Indexed OCR Text
Pages 1-20
الدُُّ المُصُون في عُلُمُ الْكِتَابِ المَكْتُون تأليف أَحْمَد بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِ بِالسَّمِيْنِ الحَلَتِيّ المتوفى سنة ٧٥٦هـ تحقیق الدّكتور أحمد محَمّد الخراط الأسْنَاذ المُشَارِكِ تَجَامِعَةِ الإمَامْ مَّد بْن سُعُود الإِلَامَّة الَعْهَد العَالِيُ لِدّعَوَة الإسلامَّة - الَدِيْنَة الْمُنُورَة اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف الجزء الرّابع دار القلم رمش - النساء - آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿انظر كيف يفترون﴾: كيف منصوبٌ بـ ((يَفْتَرون)) وتقدَّم الخلافُ فيه، والجملةُ في محلِّ نصبٍ بعد إسقاط الخافض، لأنها معلقةٌ لـ ((انظر)) و((انظر)) يتعدَّى بـ ((في)) لأنَّها هنا ليست بصريةٌ. و((على الله)) متعلقٌ بـ ((يفترون)). وأجاز أبو البقاء(١) أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((الكذب)) قُدِّم عليه قال: ((ولا يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالكذب؛ لأنَّ معمولَ المصدرِ لا يتقدَّم عليه، فإنْ جُعِل على التبيين جاز)» وجَوَّز ابنُ عطية (٢) أن تكونَ ((كيف)) مبتدأً، والجملةُ من قولِه ((يفترون)) الخبرُ، وهذا فاسدٌ لأنَّ ((كيف)) لا تُرْفَعُ بالابتداء، وعلى تقديرِ ذلك فأين الرابطُ بينها وبين الجملةِ الواقعة خبراً عنها؟ ولم تكن نفسَ المبتدأ حتى تَسْتغني عن رابط . و ((إِثْماً) تمييزٌ، والضميرُ في ((به)) عائدٌ على الكذب، وقيل: على الافتراءِ، وجَعَله الزمخشري(٣) عائداً على زعمِهم، يعني مِنْ حيث التقديرُ. 1 1 -- آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿يُؤمنون﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ: إمَّا من ((الذين))، وإمَّا من واو ((أُوتوا)). و((بالجِبْتِ)) متعلق به، و ((يقولون)) عطفٌ عليه، و(للذين)) متعلّقٌ بـ ((يقولون)) واللام: إمَّا للتبليغ وإمَّا للعلةِ كنظائرِها. و((هؤلاء أَهْدَى)) مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ بالقول. و ((سبيلاً)) تمييزٌ. والثاني: أنَّ (يؤمنون)) مستأنف، وكأنه تعجّبَ مِنْ حالهم، إذ كان ينبغي لِمَنْ أُوتِي نصيباً من الكتاب ألَّ يفعلَ شيئاً مِمَّا ذُكِر فيكونُ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ألا تعجَبُ من حالٍ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حالُهم؟ فقال: يؤمنون ويقولون، وهذان منافيان لحالهم. والجِبْتُ: هو الجِبْسُ بالسين المهملةِ، أُبْدِلَتْ تاءً، کالنات والأکیات وست (١) الإملاء ١٨٣/١. (٢) المحرر ١٤٨/٤. (٣) الكشاف ٥٣٣/١. ٥ - النساء= 1 : في: الناس والأكياس وسِدْس، قال(١). ١٥٩٤- شرارُ الناتِ ليسوا بأجوادٍ ولا أَكْياتٍ والجِبْس: هو الذي لا خيرَ عنده، يُقال: رجلٌ جِبْسٌ وجِبْتُ أي: رَدْل، قيل: وإنَّما ادَّعَى قلبَ السينِ تاءً لأنَّ مادة جَ بَ تَ مهملةٌ، وهذا قولُ قِطرب، وغيره يجعلُها مادةً مستقلة، وقيل: الجِبْت: الساحر بلغةِ الحبشة، ويُطلق الجبتُ على كل ما عُبِد مِنْ دونِ الله، ولذلك سَمَّوا به صنماً بعينِهِ. والطاغوتُ تقدَّم تفسيرُه وتصريفُه(٢). آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿أم لهم نصيبٌ﴾: ((أم)) هذه منقطعةٌ لفواتِ شرطِ الاتصال، وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة، فتتقدَّر بـ ((بل)) والهمزة التي يُراد بها الإِنكارُ، وكذلك هي في قوله ((أم يَحْسُدون الناسَ)) (٣) وقوله: ((فإذَنْ)) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ ونونُها أصليةٌ، قال مكي (٤): ((وحُذَّاق النحويين على كَتْب نونِها نوناً، وأجاز الفراء أن تُكْتَبَ ألفً»، وما قاله الفراء هو قياسُ الخطِ؛ لأنه مبني على