرِ فِي القُلَلْ
لَأَقْبَلَ الرُّهبانُ يَعْدُو ونَزَلْ
ولو كان جمعاً لقال: (يَعُدُون)) و(نَزَلُّوا)) بضمير الجمع. وهذا لا حُجَّة
فيه؛ لأنه قد عادَ ضميرُ المفرد على الجمعِ الصريحِ لتأوُّلِه بواحدٍ كقوله تعالى:
((وإنَّ لكم في الأنعام لعِبرةً نُسْقيكم مِمَّا في بُطونِه))(٢) فالهاء في ((بطونه)) تعود
على الأنعام، وقال(٣):
١٧٩٨- وطابَ ألبانُ اللِّقاحِ وبَرَدْ
في ((برد)» ضميرٌ يعودُ على ((أَلْبان))، وقالوا: ((هو أحسنُ الفتيانِ
وأجملُه)). وقال الآخر (٤):
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الطبري ٥٠٣/١٠؛ والقرطبي ٢٥٨/٦. والقلل: ج قلة وهي
رأس الجبل.
(٢) الآية ٦٦ من النحل.
(٣) لم أقف عليه. واللقاح: النوق.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في شرح المفصل ٨٠/٩، وشرح الملوكي ٣٨٧.
٣٩١

- المائدة -
١٧٩٩- لو أنَّ قوميَ حين أَدْعُوهُمْ حَمَلْ
على الجبالِ الشُّمِّ لانهذَّ الجَبَلْ
إلى غير ذلك مِمَّا يطولُ ذِكْرُه، ومن مجيئِه جمعاً الآيةُ، ولم يَرِدْ في
القرآن الكريم إلا جَمْعاً، وقال كثير (١):
١٨٠٠ - رُهْبانُ مَدْيَنَ والذين عَهِدْتُهُمْ
يبكون من حَذَرِ العقابِ قُعودا
لو يَسْمعون كما سَمِعْتُ كلامَها
خَرُوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجودا
قيل: ولا حُجَّةٍ فيه لأنه قال: ((والذين)) فيُحتمل أنَّ الضمير إنما جُمِع
لأجلِ هذا الجمعِ لالكونِ ((رُهبان)) جمعاً، وأصرحُ مِنْ هذا قولُ جرير(٢):
١٨٠١- رُهبانُ مَدْيَنَ لو رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا
والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقُولِ الفَادِرِ
قال أبو الهيثم: ((وإنْ جُمِع الرهبان الواحدُ ((رَهابين ورهابِنة)) جاز، وإِنْ
قلت: رهبانيون كان صواباً كأنك تُنْسُبُه إلى الرهبانية، والرهبانية من الرَّهْبَة
وهي المخافَةُ. وقال الراغب(٣): ((والرُهبانُ يكون واحداً وجمعاً، فَمَنْ جَعَلَه
واحداً جَمَعَه على رَهابين، ورهابِنَةُ بالجمع أليقُ)) يعني أن هذه الصيغةَ غَلَبَتْ
(١) ديوانه ٦٥/١؛ والخصائص ٢٧/١.
(٢) ديوانه ٣٠٥، وهو في ديوان كثير أيضاً ٢٤٠/١؛ ومعاني القرآن للفراء ٣٠٤/٢؛
والأضداد ٢٠٤؛ والطبري ٥٠٣/١٠؛ والقرطبي ٢٥٨/٦؛ ومعجم البلدان:
((مدين)). والعصم: إج الأعصم وهو الوَعِل، والشعفة: أعلى الجبل، والعقول: الوَعِل
الجبلي، والفادر: المسنّ أو العظيم.
(٣) ليس في مفرداته .
٣٩٢

- المائدة -
في الجمع كالفرازِنَةِ(١) والموازِجَة (٢) والكيالِجة(٣). وقال الليث: ((الرهبانِيّةُ
مصدرُ الراهبِ والترُّبِ: التعبُّد في صومعة)»، وهذا يُشْبِهُ الكلامَ المتقدم في
أن القَسْوَسة مصدرٌ من القَسّ والقِسّيس، ولا حاجةً إلى هذا بل الرهبانيةُ
مصدرٌ بنفسِها من الترهُّب وهو التعبد أو من الرَّهَب وهو الخوفُ، ولذلك قال
الراغب: ((والرهبانيةُ غلوُّ مَنْ تحمَّل التعبُّدَ مِنْ فرطِ الرَّهْبَة)) وقد تقدَّم اشتقاقُ
هذه المادة في قوله: ((وإياي فارهَبون))(٤).
