Indexed OCR Text
Pages 281-300
- المائدة - مجاهد، ويُحْكى عن عروة(١) بن الزبير أنه أصاب إنساناً في طوافه فلم يَعْرف الرجلُ مَنْ أصابه، فقال له عروة: ((أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير، فإنْ كان يعنيك شيءٌ فها أنا ذا)»، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون ((تصدَّق)) من الصدَقة وأن يكون من الصِدْق. قلت: الأول واضح، والثاني معناه أنه يَتَكَلَّفُ الصدق، لأن ذلك مما يَشُقُّ. وقوله: ((ومَنْ لم يحكم)) يجوزُ في (مَنْ)) أن تكونَ شرطيةً، وهو الظاهر، وأن تكون موصولةً، والفاءُ في الخبر زائدةٌ لشبهِه بالشرط. و((هم)) في قوله: ((هم الكافرون)) ونظائرُه فصلٌ أو مبتدأً، وكلُّه ظاهرٌ مِمَّا تقدَّم في نظائره. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنا على آثارِهم بعيسى﴾: قد تقدَّم معنى ((قَفَّينا)) وأنه من قفا يقفو أي: تبع قفاه في البقرة(٢). وقوله: ((على آثارهم بعيسى)) كِلا الجارِّيْن متعلقٌ به على تضمينه معنى ((جِئْنا به على آثارهم قافياً لهم)» وتقدَّم أيضاً أن التضعيفَ فيه ليس للتعدية لعلة ذُكِرت هناك. وإيضاحُها أنَّ ((قَفا)» متعدٍ لواحدٍ قبلَ التضعيف، قال تعالى: ((ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم)) (٣) فـ((ما) موصولةٌ بمعنى الذي هي مفعول، وتقول العربُ: ((قَفا فلانٌ أثرَ فلانٍ)) أي: تَّبِعه، فلو كان التضعيف للتعدِّي لتَعَدَّى إلى اثنين، فكان التركيبُ يكون: ((ثم قَفَّيْنا هم عيسى بن مريم)) فـ((هم)) مفعول ثان و((عيسى)» أول، ولكنه ضُمِّن كما تقدم، فلذلك تعدَّى بالباء و((على)). قال الزمخشري (٤). ((قَفْتُه)) مثل: عَقَّبْتُه إذا أتبعته، ثم يقال: ((قَفَّيْتُه بفلان)) مثل: عَقَّبْتُه به، فتعدِّيه إلى الثاني بزيادةِ الباء. فإنْ قلت: أين المفعولُ الأول؟ قلت: هو محذوفٌ، (١) عروة بن الزبير القرشي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وهو أخو عبدالله بن الزبير. توفي سنة ٩٣. انظر: وفيات الأعيان ٣١٦/١؛ الأعلام ١٧/٥. (٢) انظر: الآية ٨٧ من البقرة. (٣) الآية ٣٦ من الإسراء. (٤) الكشاف ٦١٧/١. ٢٨١ - المائدة - والظرفُ الذي هو ((على آثارهم)) كالسادِّ مسدَّه، لأنه إذا قَفَّى به على أثرِه فقد فَقَّى به إياه) فكلامُه هنا ينحو إلى أنَّ ((قَفَّيته)) مضعفاً كقفوتُه ثلاثياً ثم عَدَّاه بالباء، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث إنَّ فَعَّل قد جاء بمعنى فَعَل المجرد كِقَدَّر وقَدَر، إلا أنّ بعضهم زعم أن تعديةُ المتعدي لواحد لا يتعدَّى إلى ثان بالباءِ، لا تقول في ((طعم زيد اللحمَ)): ((أطعمتُ زيداً باللحم))(١) ولكنَّ الصوابَ أنه قليل غيرُ ممتنعٍ ، جاءت منه ألفاظٌ قالوا: ((صَكَّ الحجرُ الحجرَ)) ثم يقولون: صككتُ الحجرَ بالحجرِ، و((دفع زيدٌ عمراً) ثم: دَفَعْتُ زيداً بعمرو، أي: جعلتُه دافعاً له، فكلامُه: إما ممتنع أو محمولٌ على القليل، وقد أَشَرْتُ إِلى منعِ ادِّعاء حذفِ المفعول من نحو: ((قَفَّيْنا)) في البقرة (٢) فليُطلب ثَمَّة. وناقَشه الشيخ (٣) في قوله: ((فقد قَفَّى به إياه)) من حيث إنه أتى بالضمير المنفصل مع قدرته على المتصل، فيقول: ((قَفَّيْتُه به))(٤) قال: ((ولوقلت: زيدٌ ضربْتُ بسوط إياه)) لم يجز إلا في ضرورة شعر، بل ضربتُه بسوط))، وهذا ليس بشيء، لأن ذلك من باب قوله: ((يُخْرجون الرسول وإياكم))(٥) ((ولقد وَصَّيْنا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم))(٦) وقد تقدَّم تحقيقه . والضمير في ((آثارهم)): إمّا للنبيين لقوله: ((يَحْكُم بها النبيون))، وإمَّا لِمَنْ كُتبت عليهم تلك الأحكام، والأول أظهر لقوله في موضع آخر: ((برسلِنا وقَقَّيْنا بعيسى بن مريم))(٧). و((مصدقاً)) حال من ((عيسى))، قال ابن (١) ينبغي المحافظة على ثلاثية الفعل ليكون المثال دقيقاً .. (٢) الآية ٨٧. (٣) البحر ٤٩٨/٣. (٤) لعل الصواب: ((قَفَّه به)). (٥) الآية ١ من الممتحنة. (٦) الآية ١٣١ من النساء، وهذا الباب أراد به النحاة أنه قد فُصِل الضمير من أجل إرادة الترتيب، ولا مجال لموضوع الترتيب في عبارة الزمخشري فالصواب مع أبي حيان. (٧) الآية ٢٧ من الحديد ٢٨٢ - المائدة - عطية (٤): ((وهي حالٌ مؤكدة)) وكذلك قال في («مصدقاً) الثانية، وهو ظاهرَ فإنَّ مِنْ لازم الرّسول والإِنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا مصدِّقَيْن. و((لِما)) متعلق به، وقوله: ((من التوراة)) حال: إمَّا من الموصول وهو ((ما)) المجرورةُ باللام، وإمَّا