Indexed OCR Text

Pages 261-280

- المائدة -
إذا كان مبنياً على مبتدأ مُظْهَرٍ أو مضمر، فأمَّا في المُظْهَرِ فقولُه: ((هذا زيدٌ
فاضرِبْه)) وإن شئت لم يظهر هذا ويعمل كعمله إذا كان مظهراً، وذلك قولك:
(الهلالُ واللَّهِ فانظرْ إليه)) فكأنك قلت: ((هذا الهلال)) ثم جئت بالأمر، ومن
ذلك قولُ الشاعر(١):
١٧٢٥ - وقائلةٍ: خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ
وأُكْرومةُ الحَيِّنِ خِلْوٌ كما هِيا
هكذا سُمع من العربِ تُنْشِدُه)) يعني برفع ((خولان)» فمع قوله: ((يحسن
ويستقيم)) كيف [يكونُ] طاعناً في الرفع؟ وقولُه: ((فإِنْ قال سيبويه إلى آخره))
فسيبويه لا يقول ذلك، وكيف يقوله وقد رجَّح الرفعَ بما أوضحته، وقوله:
(م يقرأ بها إلا عيسى)) ليس كما زعم، بل قرأ بها جماعة كإبراهيم ابن
أبي عبلة، وأيضاً فهؤلاء لم يَقْرَؤُوها من تِلْقاء أنفسِهم، بل نقلوها إلى أن
تتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم، غايةُ ما في الباب أنها ليست في شهرة
الأولى. وعن الثاني: أن سيبويه لم يَدَّعِ ترجيحَ النصبِ حتى يُلْزَمَ بما قاله، بل
خَرَّج قراءة العامة على جملتين، لِما ذكرت لك فيما تقدم من دخول الفاء،
ولذلك لمَّا مَثّل سيبويه جملةَ الأمر والنهي بعد الاسمِ مثلهما عاريتين من
الفاء، قال: ((وذلك قولك: ((زيداً اضربْه)) و((عمراً امُرُرْ به)). وعن الثالث:
ما تقدم من الحكمة المقتضية للمجيء بالفاء وكونها رابطة للحكم بما قبله،
وعن الرابع: بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فَرْقٌ بأنَّ الرفعَ يقتضي العلةَ،
والنصبَ لا يقتضيه، وذلك أن الآية من باب التعليل بالوصفِ المُرَتَّبِ عليه
الحكمُ، ألا ترى أن قولك: ((اقطع السارق)) يفيد العلةَ، أي: إنه جَعَلَ علةَ
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الكتاب ٧٠/١؛ وابن يعيش ١٠٠/١؛ والمغني ١٧٩؛ والأزهية
٢٥٢؛ والعيني ٥٢٩/٢؛ والدرر ٧٩/١. الأكرومة: الكريمة، والحيَّان: حيّ أبيها
وأمها. وخلو: خالية من الزوج.
٢٦١

- المائدة -
القطعِ اتصافَه بالسرقةٍ، فهذا يشعر بالعلةِ مع التصريحِ بالنصبِ. وعن
الخامس: أنهم يُقَدِّمون الأهمَّ حيث اختلفت النسبَةُ الإِسناديةُ كالفاعِل مع المفعول ،
وَلْنَسْرُدْ نصَّ سيبويه ليتَبَّن ما ذكرناه، قال سيبويه(١): ((فإنْ قَدَّمْتَ [المفعول]
وأخَّرت الفاعلَ جرى اللفظُ كما جرى في الأول)) يعني في: ((ضرب عبدُ الله
زيداً) قال: ((وذلك: ضرب زيداً عبدُالله، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت
به مقدماً، ولم تُرِدْ أن يشتغل الفعلُ بأولَ منه وإن كان مؤخراً في اللفظ، فَمِنْ
ثَمَّ كان حَدُّ اللفظِ أن يكونَ فيه مقدماً وهو عربي جيدٌ كثير، كأنهم يُقَدَّمون
الذي بيانُه أهمُّ لهم، وهم ببيانِهِ أَعْنَى، وإن كانا جميعاً يُهِمَّانِهِم ويَعْنِيانهم)»
والآية الكريمة ليست من ذلك.
قوله: ((أيديهما)) جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لِأِمْنِ اللَّْس، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ
مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه، فهو من باب ((صَغَتْ قلوبكم))(٢)، ويدل على ذلك قراءةُ
عبد الله (٣): ((فاقطعوا أيمانَهما)). واشترط النحويون في وقوعِ الجمعِ موقعَ
التثنية شروطاً، من جملتها: أن يكون ذلك الجزء المضافُ مفرداً من صاحبِهِ
نحو: ((قلوبكم)) و((رؤوس الكبشين)) لأمن الإلباس بخلافِ العينين واليدين
[٢٤٤/أ] والرجلين، لو قلت: ((فَقَّأْتُ أعينَهما)) / وأنت تعني عينيهما، و((كَتَّفْتُ
أيديَهما)) وأنت تعني (يديهما)) لم يَجُزْ لِلَّبْسِ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن
المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك، وهذا مستفيضٌ في لسانِهم - أعني وقوعٌ
الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: ((فقد صَغَتْ قلوبُكما)).
وَلْنذكر المسألةَ فتقول: كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهِما لفظاً أو تقديراً
وكانا (٤) مفردّيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأحسنُ الجمعُ، ويليه
(١) الكتاب ١٤/١ - ١٥.
(٢) الآية ٤ من التحريم: ﴿إِنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فقد صَغَتْ قلوبُكما﴾.
(٣) البحر ٤٨٣/٣.
(٤) الأصل: «وکان» وهو سهو.
٢٦٢

- المائدة -
الإفرادُ عند بعضِهم، ويليه التثنيةُ، وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ
ثم الإِفرادُ نحو: ((قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشین)»،
قال(١):
١٧٢٦ - ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ
ظهراهُما مثلُ ظهورِ التَّرْسَيْنْ
فقولي: ((جزآن)) تَحَرُّزُ من الشيئين المنفصلين، لوقلت: قبضت
دراهمكما) تعني: دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّْس، فلو أُمِنَ جاز كقوله: اضرباه
بأسيافِكما)) ((إلى مضاجعكما)). وقولنا ((أُضيفا)) تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله: ((على
لسان داود وعيسى بن مريم))(٢)، وقولنا ((لفظً) تقدَّم مثالُه، فإنَّ الإِضافةَ فيه
لفظيةٌ. وقولُنا ((أو تقديراً)) نحو قوله(٣):
١٧٢٧ - رأيت بني البكري في حومة الوغى
كفاغِرَي الأفواءِ عند عُرِين
فإنَّ تقديره: كفاغري أفواههما. وقولنا (مفردين)) تحرزٌ من العينين
ونحوهما، وإنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي
تثنيتين، وكان الجمعُ أولى من المفرد المشاركةِ التثنيةِ في الضم، وبعده المفردُ
لعدم الثقل، هذا عند بعضِهم قال: ((لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله(٤):
١٧٢٨ - هما نَفّثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما
على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامٍ
(١) البيت لخطام المجاشعي، وهو في اللسان: ((سمت))، وأمالي الشجري ١٢/١؛ وابن يعيش
٤ /١٥٥؛ والأشموني ٧٤/٣؛ والدرر ٥١٥/١.
المهمه: المفازة، القَّذَف: البعيد، والمرْت: الأرض الجرداء.
(٢) الآية ٧٨ من المائدة.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الهمع ٥٠/١؛ والدرر ٢٥/١. والعرين: بيت الأسد.
(٤) البيت تقدم برقم ١٤٦٣ .
٢٦٣

- المائدة -
بخلافِ الإِفراد فإنه وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ، ومنه: ((مَسَح أذنيه
ظاهرَهما وباطنَهما)). وقال بعضُهم: ((الْأُحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإفراد
کقوله(١):
١٧٢٩- حمامةَ بطنِ الواديَّيْن تَرَنَّمي
سَقاكِ من الغُرِّ الغوادِي مطيرُها
وقال الزمخشري(٢): ((أيديهما: يديهما، ونحوه: ((فقد صَغَتْ قلوبكما))
اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وأريد باليدين اليُمْنَیان بدلیلِ
قراءة عبدالله: ((والسارقون والسارقات فاقطعوا أَيْمانهم)). وردًّ عليه الشيخ(٣)
بأنهما ليسا بشيئين، فإِنَّ النوعَ الأول(٤) مطردٌ فيه وضعُ الجمعِ موضعَ التثنيةِ،
بخلافِ الثاني(٥) فإنه لا ينقاس، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك: ((قَطَعْتُ
آذانَ الزيدين: أربعة الآذان)» وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن
المراد اليمنيان.
قوله: ((جزاءً)) فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعلٍ
مقدر أي: جازوهما جزاءً. الثاني: أنه مصدر أيضاً لكنه منصوب على معنى
نوع المصدر، لأن قوله: ((فاقطعوا)) في قوة: جازُوهما بقطع الأيدي جزاء)».
الثالث: أنه منصوب على الحال، وهذه الحالُ يُحْتمل أن تكونَ من الفاعل
أي: مُجازِين لهما بالقطع بسببِ كسيِهما، وأن تكونَ من المضافِ إليه في
((أيديهما)) أي: في حالٍ كونهما مجازَيْن، وجاز مجيءُ الحالِ من المضاف
(١) البيت للشماخ - وليس في ديوانه - أو لتوبة بن الحمير، وهو في أمالي القالي ٨٨/١؛
والعيني ٨٦/٤؛ والجمع ٥١/١؛ والدرر ٢٦/١.
(٢) الكشاف ١.٦١٢/١
(٣) البحر ٤٨٣/٣.
(٤) وهو ما كان اثنين من شيئين كالقلب والأنف.
(٥) وهو ما كان في كل شيء منهما اثنان كاليدين والرجلين.
٢٦٤
٠٠

- المائدة -
إليه لأن المضاف جزؤه كقوله: ((ونَزَعْنا ما في صدورِهم من غِلّ إخواناً)(١).
الرابع: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجلِ الجزاءِ، وشروطُ النصبِ موجودةٌ.
و ((نَكالاً)) منصوبٌ كما نُصِب ((جزاء)»، ولم يذكر الزمخشري(٢) فيهما غيرَ
المفعولِ من أجله. قال الشيخ(٣): ((تَبع في ذلك الزجاج))(٤)، ثم قال:
((وليس بجيدٍ، إلاّ إذا كان الجزاءُ هو النَّكالَ فيكون ذلك على طريقِ البدلِ،
وأما إذا كانا متباينين فلا يجوز ذلك إلا بوساطة حرف العطف)). قلت: النكالُ
نوعٌ من الجزاء فهو بدل منه، [على أن الذي ينبغي أن يُقال هنا إن ((جزاء»
مفعول من أجله، العاملُ فيه](٥) ((فاقطعوا)) فالجزاءُ علةً للأمر بالقطع، و ((نكالاً))
مفعول من أجله أيضاً، العاملُ فيه ((جزاء)) والنكال علة للجزاء، فتكون العلة
معللةً بشيء آخرَ فتكونُ كالحال المتداخلة، كما تقول: ((ضربته تأديباً له
إحساناً إليه)) فالتأديبُ علةٌ للضرب والإِحسان علة للتأديب، وكلامُ الزمخشري
والزجاج قبله لا يُنافي ماذكرته، فإنه لا منافاة بين هذا وبين قولهما ((جزاء)
مفعولٌ من أجله، وكذلك ((نكالاً)) فتأمُّلْه، فإنه وجه حسن، فطاحَ الاعتراضُ
على الزمخشري والزجاج، والتفصيلُ المذكورُ في قوله(٦): ((إلا إذا كان
الجزاءُ هو النكال)». ثم ظَفِرت بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن يُنْصِبَ
مفعولاً له آخرَ [يكون علة](٧) فيه، وذلك أنَّ المُعْرِبين أجازوا في قولِه تعالى:
(أَنْ يكفُروا بما أَنْزَلَ الله بغياً))(٨) أن يكون ((بغياً)) مفعولاً له، ثم ذكروا في
(١) الآية ٤٧ من الحجر.
(٢) الكشاف ٦١٢/١.
(٣) البحر ٤٨٤/٣.
(٤) معاني القرآن ١٩٠/٢.
(٥) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل.
(٦) أي في قول الشيخ أبي حيان.
(٧) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
(٨) الآية ٩٠ من البقرة: ﴿بئسما اشْتَرَوا به أنفسَهم أَنْ يكفروا بما أنزل الله بغياً أن يُنْزِّل الله
من فضله﴾.
٢٦٥