قوله تعالى: ((وأَنَّهم لا يَسْتكبرون)) نسقٌ على ((أنَّ)) المجرورةِ بالباء أي:
ذلك بما تقدَّم وبأنّهم لا يستكبرون.
آ. (٨٣) وقوله تعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا﴾ ((إذا)) شرطيةٌ جوابُها («تَرى))
وهو العاملُ فيها، وهذه الجملةُ الشرطيةُ فيها وجهان، أظهرُهما: أنَّ محلّها
الرفعُ نسقاً على خبر ((أَنَّهم)) الثانيةِ، وهو ((لا يستكبرون)) أي: ذلك بأنَّ منهم
كذا وأنهم غيرُ مستكبرين وأنهم إذا سمعوا، فالواو عَطَفَتْ مفرداً على مثله.
والثاني: أنَّ الجملةَ استئنافية أي: أنه تعالى أَخْبر عنهم بذلك. والضميرُ في
(سمعوا)) ظاهرُهُ أَنْ يعودَ على النصارى المتقدِّمين لعمومِهم، وقيل: إنما يعودُ
لبعضِهم وهم مَنْ جاء مِن الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال
ابن عطية(٥): ((لأنَّ كلَّ النصارى ليسوا كذلك)).
و ((ما)) في ((ما أُنْزِل)) تحتمل الموصولةَ والنكرةَ الموصوفةً، و((ترى))
بصَريةٌ، فيكون قولُه ((تفيض من الدمع)) جملةً في محلِّ نصب على الحال.
(١) الفرازنة: ج فرزان وهي الملكة في اصطلاح الشطرنج.
(٢) الموازجة: ج الموزج وهو الخف. وانظر: المعرَّب ٣٥٩/١.
(٣) الكيالجة: ج كيلجة ويبدو أنه ضرب من الطعام. انظر: المعرَّب ٣٤٠.
(٤) الآية ٤٠ من البقرة.
(٥) المحرر ١٧١/٥.
٣٩٣

- المائدة بـ
[٢٧١/ب] وقُرىء(١) شاذاً: ((تُرى)) بالبناء للمفعول، ((أعينُهم)) / رفعاً، وأسند الفيضَ إلى
الأعينِ مبالغةً، وإنْ كان الفائضُ إنما هو دمعُها لا هي، كقول
امریء القيس(٢):
١٨٠٢- ففاضَتْ دموعُ العينِ مني صَبابةً
على النَّحْرِ حتى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمِلي
والمرادُ المبالغةُ في وصفِهم بالبكاءِ، أو يكونُ المعنى أنَّ أعينهم تمتلىء
حتى تفيضَ، لأنَّ الفيضِّ ناشِىءٌ عن الامتلاءِ كقوله(٣):
١٨٠٣ - قوارِصُ تأتيني وتَحْتَقِرُونها.
وقد يَمْلَأَ الماءُ الإِناءَ فَيَفْعُمُ
وإلى هذين المعنيين نجا أبو القاسم، فإنه قال(٤): ((فإن قلت: ما معنى
(تفيض من الدمع))؟ قلت: معناه تَمْتَلِىء من الدمع حتى تفيض، لأنَّ الفيضَ
أَنْ يمتلىءَ الإِناءُ حتى يَطْلُعَ ما فيه من جوانبه، فوضع الفيضَ الذي هو من
الامتلاءِ موضعَ الامتلاء، وهو من إقامةِ المسبب مُقام السببِ، أو قَصَدْتَ
المبالغةَ في وصفِهم بالبكاء، فَجَعَلْتَ أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي : تسيل
من الدمع من أجلِ البكاء من قولك: ((دَمَعَتْ عينُه دمعاً)).
و ((من الدمع)» فيه أربعةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلُّقٌ بـ((تفيض)»، ويكون
معنى (مِنْ)) ابتداءَ الغابة، والمعنى: تَفِيضُ من كثرة الدمع. والثاني: أنه
متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الفاعلِ في ((تفيضُ)) قالهما أبو البقاء(٥)،
(١) البحر ٦/٤ من دون نسبة.
(٢) ديوانه ٩؛ وشرح القصائد للتبريزي ٨٥. والمحمل: أي تحمل السيف.
(٣) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٦٥٧؛ والكامل ١٨؛ وابن يعيش ٢١/١؛ واللسان:
قرص؛ والبحر ٥/٤.
