Indexed OCR Text

Pages 161-180

- النساء-
الخز، وكذلك صرخت صراخاً من جُذام - وهي قبيلة رَوْح - ثيابُ
المطارف، تعني أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب، فقولها: ((عَجَّت المطارف))
مجازٌّ لأن الثياب لا تعجُّ، ثم رَشَّحَتْه بقولها عجيجاً. وقال ثعلب: ((لولا التأكيدُ
بالمصدر لجاز أن يكونَ كما تقول: ((كَلَّمْتُ لك فلاناً» أي: أرسلت إليه،
أو كتبت له رُفْعةً. وقرأ(١) يحيى بن وثاب والنخعي: ((وكَلِّم اللَّهَ موسى))
بنصب الجلالة، وهي واضحةٌ أيضاً.
آ. (١٦٥) قوله تعالى: ﴿رسلاً مبشِّرين): فيه أربعة أوجه،
أحدها: أنه بدل من ((رسلاً)) الأول في قراءة الجمهور، وعَبَّر الزمخشري(٢)
عن هذا بنصبه على التكرير، كذا فهم عنه الشيخ (٣). الثاني: أنه منصوبٌ
على الحال الموطئة، كقولك: ((مررت بزيدٍ رجلاً صالحاً))، ومعنى الموطئة
أي: إنَّها ليست مقصودةً، إنما المقصودُ صفتُها، ألا ترى أن الرجولية مفهومة
من قولك ((بزيد) وإنما المقصودُ وصفُه بالصلاحية. الثالث: أنه نُصب بإضمار
فعل أي: أَرْسَلْنا رسلاً. الرابع: أنه منصوبٌ على المدح، قَدَّره أبو البقاءِ(٤)
بـ ((أعني))، وكان ينبغي أن يقدِّره فعلا دالاً على المدح نحو: ((أمدح))، وقد
رجَّح الزمخشري هذا الأخير فقال(٥): ((والأوجَّهُ أن ينتصِبَ ((رسلاً)) على
المدح».
قوله: ((لئلا)) هذه لام كي، وتتعلَّقُ بـ ((منذرين)) على المختار عند
البصريين، وبـ ((مبشرين)) على المختار عند الكوفيين، فإن المسألةَ من
التنازع، ولو كان من إعمالِ الأول لأضمرَ في الثاني من غير حذفٍ فكان
(١) الشواذ ٣٠؛ البحر ٣٩٨/٣.
(٢) الكشاف ٥٨٢/١.
(٣) البحر ٣٩٩/٣.
(٤) الإِملاء ٢٠٣/١.
(٥) الكشاف ٥٨٢/١.
١٦١

م
- النساء.
يُقال: مبشِّرين ومنذرين له لئلا، ولم يَقُلْ كذلك فدلَّ على مذهب البصريين،
وله في القرآن نظائرُ تقدَّم منها جملة صالحة. وقيل: اللام تتعلقُ بمحذوف
أي: أرسلناهم لذلك. و((حُجَّةٌ)) اسمُ ((كان))، وفي الخبر وجهان، أحدُهما:
هو ((على الله)) و(للناس)) حال، والثاني: أن الخَبر ((للناس)) و((على الله))
حال، ويجوز أن يتعلق كلٍّ من الجارِّ والمجرور بما تعلَّقَ به الآخرُ إِذَا جَعَلْناه
خبراً، ولا يجوزُ أن يتعلقَ على الله بـ ((حجة))، وإنْ كان المعنى عليه؛ لأنَّ
معمولَ المصدر لا يتقدَّم عليه. و((بعد الرسل)) متعلقٌ بـ ((حجة))، ويجوز أن
يتعلَّقَ بمحذوف على أنه صفةٌ لـ (حُجَّة)) لأنَّ ظروف [الزمان] تُوصَفُ بِها
الأحداثُ كما يُخْبر بها عنها نحو: ((القتالُ يوم الجمعة)).
آ. (١٦٦) قوله تعالى: ﴿لكنِ اللَّهُ يشهد﴾: هذه الجملة
الاستدراكية لا يبتدأ بها، فلا بد من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملةُ
مستدركة عنها، والجملة المحذوفة هي ما رُوي في سبب النزول أنّه
لَمَّا نَزَلَتْ: ((إنا أَوْحَينا إليك))(١) قالوا: ما نشهد لك بهذا أبداً، فنزلت: «لكن
اللَّهُ يَشْهد)). وقد أحسن الزمخشري (٢) هنا في تقديرِ جملةٍ غيرِ ما ذكرتُ،
وهو: ((فإنْ قلت: الاستدراك لا بُدَّ له من مستدرَك، فأين هو في قوله: ((لكن الله
يشهد)»؟ قلت: لَمَّا سأل أهلُ الكتاب إنزالَ الكتاب من السماء وتعنَّتوا بذلك،
واحتجَّ عليهم بقوله: إِنَّا أوحينا إليك)) قال: ((لكن اللَّهُ يشهد)) بمعنى أنهم
لا يشهدون لكن اللَّهُ يَشْهد)» ثم ذكر الوجه الأول.
وقرأ الجمهور بتخفيفِ ((لكن)) ورفعِ الجلالة. والسُّلمي(٣) والجراح
الحكمي بتشديدها ونصبِ الجلالة، وهما كالقراءتين في ((ولكن الشياطين))(٤)
(١) الآية ١٦٣ من النساء.
(٢) الكشاف ٥٨٣/١.
(٣) الشواذ ٣٠؛ البحر ٣٩٩/٣.
(٤) الآية ١٠٢ من البقرة.
١٦٢