- المائدة -
قوله: ((أَنْ يُنْزِّل الله)) أنه مفعول له ناصبه ((بغياً)) فهو علةٌ له، صَرَّحوا بذلك
فظهر ما قلت. و((بما)) متعلق بـ ((جزاء))، و((ما)) يجوز أن تكون مصدرية أي:
بكسيِهما، وأن تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمال الشروط أي:
بالذي كَسَباه، والباء سببية.
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿مِنْ بعد ظُلْمه): متعلق بـ ((تاب)) و((ظلم))
مصدرٌ مضافً إلى فاعله أي: من بعد أَنْ ظَلَم غيرَه بأخذِ مالِه، وهذا واضحٌ،
وأجاز بعضُهم أن يكونَ مضافاً للمفعول أي: من بعد أن ظلم نفسَهِ، وفي
جوازِ هذا نظرً، إذ يصير التقديرُ: مِنْ بعد أن ظلمه، ولوصَرَّح بهذا الأصلِ
لم يجز لأنه يؤدي إلى تعدِّي فعلِ المضمر إلى ضميره المتصل، وذلك
لا يجوز إلا في باب ظن وفَقّدَ وعَدِم، كذلك قاله الشيخ(١)، وفي نظره نظر،
لأنَّا إذا حَلَلْنا المصدرَ لحرف مصدري وفعل فإنما يأتي بعد الفعل بما يَصِحُ
تقديرُه، وهو لفظُ النفسِ ، أي من بعدِ أن ظلم نفسه.
آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿لا يَجْزُنْك الذينَ﴾: قد تقدَّم(٢) أن «یحزن»
يُقرأ بفتحِ الياءِ وضَمِّها وأنهما لغتان، وهل هما بمعنىّ أو بينهما فرقٌ؟ والنهيُ
للذين في الظاهر وهو من بابٍ قوله: ((لا أُرَيَنَّكَ ههنا)(٣) أي: لا تتعاطَ أسباباً
يحصل لك بها حزنٌ من جهتهم، وتقدم لك تحقيق ذلك مراراً، وقول
أبي البقاء(٤) في ((يحزنك)): ((والجيد فتح الياء وضم الزاي، ويُقرأ بضم الياء
وكسر الزاي من أحزنني وهي لغة)، ليس بجيد، لأنها قراءةً متواترةً، وقد تقدَّم
(١) البحر ٤٨٤/٣.
(٢) انظر إعرابه للآية ١٧٦ من آل عمران.
(٣) الكتاب ٤٥٣/١، ويغني بهذا الباب أن ظاهر اللفظ للمتكلم وحقيقته للمخاطب
أو العكس.
(٤) الإملاء ٢١٥/١.
۔۔
٢٦٦
٠٫٠

- المائدة -
دليلها في آل عمران(١). و(يُسارعون)) من المسارعة، و((في الكفر)) متعلق
بالفعل قبله، وقد تقدَّم نظيرُها في آل عمران. قوله: ((من الذين قالوا)) يجوز
أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل في ((يُسارعون)) أي: يُسارعون حالَ كونهم / بعضَ [٢٤٤/ب]
الذين قالوا، ويجوز أن يكونَ حالاً من نفس الموصول وهو قريبٌ من معنى
الأول، ويجوز أن تكونَ ((مِنْ)) بياناً لجنس الموصول الأول وكذلك ((مِنْ))
الثانية، فتكون تبييناً وتقسيماً للذين يُسارعون في الكفر، ويكون ((سَمَّاعون))
على هذا خبرَ مبتدأ محذوف. و((آمنًّا)) منصوبٌ بـ ((قالوا))، وبـ ((أفواههم))
متعلق بـ ((قالوا)) لا بـ ((آمنًا)) بمعنى أنه لم يُجاوِزْ قولُهم أفواههم، إنما نطقوا به
غيرَ معتقدين له بقلوبهم وقوله: ((ولم تؤمن قلوبهم)) جملةٌ حالية .
قوله: ((ومن الذين هادوا)) فيه وجهان، أحدُهما: ما تقدم، وهو أن يكونَ
معطوفاً على ((من الذين قالوا)) بياناً وتقسيماً. والثاني: أن يكونَ خبراً مقدماً،
و ((سَمَّاعون)» مبتدأ، والتقدير: ((ومن الذين هادوا قومٌ سَمَّاعون)» فتكونُ جملةٌ
مستأنفة، إلا أنَّ الوجه الأول مُرَجِّح بقراءة(٢) الضحاك: ((سَمَّاعين)) على الذم
بفعل محذوف، فهذا يدل على أن الكلامَ ليس جملةٌ مستقلة، بل قوله: ((ومن
الذين هادوا)) عطفٌ على ((من الذين قالوا)). وقوله ((سَمَّاعون)) مثال مبالغة،
و «للكذب)) فيه وجهان، أحدُهما أن اللامَ زائدةً، و((الكذب)) هو المفعول،
أي: سَمَّاعون الكذب، وزيادةُ اللامِ هنا مطردةٌ لكونِ العاملِ فَرْعاً فَقَوِي
باللام، ومثلُه: ((فَعَّالٌ لما يريد)»(٣). والثاني: أنها على بابها من التعليل،
ويكون مفعول ((سَمَّاعون)» محذوفاً، أي: سَمَّاعون أخباركم وأحاديثكم ليكذبوا
فيها بالزيادة والنقصِ والتبديلِ بأَنْ يُرْجِفوا(٤) بقتل المؤمنين في السرايا كما
(١) الآية ١٧٦ وهي قراءة نافع.
(٢) البحر ٤٨٧/٣.
(٣) الآية ١٠٧ من هود.
(٤) أرجف القوم: خاضوا في أخبار الفتن.
٢٦٧

۔۔
- المائدة -
نُقِل من مخازيهم. وقوله: ((سَمَّاعون لقوم)) يجوز أن تكون هذه تكریراً
للأولى، فعلى هذا يجوز أَنْ يتعلَّقَ قولُه ((لقوم)) بنفس الكذب أي: يَسْمعون
ليكذبوا لأجل قوم، ويجوزُ أن تتعلق اللام بنفس ((سَمَّاعون)) أي: سَمَّاعون
لأجلِ قومٍ لم يأتوك لأنهم لبغضِهم لا يقربون مجلسَك وهم اليهودُ،
و ((لم يأتوك)) في محلِّ جرِّ لأنه صفة لـ ((قوم)).
قوله: ((يُحَرِّفون)) يجوز أن يكونَ صفةٌ لـ ((سَمَّاعون)) أي: سَمَّاعون
مُحَرِّفون، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ((سَمَّاعون))، ويجوز أن يكون
مستأنفاً لا محل له، ويجوز أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف أي: هم مُحَرِّفون،
ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ جر صفة لـ ((قوم)) أي: لقوم محرفين. و«من بعد
مواضعِه)) قد أتقنته في النساء(١). و((يقولون)) كـ ((يحرفون)) ويجوز أن يكون
حالاً من ضمير ((يحرفون)). والجملة الشرطية من قوله: ((إنْ أوتيتم)) مفعولةً
بالقول، و((هذا)) مفعولٌ ثان لأوتيتم، والأول قائمٌ مقامَ الفاعل، والفاءُ جوابُ
الشرطِ وهي واجبةٌ لعدم صلاحيةِ الجزاء لأن يكونَ شرطاً، وكذلك الجملةُ من
قوله: ((وإن لم تُؤْتَوْه). وقوله: ((ومَنْ يُرِد)) ((مَنْ)) مفعول مقدم(٢) وهي شرطية.
وقوله: ((فلن تملكَ)) جوابه، والفاء أيضاً واجبةٌ لما تقدم، و((شيئاً، مفعولٌ به
أو مصدر. و ((من الله)) متعلقٌ بـ ((تملكَ))، وقيل: هو حالٌ من ((شيئاً) لأنه صفْتُه
في الأصل. قوله: ((أولئك)) مبتدأ، و((لم يُرِد الله)) جملة فعلية خبره.
آ. (٤٢) وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعون للكذب﴾: يجوز أَنْ يكونَ
مكرراً للتوكيد إن كان من وصفِ المنافقين، وغيرَ مكرر إنْ كانِ مِنْ وصف
بني إسرائيل، وإعرابُ مفرداته تقدَّم، ورفعُه على خبر ابتداء مضمر، أي: هم
سَمَّاعون وكذلك أكَّالون. و((للسحتِ)) في اللام الوجهان المذكوران في قوله:
(للكذب)) و((السَّحْتُ)) الحرامُ، سُمِّي بذلك لأنه يُذْهِبُ البركة ويَمْحَقُها،
(١) الآية ٤٦.
(٢) إعرابها مبتدأ أوضح
٢٦٨