من الضمير المستكنَّ في الظرف لوقوعِه صلةً، ويجوز أن تكونَ لبيانٍ جنس الموصول . قوله: ((وآتيناه)) يجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ عطفاً على قوله: ((وقَقَّيْنا» فلا يكونُ لها محلٌّ، كما أن المعطوف عليه لا محلَّ له، ويجوز أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ عطفاً على ((مصدقاً)) الأول إذا جُعل (مصدقاً) الثاني حالاً مِنْ ((عيسى)) أيضاً كما سيأتي، ويجوز أن تكون الجملةُ حالاً وإنْ لم يكن ((مصدقاً) الثاني حالاً من ((عيسى)). وقوله: ((فيه هدى)) يجوزُ أَنْ يكونَ ((فيه)) وحدَه حالاً من ((الإِنجيل))، و((هُدى)) فاعل به، لأنه لَمَّا اعتمد على ذي الحال رَفَع الفاعل، ويجوز أن يكون ((فيه)) خبراً مقدماً، و((هدى)» مبتدأ مؤخرٌ والجملةُ حال، و((مصدقاً) حالٌ عطفاً على محل ((فيه هدى)) بالاعتبارين: أعني اعتبار أن يكون ((فيه)) وحدَه هو الحالَ فعطفْتَ هذه الحال عليه، وأن يكون ((فيه هدى)) جملة اسمية محلُّها النصب، و((مصدقاً)) عَطْفٌ على محلها، وإلى هذا ذهب ابن عطية(٢)، إلا أنَّ هذا مرجوحٌ من وجهين، أحدهما: أنَّ أصلَ الحال أن تكونَ مفردةً والجارُّ أقربُ إلى المفرد من الجمل. الثاني: أنَّ الجملةَ الاسمية الواقعةَ حالاً الأكثرُ أَنْ تأتيَ فيها بالواوِ وإنْ كان فيها ضميرٌ، حتى زعم / الفراء - وتَبِعه الزمخشري - أنَّ ذلك لا يجوز [٢٤٦/ب] إلا شاذاً(٣)، وكونُ ((مصدقاً) هذا حالاً مِنَ ((الإِنجيل)) هو الظاهرُ، وأجاز (١) المحرر ١١٧/٥. (٢) المحرر ١١٧/٥. (٣) الزمخشري في الكشاف ٦١٧/١ أعرب ((ومصدقاً) عطفاً على محل ((فيه هدى))، ومحله النصب على الحال. ٢٨٣ - المائدة - مكي(١) بن أبي طالب ــ وتبعه أبو البقاء(٢) - أن يكون (مصدقً)، الثاني حالاً أيضاً من ((عيسى)) كُرِّر توكيداً. قال ابن عطية(٣): ((وهذا فيه قلقٌ من جهة اتُّساق المعاني)) قلت: إذا جعلنا ((وآتيناه)) حالاً منه، وعَطَّفْنا عليها هذه الحالَ الأخرى فلا أدري وجه القلق من الحيثية المذكورة؟ وقوله: ((وهدىَّ)) الجمهورُ على النصب وهو على الحال: إمَّا من الإِنجيل، عطفْتَ هذه الحال على ما قبلها، وإمَّا من ((عيسى)) أي: ذا هدى وموعظة أو هادياً، أو جُعِل نفسُ الهدى مبالغة. وأجاز الزمخشري (٤) أن ينتصبا على المفعول من أجله، وجعل العاملَ فيه قولَه تعالى: «آتيناه)) قال: ((وأَنْ ينتصِبا مفعولاً لهما لقوله: ((وليحكمَ))(٥)، كأنه قيل: وللهدى وللموعظة آتيناه الإِنجيلَ وللحكم. وجَوَّز أبو البقاء(٦) وغيرُه أن يكونَ العاملُ فيه: ((قَفَّينا)) أي: قفينا للهدى والموعظة، وينبغي إذا جُعِلا مفعولاً من أجله أَنْ يُقَدَّر إسنادهما إلى الله تعالى لا إلى الإِنجيل ليصِحَّ النصبُ، فإنَّ شرطَه اتحادُ المفعول له مع عاملِه فاعلًا وزمانً، ولذلك لَمَّا اختلف الفاعلُ في قوله: ((وليحكم أهل الإِنجيل)) عُدِّي إليه باللام، ولأنه خالفَه أيضاً في الزمان، فإنَّ زمنَ الحكم مستقبلٌ وزمنَ الأنبياءِ ماضٍ ، بخلاف الهداية والموعظة فإنهما مقارنان في الزمان للإِيتاء. و((للمتقين)) يجوز أن يكونَ صفة لـ((موعظة))، ويجوز أن تكونَ اللامُ زائدةً مقويةً، و((المتقين)) مفعول بـ ((موعظة)»، ولم تمنع تَاءُ التأنيث من عمله لأنه مبنيّ عليها كقوله(٧): (١) المشكل ٢٣١/١. (٢) الإملاء ٢١٧/١. (٣) المحرر ١١٨/٥. (٤) الكشاف ٦١٧/١. (٥) أي: الوارد بعده. (٦) الإملاء ٢١٧/١. (٧) تقدم برقم ٩٨٢. ٢٨٤ ١٧٣٢- - المائدة - ورهبٌ عقابك . وقد تقدَّم الكلام على ((الإِنجيل))(١) واشتقاقُه وقراءةُ الحسن فيه بما أغنى عن إعادته. وقرأ(٢) الضحاك بن مزاحم: ((وهدى وموعظة)) بالرفع، ووجهُها أنها خبرُ ابتداء مضمر أي: وهو هدى وموعظة. آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿وليحكم﴾: قرأ الجمهورُ بسكونِ اللامِ وجزم الفعل بعدها على أنها لامُ الأمر سُكِّنَتْ تشبيهاً بـ((كْف)) وإن كان أصلها الكسرَ، وقد قرأ بعضُهم (٣) بهذا الأصلِ. وقرأ(٤) حمزة - رحمه الله - بكسرِها ونصبِ الفعل بعدها، جعلها لامَ كي، فنصبَ الفعلَ بعدها بإضمار ((أن)) على ما تقرر غيرَ مرة، فعلى قراءة الجمهور والشاذ تكونُ جملةً مستأنفة، وعلى قراءة حمزة يجوز أن تتعلق اللام بـ ((آتينا)) أو بـ ((قَفَّيْنا)) إن جعلنا ((هدى وموعظة)) مفعولاً لهما أي: قَفَّيْنا للهدى والموعظة وللحكم، أو آتيناه الهدى والموعظةَ والحكم، وإنْ جعلناهما حالين معطوفين على ((مصدقاً» تعلّق ((ليحكم) في قراءته بمحذوف دلَّ عليه اللفظ كأنه قيل: وللحكمِ آتيناه ذلك. قال الزمخشري(٥): ((فإن قلت: فإنْ نَظُمْتَ ((هدى وموعظة) في سِلْك (مصدقاً) فما تصنعُ بقوله: ((وليحكم))؟ قلت: أصنعُ به ما صنعت بـ ((هدى وموعظة)) حيث جعلتُهما مفعولاً لهما فأقدِّر: ((وليحكم أهل الإِنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه)). وقال ابن عطية(٦) قريباً من الوجه الأول - أعني كون ((وليحكم)) (١) انظر الآية ٣ من آل عمران. (٢) البحر ٤٩٩/٣. (٣) البحر ٥٠٠/٣. (٤) السبعة ٢٤٤؛ الكشف ٤١٠/١. (٥) الكشاف ٦١٧/١. (٦) المحرر ١١٨/٥. ٢٨٥ - المائدة - مفعولاً له عطفاً على ((هدى)) والعاملُ ((آتيناه)) الملفوظُ به - فإنه قال: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنورَ والتصديق وليحكم أهل الإِنجيل)). قال الشيخ (١): ((فعطفَ ((وليحكم)) على توهُّم علةٍ، ولذلك قال: ((ليتضمن))، وذكر الشيخُ قولَ الزمخشري السابقَ، وجعله أقربَ إلى الصواب من قول ابن عطية، قال: ((لأنَّ الهدى الأول والنور والتصديق لم يؤتَ بها على أنها علةٌ، إنما جيء بقوله ((فيه هدى ونور)) على معنى كائناً فيه ذلك ومصدقاً، وهذا معنى الحال، والحالُ لا تكونُ علةً، فقوله: ((ليتضمّن كيت وكيت ولیحکم)» بعيدٌ ... وقد خُتِمت الآيةُ (٢) الأولى بـ ((الكافرون))، والثانية بـ((الظالمون))، والثالثة بـ ((الفاسقون)) لمناسباتٍ ذكرَها الناس، وأحسنُ ما قيل فيها ما ذكره الشعبي من أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، وذلك أنَّ قبل الأولى «فإن جاؤوك فاحگمْ» و «کیف یُحَكِّمونك» و «يَحْكُم بها النبيون)» وقبل الثانية: ((وكَتَبْنا عليهم)) وهم اليهود، وقبل الثالثة: ((وليحكم أهل الإِنجيل)) وهم النصارى، فكأنه خصَّ كلَّ واحدة بما يليه. وقرأ أُبيّ(٣): ((وأن ليحكم)) بزيادة ((أن))، وليس موضعَ زیادتِها. آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿بالحق﴾: الباء يجوزُ أن تكونَ للخال من ((الكتاب)) أي: ملتبساً بالحق والصدق، وهي حالٌ مؤكدة، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل أي: مصاحبِين للحق، أو حالاً من الكاف في ((إليك)) أي: وأنت ملتبسٌ بالحق. و((من الكتاب)) تقدَّم نظيرُه. و((أل)) في الكتاب الأول للعهدِ وهو القرآنُ بلا خلافٍ، وفي الثاني: يُحْتمل أن تكونَ للجنس، إذ المرادُ الكتبُ السماوية. وجَوَّزَ الشيخ (٤) أن تكونَ للعهد؛ إذ المراد نوعٌ (١) البحر ٥٠٠/٣. (٢) الأولى وهي الآية ٤٤، والثانية هي الآية ٤٥ والثالثة هي الآية ٤٧. (٣) البحر ٥٠٠/٣. (٤) البحر ٥٠١/٣. ٢٨٦ - المائدة - معلومٌ من الكتاب، لا كلَّ ما يقع عليه هذا الاسمُ، والفرق بين الوجهين أنَّ الأولَ يحتاج إلى حذف صفة أي: من الكتاب الإلهي، وفي الثاني لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ العهدَ في الاسم يتضمَّنه بجميعٍ صفاته. قوله: ((ومُهَيْمِناً)، الجمهورُ على كسر الميم الثانية، اسمَ فاعل وهو حال من ((الكتاب)) الأول لعطفِه على الحال منه وهي (مصدقاً))، ويجوز في ((مصدقاً) و((مهيمنا)) أن يكونا حالين من كافٍ ((إليك))، وسيأتي تحقيقُ ذلك عند ذِكْرِ قراءةٍ مجاهد رحمه الله. و((عليه)) متعلق ((بمهيمِن)). والمهيمِن: الرقيب، قال(١): ١٧٣٣- إنَّ الكتابَ مهيمِنٌ لنبيِّنا والحقُّ يعرِفُه ذَوُو الْأَلْبابِ والحافظ أيضاً، قال(٢): ١٧٣٤ - مليكٌ على عرشِ السماء مهيمِنٌ لعزته تَعْنُو الوجوهُ وَتَسْجُدُ وهو الشاهد أيضاً. واختلفوا فيه: هل هو أصلٌ بنفسه أي: إنه ليس مبدلاً من شيء، يقال: هَيْمَن يُهَيْمِن فهو مُهَيْمِن، كَبَيْطَر(٣) يُبَيْطِر فهو مُبَيْطِر، قال أبو عبيدة(٤): ((لم يَجِىءٌ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعةُ ألفاظ: ((بيطر ومُسَيْطِر ومُهَيْمِن ومُحَيْمِر))، وزاد أبو القاسم الزجاجي(٥) في شَرْحه (١) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٢١٠/٦؛ والبحر ٥٠١/٣. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٥٠١/٣. (٣) بيطر: عالج الدواب. (٤) ليس في كتابه ((مجاز القرآن)). (٥) عبدالرحمن بن إسحاق، منسوب إلى شيخه الزجاج، له ((الجُمْل، اللامات، الإيضاح)) توفي سنة ٣٣٩. انظر: البغية ٧٧/١. - ٢٨٧ - المائدة- لخطبة ((أدب الكاتب)) لفظاً خامساً وهو: مُبَيْقِر، اسمَ فاعل مِنْ بَيْقَرِ يُبَيْفِرُ أي خَرَج من أفق إلى أفق، أو لعب البُقَّيْرى وهي لعبةٌ معروفة للصبيان، وقيل: إنّ هاءه مبدلة من همزة وأنه اسمُ فاعل من آمنَ غيرَه من الخوفِ، والأصلُ: [٢٤٧/أ] (مُأَأْمِن)) بهمزتين / أُبْدِلت الثانيةُ ياءً كراهيةَ اجتماعٍ همزتين(١)، ثم