- النساء -
وقد تقدَّم حكمه. والجمهور على ((أَنْزله)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى،
والحسن(١) قرأه ((أُنزل)) مبنياً للمفعول، وقرأ السلمي ((نَزَّله بعلمه)) مشدداً.
والباء في ((بعلمه)) للمصاحبة أي: ملتبساً بعلمه، فالجار والمجرور في محل
نصب على الحال. وفي صاحبها وجهان، أحدهما: الهاءُ في ((أنزله)). والثاني:
الفاعل في ((أنزله)) أي: أنزله عالماً به. و((الملائكةُ يشهدون)) مبتدأ وخبر،
يجوز أن تكونَ حالاً أيضاً من المفعول في ((أنزله)) أي: والملائكةُ يشهدون
بصدقه، ويجوز ألَّ يكونَ لها محل، وحكمه(٢) حينئذٍ كحكم الجملةِ
الاستدراكية قبله. وقد تقدَّم الكلامُ على مثل قوله: ((وكفى بالله))(٣)، وعلى
قوله: ((ليغفر لهم)) [آ. (١٦٨] وأن الفعلَ مع هذه اللامِ أبلغُ منه دونَها.
والجمهور على ((وصَدُّوا)) مبنياً للفاعل، وقرأ(٤) عكرمة وابن هرمز: ((وصُدُّوا))
مبنياً للمفعول، وهما واضحتان، وقد قرىء بهما في المتواتر في قوله:
(وصَدُّوا))(٥) في الرعد، و((صَدَّ عن السبيل))(٦) في غافر.
آ. (١٦٩) وقوله تعالى: ﴿إِلا طريقَ جهنم): فيه قولان، أحدهما:
أنه استثناءٌ متصل لأنَّ المرادَ بالطريقِ الأولِ العمومُ فالثاني من جنسه،
والثاني: أنه منقطعٌ إِنْ أُريد بالطريقِ شيءٌ مخصوصٌ (٧) وهو العمل الصالح
الذي يتوصَّلون به إلى الجنة. و((خالدين)) حالٌ مقدَّرة.
آ. (١٧٠) وقوله تعالى: ﴿بالحقِّ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
(١) الشواذ ٣٠؛ البحر ٣٩٩/٣.
(٢) على تقدير: وحكم الإِعراب، والأنسب: وحكمها.
(٣) انظر: الآية ٦ من النساء.
(٤) الشواذ ٣٠؛ والبحر ٤٠٠/٣.
(٥) الآية ٣٣، قرأ الكوفيون بالضم فيها وفي غافر، والباقون بالفتح. انظر: السبعة ٣٥٩.
(٦) الآية ٣٧.
(٧) الأصل ((شيئاً مخصوصاً) وهو سهو.
١٦٣

- النساء-
متعلق بمحذوفٍ، والباء للحال أي: جاءكم الرسولُ ملتبساً بالحق أو متكلماً
به. والثاني: أنه متعلقٌ بنفس («جاءكم)» أي: جاءكم بسببِ إقامةِ الحق.
و((من ربكم)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف على أنه حال أيضاً
من ((الحق)). والثاني: أنه متعلقٌ بـ ((جاء)) أي: جاء من عند الله أي: أنه
مبعوثٌ لا متقوِّل.
قوله: ((خيراً لكم)) في نصبه أربعة أوجه، أحدها - وهو مذهب الخليل
وسيبويه _(١) أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ واجبِ الإِضمار تقديره: وأتوا خيراً
[٢٣٠/ب] لكم، لأنه لَمَّا أمرهم بالإِيمان / فهو يريدُ إخراجَهم من أمر وإدخالَهم
فيما هو خيرٌ منه، ولم يذكر الزمخشري(٢) غيره قال: ((وذلك أنه لمَّا بعثَهم
على الإِيمان وعلى الانتهاءِ عن التثليث علم أنه يَحْمِلُهم على أمر فقال: خيراً
لكم، أي: اقصِدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث)).
الثاني : - وهو مذهب الفراء _(٣) أنه نعت لمصدر محذوف أي: فآمنوا إيماناً
خيراً لكم. وفيه نظر، من حيث أنه يُفْهِم أنَّ الإِيمان منقسم إلى خير وغيره،
وإلَّ لم يكنْ لتقييده بالصفةِ فائدةٌ، وقد يُقال: إنه قد يكون لا يقول بمفهوم
الصفة، وأيضاً فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغير ذلك. الثالث : - وهو مذهب
الكسائي وأبي عبيد(٤) ـ أنه منصوبٌ على خبرِ((كان)) المضمرةِ تقديرُه: يكنِ الإِيمَانُ
خيراً. وقد ردَّ بعضُهم هذا المذهب بأن ((كان)) لا تُحْذَف مع اسمها دونَ
خبرها إلا فيما لا بد له منه، ويزيد ذلك ضعفاً أنَّ ((يكن)) المقدرةَ جوابُ شرط
محذوف فيصير المحذوفَ الشرطُ وجوابُه، يعني أنَّ التقديرَ: إنْ تؤمنوا يكنٍ
:
(١) الكتاب ١٤٣/١
(٢) الكشاف ٥٨٤/١.
(٣) معاني القرآن ٢٩٥/١.
(٤) وجائز أن تكون التاء سقطت من المؤلف سهواً؛ لأن هذا مذهب أبي عبيدة أيضاً في مجاز
القرآن ١٤٣/١.
١٦٤
--

- النساء-
الإِيمانُ خيراً، فَحَذِفْتَ الشرطَ وهو ((إِنْ تؤمنوا)) وجوابَه، وهو ((يكن الإِيمان))،
وأبقيتَ معمولَ الجواب وهو ((خيراً)، وقد يقال: إنه لا يُحتاج إلى إضمار شرطٍ
صناعي وإن كان المعنى عليه، لأنَّا نَدَّعي أن الجزم الذي في ((يكن)) المقدرةِ
إنما هو بنفس جملة الأمر التي قبله وهو قوله: ((فَآمِنُوا)) من غير تقديرٍ حرفٍ
شرط ولا فعلٍ له، وهو الصحيح في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة،
تقول: ((قم أكرمْك)) فـ((أكرمك)) جواب مجزوم بنفس ((قم) لتضمّن هذا
الطلب معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعي. الرابع : - والظاهرُ فساده -
أنه منصوبٌ على الحال، نقله مكي(١) عن بعض الكوفيين، قال: ((وهو بعيد))
ونقله أبو البقاء(٢) أيضاً ولم يَعْزُه.
آ. (١٧١) قوله تعالى: والغُلُوُّ: تجاوزُ الحدِّ، ومنه: ((غَلْوة
السهم)) و((غَلاء السعر)). قوله: ((إلا الحقَّ) هذا استثناء مفرغ، وفي نصبه
وجهان، أحدهما: أنه مفعول به لأنه تضمّن معنى القول نحو: ((قلت خطبةً)).
والثاني: أنه نعتُ مصدر محذوف أي: إلا القولَ الحق، وهو قريب في
المعنى من الأول. وقرأ (٣) جعفر بن محمد: ((المِسِّيح)) بوزن ((السِّكِّيت)) كأنه
جَعَله مثالَ مبالغة نحو: ((شِرِّيبُ العسلَ))، و((المسيح)) مبتدأ بعد ((إنَّ)
المكفوفة، و((عيسى)) بدل منه أو عطف بيان، و((ابن مريم)) صفته
و((رسول الله)) خبر المبتدأ، و((كلمتُه)) عطف عليه.
و ((ألقاها)) جملةٌ ماضية في موضع الحال، و((قد)» معها مقدرةٌ. وفي عاملٍ
الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء(٤). أحدها: أنه معنى ((كلمة)) لأنَّ معنى
(١) المشكل ٢١٤/١.
(٢) الإملاء ٢٠٤/١.
(٣) الشواذ ٣٠؛ البحر ٤٠٠/٣.
(٤) الإملاء ٢٠٤/١ .
١٦٥