الوقف، والوقفُ على نونِها بالألف، وهي حرفٌ ينصِبُ المضارعَ بشروطٍ تقدَّمت، ولكن إذا وَقَعَتْ بعد عاطف فالأحسنُ الإِهمال(٥)، وقد قرأ ابن(٦) مسعود وابن عباس رضي الله عنهما هنا بإعمالها فحذف النون من قوله (( لا يؤتون)). وقال أبو البقاء (٧): ((ولم يَعْمل هنا من أجل حرف العطف وهو الفاء، ويجوز في غير القرآن أن يعمل مع الفاءِ وليس المبطلُ ((لا)) لأنَّ (١) تقدم برقم ١٠٦٥. (٢) الآية ٢٥٦ . (٣) في الآية التالية ٥٤. (٤). المشكل ١٩٤/١. (٥) تحتمل في الأصل: ((الإعمال)) والنحويون يجيزون الوجهين. (٦) البحر ٢٧٣/٣؛ الكشاف ٥٣٤/١. (٧) الإملاء ١٨٣/١. ٦ - النساء - (لا)) يتخطَّاها العامل، فظاهرُ هذه العبارةِ أولاً أن المانعَ حرفُ العطف، وليس كذلك بل المانعُ التلاوةُ، ولذلك قال أخيراً ((ويجوز في غيرِ القرآن))، وقد تقدَّم قراءةُ عبدالله وعبد الله(١). آ. (٥٥) والضمير في قوله: ﴿فَمِنْهم مَنْ آمَن به﴾: عائدٌ على إبراهيم أو على القرآنِ أو على الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أو على ما أوتيه إبراهيم عليه السلام. وقرأ الجمهور: ((صَدَّ)) بفتح الصاد، وقرأ(٢) ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ((صُدَّ)) بضمها. وقرأ أبورجاء وأبو الجوزاء بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء / للمفعول، إلَّ أَنَّ المضاعف الثلاثي [٢١١/أ] كالمعتلِّ العينِ منه، فيجوزُ في أولِه ثلاثُ لغات: إخلاصُ الضم، وإخلاصُ الكسر، والإِشمامُ. و((سعيراً)) تمييز، فإنْ كان بمعنى التهاب واحتراق فلا بُدَّ من حذفٍ مضافٍ أي: كفى بسعيرِ جهنم سعيراً، إلَّ أَنَّ توقُّدَها والتهابَها ليس إياها، وإنْ كان بمعنى ((مُسْعِر» فلا يَحْتاج إلى حذف. آ. (٥٦) وقرأ الجمهور: ﴿نُصْليهم﴾: بضم النون من أصلَى، وحميد بفتحها من صَلَيْتُ ثلاثياً، وسلام ويعقوب: نُصْلِيهُم)) بضم الهاء وهي لغة الحجاز وتقدم تقرير ذلك. قوله: ((كلما نَضِجَتْ)) قد تقدم الكلامُ على (كلما)) وأنها ظرفُ زمانٍ، والعاملُ فيها ((بَدَّلْناهم))، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المنصوبِ في ((نُصْليهم))، ويجوز أن يكونَ صفة لـ ((ناراً) والعائدُ محذوف وليس بالقوي، و((ليذوقوا)) متعلق بـ((بَدَّلناهم)). آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾: فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره ((سَنُدْخِلُهم)). والثاني: أنه في محل نصب عطفاً على اسم ((إن)) وهو (الذين كفروا))، والخبر أيضاً ((سندخلهم جناتٍ))، ويصيرُ هذا نظيرَ (١) الأول ابن مسعود، والثاني ابن عباس. (٢) الشواذ ٢٦؛ البحر ٢٧٤/٣. ٧ - النساء- قولك: ((إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً قاعدٌ)) فعطفت المنصوب على المنصوب والمرفوع على المرفوع. والثالث: أن يكون في محلَّ رفعٍ عطفاً على موضع اسم ((إِنَّ» لأنَّ محلَّه الرفع، ذكر ذلك أبو البقاء (١) وفيه نظرٌ من حيث الشناعةُ اللفظية حيث يقال: ((والذين آمنوا)) في موضع نصب عطفاً على: ((الذين كفروا))، وأتى بجملة الوعيد مؤكدةً بـ ((إِنَّ) تنبيهاً على شدة ذلك، وبجملةٍ الوعدِ خاليةً منه لتحقُّقها وأنه لا إنكار لذلك، وأَتَى فيها بحرفِ التنفيس القريبِ المدةِ تنبيهاً على قرب الوعد. و ((تَجْرِي من تحتها الأنهار)) في محلِّ نصبٍ صفةً لـ((جناتٍ))، وقرأ النخعي ((سَيُدْخِلُهم)) وكذلك ((ويُدْخِلُهم ظِلّ» بياء الغَيْبةِ، رَدّاً على قوله: ((إنَّ الله كان عزيزاً). والجمهورُ بالنون رَدَّاً على قوله ((سوف نُصْليهم)). و((خالدين)) يجوزُ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في ((سَنُدْخِلُهم)»، والثاني: أجازه أبو البقاء (٢) أن يكونَ حالاً من ((جناتٍ)) قال: (لأنَّ فيها ضميراً لكل واحدٍ منهما، يعني أنه يجوزُ أن يكونَ حالاً من مفعول ((سندخلهم))، كما تقدم، أو من ((جنات)) لأن في الحال ضميرين(٣) أحدُهما: المستتر في ((خالدين)) العائدُ على الذين آمنوا، والآخر: المجرور بـ ((في)) العائد على ((جنات)) فصحَّ أن يُجعل حالاً من كل واحد لوجود الرابط وهو الضمير. وهذا الذي قالَه فيه نظرٌ لا يَخْفى من وجهين، أحدهما: أنّه يصيرُ المعنى: أنَّ الجناتِ خالداتٌ في أنفسِها، لأنَّ الضميرَ في ((فيها)) عائدٌ عليها، فكأنه قيل: جناتٌ خالداتٌ في الجناتِ أنفسِها. والثاني: أن هذا الجمعَ شرطُه العقلُ، ولو أُريد ذلك لقيل: خالدات. والثالث: أن يكون صفةً (١) الشواذ ٢٦ ونسبها إلى ابن وثاب؛ والبحر ٢٧٥/٣. (٢) الإملاء ١٨٤/١. (٣) الأصل: ((صمیران) وهو سهو. ٨ - النساء - لـ (جنات)) أيضاً. قال أبو البقاء (١): ((على رأي الكوفيين))، يعني أنه جَرَتِ الصفةُ على غير مَنْ هي له في المعنى، ولم يَبْرُز الضمير، وهذا مذهبُ الكوفيين(٢)، وهو أنه إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وأُمِنَ اللَّبْسُ لم يَجِبْ بروزُ الضميرِ كهذه الآية. ومذهبُ البصريين وجوبُ بروزِهِ مطلقاً، فكان ينبغي أَنْ يُقالَ على مذهبهم ((خالدين هم فيها))، ولَمَّا لم يَقُلْ كذلك دَلَّ على فسادِ هذا القول ، وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك. فإنْ قلت: فلْتكُنْ المسألةُ الأولى كذلك، أعني أنك إذا جعلت ((خالدين)) حالاً من ((جنات)) فيكونُ حالاً منها لفظاً وهي لغيرِها معنى، ولم يَبْرُز الضميرُ على رأي الكوفيين، ويَصِحُّ قولُ أبي البقاء فالجواب أن هذا لو قيل به لكان جيداً، ولكن لا يَدْفَعُ الرَدَّ عن أبي البقاء، فإنه خصص مذهبَ الكوفيين بوجه الصفة دون الحال. وقوله ((لهم فيها أزواج)) مبتدأ وخبر، ومحلّ هذه الجملة: إمَّا النصبُ أو الرفع، فالنصبُ: إمَّا على الحال من ((جنات)) أو من الضمير في ((سندخلهم)»، وإمَّا على كونها صفةً لـ ((جنات)) بعد صفة. والرفعُ على أنه خبر بعد خبر. آ. (٥٨) قوله تعالى: ﴿أَنْ تُؤَذُوا﴾: منصوبُ المحلِّ: إمَّا على إسقاط حرف الجر؛ لأنَّ حَذْفَه يَطَرِدُ مع ((أنْ))، إذا أُمِنَ اللَّبْسُ لطولهما بالصلة، وإمَّا لأن ((أَمَر)) يتعدّى إلى الثاني بنفسِه نحو: ((أمرتك الخير)). فعلى الأول يجري الخلافُ في محلّها: أهي في محلِّ نصبٍ أم جر، وعلى الثاني: هي في محلِّ نصبٍ فقط. وقُرىء(٣) والأمانةَ)). والظاهرُ أنَّ قوله: ((أَنْ تَحْكُموا)) معطوفٌ على ((أَنْ تُؤَدُّوا)) أي: يأمركم بتأديةِ الأماناتِ وبالحكمِ بالعدلِ، فيكونُ قد فصل بين حرف العطف (١) الإملاء ١٨٤/١. (٢) انظر: الإنصاف ٥٧ . (٣) قراءة عيسى بن عمر كما في الشواذ ٢٦؛ البحر ٢٧٧/٢. ٩ - النساء - والمعطوف بالظرف، وهي مسألة خلاف: ذهب الفارسي إلى مَنْعِها إلا في الشعر، وذهب غيره إلى جوازها مطلقاً. ولننقِّحْ محلَّ الخلاف أولاً فأقول: إنَّ حرف العطف إذا كان على حرف واحد كالواو والفاء: هل يجوزُ أن يُفْصَلَ بينه وبين ما عَطَفه بالظرفِ وشِبْهِهِ أم لا؟ ذهب الفارسي إلى مَنْعِه مستدلاً بأنه إذا كان على حرف واحد فقد ضَعُف، فلا يتوسّط بينه وبين ما عطفه شيءٌ إلا في ضرورة كقوله(١): ١٥٩٥- يوماً تَراها كشِبْه أَرْدِيَةِ الـ عَضْب ويوماً أَدِيمَها نَغِلا تقديره: ((وترى أديمها نَغِلًا يوماً) فَفَصَل بـ((يوماً)). وذهب غيرُه إلى جوازِه. مُسْتَدِلا بقوله: ((ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة))(٢)، ((فبشرناها بإسحاقَ ومِنْ وراءِ إسحاقَ يعقوب))(٣)، ((وجَعَلْنا من بين أيديهم سَدَّاً ومِنْ خلفهم سداً)(٤) «اللَّهُ الذي خلق سبعَ سمواتٍ، ومن الأرضِ مثلَهن))(٥) ((أن تؤدُّوا الأمانات ... )) الآية . وقال صاحب هذا القول: إن المعطوف عليه إذا كان مجروراً بحرف أُعيد