(٤) الكشاف ٦٣٨/١.
(٥) الإِملاء ٢٢٤/١.
٣٩٤

- المائدة -
وقَدَّر الحالَ بقولك: ((مملوءةً من الدمع)) وفيه نظر، لأنه كونٌ مقيدٌ، ولا يجوزُ
ذلك، فبقي أن يُقَدَّرَ كوناً مطلقاً أي: تفيض كائنةً من الدمع، وليس المعنى
على ذلك، فالقولُ بالحاليةِ لا ينبغي. فإن قيل: هل يجوزُ عند الكوفيين أن
يكونَ ((من الدمع)) تمييزاً، لأنهم لا يَشْترطون تنكيرَ التمييز، والأصل: تفيض
دمعاً، كقولك: ((تَفَقَّأ زيدٌ شحماً»، فهو من المنتصبِ عن تمام الكلام؟
فالجوابُ أن ذلك لا يجوزُ، لأنَّ التمييز إذا كان منقولاً من الفاعلية امتنع دخولُ
((مِنْ)) عليه، وإن كانت مقدرةً معه، فلا يجوز: ((تَفَقَّأ زيدٌ من شحم))، وهذا
- كما رأيتَ - مجرورٌ بـ ((من))، فامتنع أن يكونَ تمييزاً، إلا أن أبا القاسم في
سورة براءة (١) جعله تمييزاً في قوله تعالى: ((تولَّوا وأعينُهم تفيضُ من الدمع))،
ولا بد من نقل نصه لتعرفه، قال رحمه الله تعالى: ((تفيضُ من الدمعِ
كقولك: ((تفيضُ دمعاً» وهو أبلغ من قولك: يفيضُ دمعُها، لأنَّ العينَ جُعِلَتْ
كأنها دمعٌ فائض، و ((من)) للبيان، كقولك: ((أَفْديك من رجلٍ)). ومحلُّ الجارِ
والمجرور النصبُ على التمييز)) وفيه ما قد عَرَفْتَه من المانِعَيْنِ، وهو كونُه
معرفةً، وكونُه جُرَّ بـ ((مِنْ)) وهو فاعلٌ في الأصل، وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ،
فعلى هذا تكونُ هذه الآيةُ كتلك عنده، وهو الوجهُ الثالث. الرابع: أنَّ ((مِنْ))
بمعنى الباء، أي: تفيضُ بالدمع، وكونُها بمعنى الباءِ رأيّ ضعيف، وجعلوا
منه أيضاً قولَه تعالى: ((يَنْظُرون مِنْ طَرْفٍ خَفِيَّ(٢)) أي: بطرف، كما أنَّ الباءَ
تأتي بمعنى مِنْ، كقوله(٣):
١٨٠٤- شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم ترفّعَتْ
متى نُجَجٍ خُضْرٍ لهنُّ نَتِيجُ
(١) الآية ٩٢ وهي سورة التوبة، انظر: الكشاف ٣٣١/١.
(٢) الآية ٤٥ من الشورى.
(٣) تقدم برقم ٩.
٣٩٥

- المائدة -
أي: من ماءِ البحر.