- النساء -
وصف عيسى بالكلمة: المكونُ بالكلمة من غير أب، فكأنه قال: ومنشؤه
ومبتدعُه. والثاني: أن يكون التقدير: إذ كان ألقاها، فـ ((إذ)(١) ظرفُ زمانٍ
مستقبل(٢)، و((كان)) تامة، وفاعلها ضمير الله تعالى. و((ألقاها)) حالٌ من ذلك
الفاعل، وهو كقولهم: ((ضربي زيداً قائماً). والثالث: أن يكونَ حالاً من
سَ الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإِضافة تقديره: وكلمةُ اللَّهِ مُلْقِياً إياها)) انتهى.
أمّا جعله العاملَ معنى («كلمة» فصحيح، لكنه لم يبين في هذا الوجه من
هو صاحبُ الحال؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في ((كَلِمتُه)) العائدُ على
عيسى لما تضمَّنَتْه من معنى المشتق نحو: ((مُنشَأ ومُبتدَع))، وأمّا جَعْلُه العامَلَ
معنى الإِضافة فشيء ضعيف، ذهب إليه بعض النحويين. وأمَّا تقديرُه الآيةَ
بمثل ((ضربي زيداً قائماً)) ففاسد من حيث المعنى. والله أعلم.
و ((روحٌ)) عطفٌ على ((كلمة))، و((منه)) صفة لـ ((روح))، و((من)) لابتداء
الغاية مجازاً، وليست تبعيضيةً. ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ
علي بن الحسين بن واقد المروزي(٣) وقال: ((في كتاب الله ما يَشْهد أنَّ عيسى
جزءٌ من الله)) وتلا: ((وروح منه))، فعارضه ابن واقد بقوله تعالى: ((وسَخَّر لكم
ما في السموات ومما في الأرض جميعاً منه))(٤)، وقال: ((يلزم أن تكون تلك
الأشياء جزءاً من الله تعالى وهو مُحالٌ بالاتفاق)» فانقطع النصراني وأسلم.
و ((ثلاثةً)) خبر مبتدأ مضمر، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل
نصب بالقول أي: ولا تقولوا: ((آلهتنا ثلاثةٌ)) يدلُّ عليه قوله بعد ذلك:
((إنما اللَّهُ إله واحد)) وقيل: تقديره: الأقانيمُ ثلاثة أو المعبود ثلاثة. وقال:
(١) الأصل (فإذا)) وتقدير أبي البقاء حيث ينقل عنه المؤلف: ((إذ)).
(٢) لعل الأنسب: ماض.
(٣) علي بن الحسين محدّث مرو، روى عن أبيه، توفي سنة ٢١١. انظر: العبر للذهبي
٣٦٠/١.
(٤) الآية ١٣ من الجاثية.
١٦٦

- النساء-
الفارسي: ((تقديره: الله ثالث ثلاثة، ثم حُذف المضاف وأقيم المضافُ إليه
مُقامه، يريد بذلك موافقةً قوله: ((لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالثُ
ثلاثةٍ))(١).
وقوله: ((انتهُوا خيراً لكم)) نصب ((خيراً) هنا كنصبه فيما تقدم(٢) في
جمیع وجوهِه ونسبته إلى قائلیه. و «أن يكون له ولد)) تقديره: من أن یکون،
أو: عن أن يكون، لأنَّ معنى ((سبحان)) التنزيهُ، فكأنه قيل: نَزِّهوه عن أن
يكون، أو من أن يكون له ولد، فيجيء في محل ((أن)» الوجهان المشهوران.
و((واحد)) نعت على سبيل التوكيد، وظاهر كلام مكي(٣) أنه نعتٌ لا على
سبيل التوكيد، فإنه قال: ((والله)) مبتدأ، و((إله)) خبره، و ((واحد)) نعت تقديره:
إنما الله منفرد في إلَهَّته)). وقيل: ((واحدٌ)) تأكيد بمنزلة ((لا تتخذوا إلهين
اثنين))(٤)، ويجوز أن يكونَ ((إله)) بدلاً من ((الله))، و((واحد)) خبره، تقديره:
إثما المعبودُ واحدٌ. وقوله: ((أن يكون له ولد)) تقدم نظيره(٥). وقرأ الحسن(٦):
(إِنْ يكونُ)) بكسرِ الهمزة ورفع ((يكون)) على أن ((إنْ)) نافية أي: ما يكون له
ولد، فعلى قراءته يكون هذا الكلامُ جملتين، وعلى قراءةِ العامة يكون جملة
واحدة .
آ. (١٧٢) قوله تعالى: ﴿لن يَسْتَنْكِفَ المسيح أن يكون عبداً﴾: قرأ
عليٌّ (٧): ((عُبَيْداً)) على التصغير وهو مناسبٌ للمقام. وقوله: ((ولا الملائكة))
(١) الآية ٧٣ من المائدة.
(٢) وذلك في الآية ١٧٠ .
(٣) المشكل ٢١٤/١.
(٤) الآية ٥١ من النحل.
(٥) الآية ٤٧ من آل عمران.
(٦) الشواذ ٣٠؛ البحر ٤٠٢/٣؛ القرطبي ٢٦/٦.
(٧) البحر ٤٠٢/٣؛ الكشاف ٥٨٧/١.
١٦٧

- النساء
عطف على ((المسيح)) أي: ولن يستنكف الملائكة أن يكونوا عبيداً لله. وقال
الشيخ(١): ما نصّه: ((وفي الكلام حذف، التقدير: ولا الملائكة المقربون أن
يكونوا عبيداً لله، فإنْ ضُمِّن ((عبدأ)) معنى ((مِلْكاً لله)) لم يَحتجْ إلى هذا
التقديرِ، ويكونُ إذ ذاك ((ولا الملائكة)» من باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا
لُحِظَ في ((عبد)) معنى الوحْدة، فإن قوله: ((ولا الملائكة)) يكون من عطف
الجمل لاختلاف الخبر، وإنْ لُحِظ في قوله: ((ولا الملائكة)) معنى: ((ولا كل
واحد من الملائكة)) كان من باب عطف المفردات)). وقال الزمخشري (٢): ((فإنْ
قلت: علام عُطِفَ و((الملائكة))؟ قلت: إمَّا أن يُعْطَفَ على ((المسيح)) أو اسمِ
(يكون)) أو على المستتر في ((عبداً)) لِما فيه من معنى الوصف لدلالته على
العبادة، وقولك: ((مررت برجلٍ عبدٍ أبوه)) فالعطفُ على المسيح هو الظاهرُ
لأداء غيره إلى ما فيه بعضُ انحرافٍ عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنفُ أن
يكونَ هوولا مَنْ فوقه موصوفين بالعبودية أو أن يَعْبد الله هو ومن فوقه)). قال
الشيخ(٣): ((والانحرافُ عن الغرض الذي أشار إليه كونُ الاستنكافٍ يكون
مختصاً بالمسيح والمعنى التام إشراك الملائكة مع المسيح في انتفاءٍ
الاستنكافِ عن العبودية، ويظهرُ أيضاً مرجوحيةُ الوجهين مِنْ جهةِ دخولِ ((لا))
إذ لو أُريد العطفُ على الضمير في ((يكون)) أو في ((عبد)) لم تَدْخُل ((لا)»، بل
كان يكون التركيب بدونها، تقول: ((ما يريد زيدٌ أن يكونَ هو وأبوه قائمين)»
و «ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو)) فهذان التركيبان ليسا من مَظَنَّةٍ دخولٍ
[لا](٤) وإنْ وُجد منه شيءٌ أُوِّلَ)). انتهى. فتحصَّل في رفع ((الملائكة)) ثلاثة
[٢٣١/أ] أوجه، أُوجَهُها الأول / .
(١) البحر ٤٠٢/٣.
(٢) الكشاف ٥٨٨/١.
(٣) البحر ٤٠٤/٣.
(٤) سقط من الأصل سهواً وثبت في: ب.
١٦٨

