Indexed OCR Text
Pages 681-700
- النساء- قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً قال: ((تقديرُه: ظلماً قَدْرَ مثقال ذرة، فَحَذَفَ المصدرَ وصفته، وأقام المضافَ إليه مُقامهما)). ولا حاجة إلى ذلك لأنَّ المثقالَ نفسَه هو قَدْر من الأقدار، جُعِل معياراً لهذا القَدْر المخصوصِ . والثاني: أنه منصوب على أنه مفعول ثان لـ ((يَظْلم)) والأول محذوف، كأنهم ضَمَّنوا ((بظلم)» معنى ((بغضب)) و((بنقص)) فَعَذَّوه لاثنين، والأصل: إنَّ الله لا يظلم أحداً مثقال ذرة . قوله: ((وإنْ تَكُ حسنةٌ)) حُذِفت النون تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وهذه قاعدة كلية، وهو أنه يجوز حذفُ نون ((يكون)) مجزومةٌ، بشرطِ ألَّ يليّها ضميرٌ متصل نحو: ((لَم يَكُنْه)) وألَّ تُحَرَّكَ النون لالتقاء الساكنين نحو: ((لم يكنِ الذين كفروا))(١) خلافاً ليونس، فإنه أجاز ذلك مستدلاً بقوله (٢): ١٥٨٣- فإنْ لم تَكُ المِرْآةُ أَبْدَتْ وَسامةً . فقد أَبْدَتِ المرآةُ جَبْهَةً ضَيْغَمِ وهذا عند سيبويه(٣) ضرورةً، وإنما حُذفت النون لغُنَّتِها وسكونها فأشبهت الواو(٤)، وهذا بخلاف سائر الأفعال نحو: ((لم يَضِنَّ)) و ((لم يَهُنْ)) لكثرة استعمال ((كان)»، وكان ينبغي أن تعود الواو عند حَذْفِ هذه النون؛ لأنها إنما حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين وقد زال ثانيهما وهو النونُ إلا أنها كالملفوظ بها. وقرأ الجمهور ((حسنةً)) نصباً على خبر ((كان)) الناقصة، واسمها مستتر فيها (١) الآية ١ من البينة . (٢) البيت لخنجر بن صخر الأسدي، وهو في الإِنصاف ٤٢٢؛ والأشموني ١٤٥/١؛ والعيني ٦٣/٢؛ والهمع ١٢٢/١؛ والدرر ٩٣/١. (٣) الكتاب ٢٨٩/٢. (٤) أي: الواو التي قبلها التي حذفت لالتقاء الساكنين، والشبه في ظاهرة الحذف، وليس في سببه، لأنَّ سبب حذف النون هو التخفيف وليس التقاء الساكنين. ٦٨١ - البناءط يعود على ((مثقال)) وإنما أَنَّث ضميرَه حملاً على المعنى؛ لأنه بمعنى: وإن تكن زنةَ ذرة حسنة، أو لإضافته إلى مؤنث فاكتسب منه التأنيث. وقرأ (١) ابن كثير ونافع ((حسنة)) رفعاً على أنها التامة أي: وإنْ تقع أو توجد حسنة. وقرأ(٢) ابن كثيرٍ وابن عامر: ((يُضَعِّفْها)) بالتضعيف، والباقون ((يضاعفها)). قال أبو عبيدة(٣): ((ضاعفه)) يقتضي مراراً كثيرة، و((ضَعَّفْ)) يقتضي مرتين، وهذا عكسُ كلام العرب؛ لأن المضاعفة تقتضي زيادة المثل، فإذا شدَّدْتَ دَلَّت البُنْية على التكثير، فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة بحسَبٍ ما يكون من العدد. وقال الفارسي(٤): ((هما لغتان بمعنَّى، يدل عليه قوله «نُضَعِّفْ لها العذابَ ضِعْفين))(٥) ((فَيُضَعَّفُه له أضعافاً كثيرة(٦))) وقد تقدم لنا الكلام على هذا بأبسطَ منه هنا. وقرأ ابن هرمز: ((نضاعِفْها)) بالنون، وقرىء(٧) ((يُضْعِفْها)) بالتخفيف مِنْ أضعفه مثل أكرم. قوله: ((مِنْ لَدُنْهُ)) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((يُؤْتٍ)) و ((من)) للابتداء مجازاً. والثاني: يتعلَّق بمحذوف على أنه حال من ((أجراً)) فإنه صفةُ نكرةٍ في الأصلِ قُدِّم عليها فانتصب حالاً. آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿فکیف﴾: فيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها في (١) السبعة ٢٣٣؛ الكشف ٣٨٩/١. (٢) السبعة ١٨٤؛ البحر ٢٥١/٣؛ الشواذ ٢٦. (٣) المجاز ١٢٧/١ .. (٤) الحجة (خ) ٢٨٦/٢. (٥) الآية ٣٠ من الأحزاب قراءة ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو ((يُضَعَّفْ))، والباقون ((يُضاعَفْ)). السبعة ٥٢١. (٦) الآية ٢٤٥ من البقرة قراءة ابن كثير، وابن عامر كذلك ونصب الفاء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالألف ورفع الفاء. السبعة ١٨٥. (٧) قراءة الحسن كما في الشواذ ٢٦ . ٦٨٢ - النساء - محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف أي: فكيف حالُهم أو صنعُهم؟ والعامل في ((إذا) هو هذا المقدر. والثاني: أنها في محلٌّ نصب بفعل محذوف أي: فكيف تكونون أو تَصْنَعون؟ ويَجْري فيها الوجهان: النصب على التشبيه بالحالِ كما هو مذهبُ سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش، وهو العاملُ في ((إذا)) أيضاً. والثالث : - حكاه ابن عطية(١) عن مكي (٢) - أنها معمولةٌ لـ((جئنا))، وهذا غلط فاحش. قوله: ((من كل)) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((جئنا)). والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((شهيد)»، وذلك على رأي مَنْ يجوِّزُ تقديم حالِ المجرور بالحرف عليه(٣)، وقد تقدم تحريره. والمشهودُ عليه محذوفٌ أي: بشهيد على أمته / . [١/٢٠٩] والمِثْقال(٤): مِفْعَال من الثِّقَل وهوزِنَةُ كل شيء، والذّرَّة: النملة الصغيرة، وقيل: رأسُها، وقيل: الخَرْدَلة، وقيل: جزء الهَباءَةِ، عن ابن عباس: أنه أَدْخَلَ يده في التراب ثم نَّفَخَها وقال: ((كلُّ واحدةٍ منه ذرةٌ)) والأولُ هو المشهور؛ لأن النملة يُضْرَبُ بها المثل في القلة، وأصغرُ ما تكون إذا مَرَّ عليها حَوْلٌ، قالوا لأنها حينئذ تَصْغُر جداً، قال حسان(٥): ١٥٨٤ - لو يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ رِ عليها لَأَنْدَبَتْها الكُلُومُ (١) المحرر ١٢١/٤. (٢) ليس في المشكل. (٣) انظر: المقتضب ١٧١/٤ - ٣٠٣؛ ابن عقيل ٥٤١/١. (٤) وهي اللفظة الواردة في آية ٤٠. (٥) الديوان ٤٠؛ البحر ٢٥٠/٣. والكلوم: الجراح. ٦٨٣ - النساء - وقال امرؤالقيس (١): ١٥٨٥- مِن القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ من الذَّرِّ فوق الإِنْبِ منها لَأَّزا قوله تعالى: ((وجِئْنا بك)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أظهرها: أنها في محل جر عطفاً على ((جئنا)) الأولى أي: فكيف تصنعون في وقت المجيئين؟. والثاني: أنها في محلٌّ نصبٍ على الحال، و((قد)) مرادةٌ معها، والعامل فيها ((جئنا) الأولى أي: جئنا من كل أمة بشهيد وقد جئنا، وفيه نظر. والثالث: أنها مستأنفة فلا محل لها. قال أبو البقاء(٢): ((ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، ويكون الماضي بمعنى المستقبل)). انتهى. وإنما احتاج إلى ذلك لأنَّ المجيءَ بعدُ لم يقع، فادَّعى ذلك، والله أعلم. و((على هؤلاء)) متعلق بـ ((شهيدا) و((على)) على بابها وقيل: هي بمعنى اللام وفيه بُعْدٌ، وأجيز أن تكون ((على)) متعلقةً بمحذوف على أنها حالٌ من ((شهيداً))، وفيه بُعْدً، و((شهيداً)) حالٌ من الكاف في ((بك)). آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿يومئذ﴾: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه معمول لـ ((يود)) أي: يَوَدُّ الذين كفروا يوم إذ جئنا. والثاني: أنه معمولٌ لـ ((شهيداً)) قاله أبو البقاء (٣)، قال: ((وعلى هذا يكون ((يود)) صفةً لـ ((يوم))، والعائد محذوف تقديره: فيه، وقد ذكر ذلك في قوله ((واتقوا يوماً لا تجزي)) (٤) وفيما قاله نظرٌ لا يَخْفى. والثالث: أن ((يوم)) مبني لإضافته إلى ((إذ)) قاله الحوفي، قال: ((لأنَّ الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤه معه، و((إذ)) هنا اسمٌ؛ لأنَّ الظروف (١) الديوان ٦٨؛ والبحر ٢٠٦/٢. والإتب: القميص من نوع معين. (٢) الإِملاء ١٨١/١. (٣) الإملاء ١٨١/١. (٤) الآية ٤٨ من البقرة. ٦٨٤ - النساء - إذا أُضيف إليها خَرَجَتْ إلى معنى الاسمية من أجل تخصيصِ المضاف إليها، كما تُخَصَّصُ الأسماءُ، مع استحقاقِها (١) الجر، والجرِّ ليس من علامات الظروف)». والتنوينُ في ((إذ)) تنوينُ عوضٍ على الصحيح، فقيل: عوض من الجملة الأولى في قوله ((جِئْنا من كل)) أي: يومَ إذْ جِئْنا من كل أمة بشهيد، وجِثْنا بك على هؤلاء شهيداً، والرسولُ على هذا اسم جنس. وقيل: عوضٌ من الجملةِ الأخيرة، وهي ((وجِئْنابك))، ويكون المراد بالرسول محمداً صلى الله عليه