قوله: (مِمَّا عَرَفُوا من الحقِّ)) ((مِنْ)) الأولى لابتداءِ الغاية وهي متعلقةٌ
بـ ((تَفِيضُ))، والثانيةُ يُحْتمل أن تكونَ لبيانٍ الجنس، أي: بَّنْت جنْسَ
الموصولِ قبلَها، ويُحتمل أن تكونَ للتبعيضِ ، وقد أوضح أبو القاسم هذا
غايةَ الإِيضاح، قال(١) رحمه الله: ((فإنْ قلت: أيُّ فرقٍ بين ((مِنْ)) و((مِنَ)) في
قوله: ((مِمَّ عرفوا مِنَ الحق)؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، على أنَّ الدمع
ابتدأ ونَشَأ من معرفة الحق، وكان من أجلِه وبسببِهِ، والثانيةُ لبيان الموصول
الذي هو ((ما عرفوا))، وتحتمل معنى التبعيض، على أنهم عَرَفوا بعضَ الحَقِّ
فأبكاهم وبَلَغَ منهم، فكيف إذا عَرَفوه كلَّه وقرؤوا القرآن وأحاطُوا
بالسنة)) انتهى. ولم يتعرض لما يتعلَّق به الجارَّان، وهو يمكن أَنْ يُؤْخَذَ من
قوةٍ كلامه، وَلْنزد ذلك إيضاحاً، و ((مِنْ)) الأولى متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنها
حال من ((الدمع)) أي: في حالٍ كونِه ناشئاً ومبتدئاً من معرفة الحق،
وهو معنى قول الزمخشري، على أنَّ الدمعَ ابتدأ ونَشَأَ من معرفة الحق،
ولا يجوزُ أَنْ يتعلق بـ ((تفيض)) لئلا يلزَم تعلُّقُ حرفين مُتْحِدَيْن لفظاً ومعنىَّ
بعامل واحد، فإنَّ (مِنْ)) في ((من الدمع)» لابتداءِ الغاية كما تقدَّم، اللهم إلا أن
يُعتقد کونُ («مِنْ)) في ((من الدمع»للبیانِ، أو بمعنى الباء فقد يجوز ذلك، ولیس
معناه في الوضوحِ كالأول. وأمَّا ((من الحق)) فعلى جَعْلِه أنها للبيان تتغُلَّقُ
بمحذوف أي: أعني من كذا، وعلى جَعْلِه أنها للتبعيض تتعلق بـ ((عَرَفوا))،
وهو معنى قوله: ((عَرَفوا بعض الحق».
وقال أبو البقاء(٢) في ((مِن الحق)) إنه حالٌ من العائد المحذوف)) على
الموصول، أي: مِمَّا عرفوه كائناً من الحق، ويجوزُ أن تكون ((من)) في قوله
(١) الكشاف ٦٣٨/١.
(٢) الإملاء ٢٢٤/١.
٣٩٦

- المائدة -
تعالى: / ((مِمَّا عَرَفوا)) تعليليةً، أي: إنَّ فَيْضَ دمعهم بسبب عرفانهم الحقَّ، [١/٢٧٢]
ويؤيِّدُه قول الزمخشري(١): ((وكان مِنْ أَجلِه وبسببِهِ)). فقد تحصل في ((مِنْ))
الأولى أربعةُ أوجه، وفي الثالثةِ ضَعْفٌ أو منعٌ كما تقدم، وفي ((مِنْ)) الثانية
أربعةٌ أيضاً: وجهان بالنسبة إلى معناها: هل ((من)) ابتدائية أو تعليليةٌ؟ ووجهان
بالنسبة إلى ما تتعلق به: هل هو (تفيض)) أو محذوفٌ على أنها حالٌ من
الدمع، وفي الثالثة خمسة، اثنان بالنسبة إلى معناها: هل هي بيانيةٌ
أو تبعيضيةٌ؟ وثلاثةٌ بالنسبة إلى متعلَّقها: هل هو محذوفٌ وهو ((أعني)) أو نفسُ
((عَرَفوا)) أو هو حالٌ، فتتعلق بمحذوفٍ أيضاً كما ذكره أبو البقاء.
قوله: ((يقولون)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مستأنف فلا محل له، أخبر
الله تعالى عنهم بهذه المقالةِ الحسنةِ. الثاني : أنها حال من الضمير المجرور
في ((أعينهم))، وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنَّ المضافَ جزؤهُ
فهو كقوله تعالى: ((ما في صدورهم مِنْ غِلُّ إخواناً)(٢). الثالث: أنه حالٌ من
فاعل ((عَرَفوا))، والعاملُ فيها ((عرفوا)). قال الشيخ(٣) لَمَّا حكى كونَه حالاً: ((كذا
قاله ابن عطية (٤) وأبو البقاء، ولم يُبَيِّنا ذا الحال ولا العاملَ فيها)). قلت: أمَّا
أبو البقاء فقد بَيِّنَ ذا الحال فقال(٥): ((يقولون)) حالٌ من ضميرِ الفاعل في
((عَرَفوا)) فقد صَرَّح به، ومتى عُرِف ذو الحال عُرِف العاملُ فيها، لأنَّ العاملَ في
الحال هو العامل في صاحبها، فالظاهر أنه اطّلع على نسخةٍ مغلوطةٍ من
إعراب أبي البقاء سقط منها ما ذكرته لك، ثم إنَّ الشيخَ رَدَّ كونَها حالاً من
الضمير في ((أعينهم)) بما معناه أن الحالَ لا تَجيءُ من المضافِ إليه وإن كان
(١) الكشاف ٦٣٨/١.
(٢) الآية ٤٧ من الحجر.