- النساء .
والاستنكافُ: استفعال من النَّكْف، والنَّكْفُ: أن يُقال له سوء، ومنه:
(ما عليه في هذا الأمر نَكْفٌ ولا وَكْف)). قال أبو العباس: ((واستفعل هنا بمعنى
دَفَع النُّكْفَ عنه))، وقال غيره: ((هو الأنَفَةُ والترفع)) ومنه: ((تَكَفْتُ الدَّمعَ
بإصبعي)) إذا منعتُه من الجري على خَدِّك، قال(١):
١٦٨١- فبانوا فلولا مَا تَذَكَّرُ منهمُ
من الحِلْفِ لم يُنْكَفْ لعَيْنَيْك مَدْمَعُ
قوله ((فسيحشرهم)) الفاءُ يجوز أن تكونَ جواباً للشرط في قوله: ((ومَنْ
يستنكِفْ)). فإن قيل: جواب ((إِنْ)) الشرطية وأخواتِها غيرَ ((إذا)) لا بد أن يكونَ
محتملاً للوقوع وعدمه، وحشرُهم إليه جميعاً لا بد منه، فكيف وقع جواباً لها؟
فقيل في جوابه وجهان، أحدهما : - وهو الأصح - أن هذا كلامٌ تضمَّن الوعدَ
والوعيد، لأنَّ حَشْرَهم يقتضي جزاءَهم بالثوابِ أو العقاب، ويَدُلُّ عليه
التفصيلُ الذي بعده في قوله: ((فأمَّا الذين)) إلى آخره، فيكونُ التقدير: وَمَنْ
يستنكِفْ عن عبادته ويستكبرْ فيعذبُه عند حَشْرِهِ إليه، ومَنْ لم يستنكف
ولم يستكبر فيثيبه. والثاني: أنَّ الجوابَ محذوف أي: فيجازيه، ثم أخبر
بقوله: ((فسيحشرهم إليه جميعاً))، وليس بالبيِّن. وهذا الموضوع محتمل أن
يكون مِمَّ حُمِل على لفظةِ ((مَنْ)) تارة في قوله: ((يستنكف)) و((يستكبر)) فلذلك
أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى في قوله: ((فسيحشرهم) ولذلك جمعه،
ويَحْتمل أنه أعاد الضمير في ((فسيحشرهم)) على ((مَنْ)) وغيرِها، فيندرجُ
المستنكفُ في ذلك، ويكون الرابطُ لهذه الجملةِ باسم الشرط العموم المشار
إليه. وقيل: بل حَذَفَ معطوفاً لفهم المعنى، والتقدير: فسيحشرهم أي:
المستنكفين وغيرهم، كقوله: ((سرابيلَ تَقيكم الحَرَّ)(٢) أي: والبرد.
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في زاد المسير ٢٦٣/٢؛ واللسان: ((نكف))؛ والبحر ٣٩٤/٣.
(٢) الآية ٨١ من النحل.
١٦٩

- النساء
و((جميعاً)) حالٌ أو تأكيدٌ عند مَنْ جَعَلها كـ ((كل)) وهو الصحيح. وقرأ
الحسن(١): ((فسنحشرهم)) بنون العظمة، وتخفيفِ باء ((فيعذبهم)). وقرىء(٢):
((فسيحشرهم)) بكسرِ الشين وهي لغةً في مضارع ((حَشّر)).
آ. (١٧٣) وقوله تعالى: ﴿فأمَّا الذين﴾: قد تقدَّم الكلامُ على
نظيرتها. ولكن هنا سؤالٌ حسن قاله الزمخشري(٣) وهو: ((فإن قلت: التفصيل
غيرُ مطابق للمفصَّل، لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصَّل على فريق واحد.
قلت: هو مثلُ قولك: ((جَمَعَ الإِمام الخوارج: فمن لم يخرج عليه كساه حُلَّةٌ
ومَنْ خرج عليه نَكَّل به)) وصحةُ ذلك لوجهين، أحدهما: أن يُحذف ذِكرُ أحدٍ
الفريقين لدلالةِ التفصيل عليه، ولأنَّ ذِكْرَ أحدهما يدل على ذكرِ الثاني كما
حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا: ((فأما الذين آمنوا بالله
واعتصموا به)). والثاني: وهو أن الإِحسان إلى غيرهم مما يَغُمُّهم فكان داخلاً
في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكفْ عن عبادته ويستكبر
فسيعذُبهم بالحسرة إذا رأوا أجور العاملين وبما يصيبهم من عذاب الله)
انتهى. يعني بالتفصيل قوله: ((فأما)) و(أما))، وقد اشتمل على فريقين أي:
المثابين والمعاقبين، وبالمفصَّل قولَه قبل ذلك: ((ومَنْ يستنكف))، ولم يشتمل
إلا على فريق واحد هم المعاقبون.
آ. (١٧٤) قوله تعالى: ﴿مِنْ ربكم﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنه
متعلق بمحذوف لأنه صفةٌ لـ ((برهان)) أي: برهانٌ كائن من ربكم، و ((مِنْ))
يجوز أن تكونَ لابتداء الغاية مجازاً، أو تبعيضية أي: من براهين ربكم.
والثاني: أنه متعلقٌ بنفسِ ((جاء)) و((مِنْ)) لابتداء الغاية كما تقدم.
(١) الشواذ ٣٠؛ البحر ٤٠٥/٣، ويبدو أن تخفيف الباء بسكونها.
(٢) قراءة الأعرج. انظر: الشواذ ٣؛ البحر ٢٠٥/٣.
(٣) الكشاف ٥٨٨/١.
١٧٠

- النساء-
آ. (١٧٥) قوله تعالى: ﴿صراطاً﴾: مفعول ثان لـ ((يهدي)) لأنه
يتعدى لاثنين كما تقدم تحريره. وقال جماعة منهم مكي (١): إنه مفعول
بفعلٍ محذوف دَلَّ عليه (يهديهم))، والتقدير: ((يُعَرِّفهم)). وقال أبو البقاء(٢)
قريباً من هذا إلا أنه لم يُضْمِرْ فعلاً، بل جَعَلَه منصوباً بـ ((يهدي)) على
المعنى، لأنَّ المعنى يُعَرِّفُهُم. قال مكي(٣) في الوجه الثاني: ((ويجوز أن
يكون مفعولاً ثانياً لـ ((يَهْدي)) أي: يهديهم صراطاً مستقيماً إلى ثوابه وجزائه)»
ولم أَدْرٍ لِمَ خَصَّصوا هذا الموضع دونَ الذي في الفاتحة(٤)، واحتاجوا إلى
تقدير فعل أو تضمينه معنى ((يُعَرِّفهم))؟ وأجاز أبو عليّ أن يكون منصوباً على
الحال من محذوف فإنه قال: ((الهاءُ في ((إليه)) راجعةً إلى ما تقدم من اسم
الله، والمعنى: ويهديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا ((صراطاً مستقيماً)) نصباً على
الحال كانت الحالُ من هذا المحذوفِ)) انتهى. فتحصِّل في نصبه أربعةٌ
أوجه، أحدها: أنه مفعول بـ ((يهدي)) من غير تضمين معنى فعل آخرَ. الثاني:
أنه على تضمين معنى ((يُعَرفهم)). الثالث: أنه منصوبٌ بمحذوفٍ. الرابع: أنه
نصبُ على الحال، وعلى هذا التقديرِ الذي قَدَّره الفارسي تقْرُب من الحالِ
المؤكدة، وليس كقولك: ((تبسَّم ضاحكاً) لمخالفتِها لصاحبها بزيادةِ الصفةِ
وإن وافقته لفظاً. والهاءُ في ((إليه)): إمَّا عائدةً على ((الله)) بتقدير حذف مضاف كما
تقدم من نحو: ((ثوابه)) أو ((صراطه))، وإمّا على الفضل والرحمة لأنهما في
معنى شيءٍ واحد، وإما عائدةٌ على الفضلِ لأنه يُراد به طريق الجنان .
آ. (١٧٦) قوله تعالى: ﴿في الكلالة﴾: متعلق بـ ((يُفْتيكم)) على
إعمال الثاني، وهو اختيار البصريين، ولو أَعْمل الأولَ لأضمرَ في الثاني، وله
(١) المشكل ٢١٥/١.
(٢) الإملاء ٢٠٥/١.
(٣) المشكل ٢١٥/١.
(٤) الآية ٣.
١٧١

- الننساء-
نظائرُ في القرآن: ((هاؤم اقرؤُوا كتابِيَه))(١). (آتوني أُفْرِعْ عليه قِطْراً)(٢) ((وإذا
[٢٣١/ب] قيل لهم / تعالوا يستغفرْ لكم رسولُ الله))(٣) (والذين كفروا وكَذَّبوا بآياتنا))(٤).
وقد تقدَّم الكلام فيه بأشبع من هذا في سورة البقرة فليراجَعْ. وتقدَّم أيضاً
اشتقاقُ الكلالة أول هذه السورة(٥). وقوله: ((إن امرؤٌ)) كقوله: ((وإنٍ
امرأة)(٦). و((هلك)) جملةٌ فعليةٌ في محلّ رفع صفة لـ ((امرؤ)).
و ((ليس له ولدٌ)) جملةٌ في محلِ رفعٍ أيضاً صفةً ثانية، وأجاز
أبو البقاء (٧) أن تكونَ هذه الجملةُ حالاً من الضمير في ((هلك))، ولم يذكر
غيره. ومنع الزمخشري (٨) أن تكونَ حالاً، ولم يبيِّنْ العلةَ في ذلك، ولا بَيِّن
صاحبَ الحال أيضاً: هل هو ((امرؤ)) أو الضمير في ((هلك))؟ قال الشيخ(٩):
(وَمَنَع الزمخشري أن يكونَ قولُه: ((ليس له ولد)) جملةً حالية من الضمير في
((هلك)) فقال: ((ومحلٌّ ليس له ولد الرفعُ على الصفةِ لا النصبُ على الحال)»
انتهى. والزمخشري لم يَقُلْ كذلك أي: لم يمنع كونَها حالاً من الضمير في
((هلك))، بل منع حاليّتَها على العموم كما هو ظاهرُ قوله، ويحتمل أنه أراد مَنْعَ
حاليتها من ((امرؤ)) لأنه نكرةٌ، لكنَّ النكرة هنا قد تخصَّصت بالوصف،
وبالجملةِ فالحالُ من النكرة أقلُّ منه من المعرفة (١٠). والذي ينبغي امتناعُ
(١) الآية ١٩ من الحاقة.
(٢) الآية ٩٦ من الكهف
(٣) الآية ٥ من المنافقون.
(٤) الآية ٣٩ من البقرة.
(٥) انظر: الآية ١٢ من النساء.
(٦) الآية ١٣٨ من النساء.
(٧) الإملاء ٢٠٥/١.
(٨) الكشاف ٥٨٩/١.
(٩) البحر ٤٠٧/٣.
(١٠) الأصل: ((النكرة» وهو سهو.
١٧٢