-
- المائدة -
يقال: سَخَته الله وأسحته، أي: أهلكه وأذهبه، وقد قرىء قوله تعالى:
((فيسحتكم)) (١) بالوجهين من سحته وأَسْحته. وقال الفرزدق(٢):
١٧٣٠ - وعضَّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ
من المالِ إلا مُسْحَتَاً أو مُجَلَّفُ
وعن الفراء: ((السُّحْتُ: كلبُ الجوع)) وهو راجعٌ للهلكة. وقرأ(٣) نافع
وابن عامر وعاصم وحمزة: ((السُّخْت)) بضم السين وسكون الحاء، والباقون
بضمهما، وزيد بن علي وخارجة بن مصعب عن نافع بالفتح وسكون الحاء،
وعبيد بن عمير(٤) بالكسر والسكون، وقُرىء بفتحتين، فالضمتان اسم للشيء
المسحوت، والضمة والسكون تخفيفُ هذا الأصل، والفتحتان والكسر.
والسكونُ اسمُ له أيضاً، وأمَّ المفتوحُ السين الساكنُ الحاءِ فمصدرٌ أريد به
اسمُ المفعول كالصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكون تخفيفاً من المفتوح
وهو ضعيف.
آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿وكيف يُحَكَّمونك﴾: كقوله: ((كيف تُحْيي
الموتى))(٥) وقد تقدَّم. قولُه: ((وعندهم التوراة)) الواوُ للحالِ، و((التوراة)) يجوز
أن يكونَ مبتدأَ والظرفُ خبرُه، ويجوز أَنْ يكونَ الظرفُ حالاً و ((التوراة)) فاعلٌ
به لاعتماده على ذي الحال، والجملةُ الاسميةُ أو الفعلية في محل نصب على
الحال. وقوله: ((فيها حكمُ الله)) ((فيها)) خبرٌ مقدم و ((حكم)) مبتدأُ أو فاعلٌ كما
تقدَّم في ((التوراة))، والجملةُ حال من ((التوراة)» أو الجار وحده، و ((حكم))
(١) الآية ٦٢ من طه: ((لا تَفْتَرُوا على اللّهِ كذباً فيُسْحِتَكم بعذاب)» قرأ حفص والأخوان
بضم الياء وكسر الحاء، والباقون بفتح الياء. انظر: السبعة ٤١٩.
(٢) تقدم برقم ١٠٢٥ .
(٣) السبعة ٢٤٣؛ الكشف ٤٠٨/١؛ الشواذ ٣٢؛ البحر ٤٨٩/٣.
(٤) الأصل: ((کبیر)» وهو سهو.
(٥) الآية ٢٦٠ من البقرة.
٢٦٩

- المائدة ــ
مصدرٌ مضافٌ لفاعله. وأجاز الزمخشري(١) ألَّ يكونَ لها محلّ من الإِعراب،
بل هي مبِّنة(٢) لأنَّ عندهم ما يُغْنيهم عن التحكيمِ، كما تقولُ: ((عندكَ زِيدٌ
ينصحك ويُشير عليك بالصواب فما تصنعُ بغيرِه؟)) وقوله: ((ثم يتولّون)) معطوفٌ
على ((يحكِّمونك)) فهو في سياقٍ التعجبِ المفهوم من ((كيف)).
آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿فيها هُدَى﴾: يحتملُ الوَجْهين المذكورين
في قوله: ((وعندهم التوراةُ))، فـ((هُدَى)) مبتدأٌ أو فاعلٌ، والجملةُ حالٌ من
التوراة، وقوله: ((يَحْكُم بها)) يجوز أن تكونَ جملةً مستأنفة، ويجوز أن تكون
منصوبة المحلُّ على الحال: إمَّا من الضميرِ في ((فيها)) وإمَّا من التوراة.
وقوله: ((الذين أَسْلموا)) صفةٌ لـ ((النبيون)) وصفهم بذلك على سبيل المدح.
والثناء لا على سبيلِ التفصيلِ فإنَّ الأنبياءَ كلَّهم مسلمون، وإنما أثنى عليهم
بذلك كما تَجْري الأوصافُ على أسماءِ اللّهِ تعالى. قال الزمخشري(٣):
(أُجْرِيَتْ على النبيين على سبيلِ المدحِ كالصفات الجارية على القديم
سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأُريد بإجرائها التعريضُ باليهود وأنهم يُعَداءُ من
ملةِ الإِسلام الذي هودينُ الأنبياء كلِّهم في القديم والحديث، فإنَّ
[٢٤٥/أ] اليهودَ / بمعزل عنها، وقوله: ((الذين أسلموا الذين هادوا)) منادٍ على ذلك)) أي
دليلٌ على ما ادَّعاه.
قوله: ((لِلَّذين هاِدُوا)) في هذه اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنها متعلقةٌ
بـ ((يحكم))، فعلى هذا معناها الاختصاصُ، وتشمل مَنْ يحكم له ومَنْ يحكم
عليه، ولهذا ادَّعى بعضُهم أنَّ في الكلام حَذْفاً تقديره: ((يحكم بها النبيون
(١) الكشاف ١ /٦١٥.
(٢) أي مفسرة.
(٣) الكشاف ٦١٥/١.
٢٧٠