أُبْدِلت الأولى هاءً كـ هراق وهَراح وهَبَرْتُ الثوب في: أراق وأراح وأَبَرْت الثوب، وهذا ضعيفٌ أو فيه تكلفَ لا حاجةَ إليه، مع أنَّ له أبنيةً يمكنُ إلحاقه بها كُمُبَيْطِر وإخوانِه، وأيضاً فإن همزة (مُأُمِن)) اسم فاعل من ((آمن)) قاعدتُها الحذفُ فلا يُدَّعى فيهَا أُثْبِتَتْ ثم أُبْدِلَت هاءً، هذا ما لا نظير له. وقد سقطَ ابنُ قتيبة سقطةً فاحشةً حيث زعم أن ((مُهَيْمِناً)) مصغرٌ، وأن أصله ((مُؤْمِن)) تصغيرُ (مُؤْمن)) اسم فاعل، ثم قُلبت همزتُه هاءِ كَهَراق، ويُعْزى ذلك لأبي العباس المبرد أيضاً. إلَّ أنَّ الزجاج(٢) قال: ((وهذا حسنٌ على طريقٍ العربية، وهو موافقٌ لِما جاء في التفسير من أنَّ معنى مُهَيْمن: مُؤْمِن» وهذا الذي قاله الزجاج [واستحسنه أنكره الناسُ عليه وعلى المبردِ ومَنْ تَبِعَهما](٣)، ولما بلغ أبا العباس ثعلباً هذا القولُ أنكره أشدَّ إنكار وأنحى على ابن قتيبة وكتب إليه: أَنِ اتقِ الله فإن هذا كفرٌ أو ما أشبهه، لأن أسماء الله تعالى لا تُصَغّر وكذلك كل اسمٍ معظّم شرعاً. وقال ابن عطية (٤): ((إن النقاش حكى أنَّ ذلك لَمَّا بلغ ثعلبً فقال: إِنَّ ما قال ابنُ قتيبة رديءٌ باطل، والوثوبُ على القرآن شديد، وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف، وإنما جمع الكتب من هَوَسٍ غلبه)). [وقال أبو البقاء(٥): ((وأصلُ مُهَيْمن: مُؤْمِن لأنه مشتق من (١) فصار مُؤْمِن. (٢) معاني القرآن ١٩٧/٢. (٣) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل. (٤) المحرر ١٢٠/٥. (٥) الإملاء ٢١٧/١. ٢٨٨ - المائدة - الأمانة لأن المهيمنَ الشاهدُ، وليس في الكلام ((هَيْمن)» حتى تكون الهاء أصلاً))، وهذا الذي قاله ليس بشيء لِما تقدم من حكاية أهل اللغة هَيْمَن](١) وغايةُ ما في الباب أنهم لم يَسْتعملوه إلا مزيداً فيه الياءُ كَبَيْطر وبابِهِ . وقرأ(٢) ابن محيصن ومجاهد: ((ومُهَيْمَنا)) بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ مفعولٍ بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله تعالى: ((إنَّا نحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا له لحافظون))(٣) أو الحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِّرت منه الحركةُ تنَبَّه لها الناسُ ورَدُّوا على قارئها بالصواب، والضمير في ((عليه)) على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروى ابن (٤) أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: ((معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن)». قال الطبري (٥): ((فعلى هذا يكون ((مهيمناً)) حالاً من الكاف في ((إليك))، وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في ((ومهيمنا)) لأنها عطف على ((مصدقاً)) و((مصدقاً)) حال من الكتاب لا حال من الكاف، إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب: ((لما بين يديك)) بالكاف. قال الشيخ(٦): ((وتأويلُه على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيدٌ عن نظم القرآن، وتقدير: ((وجعلناك يا محمد مهيمناً)) أبعدُ)) يعني أن هذين التأويلين يصلحان أن يكونا جوابين عن قول مجاهد، لكن الأول بعيدٌ والثاني (١) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل. (٢) الشواذ ٣٢؛ القرطبي ٢١٠/٦؛ البحر ٥٠٢/٣. (٣) الآية ٩ من الحجر. (٤) عبدالله بن يسار الأعرج المكي، روى عن سالم بن عبدالله وعنه يزيد بن إبراهيم، ولم تذكر وفاته. انظر: تهذيب التهذيب ٨٥/٦. (٥) تفسير الطبري ٣٨١/١٠. (٦) البحر ٥٠٢/٣. ٢٨٩ - المائدة - أبعدُ منه. وقال ابن عطية(١) هنا بعد أن حكى قراءةً مجاهد وتفسيرَه محمداً عليه السلام أنه أمين على القرآن: ((قال الطبري: وقولُه ومهيمناً على هذا حالٌ من الكاف في قوله ((إليك)) قال: ((وهذا تأويلٌ بعيدٌ من المفهوم)) قال: ((وَغَلِط الطبري في هذه اللفظةِ على مجاهد، فإنه فَسَّرِ تأويلَه على قراءة الناس: (مهيمناً)) بكسر الميم الثانية فَبَعُدَ التأويل، ومجاهد - رحمه الله - إنما يقرأ هو وابن محيصن: ((ومهيمنا)) بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول، وهو حالٌ من الكتاب معطوف على قوله: ((مصدقاً))، وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد عليه السلام. قال: ((وكذلك مشى مكي رحمه الله)) قلت: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ ((مهيمنا)) حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية (٢) بعد ذلك: ((ويحتمل أن يكون ((مصدقاً ومهيمناً)) حالَيْن