- النساء-
حاليتها مطلقاً كما هو ظاهر عبارته، وذلك أنَّ هذه الجملةَ المفسِّرةً للفعل
المحذوف لا موضِعَ لها من الإعراب فأشبهت الجملَ المؤكدة، وأنت إذا
أتبعت أو أخبرتَ فإنما تريدُ ذلك الاسمَ المتقدِّمَ في الجملةِ المؤكدة السابقة
لا ذلك الاسمَ المكرر في الجملة الثانية التي جاءت تأكيداً، لأنَّ الجملةَ
الأولى هي المقصودةُ بالحديثِ، فإذا قلت: ((ضربتُ زيداً ضربت زيداً
الفاضلَ)) فـ ((الفاضل)) صفةُ («زيداً)) الأول لأنه في الجملة المؤكَّدَة المقصودُ
بالإِخبار، ولا يَضُرُّ الفصلُ بين النعتِ والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى
يَنْفي كونَها حالاً من الضمير في ((هلك)) وأما ما ينفي كونَها حالاً من ((امرؤ))
فلما ذكرته لك من قلةٍ مجيء الحال من النكرةِ في الجملة. وفي هذه الآيةِ
على ما اختاروه من كونِ ((ليس له ولد)) صفةً دليلٌ على الفصل بين النعت
والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب الاشتغال، ونظيرُه: ((إنْ رجلٌ
قام عاقلٌ فأكرمْه)) فـ ((عاقل)) صفةً لـ ((رجل)) فُصِل بينهما بـ ((قام) المفسِّرِ
لـ ((قام)) المفسَّر.
وقوله: ((وله أختٌ)) كقوله: ((ليس له ولد))، والفاء في ((فلها)) جوابُ
(إنْ)). وقوله: ((وهو يَرِثُها)) لا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب لاستئنافِها، وهي
دالةٌ على جواب الشرط، وليست جواباً خلافاً للكوفيين وأبي زيد. وقال
أبو البقاء (١): ((وقد سَدَّتْ هذه الجملة مسدَّ جواب الشرط))، يريد أنها دالةٌ كما
تقدَّم، وهذا كما يقول النحاة: إذا اجتمع شرط وقسم أُجيب سابقُهما، وجعل
ذلك الجواب ساداً مسدَّ جواب الآخر. والضميران من قوله: ((وهو يرثها)»
عائدان على لفظ امرىء وأخت دونَ معناهما، فهو من باب قوله(٢):
١٦٨٢- وكُلُّ أناسٍ قاربوا قيدَ فَحْلِهِمْ
ونحن خَلَعْنا قيدَہ فَهْوَ سارِبُ
(١) الإِملاء ٢٠٥/١.
(٢) تقدم برقم ١٦٣.
١٧٣

۔۔
-النساء-
وقولهم: ((عندي درهمٌ ونصفه)) وقوله تعالى: ((وما يُعَمِّر مِنْ مُعَمِّرٍ
ولا يَنْقُصُ من عمره))(١) وإنما احتيج إلى ذلك لأنَّ الحيةَ لا تُورَثُ والهالكَ
لا يرثُ فالمعنى: وامراً آخرَ غيرَ الهالك يرثُ أختاً له أخرى.
قوله: ((فإن كانتا اثنتين)) الألفُ في ((كانتا)) فيها أقوال أحدُها: أنها تعودُ
على الأختين يدلُّ على ذلك قولُه: ((وله أخت)) أي: فإن كانتِ الأختان اثنتين.
وقد جَرَتْ عادةُ النحويين أن يسألوا هنا سؤالاً وهو أنَّ الخبر لا بد أن يفيد
ما لا يفيده المبتدأ، وإلَّ لم يكن كلاماً، ولذلك مَنَعوا: «سيدُ الجارية مالكُها»
لأن الخبر لم يَزِدْ على ما أفاده المبتدأ، والخبرُ هنا دَلَّ على عدد ذلك العدد
مستفادٌ من الألف في ((كانت)). وقد أجابوا عن ذلك بأجوبةٍ منها: ما ذكره
أبو الحسن الأخفش (٢) وهو أنَّ قولَه ((اثنتين)) يدلُّ على مجرد الاثنيية من غير
تقييدٍ بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف، يعني أن الثلثين يُستَحقان
بمجرد هذا العدد من غير اعتبار قيدٍ آخر، فصار الكلام بذلك مفيداً». وهذا غيرُ
واضحٍ لأنَّ الألفَ في (كانتا)) تدل أيضاً على مجرد الاثنيية من غير قيد بصغير
أو كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجعَ الأمرُ إلى أنَّ الخبر لم يُفِدْ غِيرَ
ما أفاده المبتدأ. ومنها: ما ذكره مكي(٣) عن الأخفش أيضاً، وتبعه
الزمخشري (٤) وغيره وهو الحَمْلُ على معنى ((مَنْ))، وتقريره ما ذكره
الزمخشري، قال رحمه الله: ((فإن قلت: إلى مَنْ يرجع ضميرُ التثنية والجمع
في قوله: ((فإنْ كانتا اثنتين، وإن كانوا أخوة))؟ قلت: أصلُه: فإن كان مَنْ يرِث
بالأخوّة اثنتين، وإن كان [من](٥) يرث بالأخوّة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل: ((فإنْ
(١) الآية ١١ من فاطر.
(٢) لم يشر إلى ذلك في «معاني القرآن)).
(٣) المشكل ٢١٦/١.
(٤) الكشاف ٥٨٩/١.
(٥) من الكشاف.
١٧٤

- النساء -
كانتا، وإن كانوا)) كما قيل: ((مَنْ كانت أَمَّك)) فكما أَنَّث ضميرَ ((مَنْ)) لمكان
تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجمع ضميرَ مَنْ يرث في «كانتا)» و «كانوا)» لمكانٍ تثنية
الخبر وجمعِه)) / وهو جوابٌ حسن.
[١/٢٣٢]
إلا أن الشيخَ(١) اعترضه فقال: ((هذا تخريجٌ لا يَصِحُ، وليس نظيرَ «مَنْ
كانت أمَّك)) لأنه قد صَرَّح بـ ((مَنْ)) ولها لفظ ومعنى، فمن أَنَّث راعى المعنى،
لأن التقدير: أيةُ أُمّ كانت أمكَ)) ومدلولُ الخبر في هذا مخالفٌ لمدلول
الاسم، بخلافِ الآية فإن المدلولين واحد، ولم يؤنث في ((مَنْ كانت أمك))
التأنيثِ الخبر، إنما أنث لمعنى ((من)) إذ أراد بها مؤنثاً ألا ترى أنك تقول:
((مَنْ قامت)) فتؤنث مراعاة للمعنى إذا أردْتَ السؤال عن مؤنث، ولا خبر هنا
فيؤنَّثَ ((قامت)) لأجلِه)). انتهى وهو تحاملٌ منه على عادته، والزمخشري وغيره
لم ينكروا أنه لم يُصَرِّح في الآية بلفظِ ((مَنْ)) حتى يُفَرِّقَ لهم بهذا الفرقِ
الغامض، وهذا التخريجُ المذكورُ هو القولُ الثاني في الألف.
والظاهرُ أنَّ الضميرَ في (كانتا)» عائدٌ على الوارثتين. و((اثنتين)) خبرُه،
و ((له)) صفةٌ محذوفة بها حَصَلت المغايرة بين الاسم والخبر، والتقدير: فإنْ
كانت الوارثتان اثنتين من الأخوات، وهذا جوابٌ حسن، وحَذْفُ الصفةِ لفهمِ
المعنى غيرُ منكرٍ، وإن كان أقلّ من عكسه، ويجوز أن يكونَ خبرُ ((كان)»
محذوفاً، والألفُ تعودُ على الاختين المدلولِ عليهما بقوله: ((وله أخت)» كما
تقدَّم ذكرُه عن الأخفش وغيرِه، وحينئذ يكونُ قولُه: ((اثنتين)» حالاً مؤكدة،
والتقديرُ: وإنْ كانت الأختان له، فَحَذَفَ ((له)) لدلالةِ قوله: ((وله أخت)) عليه.
فهذه أربعةُ أقوال.
و((إنْ كانوا)) في هذا الضمير ثلاثة أوجه أحدها: أنه عائد على معنى
(مَنْ)) المقدرة تقديرُه: ((فإن كان مَنْ يرث إخوة)) كما تقدَّم تقريره عن
(١) البحر ٤٠٨/٣.
١٧٥