- المائدة -
الذين هادوا وعليهم)) ذكره ابن عطية (١) وغيره. والثاني: أنها متعلقةٌ بأنزلنا،
أي: أنزلنا التوراةَ للذين هادُوا يحكمُ بها النبيون. والثالث: أنها متعلقةٌ بنفسِ
((هُدى)) أي: هدى ونور الذين هادوا، وهذا فيه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه،
وعلى هذا الوجهِ يجوز أن يكون ((الذين هادوا)) صفةٌ لـ((هدى ونور)) أي:
هدى ونور كائن الذين هادوا، وأولُ هذه الأقوالِ هو المقصودُ.
قوله: ((والربّانيُّون)) عطفُ على ((النبيون)) أي: إنَّ الربانيين - وقد تقدَّم
تفسيرُهم في آل عمران(٢) - يَحْكُمون أيضاً بمقتضى ما في التوراةِ. والأحبارُ:
جمع (((حَبْ)) بفتح الحاء وكسرها وهو العالم، وأنكر أبو الهيثم الكسر، والفراء
الفتح، وأجاز أبو عبيد الوجهين، واختار الفتحَ، فأمَّا (الحِبْر)) الذي يُكْتَبُ به
فبالكسر فقط، وأصلُ المادةِ الدلالةُ على التحسين والمسرَّة، وسُمِّي ما يكتب
به حِبراً لتحسينِ الخط، وقيل: لتأثيرِهِ، ويدلُّ للأول قوله تعالى: ((أنتم
وأزواجكم تُحْبَرون))(٣) أي: تفرحون وتُزَيَّنون. وقال أبو البقاء (٤): ((وقيل:
الربانيون [مرفوع] بفعل محذوف أي: ويحكم الربانيون والأحبار
بما استُحْفِظوا)) انتهى. يعني أنه لَمَّا اختلف متعلَّقُ الحكم غاير بين الفعلين
أيضاً فإنَّ النبيين يحكمُون بالتوراة، والأحبارُ والربانيون يحكمون
بما استحفظهم اللّهُ، وهذا بعيدٌ عن الصواب؛ لأنَّ الذي استحفظهم الله
هو مقتضى ما في التوراة، فالنبيون والربانيون حاكمون بشيء واحد، على أنه
سيأتي أنَّ الضميرَ في ((استُحْفِظوا)) عائدً على النبيين فَمَنْ بعدهم.
قوله: ((بما استُحْفِظُوا)) أجاز أبو البقاء(٥) فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنَّ
(١) المحرر ١١٠/٥.
(٢) انظر: الآية ٧٩.
(٣) الآية ٧٠ من الزخرف.
(٤) الإملاء ٢١٦/١.
(٥) الإملاء ٣١٢/١.
٢٧١

- المائدة -
:
((بما)) بدلٌ من قوله ((بها)) بإعادةِ العامل لطول الفصل، قال: ((وهو جائزٌ وإنْ
لم يَظُلْ)) أي: يجوزُ إعادةُ العامل في البدل وإن لم يَطُلْ، قلت: وإنْ لم يُفْصَلْ
أيضاً. الثاني: أن يكون متعلقاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: ويحكم الربَّانيون
بما استُحْفِظُوا، كما قدمته عنه. والثالث: أنه مفعولٌ به أي: يَحْكُمون بالتوراةِ
بسبب استحفاظهم ذلك، وهذا الوجهُ الأخير هو الذي نَحًا إليه الزمخشري(١)
فإنه قال: ((بما استُحْفِظوا بما سألهم أنبياؤهم حِفْظَه من التوراة، أي: بسبب
سؤالٍ أنبيائهم إياهم أَنْ يحفَظُوه من التبديلِ والتغييرِ))، وهذا على أن الضمير
يعودُ على الربانيين والأخبار دون النبيين، فإنه قَدَّر الفاعلَ المحذوف ((النبيين))،
وأجازَ أن يعودَ الضميرُ في ((استُحْفِظوا)) على النبيين والربانيين والأحبار، وقَدَّرِ
الفاعلَ المنوبَ عنه الباري تعالى أي: بما استحفظهم الله، يعني بما كلَّفهم
حِفْظَه.
وقوله: ((مِنْ كتابِ الله)). قال الزمخشري(٢): ((و ((مِنْ)) في ((مِنْ كتابِ اللهِ))
للتبيين)) يعني أنها لبيان الجنسِ المبهم في ((بما))، فإن ((ما)) يجوز أن تكونَ
موصولةً اسمية بمعنى الذي، والعائد محذوف أي: بما استحفظوه، وأن تكونَ
مصدريةٌ أي: باستحفاظهم. وجَوَّز أبو البقاء(٣) أن تكونَ حالاً من أحدٍ
شيئين: إمَّا من ((ما)) الموصولةِ أو مِنْ عائدها المحذوفِ، وفيه نظرٌ من حيث
المعنى. وقوله: ((وكانوا)» داخل في حَيِّز الصلة أي: وبكونِهم شهداءَ عليه
أي: رُقَبَاءِ لئلا يُبَدَّل، فـ ((عليه)) متعلقٌ بـ ((شهداء)) والضميرُ في ((عليه)) يعودُ
على ((كتاب الله))، وقيل: على الرسولِ، أي: شهداءَ على نبوته ورسالتِهِ،
وقيل: على الحُكْم، والأولُ هو الظاهرُ.
آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿أَنَّ النفسَ بالنفسِ﴾: الآية. ((عليهم))
(١) الكشاف ٦١٥/١.
(٢) الكشاف ٦١٥/١.
(٣) الإملاء ٢١٦/١.
٢٧٢

- المائدة -
الضمير للذين هادُوا، و((فيها)) للتوراةِ و ((أن النفس بالنفس)): ((أن)) واسمُها وخبرُها
في محلّ نصبٍ على المفعولية بـ ((كتبنا))، والتقدير: وكتبنا عليهم أَخْذَ
النفسِ بالنفس. وقرأ(١) الكسائي ((والعينُ)) وما عطف عليها بالرفع، وقرأ نافع وحمزة
وعاصم بنصب الجميع، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر بالنصب فيما عدا
((الجروح) فإنهم يرفعونها. فأما قراءة الكسائي فوجَّهَها أبو علي الفارسي(٢)
بثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ الواوُ عاطفةً جملةً اسمية على جملةٍ فعليةٍ
فَتَعْطِفُ الجملَ كما تعطِفُ المفردات، يعني أنَّ قولَه: ((والعين)) مبتدأ،
و ((بالعين)» خبره، وكذا ما بعدها والجملةُ الاسميةُ عطفٌ على الفعليةِ من قوله:
((وكتبنا)) وعلى هذا فيكون ذلك ابتداءً تشريع، وبيانَ حكمٍ جديد غيرٍ مندرجٍ
فيما كتب في التوراة، قالوا: وليست مشركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ
ولا في المعنى. وعَبَّر الزمخشري(٣) عن هذا الوجهِ بالاستئناف، قال:
(أو للاستئنافِ، والمعنى: فَرَضْنا عليهم أنَّ النفسَ مأخوذٌ بالنفسِ مقتولةٌ بها إِذا
قَتَلْها بغيرِ حقٍّ، وكذلك العينُ مفقوءةٌ بالعينِ، والأنفُ مجدوعٌ بالأنف، والأذنُ
مصلومةٌ أو مقطوعة بالأذن، والسنُّ مقلوعةٌ بالسن، والجروحُ قصاصٌ
وهو المُقاصَّة))، وتقديرُه: أنَّ النفسَ مأخوذةٌ بالنفس، سبقه إليه الفارسي، إلا أنه
قَدَّر ذلك في جميعِ المجروراتِ، أي: والعينُ مأخوذةٌ بالعين إلى آخره،
والذي قَدَّره الزمخشري مناسبٌ جداً، فإنه قَدَّر متعلَّق كلِّ مجرور بما يناسِبُه:
فالفَقْءُ للعينِ، والقلعُ للسنِّ، والصَّلْمُ للأذن، والجَدْعُ للأنف. إلا أنَّ الشيخ(٤) كأنه
غَضَّ منه حيث قَدَّر الخبرَ الذي تعلَّق به المجرورُ كوناً مقيداً. والقاعدةُ في
ذلك إنما يقدَّر كوناً مطلقاً، قال: ((وقال الحوفي: ((بالنفس)) يتعلَّقُ بفعلٍ
(١) السبعة ٢٤٤؛ الكشف ٤٠٩/١.
(٢) الحجة (خ) ٣٩٣/٢.
(٣) الكشاف ٦١٦/١.
(٤) البحر ٤٩٤/٣.
٢٧٣