من الكاف في ((إليك))، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةً مجاهد وحده كما زعم مكي (٣)، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف ((إليك)) لقلق التركيب، وقد تقدَّم ما فيه وما نقله الشيخُ من التأويلين، وقوله: ((ولا يخص ذلك)) كلامٌ صحيح، وإنْ كان مكي التزمه وهو الظاهر. و ((عليه)) في موضع رفع على قراءة ابن محيصن ومجاهد لقيامِه مقامَ الفاعل، كذا قاله ابن عَطية (٤)، قلت: هذا إذا جعلنا ((مهيمناً)) حالاً من الكتاب، أمَّا إذا جعلناه حالاً من كاف ((إليك)) فيكونُ القائمُ مقامَ الفاعلِ ضميراً مستتراً يعودُ على النبي عليه السلامِ، فيكون ((عليه)) أيضاً في مجلٌّ نصبٍ كما لوقُرِىء به اسمَ فاعل. قوله: ((عَمَّا جاءك)) فيه وجهان، أحدهما: (١) المحرر ١١٩/٥. (٢) المحرر ١٢٠/٥. (٣) ليس في (المشكل)) أي تعليق لمكي علي ((مهيمن)). (٤) المحرر ١١٩/٥. ٢٩٠ - المائدة - - وبه قال أبو البقاء _(١) أنه حال أي: عادلاً عما جاءك، وهذا فيه نظرٌ من حيث إنَّ ((عن)) حرفُ جر ناقص لا يقع خبراً عن الجثة، فكذا لا يقع حالاً عنها، وحرفُ الجر الناقص إنما يتعلق بكون مطلق لا يكونٍ مقيدٍ، لكنَّ المقيدَ لا يجوز خَذْفُه. والثاني: أنَّ ((عَنْ)) على بابها من المجاوزة، لكن بتضمين (تَّبِعْ)) معنى ((تتزَحْزَحْ وتنحرف)) أي: لا تنحرف متبعاً. قوله: ((من الحق)) فيه أيضاً وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من الضمير المرفوع في ((جاءك))، والثاني: أنه حالٌ من نفس ((ما)) الموصولة، فيتعلق بمحذوفٍ، ويجوز أَنْ تكونَ للبيانِ. قوله: ((لكل)) ((كل)) مضافة لشيء محذوف، وذلك المحذوفُ يُحتمل أن يكونَ لفظةً ((أمة)) أي: لكل أمة، ويراد بهم جميعُ الناس من المسلمين واليهود والنصارى، ويحتمل أن يكونَ ذلك المحذوفُ ((الأنبياء)» أي: لكل الأنبياء المقدَّمِ ذكرُهم. و((جَعَلْنا» يُحتمل أن تكون متعديةً لاثنين بمعنى صَيَّرْنا، فيكون ((لكل)) مفعولاً مقدماً، و((شِرْعة)» مفعولٌ ثان. وقوله: (منكم)) متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: أعني منكم، ولا يجوزُ أَنْ يتعلَّق بمحذوف على أنه صفةٌ لـ((كل)) لوجهين، أحدُهما: أنه يلزمُ منه الفصلُ بين الصفة والموصوف بقوله ((جَعَلْنا))، وهي جملةٌ أجنبية ليس فيها تأكيدٌ ولا تسديدٌ، وما شأنُه كذلك لا يجوز الفصلُ به. والثاني: أنه يلزم منه الفصلُ بين ((جَعَلْنا)) وبين معمولها وهو ((شِرْعةً))، قاله أبو البقاء(٢)، وفيه نظر، فإن العامل في (لكل)) غيرُ أجنبي، ويدل على ذلك قوله: ((أغيرَ الله أَتَّخِذُ ولياً فاطِر))(٣) ففصل بين الجلالة وصفتِها بالعامل في المفعول الأول، وهذا نظيره. وقرأ(٤) إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب: ((شَرْعة)) بفتح الشين، كأن المكسور (١) الإملاء ٢١٧/١. (٢) الإملاء ٢١٧/١. (٣) الآية ١٤ من الأنعام. (٤) الشواذ ٣٢؛ البحر ٥٠٣/٣. ٢٩١ - المائدة - للهيئة والمفتوح مصدر. والشِرْعة في الأصل: السُّنَّةُ، ومنه: (شَرَعَ لكم من الدينِ))(١) أي: سَنَّ والشارع: الطريق، وهو من الشريعةِ التي هي في الأصل الطريقُ المُوصِلُ إلى الماء، ومنه قوله(٢): ١٧٣٥ - وفي الشرائعِ مِنْ جِلَّنَ مُقْتَنِصٌ بالي الثيابِ خَفيُّ الصوتِ مُنْزَرِبُ والمِنْهاج: مشتق من الطريق النَّهْج وهو الواضح، ومنه قولُه(٣): ١٧٣٦ - مَنْ يَكُ ذا شَكّ فهذا فَلْجُ ماءً: رُواءٌ وطريقٌ نَهْجُ أي: واضحٌ، يُقال: طريق مَنْهَجُ ونَهْجٌ. وقال ابن عطية (٤): ((مِنْهاج [٢٤٧ /ب] مثالُ مبالغةٍ من نَهَج)) يعني نحوَ قولهم: «إنه لمِنْحار بوائگها)»(٥) / وهو حسن، وهل الشرعةُ والمنهاجُ بمعنى، كقوله(٦): وهند أتى مِنْ دونِها النّأْيُ والْبُعْدُ ١٧٣٧- (١) الآية ١٣ من الشورى. (٢) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٦٤؛ اللسان زرب؛ ابن عطية ١٢١/٥. المقتنص: الصائد، جلان: قبيلة. المنزرب: الداخل في بيته. وقد أصاب الشطر الأول خرم في الأصل. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في مجاز القرآن ١٦٨/١؛ والمقتضب ٢٥٩/٣؛ واللسان: روى والرواء: العذب. (٤) المحرر ١٢٢/٥. (٥) البوائك: السمان من الإِبل. (٦) تقدم برقم ٤٦٦. ٢٩٢ - المائدة - [وكقوله: ](١) ١٧٣٨_ وأَلْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنا أو مختلفان؟ فالشُّرْعة ابتداءُ الطريق، والمِنْهاج الطريق المستمر، قاله المبرد، أو الشِرْعَةُ الطريقُ واضحاً كان أو غيرَ واضح، والمنهاج الطريق الواضح فقط، فالأول أعمُّ، قاله ابن الأنباري، أو الدين والدليل؟ خلاف مشهور. قوله: ((ولكن ◌ِيَبْلُوَكُمْ)) ((ليبلوكم)) متعلقٌ بمحذوف فقدَّره أبو البقاءِ(٢): (ولكنْ فَرَّقكم ليبلوكم)» وقدَّره غيرُه: ((ولكن لم يَشَأْ جَعْلَكم أمةً واحدة)) وهذا أحسنُ لدلالة اللفظ والمعنى عليه. و((جميعاً) حال من ((كم)) في ((مرجعكم))، والعاملُ في هذه الحال: إمَّا المصدرُ المضافُ إلى ((كم))، فإنَّ ((كم)) يحتمل أَنْ يكونَ فاعلاً، والمصدرُ يَنْحَلُّ لحرف مصدري وفعل مبنيٍ للفاعل، والأصلُ: (تَرْجِعون جميعاً))، ويحتمل أن يكونَ مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله على أن المصدر ينحلَّ لفعل مبني للمفعول أي: يُرْجِعُكم الله، وقد صُرِّح بالمعنيين في مواضع، وإمَّا (٣) أن يعملَ فيها الاستقرارُ المقدر في الجار وهو ((إليه))، و ((إليه مَرْجِعُكم)) يُحتمل أن يكونَ من بابِ الجمل الفعلية أو الجمل الاسمية، وهذا واضحٌ بما تقدَّم في نظائره، و((فَيُنَبِّثُكم)) هنا من (نَبَّ)) غيرَ متضمنةٍ معنى ((أعلم)) فلذلك تَعَدَّت لواحدٍ بنفسها وللآخر بحرف الجر. [. (٤٩) قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾: فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّ محلَّها النصبُ عطفاً على الكتاب، أي: وأنزلنا إليكم الحكم. والثاني: أنها في محلّ جرٍ عطفاً على ((بالحق)) أي: أَنْزِلناه بالحقِّ وبالحكم)). وعلى هذا (١) تقدم برقم ٤٦٥. (٢) الإملاء ٢١٧/١. (٣) قوله: ((وإما) معطوف على قوله ((إِمَّا المصدر)). ٢٩٣ - المائدة - الوجهِ فيجوزُ في محلِّ ((أَنْ)) النصبُ والجرُّ على الخلافِ المشهور(١). والثالث: أنَّها في مجِلُّ رفعٍ على الابتداء(٢) وفي تقدير خبره احتمالان أحدُهما: أنْ تقدِّره متأخراً أي: حكمُك بما أنزلَ اللّهُ أمرُنا أو قولنا، والآخر: أن تقدِّره متقدماً أي: ومن الواجبِ أن احكم أي: حكمُك. والرابع: أنها تفسيريةٌ، قال أبو البقاء(٣): ((وهو بعيدٌ لأن الواو تمنع من ذلك، والمعنى يُفْسِدُ ذلك، لأنَّ ((أَنْ)) التفسيريةَ ينبغي أن يَسْبِقَها قولٌ يُفَسَّر بها)) أمَّا ما ذكره مِنْ مَنْعِ الواو أَنْ تكونَ ((أَنْ)) تفسيريةُ فواضح، وأمَّا قولُه: ((يسبِقُها قولٌ)) إصلاحُه أن يقولَ: ((ما هو بمعنى القول لا حروفه)) ثم قال: «ويمكنُ تصحيحُ هذا القولِ بأن يكون التقدير: وأمرناك، ثم فَسَّر هذا الأمرَ بـ ((احكم). ومنع الشيخ(٤) من تصحيحِ هذا القول بما ذكره أبو البقاء، قال: ((لأنه لم يُحْفَظُ من لسانِهم حذفُ الجملةِ المفسِّرة بـ ((أَنْ)) وما بعدها)) وهو كما قال. وقراءتا ضمِّ نونٍ (أن)) وكسرِها(٥) واضحتان مِمَّا تقدَّم في البقرة: الضمة للإِتباع والكسر على أصل التقاء الساكنين. والضميرُ في «بينهم)): إمَّا لليهود خاصةً وإمَّا لجميع المتحاکمین. قوله: ((أَنْ يَفْتِنُوكُ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ من أجله أي: احْذَرْهم مخافةً أَنْ يَفْتِنوك. والثاني: أنها بدلٌ من المفعول على جهةِ الاشتمال كأنه [قال]: «واحْذَرْهُمْ فتنتهم)» كقولك: ((أعجبني زيد علمُه)). وقوله: ((فإنْ (١) يرى الخليل أنها في محل جر ويرى سيبويه أنها في محل نصب. انظر: الكتاب ١٧/١. (٢) يلاحظ أن الأوجه الثلاثة على تقدير أن ((أن)) مصدرية والأمر بعدها صلتها، وذلك على خلاف الوجه الرابع. (٣) الإملاء ٢١٨/١. (٤) البحر ٥٠٤/٣. (٥) ذكر أبو حيان القراءتين من دون نسبة. البحر ٥٠٤/٣. ٢٩٤ - المائدة - تَوَلَّوا) قال ابن عطية(١): ((قبلَه محذوفُ يدل عليه الظاهرُ تقديرُه: لا تتبعْ واحذَرْ، فإنْ حَكَّموك مع ذلك واستقاموا لك فنعِمًا ذلك، وإنْ تَوَلَّوا فاعَلْم)»، ويَحْسُن أن يُقَدَّر هذا المحذوفُ المعادلُ بعد قوله: ((لفاسقون)). والذي ينبغي ألّ يقال في هذا النوع ثَمَّ حذفُ؛ لأن ذلك من بابِ فحوى الخطاب، والأمرُ فيه واضح . آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ﴾: الجمهورُ على ضم الحاء وسكون الكاف ونصب الميم، وهي قراءةٌ واضحة، ((حكمّ)) مفعول مقدم، و (يبغون)) فعل وفاعل، وهو المستفهم عنه في المعنى، والفاءُ فيها القولان المشهوران: هل هي مؤخرة عن الهمزة وأصلُها التقديمُ، أو قبلَها جملةُ عَطَفَتْ ما بعدها عليها تقديره: أَيَعْدِلون عن حكمِك فيبغون حكمَ الجاهلية؟ وقرأ (٢) ابن وثاب والأعرج وأبورجاء وأبو عبدالرحمن برفع الميم، وفيها وجهان، أظهرُهما : - وهو المشهورُ عند المُعْرِبين - أنه مبتدأ، و((يبغون)) خبره، وعائد المبتدأ محذوفٌ تقديرُه: ((يَبْغُونه)) حملاً للخبرِ على الصلة. إلا أن بعضهم جعلَ هذه القراءة خطأً، حتى قال أبو بكر بن مجاهد: ((هذه القراءةُ خطأ»، وغيرُه يجعلُها ضعيفةً، ولا تبلغُ درجة الخطأ، قال ابن جني(٣) في قول ابن مجاهد: «ليس كذلك، ولكنه وَجْهُ غيرِه أقوى منه، وقد جاء في الشعر، قال. أبو النجم (٤): ١٧٣٩ - قد أصبحَتْ أمُّ الخيارِ تَدَّعي عليَّ ذنباً كلُّه لم أَصْنْعِ (١) المحرر ١٢٤/٥. (٢) الشواذ ٣٢؛ القرطبي ٢١٥/٦؛ البحر ٥٠٥/٣. (٣) المحتسب ٢١١/١. (٤) البيت في الكتاب ٤٤/١؛ والمحتسب ٢١١/١؛ والجمع ٩٧/١؛ والدرر ٧٣/١. ٢٩٥ - المائدة - أي: لم أصنعه)). قال ابن عطية(١): ((هكذا الروايةُ(٢) وبها يتم المعنى الصحيح، لأنه أرادَ التبرُّؤ من جميع الذنوب، ولو نَصَب ((كل)» لكان ظاهرُ قوله أنه صنع بعضَه)) قلت: هذا الذي ذكره أبو محمد معنى صحيح نصَّ عليه أهل علم المعاني والبيان، واستشهدواعلى ذلك بقوله علیه السلام حين سأله ذوالیدین فقال: ((أَقَصَرْتَ الصلاة أم نسيت؟ فقال ((كلُّ ذلك لم يكن))(٣) أرادَ عليه السلام انتفاءَ كلِّ فردٍ فردٍ، وأفاد هذا المعنى تقديمُ ((كل))، قالوا: ولو قال: (لم يكن كلُ ذلك)) لاحتمل الكلام أن البعض غيرُ منفيّ، وهذه المسألة تُسَمَّى عمومَ السلب، وعكسُها نحو: ((لم أصنعْ كلَّ ذلك)) يُسَمَّى سلبَ العموم، وهذه مسألةٌ مفيدة فأتقِنتُها، وإن كان بعضُ الناسِ قد فهم عن سيبويه غيرَ ما ذكرت لك. ثم قال ابن عطية (٤): ((وهو قبيحٌ - يعني حَذْفَ العائد من الخبر - وإنما يُحْذَفُ الضمير كثيراً من الصلة، ويُحْذَفُ أقلَّ من ذلك من الصفة، وحَذْفُه من الخبرِ قبيحٌ)) ولكنه رجّح البيتَ على هذه القراءةِ بوجهين، أحدهما: أنه ليس في صدرِ قوله ألفُ استفهام تطلب الفعل كما هي في ((أفحكم))، والثاني: أن [٢٤٨/ أ] في البيت عوضاً من الهاء المحذوفة / وهو حرفُ الاطلاق، أعني الياء في ((اصنعي))، فتضعفُ قراءة مَنْ قرأ ((أفحكمُ الجاهلية يبغون)). وهذا الذي ذكره ابن عطية في الوجه الثاني كلامٌ لا يعبأ به، وأمَّ الأول فهو قريبٌ من الصواب، لكنه لم ينهضْ في المنعِ ولا في التقبيح، وإنما ينهضُ دليلاً على الأحسنَّة أو على أن غيرَه أَوْلِى منه، وهذه المسألةُ ذكر بعضُهم الخلافَ فيها بالنسبة إلى (١) المحرر ١٢٤/٥. (٢) أي: برفع كل. (٣) رواه البخاري (الفتح): الصلاة ٥٦٦/١؛ مسلم: المساجد ٤٠٣/١؛ أبو داود: الصلاة . ٦١٧/١. (٤) المحرر ١٢٥/٥. ٢٩٦ - المائدة - نوعٍ ، ونَفَى الخلافَ فيها - بل حكى الإِجماع على الجواز- بالنسبة إلى نوعٍ آخر، فحكى الإجماعَ فيما إذا كان المبتدأُ لفظَ ((كل)) أو ما أشبهها في العموم والافتقار، فأمَّا ((كل)) فنحو(١): ((كلُّ رجلٍ ضربت)) ويقويه قراءة ابن عامر: ((وكلَّ وعد الله الحسنى)»(٢)، ويريد بما أشبه ((كلا)» نحو: ((رجلٌ يقولُ الحقَّ انصرْ)) أي: انصُرْه، فإنه عامٌّ ويفتقر إلى صفة، كما أن ((كلَّ)) عامةٌ وتفتقر إلى مضاف إليه، قال: ((وإذا لم يكن المبتدأ كذلك فالكوفيون يَمْنعون حذفَ العائد، بل ينصبون المتقدم مفعولاً به، والبصريون يُجيزون: ((زيدٌ ضربتُ)) أي ضربته، وذكر القراءةً. وتعالى بعضُهم فقال: ((لا يجوزُ ذلك)) وأطلق، إلا في ضرورة شعر كقوله(٣): ١٧٤٠ - وخالدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا بالحقَّ، لا يُحْمَدُ بالباطلِ قال: ((لأنه يؤدي إلى تهيئةِ العامل للعمل وقطعه عنه))، وقد أَنْقَنْتُ هذه المسألةَ وما نُقل فيها في كتابي ((شرح التسهيل)) فعليك بالالتفات إليه. والوجه الثاني من التوجيهين المتقدمين أن يكونَ ((يبغون)) ليس خبراً للمبتدأ، بل هو صفةٌ لموصوفٍ محذوف وذلك المحذوفُ هو الخبر، والتقدير: ((أفحكمُ الجاهليةِ حكمٌ يَبْغون))، وحَذْفُ العائدِ هنا أكثرُ لأنه كما تقدَّم يكثُر حَذْفُه من الصلةِ، ودونَه من الصفةِ، ودونَه من الخبر، وهذا ما اختاره ابنُ عطية (٤) وهو تخريجٌ ممكنٌ، وَظَّره بقوله تعالى: ((من الذين (١) سقطت الفاء من الأصل وهي واجبة بعد ((أما)). (٢) الآية ١٠ من الحديد. وانظر: السبعة ٦٢٥. (٣) تقدم برقم ٦٨٤. (٤) المحرر ١٢٥/٥. ٢٩٧ - المائدة - هادُوا يُحَرِّفون))(١) أي: قومٌ يُحَرِّفون)) يعني في حذف موصوفٍ وإقامةِ صفتِه مُقامه، وإلا فالمحذوفُ في الآيةِ المنظّرِ بها مبتدأٌ، ونظّرها أيضاً بقوله (٢): ١٧٤١ - وما الدهرُ إلا تارتانٍ: فمنهما أموتُ وأُخْرى أبتغي العيشَ أكدحُ أي: تارةً أموت فيها. وقال الزمخشري(٣): ((وإسقاطُ الراجع عنه كإسقاطِه في الصلة، كقوله: ((أهذا الذي بَعَثَ اللّهُ رسولاً (٤) وعن الصفةِ: (في الناس رجُلان: [رجلٌ] أهْنْتُ، ورجلٌ أكرمت)) أي: رجلٌ أهنته(٥) ورجلٌ أكرمته، وعن الحالِ في نحو: ((مررت بهند يضرب زيد))(٦). قال الشيخ(٧): ((إِنْ عَنَى التشبيه في الحذف والحسن فليس كذلك لِما تقدَّم ذكرُه، وإن عنى في مطلق الحذفِ فَمَسَلَّم)). وقرأ الأعمش وقتادة: ((أَفَحَكَمَ)) بفتح الحاء والكاف ونصب الميم، وهو مفردٌ يراد به الجنس لأن المعنى: أحُكَّامَ الجاهلية، ولا بد من حذف مضاف في هذه القراءة هو المُصَرَّحُ بهِ في المتواترة تقديره: أَفَحُكْمَ حُكَّامٍ الجاهليةِ . والقُرَّاء(٨) غيرَ ابْنِ عامر على ((يَبْغُون)) بياء الغيبة نسقاً على ما تقدَّم من الأسماء الغائبة. وقرأ هو بتاء الخطاب على الالتفاتِ ليكون أبلغَ في زَجْرِهِم (١) الآية ٤٦ من النساء. (٢) البيت تقدم برقم ١٥٩٠. (٣) الكشاف ٦١٩/١. (٤) الآية ٤١ من الفرقان. (٥) الأصل: ((أهنت)) ((أكرمت)) وهو سهو لأنه الشاهد. (٦) أي: يضربها. (٧) البحر ٥٠٥/٣. (٨) السبعة ٢٤٤؛ الكشف ٤١١/١. ٢٩٨ - المائدة - وَرَدْعِهِم ومباكتته لهم، حيث واجهَهم بهذا الاستفهامِ الذي يَأْنَفُ منه ذَوُوالبصائِر. و((حُكْماً)) نصباً على التمييز. وقوله: ((لقوم)) في هذه [اللام] ثلاثةُ أوجهٍ أحدها: أن يتعلَّقَ بنفسِ ((حكماً) إذ المعنى أنَّ حكمَ اللَّهِ للمؤمن على الكافر، والثاني: أنها للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوف كهي في ((سُقْياً لك)) و((هَيْتَ لك))(١)، وهو رأي الزمخشري(٢)، وابن عطية(٣) قال شيئاً قريباً منه، وهو أن المعنى: ((يُبَيِّن ذلك ويُظْهِرُه لقوم)). الثالث: أنها بمعنى ((عند)» أي: عند [قوم] وهذا ليس بشيء. ومتعلَّقُ ((يوقنون)) يجوز أن يُراد، وتقديرُه: يوقنون بالله وبحكمه، أو بالقرآن، ويجوز ألَّ يُرادَ على معنى وقوع الإِيقان، وإليه ميلُ الزجاج(٤)، فإنه قال: ((يوقنون: يتبيَّنون عَدْلَ اللَّهِ في حكمه)). أ. (٥١) قوله تعالى: ﴿بعضُهم أولياءُ بعض﴾: مبتدأ وخبر، وهذه الجملة لا محلَّ لها لأنها مستأنفةٌ، سيقت تعليلاً للنهي المتقدم، وزعم الحوفي أنَّها في محلٌّ نصبٍ نعتً لـ «أولياء))، والأولُ هو الظاهر، والضمير في (بعضهم)) يعودُ على اليهود والنصارى على سبيل الإِجمال، والقرينة تبيّن أنَّ بعضَ اليهودِ أولياءُ بعض، وأنَّ بعضَ النصارى أولياء بعضٍ ، وبهذا التقرير لا يُحتاج كما زعم بعضُهم إلى تقدير محذوف يَصِحُّ به المعنى وهو: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض، قال: لأنَّ اليهود لا يتولَّوْن النصارى، والنصارى لا يتوَلَّوْن اليهود، وقد تقدَّم جوابه. آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿فترى الذين﴾: الجمهورُ على ((تَرى)) بتاء الخطاب، و((الذين)) مفعول، فإن كانت الرؤيةُ بصريةً أو عُرْفانية - فيما نقله (١) الآية ٢٣ من يوسف. (٢) الكشاف ٦١٩/١. (٣) المحرر ١٢٦/٥. (٤) معاني القرآن ١٩٨/٢. ٢٩٩ - المائدة - أبو البقاء (١) وفيه نظرٌ ـ فتكونُ الجملةُ من ((يُسارعون)» في محلُّ نصبٍ على الحال من الموصول، وإنْ كانت قلبية فيكون ((يسارعون)) مفعولاً ثانياً. وقرأ(٢) النخعي وابن وثاب: ((فَيَرى)) بالياء وفيها تأويلان، أظهرُهما: أنَّ الفاعل ضميرٌ يعودُ على الله تعالى، وقيل: على الرأي من حيثُ هو، و((يُسارعون)» بحالتِها، والثاني : أن الفاعل نفسُ الموصول والمفعول هو الجملةُ من قوله: ((يسارعون) وذلك على تأويل حَذْفِ ((أَنْ)) المصدرية، والتقدير: ويرى القومُ الذين في قلوبهم مرض أَنْ يُسارعوا، فلمَّا حُذِفَتْ ((أَنْ)) رُفِع الفعل كقوله(٣): ١٧٤٢ - ألا أيُّهذا الزاجرِي أَحْضُرُ الوَغى أجازّ ذلك ابن عطية (٤)، إلا أنَّ هذا غيرُ مقيس، إذ لا تُحْذَف ((أن)) عند البصريين إلا في مواضعَ محفوظة. وقرأ(٥) قتادة والأعمش: ((يُسْرِعون)) من أسرع. و((يقولون)) في محلّ نصبٍ على الحال من فاعل ((يسارعون))، و ((نخشى)» في محلّ نصب بالقول، و((أن تصيبنا)) في محل نصب بالمفعول أي: نخشى إصابتنا. والدائرة صفة غالبة لا يُذْكر موصوفُها، والأصل: داوِرَة، لأنها من دار يدور. قوله: ((أن يأتي)» في محلِّ نصب: إمَّا على الخبر لـ ((عسى)) [٢٤٨/ب] وهو رأي الأخفش، / وإمَّا على أنها مفعولٌ به وهو رأيُ سيبويه(٦) لئلا يلزمَ الإِخبارُ عن الجثة بالحَدَث في قولك: ((عسى زيدٌ أَنْ يقومَ))، وأجاز أبو البقاء (٧) أن يكونَ ((أن يأتي)) في محلّ رفعٍ على البدل من اسم ((عسی)) وفيه نظر. (١) الإملاء ٢١٨/١. (٢) الشواذ ٣٣؛ البحر ٥٠٨/٣. (٣) تقدم برقم ٥٢١. (٤) المحرر ١٢٨/٥. (٥) الشواذ ٣٣؛ البحر ٥٠٨/٣. (٦) الكتاب ٤٧٧/١. (٧) الإملاء ٢١٩/١. ٣٠٠