- النساء -
الزمخشري وغيره. الثاني: أنه يعود على الإِخوة، ويكون قد أفاد الخبر
بالتفصيل، فإنَّ الإِخوة يشمل الذكورَ والإِناث، وإن كان ظاهراً في الذكور
خاصة فقد أفاد الخبر ما لم يُفِدْه الاسم، وإن عاد على الوارث فقد أفاد
ما لم يُفِذْه الاسم إفادة واضحة، وهذا هو الوجهُ الثالث. وقوله: ((فللذكرٍ)) أي:
منهم فحُذِفَ لدلالة المعنى عليه.
قوله: ((أن تَضِلُّوا)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرها: أن مفعول البيان محذوفٌ،
و ((أن تَضِلُّوا)) مفعولٌ من أجله على حَذْفِ مضاف تقديره: يبَيِّن اللَّهُ أَمَرَ
الكلالة كراهةَ أن تَضِلوا فيها، أي: في حكمها، وهذا تقديرُ المبرد. والثاني:
- قول الكسائي والفراء (١) وغيرهما من الكوفيين - أنَّ (لا)) محذوفةٌ بعد ((أنّ))
والتقدير: لئلا تضلوا. قالوا: ((وحَذْفُ ((لا)) شائع ذائعٌ كقوله(٢):
١٦٨٣ - رأينا ما رأى البُصَراءُ فيها
فآلينا عليها أَنْ تُباعَا
أي: أن لا تُباع .. وقال أبو إسحاق الزجاج(٣): ((هو مثلُ قولِه تعالى: ((إنَّ
الله يُمْسِك السمواتِ والأرضَ أَنْ تزولا)»(٤) أي: لئلا تزولا. وقال أبو عبيد:
(رَوَيْتُ للكسائي حديثَ ابن عمر وهو: ((لا يَدْعُوَنَّ أحدُكم على ولدِه أن وافقٌ
من الله إجابةَ))(٥) فاستحسنه أي: لئلا يوافق. ورجّح الفارسي قولَ المبرد بأنَّ
خَذْفَ المضاف أشيعُ من حذف ((لا)) النافية. الثالث: أنه مفعول ((يبينُ))
والمعنى: يبِّن الله لكم الضلالة فتجتنبونَها، لأنه إذا بَيَّن الشر اجتُنِبَ، وإذا
بیّن الخیرَ ارتُكِب.
(١) معاني القرآن ٢٩٧/١.
(٢) البيت للقطامي وهو في ديوانه ٤٣؛ والطبري ٤٤٦/٩.
(٣) تحدث عن هذه الآية في كتابه ((معاني القرآن)) ١٤٩/٢، ولكنه لم يذكر شبهها بهذه الآية
التي أوردها المؤلف.
(٤) الآية ٤١ من فاطر.
(٥) رواه مسلم: الزهد ٢٣٠٤/٤ بلفظ قريب.
١٧٦

سورة المائدة
هذه السورة مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم. قد تقدَّم نظيرُ قوله
تعالى: [آية ١] ((يا أيها الذين آمنوا أَوْفوا)). والبهيمة: كلَّ ذات أربع في البر
أو البحر. وقيل: ما أَبْهم من جهة نقص النطق والفهم. وكل ما كان على وزن
فعيل أو فعيلة حلقيَّ العين جاز في فائه الكسر إتباعاً لعينه نحو: ((بهيمة
وشعيرة وصغيرة وبحيرة))(١). والأنعام تقدَّم بيانها في آل عمران(٢).
قوله: ((إلا ما يُتْلى)) هذا مستثنى من بهيمة الأنعام، والمعنى: ما يتلى
عليكم تحريمه، وذلك قوله: ((حُرُّمت عليكم الميتة)) إلى قوله: ((وما ذُبِحَ على
النُّصُب))(٣). [وفيه قولان، أحدهما: أنه مستثنى متصل، والثاني: ](٤) أنه
منقطعٌ حَسْبَ ما فُسِّر به المتلوُّ عليهم كما سيأتي بيانه، وعلى تقديرِ كونه
استثناء متصلاً يجوز في محله وجهان، أظهرهما: أنه منصوبٌ لأنه استثناء
متصل من موجب، ويجوز أن يُرْفَع على أنه نعتٌ لـ ((بهيمة)) على ما قُرِّر في
علم النحو. ونَقَل ابن عطية(٥) عن الكوفيين وجهين آخرين، أحدهما: أنه
(١) وكسر باء ((بهيمة)) هنا أبو السّمال. انظر: الشواذ ٣١.
(٢) الآية ١٤.
(٣) وذلك في الآية ٣ من السورة.
(٤) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل، وأثبتناه والنسخ الأخرى.
(٥) المحرر ٩/٥.
١٧٧

- المائدة -
يجوزُ رفعه على البدل من («بهيمة)). والثاني: أنَّ (إلا)) حرف عطف وما بعدها
عطف على ما قبلها، ثم قال: ((وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة
أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو: ((جاء الرجالُ إِلا زيدٌ» كأنك قلت: ((غَيْرُ
زيد))، وقوله: «وذلك)) ظاهرُه أنه مشارٌ به إلى وجهي الرفع: البدلِ والعطف.
وقوله: ((إلا من نكرة)) غيرُ ظاهر، لأن البدل لا يجوز البتة من موجب عند أحد
من الكوفيين والبصريين. ولا يُشترط في البدل التوافقُ تعريفاً وتنكيراً.
وأمَّا العطفُ فذكره بعض الكوفيين، وأما الذي اشترط فيه البصريون التنكير
أو ما قاربه فإنما اشترطوه في النعت بـ ((إلا)) فُيُحتمل أنه اختلط على
أبي محمد شرطُ النعت فجعله شرطاً في البدل، هذا كله إذا أريد بالمتلوِّ
عليهم تحريمُه قولُه تعالى: ((حُرِّمت عليكم الميتةُ)) إلى آخره، وإنْ أريد به
الأنعامُ والظباء وبقرُ الوحش وحُمُرُه فيكون منقطعاً بمعنى ((لكن)) عند البصريين
وبمعنى ((بل) عند الكوفيين، وسيأتي بيانُ هذا المنقطع بأكثرَ من هذا عند
التعرُّض لنصب ((غیر)) عن قرب.
قوله تعالى: ((غيزَ)) في نصبه خمسة أوجه / ، أحدها: أنه حال من الضمير
المجرور في ((لكم)) وهذا قول الجمهور، وإليه ذهب الزمخشري (١)
وابن عطية(٢) وغيرهما، وقد ضُعِّف هذا الوجهُ بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة
الأنعام لهم بحالٍ كونهم غيرَ مُحِلَّي الصيد وهم حرم، إذ يصير معناه: ((أُحِلَّتْ
لكم بهيمة الأنعام في حال كون انتفاء كونكم تُحِلّون الصيدَ وأنتم حرم»،
والغرض أنهم قد أُحِلَّبتْ لهم بهيمة الأنعام في هذه الحال وفي غيرها، هذا إذا
أريد بهيمة الأنعامِ الأنعامُ نفسها، وأما إذا عُنِي بها الظباءُ وحمر الوحش وبَقَره
على ما فَسَّرِه بعضهم فيظهر للتقييدِ بهذه الحال فائدةٌ، إذ يصير المعنى: أُجِلت
[٢٣٢/ب]
(١) الكشاف ١ /٥٩١.
(٢) المحرر ٩/٥.
١٧٨