ذلك الحرفُ مع المعطوفِ نحو: ((امرُرْ بزيدٍ وغداً بعمروٍ»، وهذه الشواهدُ لا دليلَ فيها. أمَّا («في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً)) وقوله: ((وجَعَلْنَا من بين أيديهم)) فلأنَّه عَطَفَ شيئين على شيئين: عَطَفَ ((الآخرة)) على ((الدنيا)) بإعادة الخافضِ، وعَطَفَ ((حسنةً)) الثانيةَ على ((حسنةً)) الأولى. (١) تقدم برقم ٧٢٢. (٢) الآية ٢٠١ من البقرة. (٣) الآية ٧١ من هود. (٤) الآية ٩ من يس. (٥) الآية ١٢ من الطلاق. ١٠ - النساء - وكذلك عطف ((مِنْ خلفهم)) على ((من بين))، و((سدا)) على ((سداً))، وكذلك البيت عطف فيه ((أَدِيمَها)» على المفعولِ الأولِ لـ ((تَراها)) و ((نَغِلا» على الثاني وهو ((كشِبْه)) و((يوماً)) الثاني على ((يوماً) الأول، فلا فصلَ فيه حينئذ، وحينئذ يقال: ينبغي لأبي عليّ أن يمنعَ مطلقاً، ولا يَسْتثني الضرورة، فإن ما استشهد به مؤولٌ على ما ذَكَرْتُ. فإن قيل: إنَّما لم يجعلْه أبو علي من ذلك لأنه يؤدِّي إلى تخصيصِ الظرفِ الثاني بما وَقَعَ في الأولِ ، وهو أنه تراها كشِبْه أردية العَضْب في اليوم الأول والثاني؛ لأنَّ حكمَ المعطوف حكمُ المعطوفِ عليه فهو نظيرُ قولك: ((ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت، فـ ((يومَ السبت)) مقيّدٌ بضربٍ زيد كما يُقَيِّد به يوم الجمعة، لكن الغرض أن اليوم الثاني في البيت مُقَيَّدٌ بقيد آخر وهو رؤيةُ أَديِها نَغِلا. فالجواب: أنه لو تُرِكنا والظاهرَ من غيرِ تقييد الظرف الثاني بمعنى آخر كان الحكمُ كما ذكرت؛ لأنه الظاهرُ كما ذكرت في مثالك: ((ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت))، أمَّا إذا قَيِّدْته بشيء آخر فقد تُرك ذلك الظاهرُ لهذا النصِّ، ألا تراك تقول: ((ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً يوم السبت)) فكذلك هذا، وهو موضعٌ يحتاج لتأمل. وأمَّا ((فبشَّرناها بإسحاق)) فـ((يعقوب)) ليس مجروراً عطفاً على ((إسحاق)) بل منصوباً (١) بإضمار فعل أي: ووهبنا لها يعقوب، ويدل عليه قراءة الرفع(٢) فإنها مؤذنةٌ بانقطاعِه من البشارة به، كيف وقد تقدَّم أنَّ هذا القائلَ يقول: إنه متى كان المعطوفُ عليه مجروراً أُعيد مع المعطوفِ الجارُّ. وأمَّا ((أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ)) فلا دلالةَ فيها أيضاً لأنَّ ((إذا)) ظرفٌ لا بد له من عامل، وعاملُه: إمَّا (أَنْ تَحْكُموا)) وهو الظاهرُ / من حيث المعنى، وإمَّا ((يأمركم))، فالأولُ ممتنعٌ [٢١١/ب] وإنْ كان المعنى عليه؛ لأنَّ ما في حَيِّزِ الموصول (٣) لا يتقدِّمُ عليه عند ۔۔۔ (١) لعل الأنسب: ((منصوب). (٢) قراءة غير حمزة وابن عامر. انظر: السبعة ٣٣٨. (٣) ما في حيز الموصول هنا هو ((وإذا حكمتم بين الناس)) والموصول هو ((أن)). ١١ - النساء - البصريين، وأما الكوفيون فُيُجيزون ذلك، ومنه الآيةُ عندهم، واستدلُّوا بقوله(١): ١٥٩٦- كان جَزائي بالعَصا أَنْ أُجْلَدا وقد جاء ذلك في المفعول الصريح في قوله (٢). ١٥٩٧- وشفاءُ غَيِّك خابراً أَنْ تَسْألي: فكيف بالظرفِ وشبهِهِ؟ والثاني (٣) ممتنعٌ أيضاً لأنَّ الأمرَ ليس واقعاً وقت الحكم، كذا قاله الشيخ (٤)، وفيه نظرٌ، وإذا بَطَل هذان فالعامل فيه مقدرٌ يفسِّره ما بعدَه تقديرُه: وأَنْ تحكموا إذا حكمتم، و((أن)) تحكموا)) الأخيرةُ دالةٌ على الأولى. قوله: ((بالعدل)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بـ ((تحكموا)) فتكونَ الباءُ للتعدية. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من فاعل ((تَحْكُموا))، فتكونَ الباءُ للمصاحبة أي: ملتبسین بالعدل مصاحبين له، والمعنيان متلازمان. قوله: ((إنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكم به)) قد تقدَّم الكلامُ على ((ما)) المتصلة بـ (نعم)) و((بئس)) وما ذكر الناسُ فيها فعليك بمراجعته(٥). إلا أن ابن عطية (١) تقدم برقم ٧٢٩. (٢) البيت لربيعة بن مقروم وهو في الخزانة ٥٦٤/٣، وصدره: هلّ سألتِ وخير قومٍ عندهم (٣) أي أن عامل الظرف ((إذا)) هو ((يأمركم)). (٤) البحر ٢٧٧/٣. (٥) انظر إعرابه للآيتين: ٢٧١ من البقرة، ١٣٦ من آل عمران. ١٢ - النساء- نقل هنا نَقْلًا لا يَبْعُد مِنْ وَهْمِ، فلا بُدَّ من ذكره قال(١): و((ما)» المردفةُ على (نِعْم)) إنما هي المهيئةُ لاتصالِ الفعل بها، كما هي في ((ربما)) و ((مِمَّا)) في قوله: ((وكان رسولُ الله عليه السلام مِمَّ يحرِّك شفتيه))(٢) وكقوله(٣). ١٥٩٨- وإنَّا لَمِمَّا نضربُ الكبشَ ضربةً على رأسِه تُلْقي اللسانَ من الفم وفي هذا هي بمنزلة ((ربما))، وهي لها مخالفةٌ في المعنى، لأن ((ربما)) للتقليل و ((مِمَّا)) للتكثير، ومع أن ((ما)) موطئة فهي بمعنى الذي، وما وَطَّأتْ إِلا وهي اسم، ولكنَّ القصدَ إنما هو لِما يليها من المعنى الذي في الفعل)) قال الشيخ (٤): ((وهذا متهافتٌ؛ لأنه من حيث جَعَلَها موطئَةً مهيئةً لا تكون اسماً، ومِنْ حيثُ جَعَلَها بمعنى (الذي)) يلزم أن تكونَ اسماً فتدافعا)). آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿منكم﴾: في محل نصبٍ على الحال من (أُولي الأمر)) فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: وأولي الأمرِ كائنين منكم، و((مِنْ) تبعيضية. قوله: ((إنْ كنتم)) شرطٌ جوابُه محذوفٌ عند جمهور البصريين أي : فَرُدُّوه إلى الله. وهو متقدمُ عند غيرِهم. و((تأويلا)) نصبٌ على التمييز. آ. (٦٠) ﴿ويزعمون﴾: مثلُ ظنَّ وأخواتها بشرط ألاّ تكونَ بمعنى كَفِل ولا كذب ولا سَمِن ولا هَزَل(٥)، و((أنَّ)) سادَّةٌ مسدَّ مفعوليها. وقرأ الجمهور: ((أنزل إليك وما أُنزل من قبلك)) مبنياً للمفعول، وقرئا (٦) مبنيين (١) المحرر ٤ /١٥٧. (٢) رواه البخاري (الفتح) بدء الوحي ٢٩/١. (٣) البيت لأبي حية النميري، وهو في الكتاب ٤٧٧/١؛ وأمالي الشجري ٢٤٤/٢؛ والخزانة ٤ /٢٨٢؛ والدرر ٣٥/٢؛ والكبش: رئيس القوم. (٤) البحر ٢٧٨/٣. (٥) انظر: اللسان («زعم)). (٦) قراءة أبي نهيك. الشواذ ٢٦. ١٣ - النساء - للفاعل وهو الله تعالى. والزعم - بفتح الزاي وضمها وكسرها - مصدرُ زَعَم، وهو قولً يقترن به اعتقاد ظني قال(١) .. ١٥٩٩ - فإنْ تَزْعُميني كنتُ أجهلُ فِكُمُ فإني شَرَيْتُ الحِلْمَ بعدَك بالجَهْل قال ابنُ دريد (٢): ((أكثرُ ما يقع على الباطل)). وقال عليه السلام: ((بئس مطيةُ الرجلِ زعموا))(٣) وقال الأعشى (٤): ١٦٠٠- ونُبِّئْتُ قَيساً ولم أَبْلُه كما زعموا خيرَ أهلِ اليمنْ فقال الممدوح: «وما هو إلا الزعم)) وحرمه ولم يُعْطِە شيئاً.[وذکر صاحبُ (العين)) أنها تقع غالباً على ((أنَّ)) قال: ((وقد تقع في الشعر على الاسم))، وأنشد بيت أبي ذؤيب(٥)، وقول الآخر](٦): ١٦٠١- زَعَمَتْني شيخاً ولستُ بشيخٍ إنما الشيخُ مَنْ يَدِبُّ دبيباً وتكون ((زعم)) بمعنى (ظَنَّ)) فتتعدَّى لاثنين، وبمعنى ((كفِل، فتتعدَّىّ الواحد، ومنه («وأنا به زعيم))(٧) وبمعنى ((رَأَس) وبمعنى (سَمِن)) و(«هَزَل)) فلا تتعدی. (١) تقدم برقم ٤١٠. (٢) الجمهرة ٧/٣. (٣) رواه أبو داود في (الأدب)» ٨٠ (٢٥٤/٥). (٤) البيت في ديوانه ٢٥؛ والعيني ٤٤٠/٢؛ والجمع ١٥٩/١؛ والدرر ١٤٠/١. (٥) وهو قوله: ((فإنْ تزعميني)) السابق. (٦) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل لأنه كُتب على جانب الورقة. والبيت لأبي أمية أوس الحنفي، وهو في المغني ٦٥٨؛ وأوضح المسالك ٣٠١/١؛ والشذور ٣٥٨. (٧) الآية ٧٢ من يوسف. ١٤ - النساء- قوله: ((يريدون)) حالٌ من فاعل ((يَزْعُمون)) أو من ((الذين يزعمون)). وقوله: ((وقد أمروا)) حال من فاعل ((يريدون)) فهما حالان متداخلان، و((أن يكفروا)) في محلِّ نصب فقط إنْ قَدَّرْتَ تعدية ((أمر)) إلى الثاني بنفسِه، وإلا ففيها الخلافُ المشهور، والضمير في ((به)) عائد على الطاغوت، وقد تقدَّم أنه يُذَكَّر ويؤنث، وما قال الناس فيه في البقرة(١). وقرأ(٢) عباس بن الفضل: ((أن يكفُروا بهنَّ)) بضمير جمع التأنيث. قوله: ((أن يُضِلَّهم ضلالاً)) في ((ضلالاً)) ثلاثة أقوال، أحدها: أنه مصدر على غير الصدر نحو: (أَنْبتكم من الأرض نباتاً))(٣) والأصل ((إضلال)) و ((إنبات)) فهو اسمُ مصدر لا مصدر. والثاني: أنه مصدرٌ لمطاوع ((أَضلَّ)) أي: أَضَلَّهم فضلُّوا ضلالاً. والثالث: أن يكون من وَضْعِ أحد المصدرين موضعَ الآخر. وقد تقدم الكلامُ على ((تعالوا)) في آل عمران(٤) وما قال الناس فيها، وقراءة الحسن(٥) وتوجيهها فعليك بالالتفات إليه. آ. (٦١) قوله تعالى: ﴿رأيت﴾: فيها وجهان، أحدُهما: أنها من رؤية البصر أي: مجاهرة وتصريحاً. والثاني: أنها من رؤية القلب أي: ((علمت))، فـ((يصدُّون)) في محل نصب على الحال على القول الأول، وفي محلُّ المفعول الثاني على الثاني. و((صدوداً)) فيه وجهان، أحدهما: أنه اسم مصدر، والمصدر إنما هو الصدُّ، وهذا اختيار ابن عطية (٦)، وعزاه مكي (٧) (١) الآية ٢٥٦ . (٢) البحر ٢٨٠/٣. (٣) الآية ١٧ من نوح. (٤) الآية ٦١ . (٥) قراءته بضم اللام. انظر: البحر ٢٨٠/٣. (٦) المحرر ٤ /١٦٣. (٧) المشكل ١٩٥/١. ١٥ النساء. للخليل بن أحمد. والثاني: أنه مصدر بنفسه يقال: صد صَدَّاً وصُدوداً، وقال بعضُهم: ((الصُّدود: مصدر ((صَدَّ)) اللازم، والصَّدُّ مصدر ((صد)» المتعدي، نحو: ((فَصَدَّهم عن السبيل))(١)، والفعل هنا متعدٍّ بالحرف لا بنفسِه، فلذلك. جاءَ مصدره على ((فُعُول) لأنَّ فُعولاً غالباً للازم)). وهذا فيه نظرٌ، إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ: هو هنا متعد، غايةُ ما فيه أنه حَذَف المفعول أي: يَصُدُّون غيرهم - أو المتحاكمين عندك ــ صدوداً، وأمَّا فُعول فجاء في المتعدي نحو: لزمه لُزوماً وفتنة فُتوناً. آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿فكيف﴾: يجوز في ((کیف)) وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب، وهو قول الزجاج (٢) قال: ((تقديره: فكيف تراهم)»، والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي: فكيف صنيعُهم في وقت إصابة المصيبة إياهم؟ و((إذا معمولةٌ لذلك المقدر بعد ((كيف))، والباء في ((بما)) للسببية، و((ما)) يجوز أن تكونَ مصدريةً أو اسمية، فالعائدُ محذوف. قوله: ((يَحْلفون)) حال من فاعل ((جاؤوك)) و ((إنْ)) نافية أي: ما أردنا و ((إحساناً)) مفعول به، أو استثناء على حسب القولين في المسألة. آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿في أنفسهم﴾: فيه أوجه، أَوْجَهُها: أن يتعلق بـ ((قل)) وفيه معنيان، الأولُ: قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنَّ ذلك أَدْعى إلى قبول النصيحة. الثاني: قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولاً يَبْلُغ بهم ما يَزْجُرهم عن العَوْدِ إلى النفاق. الثاني من الأوجهِ أَنْ يتعلَّق بـ (بليغاً)) أي: قولاً مؤثِّراً في قلوبِهم يغتمُّون به اغتماماً، ويستشعرون به استشعاراً، قال معناه الزمخشري (٣)، ورَدَّ عليه الشيخ (٤) بأنَّ هذا مذهبُ (١) الآية ٢٤ من النمل. (٢) معاني القرآن ٧٣/٢ وعبارته: ((أي: فكيف تكون حالهم)). (٣) الكشاف ٥٣٧/١. (٤) البحر ٢٨١/٣. ١٦ - النساء - الكوفيين، إذ فيه تقديمُ معمولِ الصفة على الموصوف، لوقلت: ((جاء زيداً رجلٌ يضربُ)) لم يجز عند البصريين؛ لأنه لا يتقدم المعمولُ إلا حيث يجوز تقديم العامل، والعامل هنا لا يجوزُ تقديمه؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، والكوفيون يجيزون تقديم معمولَ الصفة على الموصوف، وأمَّا