(٣) البحر ٦/٤.
(٤) المحرر ١٧٢/٥.
(٥) الإملاء ٢٢٤/١.
٣٩٧

- المائدة -
المضافُ جُزْأَه، وجعله خطأً، وأحالَ بيانَه على بعضِ مصنفاتِه، ورَدَّ كونَها
حالاً أيضاً من فاعل ((عرفوا)) بأنه يلزمُ تقييدُ معرفتِهم الحقَّ بهذه الحال، وهم
قد عرفوا الحق في هذه الحالِ وفي غيرِها، قال: ((فالأولى أن يكون مستأنفاً)»
أمَّا ما جعله خطأً فالكلامُ معه في هذه المسألة في موضوعٍ غير هذا، وأمّا قوله
(يلزم التقييدُ)) فالجوابُ أنه إنما ذُكِرت هذه الحالُ لأنها أشرفُ أحوالهم
فَخَرَجَتْ مخرجَ المدج لهم. وقوله: ((ربَّا آمنًا)) في محل نصبٍ بالقول،
وكذلك: ((فاكتُبْنا)) إلى قوله: ((الصالحين)).
:
آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿وما لنا لا نُؤْمِنُ﴾: ((ما)) استفهاميةٌ في
محل رفع بالابتداء، و((لنا)) جارٌّ ومجرورٌ خبرهُ، تقديرُه: أيُّ شيء استقر لنا،
و((لا نؤمن)) جملة حالية. وقد تقدَّم نظيرُ هذه الآية والكلامُ عليها، وأَنَّ
بعضَهم قال: إنها حال لازمة لا يتمُّ المعنى إلا بها نحو: ((فما لهم عن التذكرة
مُعْرِضِينَ))(١)، وتقدَّم ما قلتُه فيه فأغنى ذلك عن إعادتِه. وقال الشيخ(٢) هنا:
((وهي المقصودُ وفي ذِكرِها فائدةُ الكلام، وذلك كما تقول: ((جاء زيدٌ راكبًا))
لِمَنْ قال: هل جاء زيدٌ ماشياً أو راكباً؟.
قوله: ((وما جاءَبًا)) في محلّ ((ما)) وجهان، أحدهما: أنه مجرور نسقاً
على الجلالة أي: بالله وبما جاءنا، وعلى هذا فقوله: ((من الحق)) فيه
احتمالان، أحدُهما: أنه حالٌ من فاعل ((جاءنا)) أي: جاء في حال كونه من
جنسِ الحقِّ. والاحتمال الآخر: أن تكونَ ((مِنْ)) لابتداء الغاية، والمرادُ بالحقِّ
الباري تعالى، وتتعلَّقُ ((مِنْ)) حينئذ بـ ((جاءنا)» كقولك: ((جاءَنا فلانٌ من عند
زيد)»، والثاني: أنَّ مجلّه رفعٌ بالابتداء، والخبر قوله: ((من الحق)»، والجملةُ في
موضع الحال، كذا قاله أبو البقاء(٣)، ويصيرُ التقدير: وما لنا لا نؤمِنُ بالله
(١) الآية ٤٩ من المدثر.
(٢) البحر ٧/٤.
(٣) الإِملاء ٢٢٤/١.
٣٩٨

- المائدة -
والحالُ أنَّ الذي جاءنا كائنٌ من الحق، و((الحقُّ)) يجوز أن يُراد به القرآنُ فإنه
حقٌّ في نفسه، ويجوزُ أن يُراد به الباري تعالى - كما تقدَّم - والعاملُ فيها
الاستقرارُ الذي تضمَّنه قولُه (لنا».
قوله: ((ونطمعُ)) في هذه الجملة ستة أوجه، أحدها: أنها منصوبة
المحلِّ نسقاً على المحكيِّ بالقول قبلَها أي: يقولون كذا ويقولون نطمع
وهو معنىَّ حسن. / الثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال من الضمير [٢٧٢/ب]
المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً وهو (لنا)) لأنه تضمّنَ الاستقرارَ، فرفع الضمير
وعَمِلَ في الحال، وإلى هذا ذهبَ أبو القاسم(١) فإنه قال: ((والواو في
((ونطمعُ)) واو الحال، فإن قلت: ما العاملُ في الحال الأولى والثانية؟
قلت: العاملُ في الأولى ما في اللام من معنى الفعلِ كأنه قيل: أيُّ
شيء حَصَل لنا غيرَ مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال
الأولى لأنك لو أَزَلْتَها وقلت: ((ما لنا ونطمعُ)) لم يكنْ كلاماً). وفي هذا الكلام.