- المائدة -
محذوفٍ تقديرُه يجب أو يستقر، وكذا العينُ بالعينِ وما بعدها، فقدَّر الكونَ
المطلقَ، والمعنى: يستقر قَتْلُها بقتل النفس)» إلا أنه قال قبلَ ذلك: ((وينبغي
أَنْ يُحمل قولُ الزمخشري على تفسيرِ المعنى لا تفسيرِ الاعراب)» ثم قال:
(فقدَّر - يعني الزمخشري - ما يقرب من الكونِ المطلق وهو: ((مأخوذٌ))، فإذا
قلت: ((بعت الشياه شاةً بدرهم فالمعنى: مأخوذة بدرهم، وكذلك الحر بالحر
أي: مأخوذ».
الوجه الثاني من توجيه الفارسي: أن تكونَ الواوُ عاطفةً جملةً اسمية
على الجملة من قوله: ((أنَّ النفسَ بالنفس))، لكنْ من حيث المعنى لا من حيث
اللفظُ، فإنَّ معنی «گنْنا علیھم أنَّ النفس بالنفس» قلنا لهم النفس بالنفس،
فالجملُ مندرجةٌ تحت الكَتْبِ من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ. وقال
ابنُ عطية(١): ((ويُحْتمل أن تكونَ الواوُ عاطفةً على المعنى، وذكر ما تقدم، ثم
قال: ((ومثلُه لَمَّا كان المعنى في قوله: ((يُطاف عليهم بكأسٍ من مَعِين)) (٢)
يُمْنحون عَطَفَ ((وحوراً عينا)) عليه، فنظَّر هذه الآية بتلك لاشتراكِهما في النظرِ
إلى المعنى دونَ اللفظِ وهو حسنّ. قال الشيخ (٣): ((وهذا من العطفِ على
[٢٤٥/ب] التوهُّم، إذ توهّم في قوله ((أنَّ النفسَ بالنفس)): النفسُ بالنفسِ / وضعَّفه بأن
العطفَ على التوهُمِ لا ينقاس. والزمخشري نحا إلى هذا المعنى، ولكنه عَيَّر
بعبارةٍ أخرى فقال(٤): ((الرفع [للعطف] على محلِّ ((أنَّ النفسَ)) لأن المعنى:
((وكتبنا عليهم النفسُ بالنفس: إمَّا لإِجراء ((كتبنا)) ((مُجْرى)) قُلْنا، وإمَّا أن معنى
الجملة التي هي ((النفس بالنفس)) مِمَّ يقع عليه الكَتْب كما تقع عليه القراءة
(١) المحرر ١١٣/٥.
(٢) نص الآية: ((يطوف عليهم وِلْدانٌ مُخُلَّدون بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من مَعِين .. وحوراً
عيناً)) وذلك على قراءة أبي كما في الشواذ ١٥١؛ وهي الآيات ١٧ - ٢٢ من الواقعة.
(٣) البحر ٤٩٤/٣.
(٤) الكشاف ٦١٦/١.
٢٧٤

- المائدة -
تقول: كَتَّبْتُ: الحمدُ لله، وقرأت: سورةً أَنْزلناها، ولذلك قال الزجاج(١):
(لوقُرىء إِنَّ النفسَ بالنفسِ بالكسرِ لكانَ صحيحا)). قال الشيخ(٢): ((هذا
هو [الوجهُ] الثاني من توجيه أبي عليّ، إلا أنه خَرَج عن المصطلح حيث
جَعَلَه من العطفِ على المحلِّ وليس منه، لأنَّ العطفَ على المحل هو العطفُ
على الموضعِ، وهو محصورٌ ليس هذا منه، ألا ترى أنَّا لا نقول: ((أنَّ النفسَ
بالنفس)» في محلِّ رفعٍ لأنَّ طالبَه مفقودٌ، بل ((أن)) وما في حَيِّزها بتأويلٍ
مصدرٍ لفظُه وموضعُه نصبٌ، إذ التقديرُ: كَتَبْنا عليهم أَخْذَ النفسِ)). قلت:
والزمخشري لم يَعْنِ أنَّ ((أنَّ)) وما في حَيِّزها في محل رفع فعطف عليها
المرفوعَ حتى يُلْزِمَه الشيخُ بأنَّ لفظها ومحلَّها نصبٌ، إنما عَنَى أنَّ اسمَها محلُّه
الرفعُ قبلَ دخولها، فراعى العطفَ عليه كما راعاه في اسم ((إنَّ) المكسورة.
وهذا الردُّ ليس للشيخِ ، بل سَبَقَه إليه أبو البقاء فأخذه منه. قال أبو البقاء (٣).
((ولا يجوز أن يكونَ معطوفاً على ((أَنَّ)) وما عملت فيه؛ لأنها وما عملت فيه في
موضع نصب)) انتهى. وليس بشيءٍ لما تقدم.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: ((فمعنى الحديثِ: قُلْنا لهم: النفسُ
بالنفسُ، فَحَمَل ((العين بالعين)) على هذا، لأنَّ ((أنَّ)) لو حُذِفت لاستقام المعنى
بحذفِها كما استقام بثبوتِها، وتكون ((النفس)) مرفوعةً فصارت ((أنَّ)) هنا كـ ((إِنَّ)»
المكسورة في أنَّ حَذْفَها لا يُخِلُّ بالجملةِ، فجاز العطفُ على محل اسمِها
كما يجوزُ على محلِّ اسم المكسورة، وقد حُمِل على ذلك: ((أنَّ الله بريء من
المشركين ورسولُه)» (٤) قال الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الحاجب ـ ورسولُه
بالرفع معطوف على اسم ((أنَّ) وإنْ كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة،
(١) معاني القرآن ١٩٦/٢.
(٢) البحر ٤٩٥/٣.
(٣) الإملاء ٢١٦/١.
(٤) الآية ٣ من التوبة.
٢٧٥