قول البصريين: إنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل ففيه بحث، وذلك أنَّا وجدنا هذه القاعدة منخرمةً في قوله: ((فأمَّا اليتيمَ فلا تقهرْ، وأمّا السائلَ فلا تَنْهَرْ))(١) فـ ((اليتيم)) معمول لـ ((تقهر))، و((السائل)) معمول لـ ((تنهر)) وقد تقدَّما على ((لا)) الناهية، والعاملُ فيهما لا يجوز تقديمُه عليها، إذ المجزوم لا يتقدَّم على جازمه، فقد تقدَّم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وكذلك قالوا في قوله(٢): ١٦٠٢- قنافِذُ هَذَّاجون حولَ بيوتهم بما كان إيَّاهم عطيَّةُ عَوَّدا خَرَّجوا هذا البيتَ على أنَّ في ((كان)) ضميرَ الشان، و((عَطِيَّةُ)) مبتدأ و ((عَوَّدَ) خبرُه، حتى لا يَليَ ((كان)» معمولُ خبرها، وهو غيرُ ظرفٍ ولا شِبْهِهِ، فلزمهم من ذلك تقديمُ المعمول وهو ((إياهم)) حيث لا يتقدمَ العاملُ؛ لأن الخبر متى كان فعلاً رافعاً لضمير مستتر امتنع تقديمه على المبتدأ / لئلا يلتبس| [٢١٢/أ] بالفاعل نحو: ((زيد ضرب عمراً)). وأصلُ منشأ هذا البحث تقديمُ خبرٍ ((ليس)) عليها، أجازه الجمهور(٣) لقوله تعالى: ((ألا يومَ يأتيهم ليس مصروفاً عنهم)) ووجه الدليلِ أنَّ ((يوم)) معمولٌ لـ ((مصروفا))، وقد تقدَّم على ((ليس))، وتقديمُ (١) الآية ٨ - ٩ من الضحى. (٢) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٢١٤؛ والأشموني ٢٣٧/١؛ والخزانة ٥٧/٤؛ والهمع ١١٨/١؛ والدرر ٨٧/١. والقنافذ: ج قنفذ، والهدّاج: مَنْ يمشي مشية معينة. (٣) انظر: المقتضب ١٩٤/٤ - ٤٠٦؛ ابن عقيل ٢٣٦/١؛ والآية ٨ من هود. ١٧ - النبماء -. المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديم العامل، فَعُورضوا بما ذَكَرْتُ لك، وللنظر في هذا البحثِ مجالٌ ليس هذا محلّه، وقد أتقنت ذلك في كتابي ((الشرح الكبير: شرح تسهيل الفوائد)) فعليك به. الثالث: ونُقِل عن مجاهد ولا أظنُّه يَصِحُ عنه - أنه متعلق بـ((مصيبة)) فهو على التقديم والتأخير، والقرآن يُنْزَّهُ عن ذلك، وإنما ذَكَرْتُه تنبيهاً على ضَعْفه .. آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿لَيُطاعَ﴾: هذه لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار ((أن)) وهذا استثناءٌ مفرغ من المفعول له، والتقدير: وما أرسلناً من رسولٍ لشيءٍ من الأشياء إلا للطاعة. و((بإذن الله)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: [أنه] متعلقٌ بـ ((يُطاع))، والباء للسببية، وإليه ذهب أبو البقاء (١)، قال: ((وقيل: هو مفعولٌ به أي: بسبب أمر الله)). الثاني: أن يتعلق بـ ((أرسلنا)) أي : وما أَرْسلنا بأمر الله أي: بشريعته. الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير في ((يطاعَ))، وبه بدأ أبو البقاء (٢). وقال ابن عطية(٣): ((وعلى التعليقين: أي: تعليقِه بـ (يُطاعَ)) أو بـ ((أَرْسلنا)) فالكلامُ عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى؛ لأنَّا نقطعُ أن اللّه تعالى قد أراد من بعضِهم ألَّ يُطيعوه، ولذلك تَأَوَّل بعضُهِم الإِذَنَ بالعلم وبعضُهم بالإِرشاد)). قال الشيخ (٤): ((ولا يُحتاج لذلك لأنَّ قوله ((عامُّ اللفظ)) ممنوعٌ، وذلك أن ((يُطاع)) مبني للمفعول، فيقدَّر ذلك الفاعلُ المحذوفَ خاصاً، وتقديره: ((إلا ليطيعَه مَنْ أراد اللَّهُ طاعته)). قوله: ((ولو أنَّهم)) قد تقدَّم الكلامُ على ((أنَّ) الواقعةِ بعد ((لو))، و ((إذ)) ظرفٌ معمولٌ لخبر ((أنَّ) وهو (جاؤوك)). وقال: ((واستغفر لهم الرسولُ)) ولم يَقُلْ ((واستغفرت)) خروجاً من الخطاب إلى الغَيْبة؛ لِما في هذا (١) الإِملاء ١ /١٨٥. (٢) الإملاء ١٨٥/١. (٣) المحرر ١٦٥/٤. (٤) البحر ٢٨٣/٣. ١٨ - النساء- الاسم الظاهر من التشريفِ والتنويه بوصف الرسالة. و((وَجَد)» هنا يُحْتَمِلُ أن تكونَ العِلْمية فتتعدى لاثنين، والثاني («توابا))، وأن تكون غيرَ العِلْمية فتتعدى الواحد، ويكون ((توابا)) حالاً. وأمَّا ((رحيماً)) فيحتمل أن يكون حالاً من ضمير (تَوَّاباً)، وأن يكون بدلاً من ((تواباً))، ويُحتمل أن يكونَ خبراً ثانياً في الأصل بناء على تعدُّد الخبر وهو الصحيح، فلمَّا دخل الناسخُ نُصِبَ الخبرُ المتعدد تقول: ((زيدٌ فاضلٌ شاعرٌ فقيه عالم)) ثم تقول: ((علمتُ زيداً فاضلاً شاعراً فقيهاً عالماً)) إلا أنه لا يَحْسُن أن يقال هنا: ((وشاعراً: مفعول ثالث، وفقيهاً: رابع، وعالماً: خامس)). آ. (٦٥) قوله تعالى: ﴿فلا وربِّك لا يؤمنون﴾: في هذه المسألةِ أربعة أقوال، أحدها : - وهو قول ابن جرير(١) - أنَّ ((لا)) الأولى رَدٌّ لكلام تقدَّمها، تقديرُه: ((فلا تعقِلون، أو: ليس الأمرُ كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف قسماً بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على ((لا)) تاماً. الثاني: أن ((لا)) الأولى قُدِّمَتْ على القسم اهتماماً بالنفي، ثم كُرِّرت توكيداً، وكان يَصِحُ إسقاطُ الأولى ويبقى [معنى] النفي ولكن تفوتُ الدلالةُ على الاهتمامِ المذكورِ، وكان يَصِحُ إسقاطُ الثانيةِ ويبقى معنى الاهتمام ، ولكن تفوتُ الدلالةُ على النفي، فجُمع بينهما لذلك. الثالث: أن الثانيةَ زائدةٌ، والقَسَمُ معترِضٌ بين حرفِ النفي والمنفي، وكأنَّ التقديرَ: فلا يؤمنون وربِّك. الرابع: أن الأولى زائدة، والثانيةَ غيرُ زائدةٍ، وهو اختيارُ الزمخشري فإنه قال(٢): ((لا)) مزيدةٌ لتأكيد معنى القسم كما زيدت في ((لئلا يعلَم))(٣) لتأكيدِ وجوبِ العلمِ، و((لا يؤمنون)) جوابُ القسم، فإنْ قلت: هَلَّ زعمت أنها زِيدت لتظاهر ((لا)) في ((لا يؤمنون)). قلت: يأبى ذلك استواءُ النفيِ والإِثبات فيه، وذلك قوله: ((فلا أُقْسِمُ بما تُبْصِرون (٢) الكشاف ٥٣٨/١. (١) تفسير الطبري ٥١٨/٨. (٣) الآية ٢٩ من الحديد: ((لئلا يعلَم أهلُ الكتاب ألَّ يَقْدِرون على شيء من فضل الله)). ١٩ - النساء وما لا تبصرون: إنه لقولُ رسولٍ كريم))(١) يعني أنه قد جاءت ((لا)) قبل القسم حيث لم تكن ((لا)) موجودةً في الجواب، فالزمخشري يرى أن ((لا)) في قوله تعالى: ((فلا أُقْسِمُ بما تُبْصرون)) أنها زائدةٌ أيضاً لتأكيدِ معنى القسم، وهو أحدُ القولين، والقولُ الآخِر كقول الطبري المتقدم، ومثلُ الآية في التخاريج المذكورة قولُ الآخر(٢): ١٦٠٣- فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي ولا لَلِما بهم أبداً دواءُ قوله ((حتى يُحَكِّموك)): ((حتى)) غايةٌ متعلقة بقوله ((لا يؤمنون)) أي: ينتفي عنهم الإِيمانُ إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدمُ وجدانِهِم الحرجَ وتسليمُهم لأمرك. والتفت في قوله ((ربِّك)) من الغَيْبة في قوله ((واستغفر لهم الرسول)) رجوعاً إلى قوله ((ثم جاؤوك)). وقرأ(٣) أبو السَّمَّال: ((شَجْر)) بسكون الجيم هرباً من توالي الحركات وهي ضعيفةٌ، لأنَّ الفتحَ أخو السكون. و((بينهم)) ظرف منصوب بـ ((شجر)) هذا هو الصحيح، وأجاز أبو البقاء(٤) فیه أن یکون حالاً، وجعل في صاحب هذه الحال احتمالين، أحدُهما: أن يكونَ حالاً من ((ما)) الموصولة، والثاني: أنه حال من فاعل ((شجر)) وهو نفس الموصول أيضاً : في المعنى، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، و((ثم لا يجدوا)) عطفٌ على ما بعد ((حتى))، و((يَجِدُوا)» يَحْتمل أن تكون المتعديةَ لاثنين، فيكونُ الأول ((حرجاً» والثاني الجارُّ قبلَه فيتَعلَّقُ بمحذوف، وأن تكونَ المتعدية لواحد فيجوز في (في أنفسهم)) وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((يجدوا)) تعلُّقَ الْفَضَلات. (١) الآية ٣٨ من الحاقة (٢) تقدم برقم ١٣٧٨. (٣) البحر ٢٨٤/٣. (٤) الإملاء ١٨٥/١. ٢٠