نظرٌ وهو قولُه: ((لأنَّك لو أَزَلْتَها إلى آخره)) لأنَّا إذا أَزَلْناها وأتينا بـ ((نطمع))
لم نأتِ بها مقترنةً بحرفِ العطف، بل مجردةً منه لنحُلُّها محلّ الأولى،
ألا ترى أنَّ النحويين إذا وضعوا المعطوفَ موضعَ المعطوف عليه وضعوه
مجرداً من حرفِ العطف، ورأيتُ في بعض نسخ الكشاف: ((ما لنا نطمعُ)) من
غيرِ واوٍ مقترنةٍ بـ ((نطمعُ)) ولكن أيضاً لا يَصِحُّ لأنك لوقلت: ((ما لنا نطمعُ))
كان كلاماً كقوله تعالى: ((فما لهم عن التذكرة مُعْرضين))(٢)، فـ (نطمع)) واقعٌ
موقعَ مفردٍ هو حال، كما لو قلت: ما لك طامعاً، وما لنا طامعين. وردًّ الشيخ(٣)
عليه هذا الوجه بشيئين، أحدهما: أن العامل لا يقتضي أكثرَ من حالٍ واحدة
إذا كان صاحبُه مفرداً دونَ بدل أو عطف إلا أفعلَ التفضيل على الصحيح.
(١) الكشاف ٦٣٩/١.
(٢) الآية ٤٩ من المدثر.
(٣) البحر ٧/٤.
٣٩٩

- المائدة -
والثاني: أنه يلزم دخولُ الواو على مضارع مثبت. وذلك لا يجوزُ إلا بتأويل
تقدير مبتدأ أي: ونحن نطمع.
الثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من فاعل ((نؤمن» فتكون
الحالان(١) متداخلتين. قال الزمخشري(٢): ((ويجوز أن يكون ((ونطمع)) حالاً
من ((لا نؤمن)) على معنى: أنهم أَنْكروا على أنفسهم أنهم لا يوحّدون الله
ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين)) وهذا فيه ما تقدم من دخول واو
الحال على المضارع المثبت، وأبو البقاء(٣) لَمَّا أجاز هذا الوجهَ قَدَّر مبتدأ
قبل ((نطمع))، وجعل الجملةَ حالاً من فاعل ((نؤمن)) ليخلصَ من هذا الإشكال
فقال: ((ويجوز أن يكون التقديرُ: ((ونحن نطمع)، فتكون الجملةُ حالاً من فاعل
لا نؤمن)». الرابع: أنها معطوفةٌ على ((لا نؤمن» فتكون في محلُّ نصب على
الحال من ذلك الضمير المستترِ في ((لنا»، والعاملُ فيها هو العاملُ في الحالِ
قبلها. فإن قلت: هذا هو الوجه الثاني المتقدم، وذكرتَ عن الشيخِ هناك أنه
منع مجيء الحالين لذي حال واحدة، وبأنه يلزمُ دخولُ الواو على المضارع
فما الفرق بين هذا وذاك؟ فالجواب أنَّ الممنوعَ تعدُّدُ الحال دون عاطف،
وهذه الواوُ عاطفةً، وأن المضارعَ إنما يمتنع دُخولُ واوِ الحال عليه وهذه
عاطفةٌ لا واوُ حالٍ فحصل الفرقُ بينهما من جهةِ الواو، حيث كانت في الوجه
الثاني واوَ الحال وفي هذا الوجه واوُ عطف، وهذا وإن كان واضحاً فقد يَخْفى
على كثير من المتدربين في الإِعراب، ولَمَّا حكى أبو القاسم هذا الوجهَ أبدى
له معنيين حسنين فقال(٤) - رحمه الله -: ((وأن يكونَ معطوفاً على «لا نؤمن»
على معنى: وما لنا نجمعُ بين التثليث وبين الطمعِ في صحبةِ الصالحين،
أو على معنى: وما لنا لا نجمعُ بينهما بالدخولِ في الإِسلام، لأنَّ الكافرّ
(١) الأصل ((حالان)) ولا مسوغ للتنكير.
(٢) الكشاف ٦٣٩/١.
(٣) الإملاء ٢٢٤/١.
(٤) الكشاف ٦٣٩/١.
٤٠٠