- المائدة -
وهذا موضعٌ لم يُنَبِّه عليه النحويون)). قلت: بلى قد نَبَّه النحويون على ذلك
واختلفوا فيه، فجوَّزه بعضهم وهو الصحيحُ، وأكثرُ ما يكون ذلك بعد «علم)»
أو ما في معناه کقوله(١):
١٧٣١ - وإلا فاعلموا أنَّا وأنتمْ
بُغاةٌ ما بَقِينا في شقاق
وقوله: ((وأذانٌ من الله))(٢) الآية؛ لأنَّ الأذانَ بمعنى الإعلام.
:
الوجه الثالث: أنَّ («العين)» عطفٌ على الضمير المرفوع المستتر في
الجارِّ الواقعِ خبراً، إذ التقديرُ: أنَّ النفسَ بالنفس هي والعينُ، وكذا
ما بعدها، والجارُّ والمجرور بعدها في محل نصب على الحال مبينةً للمعنى،
إذ المرفوعُ هنا مرفوعٌ بالفاعلية لعطفِه على الفاعل المستتر، وضُعِّفَ هذا بأنّ
هذه أحوالٌ لازمةُ، والأصلُ أن تكون منتقلةً، وبأنه يلزمُ العطفُ على الضميرِ
المرفوعِ المتصلِ من غير فصلٍ بين المتعاطفينِ ولا تأكيدٍ ولا فصلٍ بـ(لا))بعد
حرف العطف كقوله: ((ما أَشْرَكْنا ولا آباؤنا))(٣) وهذا لا يجوزُ عند البصريين
إلا ضرورةً، قال أبو البقاء(٤): ((وجاز العطفُ من غيرِ توكيدٍ كقوله: ((ما أشْرَكْنا
ولا آباؤنا)) قلت: قام الفصلُ بـ((لا)) بين حرف العطف والمعطوف مقامَ التوكيدِ
فليس نظيره. وللفارسي [بحثٌ في قوله: ((ما أشركنا ولا آباؤنا)) مع سيبويه، فإنّ
سيبويه(٥) يجعلُ طولَ الكلامِ بـ ((لا)) عوضاً عن التوكيد بالمنفصل،
(١) البيت لبشربن أبي خازم، وهو في ديوانه ١٦٥؛ والكتاب ٢٩٠/١؛ وابن يعيش
٦٩/٨؛ والانصاف ١٩٠؛ والقرطبي ١٤٣/٢.
(٢) الآية ٣ من التوبة وهي الآية السابقة التي أعربها ابن الحاجب.
(٣) الآية ١٤٨ من الأنعام.
(٤) الإِملاء ٢١٦/١.
. (٥) الكتاب ٣٩٠/١.
٢٧٦

- المائدة -
كما طال](١) الكلامُ في قولهم: ((حضر القاضيَ اليومَ امرأةٌ» قال الفارسي(٢):
(هذا يستقيمُ إذا كان قبل حرف العطف، أما إذا وقع بعده فلا يَسُدُّ مسدّ
الضمير، ألا ترى أنك لوقلت: ((حضر امرأة القاضي اليوم)) لم يُغْنِ طولُ
الكلامِ في غير الموضعِ الذي ينبغي أن يقع فيه)). قال ابنُ عطية(٣): ((وكلامُ
سيبويهِ متجهً على النظرِ النحوي وإن كان الطول قبل حرفِ العطف أَتّمٌّ، فإنه
بعد حرفِ العطفِ مؤثّرٌ لا سيما في هذه الآيةِ لأن ((لا)) رَبَطتِ المعنى، إذ قد
تَقدَّمها نفيٌ ونَفَتْ هي أيضاً عن الآباءِ فيمكن العطفُ)).
واختار أبو عبيد قراءةً رفعِ الجميع، وهي روايةُ الكسائي، لأن أَنَساً رواها
قراءةً للنبي صلى الله عليه وسلم. ورَوَى أنس عنه عليه السلام أيضاً ((أنْ
النفسُ بالنفس)» بتخفيف ((أَنْ)) ورفعِ النفس وفيها تأويلان، أحدهما: أَنْ تكونَ ((أَنْ))
مخففةٌ من الثقيلة واسمُها ضميرُ الأمر والشأن محذوفٌ، و((النفسُ بالنفس)»
مبتدأ وخبر، في محلِّ رفع خبراً الـ ((أَنْ)) المخففة، كقوله: ((أَنِ الحمدُ للهِ
ربِّ العالمين))(٤)، فيكون المعنى كمعنى المشددة. والثاني: أنها ((أَنْ))
المفسرةُ لأنها بعدما هو بمعنى القولِ لا حروفِه وهو (كَتَّبْنا))، والتقديرُ: أي
النفسُ بالنفس، ورُجِّح هذا على الأول بأنه يلزَمُ من الأولِ وقوعُ المخففةِ بعد
غيرِ العلمِ وهو قليل أو ممنوعٌ، وقد يُقال: إن ((كتبنا)» لَمَّا كان بمعنى ((قضينا)»
قَرُبَ من أفعال اليقين.
وأمَّا قراءةُ نافع ومَنْ معه فالنصبُ على اسم ((أنَّ)) لفظاً وهي النفس
والجارّ بعدَه خبرُه، و((قصاصٌ) خبر ((الجروح)) أي: وأنّ الجروحَ قصاص،
وهذا من عطفٍ الجملِ، عَطَفْنا الاسمَ على الاسم والخبرَ على الخبر،
(١) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
(٢) الحجة (خ) ٣٩٤/٢.
(٣) المحرر ١١٤/٥.
(٤) الآية ١٠ من يونس: ((وآخر دعواهم ... )).
٢٧٧

- المائدة -
كقولك ((إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً منطلق)) عطفْتَ ((عمراً)) على ((زيداً))، و((منطلق))
على ((قائم))، ويكون الكَتْبُ شاملاً للجميع، إلَّ أنَّ في كلام ابن عطية (١)
ما يقتضي أن يكونَ ((قصاص)) خبراً على المنصوباتِ أجمعَ فإنه قال: ((وقرأ
نافع وحمزة وعاصم بنصبِ ذلك كلَّه، و((قصاص)) خبرُ أنَّ))، وهذا وإنْ كان
يَصْدُقُ أنَّ أَخْذَ النفسِ بالنفسِ والعين بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة
المقابلة مختصاً بالجروح، وهو محلُّ نظر.
وأمَّا قراءة(٢) أبي عمرو ومَنْ معه فالمنصوبُ كما تقدَّم في قراءة نافع،
لكنهم لم يَنْصِبُوا ((الجروح)) قطعاً له عَمَّا قبله، وفيه أربعة أوجه؛ الثلاثة
المذكورة في توجيه قراءة الكسائي، وقد تقدَّم إيضاحُه. والرابع: أنه مبتدأ
وخبره ((قصاص)) يعني أنه ابتداءُ تشريعٍ، وتعريفُ حكمٍ جديد. قال
أبو عليّ (٣): ((فأمَّا والجروحُ قصاص: فمن رفعه يَقْطَعْه عما قبله، فإنه يحتمل هذه
الأوجه الثلاثةَ التي ذكرناها في قراءة مَنْ رفع ((والعينُ بالعين))، ويجوز أن
يُستأنف: ((والجروحُ قصاص)) ليس على أنه مما كُتِب عليهم في التوراة،
ولكنه على الاستئناف وابتداءٍ تشريع)) انتهى. إلا أنَّ أبا شامة قال : - قبل أن
يَحْكي عن الفارسي هذا الكلامَ - ((ولا يستقيم في رفع الجروح الوجهُ الثالث
وهو أنه عطفُ على الضمير الذي في خبر ((النفس))(٤) وإنْ جاز فيما قبلها،
وسببُه استقامةُ المعنى في قولك: مأخوذةً هي بالنفس، والعينُ هي مأخوذة
بالغين، ولا يَسْتقيم: والجروحُ مأخوذةٌ قصاص، وهذا معنى قولي ((لَمَّا خلا
قولُه ((الجروح قصاص)) عن الباءٍ في الخبر خالَف الأسماء التي قبلها فخولِفَ :
(١) المحرر ١١٣/٥.
(٢) بالنصب فيما عدا الجروح فانهم يرفعونها.
(٣) الحجة (خ) ٣٩٤/٢.
(٤) أي: أن النفس بالنفس هي والعين ...
٢٧٨