- المائدة -
لكم هذه الأشياء حالَ انتفاء كونكم تُحِلُّون الصيد وأنتم حرم فهذا معنى
صحيح، ولكن التركيب الذي قَدَّرته لك فيه قلقٌ. ولو أُريد هذا المعنى من
الآية الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه.
الوجه الثاني : - وهو قولُ الأخفشِ (١) وجماعةٍ - أنه حالٌ من فاعل
(أُوْفوا))، والتقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم مُحِلُّين الصيد وأنتم
حرم. وقد ضَعَّفوا هذا المذهبَ من وجهين، الأول: أنه يلزم منه الفصلُ بين
الحال وصاحبها بجملة أجنبية، ولا يجوز الفصل إلا بجمل الاعتراض، وهذه
الجملةُ وهي قوله: ((أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام)) ليست اعتراضيةً، بل هي
منشئةً أحكاماً ومُبَِّةٌ لها، وجملةُ الاعتراض إنما تفيد تأكيداً وتسديداً.
والثاني: أنه يلزمُ منه تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحالة فيصيرُ التقدير
كما تقدَّم، وإذا اعتبرنا مفهومَه يصير المعنى: فإذا انتفت هذه الحالُ فلا تُوفوا
بالعقود، والأمرُ ليس كذلك، فإنهم مأمورون بالإِيفاءِ بالعقودِ على كلِّ حالٍ من
إحرامٍ وغيرِه.
الوجه الثالث: أنه منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ المجرور في
((عليكم)) أي: إلَّ ما يُتْلى عليكم حالَ انتفاءِ كونكم مُحِلِّين الصيد.
وهو ضعيفٌ أيضاً بما تقدَّم من أنَّ المتلوّ عليهم لا يُقَّد بهذه الحالِ دون غيرها
بل هو متلو عليهم في هذه الحال وفي غيرها.
الوجه الرابع: أنه حالٌ من الفاعل المقدَّر، يعني الذي حُذف وأقيم
المفعولُ مُقامه في قوله تعالى: ((أُحِلَّت لكم بهيمة))، فإن التقدير عنده: أَحَلَّ
الله لكم بهيمة الأنعام غيرَ محلٍ لكم الصيد وأنتم حرم. فحذف الفاعلَ وأقامَ
المفعولَ مقامه، وترك الحال من الفعل باقية. وهذا الوجهُ فيه ضعفٌ من
وجوه. الأول: أن الفاعلَ المنوبَ عنه صار نسياً منسيًّاً غيرَ ملتفَتٍ إليه، نصُّوا
(١) معاني القرآن ٢٥٠/١.
١٧٩

- المائدة -
على ذلك، لو قلت: ((أُنْزِل الغيث مجيباً لدعائهم) وتجعل ((مجيباً)) حالاً من
الفاعل المنوبِ عنه، فإنَّ التقدير: ((أَنْزِل اللّهُ الغيثَ حالَ إجابته لدعائهم))
لم يَجُزْ فكذلك هذا، ولا سيما إذا قيل: بأن بنْية الفعلِ المبني للمفعولِ بنيةٌ
مستقلة غيرُ محلولةٍ من بنية مبنية للفاعل كما هو قول الكوفيين وجماعة من
البصريين. الثاني: أنه يلزم منه التقييدُ بهذه الحالِ إذا عَنَى بالأنعام الثمانية(١)
الأزواج، وتقييدُ إحلاله تعالى لهم هذه الثمانية الأزواج بحال انتفاء إحلالِه
الصيدَ وهم حرمٌ، واللّهُ تعالى قد أَحَلَّ لهم هذه مطلقاً. والثالث: أنه كُتب
((مُحِلِّي)) بصيغة الجمع فكيف يكون حالاً من الله؟ وكأن هذا القائل زعم أن
اللفظَ ((مُحِلّ)» من غير ياء، وسيأتي ما يشبه هذا القول.
الوجه الخامس: أنه منصوبٌ على الاستثناء المكرر، يعني أنه هو وقوله
((إلا ما يتلى)) مستثنيان من شيء واحد، وهو ((بهيمة الأنعام))، نَقَل ذلك بعضُهم
عن البصريين قال: ((والتقديرُ: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيدَ وأنتم محرمون،
بخلاف قوله تعالى: ((إِنَّا أُرْسِلْنا إلى قوم مجرمين))(٢) على ما يأتي بيانُه، قال
هذا القائل: ((ولو كان كذلك(٣) لَوَجَبَ إباحةُ الصيد في الإِحرام لأنه مستثنى
من الإِباحة. وهذا وجه ساقط، فإذن معناه: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام غيرَ
محلّي الصيد وأنتم حُرُمٌ إلا ما يُتلى عليكم سوى الصيدِ)» انتهى.
وقال الشيخ (٤): ((إنما عَرْضُ الإِشكالِ مِنْ جَعْلهم ((غيرَ محلّي الصيد)»
حالاً من المأمورين بإيفاء العقود، أو مِن المحلّل لهم وهو الله تعالى، أو من
(١) الأفصح: ثمانية الأزواج.
(٢) الآية ٥٨ من الحجر: ((قالوا إنَّا أُرْسِلْنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنَّا لمنجُوهم أجمعين،
إلا امرأته».
(٣) أي من باب الاستثناء مما يلي الاستثناء، فقد أرسلوا إلى قوم مجرمين ولكن آل لوط ليسوا
مجرمين، لكن امرأة من آل لوط تسلك مع المجرمين هي امرأة لوط.
(٤) البحر ٤١٦/٣.
١٨٠