- المائدة -
بينهما في الاعراب)). قلت: وهذا الذي قاله واضح، ولم يتبَّه له كثيرٌ من
المُعْرِبين.
وقال بعضُهم: ((إنما رُفِع ((الجروح)) ولم يُنْصَبْ تَبَعاً لِما قبله فرقاً بين
المجملِ والمفسرِ)) يعني أنَّ قَولَه ((النفسَ بالنفسِ والعين بالعينِ)) مفسَّرٌ غيرُ
مجملٍ ، بخلاف «الجروح)) فإنها مجملةً؛ إذ ليس كلُّ جرح يَجْرَي فيه قصاصٌ:
بل ما كان يُعْرَفُ فيه المساواةُ وأمكن ذلك فيه، على تفصيل معروف في كتب
الفقه. وقال بعضُهم: خُولِف في الإِعراب لاختلافِ الجراحات وتفاوتها، فإذن
الاختلافُ في ذلك كالخلاف المشار إليه، وهذان الوجهان لا معنى لهما،
ولا ملازمةً بين مخالفة الإِعراب ومخالفةِ الأحكامِ المشار إليها بوجهٍ من
الوجوهِ، وإنما ذَكَرْتُها تنبيهاً على ضَعْفِها.
وقرأ نافع (١): ((والأذْن بالأذْن)) سواء كان مفرداً أم مثنى كقوله: ((كأنَّ في
أذنيه وقراً»(٢) بسكون الذال وهو تخفيفٌ للمضموم كعُنْق في ((عُنُق))، والباقون
بضمِّها، وهو الأصل. ولا بد من حذف مضاف في قوله: ((والجروحُ قصاص)»:
إمَّا من الأول، وإمَّ من الثاني، وسواءً قُرىء برفعه أو بنصبِه تقديرُه: وحكمُ
الجروحِ قصاصٌ، أو: والجروحُ ذاتُ قصاص.
والقصاص: المُقاصّةُ، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة(٣). وقرأ(٤)
أُبي بنصب ((النفس)) والأربعة بعدها و((أنِ الجروحُ)) بزيادة ((أن)) الخفيفة، ورفع
((الجروحُ»، وعلى هذه القراءة يتعيّن أَنْ تكونَ المخففةً، ولا يجوز أن تكونَ
المفسرةَ، بخلافِ ما تقدَّم من قراءةٍ أنس عنه عليه السلام بتخفيف ((أن)» ورفعٍ
(١) الكشف ٤٠٩/١؛ الإقناع لابن البادش ٦٢٤.
(٢) الآية ٧ من لقمان.
(٣) انظر الآية ١٧٨ من البقرة.
(٤) البحر ٤٩٥/٣.
٢٧٩

- المائدة -
[٢٤٦/أ] ((النفس)) حيث جَوَّزْنا فيها الوجهين، وذلك / لأنه لو قَدَّرْتَها التفسيريةَ وجَعَلْتَها
معطوفةً على ما قبلَها فَسَدَ من حيث إنَّ ((كتبنا)) يقتضي أَنْ يكونَ عاملاً لأجل
((أنَّ)) المشددة غيرُ عامل لأجل ((أَنْ)) التفسيرية، فإذا انتفى تسلُُّه عليها انتفى
تشريكُها مع ما قبلها، لأنّه إذا لم يكن عملٌ فلا تشريكٌ، فإذا جعلتها المخففةً
تسلَّط عملُه عليها فاقتضى العملُ التشريكَ في انصبابِ معنى الكَتْب عليهما.
وقرأ(١) أبيّ: ((فهو كفارتُه له)) أي: التصدُّق كفارةٌ، يعني الكفارة التي
يستحقها له لا ينقِصُ منها، وهو تعظيمٌ لِمَا فَعَلَ كقوله: ((فأجرُه على الله))(٢).
قوله: ((فَمَنْ تصدَّق به)) أي: بالقصاصِ المتعلّق بالنفس أو بالعين
أو بما بعدَها، فهو أي: فذلك التصدقُ، عاد الضمير على المصدر لدلالة فعلِه
عليه، وهو كقوله تعالى: ((اعدلوا هو أقربُ)(٣). والضميرُ في (له)) فيه ثلاثةُ
أوجهٍ، أحدُها - وهو الظاهر -: أنه يعود على المتصدِّق، والمرادُ به مَنْ يستحِقُّ
القِصاصَ مِنْ مصابٍ أو وليّ، أي: فالتصدقُ كفارةٌ لذلك المتصدِّق بحقه،
وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من الصحابة فمَنْ بعدَهم. والثاني: أنَّ الضميرَ
يُراد به الجاني، والمراد بالمتصدِّق كما تقدم مستحقُ القصاص، والمعنى: أنه
إذا تصدَّق المستحِقُّ على الجاني كان ذلك التصدُّقُ كفارةً للجاني حيث
لم يُؤَاخَذْ به. قال الزمخشري(٤): ((وقيل: فهو كفارةٌ له أي: للجاني إذا
تجاوز عنه صاحبُ الجُقِ سَقَط عنه مالَزِمه))، وإلى هذا ذهب ابن عباس في
آخرين. والثالث: أن الضمير يعودُ على المتصدَّق أيضاً، لكن المراد به الجاني
نفسه، ومعنى كونِه متصدِّقاً أنه إذا جنى جنايةً ولم يَعْرِفْ به أحدٌ فَعَرَّف
هو بنفسه كان ذلك الإعترافُ بمنزلةِ التصدُّق الماحي لذنبِه وجنايتِهِ، قاله
(١) البخر ٤٩٨/٣.
(٢) الآية ٤٠ من الشورى: ﴿فَمَنْ عفا وأصلحَ فأجرُه على الله﴾.
(٣) الآية ٨ من المائدة.
(٤) الكشاف ٦١٧/١.
٢٨٠