وسلم. وكان النظم ((وعَصَوْك)) ولكنْ أُبْرِزَ ظاهراً بصفةِ الرسالةِ تنويهاً بقَدْرِهِ وشَرَفِه . وفي قوله: ((وعَصَوْا)) ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها جملة معطوفة على ((كفروا)) فتكونُ صلةٌ، فيكونون جامعين بين كفرٍ ومعصية. وقيل: بل هي صلةٌ الموصول آخر فيكونون طائفتين. وقيل: هي في محل نصب على الحال من (كفروا)) و((قد)) مرادةٌ أي: وقد عصوا. وقرأ يحيى(٢) وأبو السمَّال: ((وعَصّوا الرسول)) بكسر الواو على الأصل. قوله: ((لو تُسَوَّى)) إنْ قيل: إنَّ ((لو)) على بابها كما هو قول الجمهور فمفعول ((يود)) محذوف أي: يود الذين كفروا تسويةَ الأرض [بهم]، ويدلُّ عليه: ((لو تُسَوَّى بهم الأرض)) وجوابها حينئذ محذوف أي: لَسُرُّوا بذلك. وإنْ قيل: إنها مصدرية كانت هي وما بعدها في محل مفعول ((يود)» ولا جواب لها حينئذٍ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في ((يَوَدُّ أحدُهم لو يُعَمِّرُ))(٣). قال أبو البقاء(٤). (١) أي استحقاق ((إذ)). (٢) البحر ٢٥٣/٣. (٣) الآية ٩٦ من البقرة. (٤) الإملاء ١٨١/١. ٦٨٥ - البساء -: ((وعَصَوا الرسول)) في موضع الحال، و((قد)» مرادةٌ، وهي معترضةٌ بين ((يود)) وبين مفعولها وهو (لو تُسَوَّى))، و((لو)) بمعنى (أَنْ)) المصدرية)). انتهى. وفي جَعْلِه الجملةَ الحاليةَ معترضةً بين المفعولِ وعاملِه نَظَرٌ لا يَخْفَى، لأنها مِنْ جملةِ متعلقات العامل الذي هو صلةٌ للموصولِ، وهذا نظير ما لو قلت. ((ضَرَبَ الذين جاؤوا مُسْرِعين زيدا) فكما لا يقال إنَّ (مسرعين)) معترض به فكذلك هذه الجملة. وقرأ(١) أبو عمرو وابن كثير وعاصم ((تُسَوَّى)) بضم التاء وتخفيف السين مبنياً للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي: تَسَوَّى بفتحِها والتخفيفِ، ونافع وابن عامر بالتثقيل. فأما القراءة الأولى فمعناها: أنهم يَوَدُّون أن الله تعالى يُسَوِّي بهم الأرض: إمَّا على أن الأرض تنشق وتبتلعهم، وتكون الباء بمعنى ((على))، وإمّا على أنهم يَوَدُّون أن لوصاروا تراباً كالبهائم، والأصل: يَوَدُّون أن الله يُسَوِّيهم بالأرض، فَقُلِب إلى هذا كقولهم: ((أدخلت القَلْسوة في رأسي))، وإمَّا على أنهم يودُّون لَوِ يُدْفَنون فيها، وهو كمعنى القولِ الأول، وقيل: لو تُعْدَلُ بهم الأرض أي: يُؤْخَذُ ما عليها منهم فديةٌ. وأمَّا القراءة الثانية فأصلُها ((تَتَسَوَّى)) بتاءين، فحذفت إحداهما. وفي الثالثة حُذِفت إحداهما. ومعنى القراءتين ظاهر مِمَّا تقدَّم، فإن الأقوال الجارية في القراءةِ الأولى جاريةٌ في القراءتين الْأُخْرَيْنِ، غايةُ ما في الباب أنه نَسَب الفعلَ إلى الأرض ظاهراً. قوله: ((ولا يكتمون)) فيه ستةُ أوجهٍ، وذلك أنَّ هذه الواوَ تحتمل أن تكون للعطفِ وأن تكونَ للحالِ : فإنْ كانت للعطفِ احتمل أن يكون من عطف المفردات، وأن يكونَ من عطف الجمل، إذا تقرر هذا فيجوز أن [يكون] ((ولا يكتمون)) عطفاً على مفعول ((يود)) أي: يَوْدُّون تسويةَ الأرض بهم وانتفاءً (١) السبعة ٢٣٤؛ الكشف ٣٩٠/١. ٦٨٦ - النساء - كتمان الحديث، و((لو)» على هذا مصدريةٌ، ويَبْعُدُ جَعْلُها حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيرِهِ، ويكونُ ((ولا يكتمون)» عطفاً على مفعول ((يَوَدُّ» المحذوفِ. فهذان وجهان على تقدير كونه من عطفِ المفردات . ويجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على جملة ((يَوَدُّ»، أَخْبَرَ تعالى عنهم بخبرين أحدُهما: الودادة لكذا، والثاني: أنهم لا يَقْدِرُون على الكتم في مواطنَ دونَ مواطنَ، و((لو)) على هذا مصدريةٌ، ويجوزُ أن تكونَ ((لو)) حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيره، وجوابُها محذوفٌ، ومفعولُ ((يود)) أيضاً محذوفٌ، ويكون ((ولا يكتمون)) عطفاً على ((لو)) وما في حَيِّزها، ويكونُ تعالى قد أَخْبَرَ عنهم بثلاثِ جمل: الوَدادةِ وجملةِ الشرط بـ ((لو)» وانتفاءِ الكتمان، فهذان أيضاً وجهان على تقدير كونه من عطف الجمل. وإنْ كانَتْ للحالِ جاز أن تكون حالاً من الضمير في ((بهم»، والعامل فيها ((تُسَوَّى))، ويجوزُ في (لو)) حينئذٍ أَنْ تكونَ مصدريةً وأن تكون امتناعيةً، والتقديرُ: يَوَدُّون تسويةَ الأرضِ بهم غيرَ كاتمين، أو: لو تُسَوَّى بهم غيرَ كاتمين لكان بغيتَهم، ويجوز أن تكون حالاً من «الذين كفروا)»، والعاملُ فيها (يود))، ويكونُ الحال قيداً في الوَدادةِ، و((لو)) على هذا مصدريةٌ في محلٌّ مفعولِ الودادة، والمعنى: يومئذ يود الذين كفروا تسوية الأرض بهم غير كاتمين الله حديثاً، ويبعد أن تكون ((لو)) على هذا الوجه امتناعيةً للزوم الفصل بين الحال وعاملها بالجملة. و((يكتمون)) يتعدى لاثنين، والظاهر أنه يصل إلى أحدهما بالحرف، والأصل: ولا يكتمون من الله حديثاً. آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبوا الصلاة﴾: فيه وجهان، أحدهما: أن في الكلامِ حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: مواضعَ الصلاة، والمراد بمواضعها المساجدُ، ويؤيدُ هذا قولُه بعد ذلك: ((إلا عابري سبيلٍ)) في أحد التأويلين. والثاني: أنه لا حذفَ، والنهي عن قربان نفسِ الصلاة في هذه الحالة. ٦٨٧ - النساء قوله: ((وأنتم سُكارى)) مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل (تقربوا)). وقرأ الجمهورُ: ((سُكارى)) بضم السين وألف بعد الكاف، وفيه قولان، أحدهما : - وهو الصحيح - أنه جمع تكسير، نص عليه سيبويه(١)، قال: ((وقد يُكَسِّرون بعضَ هذا على فُعالى، وذلك كقولِ بعضِهم ((سُكارى)) ((وعُجالى)). والثاني: أنه اسمُ جمع، وزعم ابنُ الباذش أنه مذهب سيبويه، قال: ((وهو القياسُ لأنه لم يأت من أبنية الجمع شيءٌ على هذا الوزن)). وذكر السيرافي الخلافَ، ورجَّح كونه تكسيراً. [٢٠٩/ب] . وقرأ الأعمش: ((سُكْرى)) بضم السين وسكون الكاف /، وتوجيهُها أنها صفةٌ على فُعْلِى كحُبْلِى، وقعت صفةٌ لجماعةٍ أي: وأنتم جماعةٌ سُكْرى .. وحكى جناح(٣) بن حبيش: (كُسْلَى وَكَسْلى)) بضم الكاف وفتحها. قاله الزمخشري (٤). وقرأ النخعي: ((سَكْرى)) بفتح السين وسكون الكاف، وهذه تحتمل وجهين، أحدُهما: ما تقدَّم في القراءة قبلها وهو أنها صفةٌ مفردةٌ على فَعْلى كامرأةٍ سَكْرِى وُصِفَ بها الجماعة. والثاني: أنها جمعُ تكسيرٍ كَجَرْحى ومَوْتِى وهَلْكى، وإنما جَمْعُ سَكْران على ((فَعْلَى)) حملاً على هذه؛ لِما فيه من الآفةِ اللاحقةِ للفعلِ، وقد تقدَّم لك شيء من هذا في قوله في البقرة عند قوله: ((وإنْ يأْتُوكم أسارىَ))(٥)، وقُرىءٍ(٦) ((سَكارى)) بفتحِ السينِ، والألفِ، وهذا جمعُ تكسيرٍ نحو: نَدْمان ونَدامى وعَطْشان وعَطاشَی. والسُّكْر لغةً: السَّدُّ، ومنه قيل لِما يَعْرِضُ للمرءِ مِنْ شرب المُسْكِر؛ لأنهِ (١) الكتاب ٢١٢/٢. (٢) الشواذ ٢٦؛ البحر ٢٥٥/٣؛ القرطبي ٢٠٢/٥. (٣) لم أقف على ترجمة له. (٤) الكشاف ٥٢٨/١، وذكره ابن خالويه في شواذه: ٢٦ . (٥) الآية ٨٥ من البقرة. (٦) رواها ابن خالويه في شواذه ٢٦٩ عن عيسى بن عمر. ٦٨٨ - النساء - يَسُدُّ ما بين المرء وعقله، وأكثرُ ما يقال السُّكْرُ لإِزالة العقلِ بالمُسْكِر، وقد يُقال ذلك لإِزالتِه بغضبٍ ونحوِه من عشقٍ وغيرِه قال(١): ١٥٨٦- سُكْرانِ سُكْرُ هوىَّ وسُكْرُ هُدامَةٍ أَنَّى يُفيقُ فتىَّ به سُكْرَانٍ والسَّكْرُ - بالفتح وسكون الكاف - حَبْسُ الماءِ، وبكسرِ السينِ نفسُ الموضعِ المسدودِ، وأمَّا ((السَّكَر)) بفتحهما فما يُسْكِرُ به من المشروبِ، ومنه ((سَكَراً ورزقاً حسناً)(٢)، وقيل: السُّكْر - بضمّ السين وسكون الكاف - السَّدُّ أي: الحاجزُ بين الشيئين قال(٣): ١٥٨٧- فما زِلْنَا على السُّكْرِ نُداوي السُّكْرِ بِالسُّكْرِ والحاصلُ: أنَّ أصلَ المادةِ الدلالةُ على الانسدادِ، ومنه ((سَكِرَتْ عينُ البازي)) إذا خالَطَها نومٌ، و((سَكِر النهرُ)) إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه أنا. قوله: ((حتى تَعْلَموا)) ((حتى)) جارةٌ بمعنى ((إلى))، فهي متعلقة بفعلٍ النهي، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار ((أَنْ))، وتقدَّم تحقيقُه. و((ما)) يجوزُ فيها ثلاثة أوجه: أن تكونَ بمعنى الذي، أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على هذين القولين محذوفٌ أي: يقولونه، أو مصدريةً فلا حَذْفَ إلا على رأيِ ابنِ السراجِ ومَنْ تَبِعه . قوله ((ولا جُنُبً) نصبٌ على أنه معطوفٌ على الحال قبله، وهو قوله (وأنتم سُكارى))، عَطَفَ المفردَ على الجملةِ لَمَّا كانَتْ في تأويلِه، وأعادَ معها (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في المفردات للراغب ٢٤٢. (٢) الآية ٦٧ من النحل. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٥٠/٣. ٦٨٩ - النساء- (لا)) تنبيهاً على أنَّ النهيَ عن قربانِ الصلاةِ مع كل واحدة من هذين الحالين على انفرادِهما، فالنهيُّ عنها مع اجتماعِ الحالين آكدُ وأَوْلِى . والجُنُبُ: مشتقٌ من الجنابة وهي الْبُعْد قال(١): ١٥٨٨- فلا تَحْرِمِنِّي نائلاً عن جَنابَةٍ فإني امرؤُ وَسْطَ القِبابِ غريبُ وسُمِّ الرجلُ جُنُباً لِبُعْده عن الطهارة، أو لأنه ضاجَعَ بجَنْبه ومَسَّ بهِ، والمشهورُ أنه يُستعمل بلفظٍ واحد للمفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، ومنه الآيةُ الكريمة. قال الزمخشري(٢): ((لجَرَيانه مَجْرى المصدر الذي هو الإِجْناب)) ومن الغرب مَنْ يُثَنِّه فيقول: ((جُنُبانٍ)) ويجمعه سَلامَةً فيقول: ((جُنُبُون)) وتكسيراً فيقول: ((أَجْناب))، ومثله في ذلك: ((شُلُل)) وتقدَّم تحقيق ذلك . قوله: ((إلا عابري)» فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الحال، فهو استثناءٌ مفرغ، والعامل فيها فعل النهي، والتقدير: لا تقربوا الصلاةَ في حال الجنابة، إلا في حال السفر أو عبور المسجد، على حَسَب القولين. وقال الزمخشري(٣): ((إلا عابري سبيل)) استثناءٌ من عامة أحوالِ المخاطبين، وانتصابُه على الحالِ؛ فإنْ قلت: كيف جَمَع بين هذه الحالِ والحالِ التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاةَ في حالِ الجنابة إلا ومعكم حالٌ أخرى تُعْذَرُون فيها وهي حال السفر، وعُبُور السبيلِ عبارةٌ عنه)). والثاني: أنه منصوب على أنه صفةٌ لقوله: ((جُنُباً)) وصفه بـ ((إلا)) بمعنى ((غير)) فظهر الإِعرابُ فيما بعدها، وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ عند قوله تعالى: ((لو كان فيهما (١) تقدم برقم ١٥٨٠. (٢) الكشاف ٥٢٨/١. (٣) الكشاف:٥٢٨/١. ٦٩٠ - النساء - آلهةً إلا اللَّهُ لفَسَدَتا)»(١) كأنه قيل: لا تَقْرَبوها جُنُباً غيرَ عابري سبيل أي: جُنُباً مُقِيمين غيرَ مَعْذُورين، وهذا معنى واضح على تفسيرِ العبورِ بالسفر. وأمَّا مَنْ قَدَّر مواضع الصلاة فالمعنى عنده: لا تَقْربوا المساجدَ جُنُباً إلا مجتازين لكونه لا ممرَّ سواه، أو غيرِ ذلك بحَسَبِ الخلاف. والعُبور: الجوازُ، ومنه: ((ناقةٌ عُبْرُ الهَواجِر)) قال(٢): ١٥٨٩ - عَيْرانَةٌ سُبْحُ اليدينِ شِمِلَّةٌ عُبْرُ الهواجرِ كالهِزَفِّ الخاضِبِ وقوله: ((حتى تَغْتَسِلوا)) كقوله: ((حتى تَعْملوا)» فهي متعلقةٌ بفعلِ النهي . قوله: ((أو على سَفَرِ)) في محلُّ نصبٍ عطفاً على خبر ((كان)) وهو «مَرْضَى)) وكذلك قوله: ((أو جاء أحدٌ)) ((أولامستم)) وفيه دليلٌ على مجيء خبرِ ((كان)) فعلًا ماضياً من غيرِ ((قد))، وادِّعاء حذفها تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه، كذا استدلَّ به الشيخ(٣)، ولا دليلَ فيه لاحتمال أن يكونَ ((أو جاء)) عطفاً على ((كنتم)) تقديرُه: ((وإنْ جاء أحد))، وإليه ذهب أبو البقاء (٤) وهو أظهرُ من الأول، والله أعلم. و ((منكم)) في محلِّ رفع لأنه صفةٌ لـ((أحد))، فيتعلق بمحذوف و ((من الغائط)) متعلَّقٌ بـ ((جاء))، فهو مفعولُه. وقرأ الجمهور: ((الغائط)) بزنة فاعِل، وهو المكانُ المطمئِنُّ من الأرض، ثم عَبَّر به عن نفسِ الحدثِ كنايةً للاستحياء مِنْ ذكره، وفَرَّقت العرب بين الفعلين منه، فقالت: ((غاطَ في (١) الآية ٢٢ من الأنبياء. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في تفسير القرطبي ٢٠٦/٥. والعَيْرانة من الإِبل: الناجية في نشاط، والسرح: السريعة، والشملة: الخفيفة السريعة، والهزف: الطويل الريش، والخاضب: الظليم إذا أكل الربيع فاحمرَّت ساقاه وقوادمه. (٣) البحر ٢٥٨/٣ . (٤) الإملاء ١٨٢/١. ٦٩١ - النساء - الأرض)) أي: ذهب وأبعد إلى مكانٍ لا يراه فيه إلا مَنْ وَقَف عليه، وتغوَّط: إذا أَحْدَثَ. وقرأ(١) ابن مسعود: ((من الغَيْطِ))، وفيه قولان، أحدُهما : - وإليه ذهب ابن جني(٢) - أنه مخفف من فَيْعِل كهَيْن ومَيْت في: هيّن وميّت. والثاني: أنه مصدرٌ على وزن فَعْلَ قالوا: غاط يغيط غَيْطاً، وغاط يَغُوط غَوْطاً. وقال أبو البقاء(٣): ((هو مصدرُ ((يَغُوطِ)) فكان القياس ((غَوْطً)) فَقَلبَ الواوَ ياءً وإنْ سَكْنَتْ وانفتَحَ ما قبلَها لِخفَّتها)) كأنه لم يَطّلع على أنَّ فيه لغةً أخرى من ذواتٍ الياءُ حتى ادَّعى ذلك. وقرأ الأخوان(٤) هنا وفي المائدة(٥): ((لَمَسْتُم)) والباقون: ((لامستم) فقيل: ((فاعِل)) بمعنى فَعَل، وقيل: لَمَس جامَع، ولامسَ لما دون الجماع. قوله: ((فلم تَجِدوا)) الفاءُ عَطَفَتْ ما بعدها على الشرط. وقال أبو البقاء (٦): ((على جاء))، لأنه جَعَل ((جاء)) عطفاً على ((كنتم)) فهو شرط عنده)). والفاءُ في قوله ((فتيمَّموا)) هي جوابُ الشرط، والضمير في ((تَيَمَّموا)) لكلِّ مَنْ تقدَّم من مريضٍ ومسافرٍ ومتغوُّط وملامس أولامس، وفيه تغليبٌ: للخطابِ على الغَيْبَةِ، وذلك أنه تقدَّم غيبة في قوله: ((أو جاء أحد)) وخطابُ في ((كنتم)) و ((لمستم)) فَغَلَّب الخطابَ في قوله ((كنتم)) وما بعده عليه. وما أحسنَ ما أتنى هنا بالغيبة لأنه كنايةٌ عما يُسْتحيا منه فلم يخاطِبْهم به، وهذا من محاسِنٍ الكلام، ونحوُه: ((وإذا مَرِضْتُ فهو يشفين))(٧). و((وَجَد) هنا بمعنى ((لَقِي)» فتعدَّت لواحد. (١) الشواذ ٢٦؛ والبحر ٢٥٨/٣؛ والقرطبي ٢٢٠/٥ .. (٢) المحتسب ١٩٠/١. (٣) الإِملاء ١٨١/١. (٤) السبعة ٢٣٤؛ الكشف ٣٩١/١. (٥) الآية ٦. (٦) الإملاء ١٨٢/١. (٧) الآية ٨٠ من الشعراء .. ٦٩٢ - النساء - و ((صعيداً)) مفعولٌ به لقوله: ((تَيَمَّموا)) أي: اقصِدوا، وقيل: هو على إسقاطِ حرف أي: بصعيدٍ، وليس بشيء لعدم اقتياسِه. و ((بوجوهكم)) متعلّقٌ بـ ((امْسَحوا)) وهذه الباءُ تحتمل أن تكون زائدة، وبه قال أبو البقاء(١)، ويحتمل أن تكون متعدية، لأن سيبويه حكى: ((مَسَحْتُ رأسَه وبرأسِه)) فيكون من باب: نصحته ونصحت له. وحُذِفَ الممسوحُ به، وقد ظهَر في آية المائدة(٢) في قوله ((منه)) فَحُمِلَ عليه هذا. آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿من الكتاب﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلق بمحذوفٍ إذ هو صفةٌ لـ ((نصيباً)) فهو في محل نصب، والثاني: أنه متعلق بـ (أوتوا)) أي: أوتوا من الكتابِ نصيباً. و((يَشْتُرُون)) حالٌ وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه واو ((أوتوا))، والثاني: أنه الموصولُ، وهي على هذا حالٌ مقدرة، والمُشْتَرَى به محذوف أي: بالهُدى، كما صَرَّح به في مواضعَ . و ((يريدون)) عطفُ على ((يشترون)). وقرأ النخعي (٣): ((ويُريدون أَنْ تَضُلُّوا)) بتاءِ الخطاب، والمعنى: وتريدون أيها المؤمنون أن تَدَّعوا الصوابَ /. وقرأ [٢١٠/أ] الحسن: ((أن تُضِلُّوا)) من ((أضلَّ)). وقرىء(٤): ((أَنْ تُضَلُّوا السبيل)) بضم التاء وفتح الضاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. و((السبيل)) مفعول به كقولك: ((أخطأ الطريق))، وليس بظرفٍ، وقيل: يتعدَّى بـ ((عَنْ)) تقول: ((ضَلَلْتُ السبيل، وعن السبيل)). آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿وَكَفَى باللّهِ﴾: قد تقدَّم الكلامُ على هذا التركيبِ أولَ السورةِ(٥) فَأَغْنى عن إعادته، وكذلك تقدَّم الكلامُ في المنصوبِ بعده. (١) الإملاء ١٨٢/١ وانظر: الكتاب ٣٧/١. (٢) الآية ٦، ((فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)). (٣) البحر ٢٦١/٣؛ الشواذ ٢٦. (٤) قراءة الحسن كما في القرطبي ٢٤٢/٥. (٥) الآية ٦. ٦٩٣ - النساء أ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿مِن الذِينِ هادُوا يُحرِّفُون﴾: فيه سبعةُ أوجهٍ أحدها: أَنْ يكونَ ((مِن الذين)) خبراً(١) مقدماً، و((يُحَرِّفون)» جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةٌ لموصوف محذوف هو مبتدأ، تقديره: ((من الذين هادوا قومٌ يُحَرِّفون)» وحَذْفُ الموصوفِ بعد ((مِنْ)) التبعيضية جائزٌ، وإنْ كانت الصفةُ فعلاً كقولهم: ((منا ظَغَن ومنا أَقام)) أي: فريق ظعن، وهذا هو مذهبُ سيبويه(٢) والفارسي، ومثلُه(٣): ١٥٩٠ - وما الدهرُ إلا تارتانِ فمِنْهما أموتُ وأُخْرى أبتغي العيشَ أكدحُ أي: فمنهما تارةً أموت فيها. الثاني : - قول الفراء(٤) _ وهو أنَّ الجارَّ والمجرور خبرٌ مقدم أيضاً، ولكنَّ المبتدأَ المحذوفَ يقدِّرُه موصولاً تقديره: ((من الذين هادوا مَنْ يحرفون))، ويكون قد حَمّل على المعنى في ((يُحَرِّفون))(٥)، قال الفراء: «ومثله(٦): ١٥٩١ - فَظَلُّوا ومنهم دَمْعُه سابقٌ له وآخرُ يَثْني دمعةً العينِ باليدِ قال: ((تقديرُه: ((ومنهم مَنْ دمعُه سابقٌ له)). والبصريون لا يجيزون (١) الأصل: ((خبر مقدم) وهو سهو. (٢). الكتاب ٣٧٥/١. (٣) البيت لتميم بن مقبل، وهو في ديوانه ٢٤؛ والكتاب ٣٧٦/١؛ والكامل ٥٣٨؛ والمحتسب ١١٢/١؛ وحماسة الشجري ١٨٣؛ والهمع ١٢٠/٢؛ والدرر ١٥١/٢. (٤) معاني القرآن ٢٧١/١ . (٥) أي: إنه جمع على معنى ((من)) وليس على لفظها. (٦) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٤١/١؛ البحر ٢٦٢/٣. ٦٩٤ - النساء- حَذْفَ الموصولِ لأنه جزءً كلمة، وهذا عندهم مؤولٌ على حذف موصوف كما تقدم، وتأويلُهم أَوْلَى لعطفِ النكرة عليه وهو ((آخر))، و((أخرى)) في البيتِ قبلَه، فيكونُ في ذلك دلالةٌ على المحذوفِ، والتقديرُ: فمنهم عاشقٌ: سابقٌ دمعُه له وآخرُ. الثالث: أنَّ ((مِن الذين)) خبرُ مبتدأ محذوف أي: هم الذين هادوا، و ((يُحَرِّفون)» على هذا حالٌ من ضمير ((هادوا)). وعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ يكونُ الكلامُ قد تَمَّ عند قوله ((نصیراً)). الرابع: أن يكونَ ((من الذين)) حالاً من فاعل ((يريدون)) قاله أبو البقاء(١)، ومَنَع أن يكونَ حالاً من الضمير في ((أوتوا)) ومن ((الذين)) أعني في قوله: ((ألم تَرَ إلى الذين أوتوا)) قال: ((لأنَّ الحال(٢) لا تكونُ لشيءٍ واحد إلا بعطفِ بعضِها على بعض)). قلت: وهذه مسألةُ خلافٍ، من النحويين مَنْ مَنَع، ومنهم مَنْ جَوَّز وهو الصحيح . الخامس: أنَّ (مِن الذين)) بيانٌ للموصولِ في قوله: ((ألم تَرَ إلى الذين أُوْتوا)) لأنهم يهودٌ ونصارى فبيَّنِهم باليهودِ، قاله الزمخشري(٣)، وفيه نظرٌ من حيث إنه قد فُصِل بينهما بثلاثِ جمل وهي: ((والله أعلم)) إلى آخره، وإذا كان الفارسي قد مَنَعَ الاعتراضَ بجملتين فما بالك بثلاث !! قاله الشيخ (٤)، وفيه نظرً فإِنَّ الجمَلَ هنا متعاطفةٌ، والعطفُ يُصَيِّر الشيئين شيئاً واحداً. (١) الإملاء ١٨٢/١. (٢) كذا في الأصل، عبارة أبي البقاء: ((لأنَّ شيئاً واحداً لا يكون له أكثر من حال واحدة» ويعني أن ((يشترون)» كانت حالاً من ((الذين أوتوا)) فلا يكون لها أكثر من حال واحدة إلا بالعطف، وهذا معدوم. (٣) الكشاف ٥٣٠/١. (٤) البحر ٢٦٢/٣. ٦٩٥ - النساء- السادس: أنه بيانٌ لأعدائِكم، وما بينهما اعتراض أيضاً وقد عُرِف ما فيه . السابع: أنه متعلُّقٌ بـ ((نصيراً))، وهذه المادةُ تتعدَّى بـ ((من)). قال تعالى: ((ونَصَرْناه من القوم))(١) ((فَمَنْ ينصُرنا من بأس الله))(٢) على أحدٍ تأويلين: إمَّا على تضمينِ النصرِ معنى المنع أي: منعناه من القوم، وكذلك: وكفى بالله مانعاً بنصرِه من الذين هادوا، وإمَّا على جَعْلِ ((مِنْ)) بمعنى ((على) والأولُ مذهبُ البصريين. فإذا جعلنا ((من الذين)) بياناً لِما قبله فبِمَ يتعلَّق؟؟ والظاهرُ أنه يتعلق بمحذوف، ويَدُلُّ على ذلك أنهم قالوا في ((سُقْياً لك)): إنَّ (ك)) متعلق بمحذوف لأنه بيانٌ. وقال أبو البقاء(٣): ((وقيل: هو حالُ من ((أعدائكم)) أي: واللَّهُ أعلمُ بأعدائِكم كائنين من الذين هادوا، والفصلُ بينهما مُسَدِّد فلم يمنعْ من الحال)». فقوله هذا يُعْطي أنه بيانٌ لأعدائكم مع إعرابِه له حالاً فيتعلَّق بمحذوفٍ، لكن لا على ذلك الحذفِ المقصودِ في البيان. وقد ظهر مِمَّا تقدَّم أنَّ (يُحَرِّفون)): إمَّا لا محلّ له، أوله محلُّ رفع أو نصبٍ على حَسْبٍ ما تقدم. وقرأ أبو رجاء (٤) والنخعي: ((الكلام)) وقرىء (الكِلْم)) بكسر الكاف وسكون اللام جمع ((كِلْمة)) مخففة من كَلِمة، ومعانيهما متقاربةٌ . و((عن مواضِعِه)) متعلَّقٌ بـ ((يُحَرِّفون))، وذَكَّر الضمير في ((مواضعه» حَمْلا على ((الكَلِم)) لأنها جنسٌ. (١) الآية ٧٧ من الأنبياء. (٢) الآية ٢٩ من غافر. (٣) الإملاء ١٨٢/١. (٤) الشواذ ٢٦؛ البحر ٢٦٣/٣؛ القرطبي ٢٤٣/٥. ٦٩٦ ٠ - النساء- وجاء هنا: ((عن مواضِعه))، وفي المائدة: ((من بعد مواضعه)) (١) قال الزمخشري (٢): ((أمَّا ((عن مواضعه)) فَعَلى ما فَسَّرناه من إزالته عن مواضعِه التي أَوْجَبَتْ حكمةُ اللَّهِ وَضْعَه فيها بما اقتضَتْ شهواتُهم من إبدالِ غيره مكانَه، وأما ((من بعدِ مواضعه)) فالمعنى أنه كانت له مواضع هو قَمِنْ (٣) بأن يكونَ فيها، فحين حَرَّفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارِّه، والمعنيان متقاربان)). قال الشيخ(٤): ((وقد يقال إنهما سِيَّن، لكنه حُذِف هنا وفي أول المائدة(٥) ((من بعد مواضعه))؛ لأنَّ قولَه ((عن مواضعِه)) يدلُّ على استقرارِ مواضعَ له، وحُذِف في ثاني المائدة ((عن مواضِعِه)) لأنَّ التحريفَ من بعد مواضعه يدل على أنه تحريفٌ عن مواضعِه، فالأصلُ: يُحَرِّفون الكلمَ من بعد مواضعِه عنها، فَحَذَف هنا البعدية وهناك ((عنها)» توسُّعاً في العبارةِ، وكانت البداءةُ هنا بقوله ((عن مواضعِه)) لأنه أخصرُ، وفيه تنصيصُ باللفظِ على ((عن)) وعلى المواضعِ وإشارةٌ إلى البعدِيَّة)). وقال(٦) أيضاً: ((والظاهرُ أنهم حيث وُصِفُوا بشدةِ التمرُّدِ والطغيانِ وإظهارِ العداوةِ واشتراءِ الضلالةِ ونَقْضِ الميثاق جاء ((يحرِّفون الكلم عن مواضِعِه)) كأنهم حَرَّفوها من أول وهلةٍ قبل استقرارها في مواضعها وبادَرُوا إلى ذلك، ولذلك جاء أَوَّلُ المائدة كهذهِ الآيةِ حيث وصفهم بنقضِ الميثاق وقسوةٍ القلوب، وحيث وُصِفوا باللين وترديد الحكم إلى الرسول جاء ((من بعد مواضعه)» كأنهم لم يبادروا إلى التحريفِ، بل عرض لهم بعد استقرارِ الكلمِ في مواضعِها فهما سياقان مختلفان)). (١) الآية ٤١. (٢) الكشاف ٥٣٠/١. (٣) قمن: جدير. (٤) البحر ٢٦٣/٣. (٥) الآية ١٣. (٦) البحر ٢٦٣/٣. ٦٩٧ - النساء= وقوله ((ويقولون)) عطفُ على ((يُحَرِّفون))، وقد تقدَّم، وما بعده في محلٌ نصبٍ به. قوله: ((غيرَ مُسْمَع)) في نصبه وجهان أحدهما: أنه حالٌ، والثاني: أنه مفعولٌ به، والمعنى: اسْمَعْ غيرَ مُسْمَع كلاماً ترضاه، فسمعُك عنه نابٍ قال الزمخشري(١) - بعد حكايته نصبَه على الحالِ وذكره المعنى المتقدم - ((ويجوز على هذا أن يكون ((غيرَ مُسْمَع)) مفعول ((اسمَعْ)) أي: اسْمَعْ كلاماً غيرَ مسمعٍ إياك لأنَّ أذنك لا تَعِيه نُبُوّاً عنه)). وهذا الكلامُ ذو وجهين: يعني أنَّهِ يحتمل المدح والذم فبإرادة المدحِ تقدِّرُ: ((غيرَ مُسْمِعٍ مكروهاً))، فيكونُ قد حذف المفعولَ الثاني، لأنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ، وبإرادة الذمِّ تقدِّر: ((غير مُْمع خيراً)، وحُذِفَ المفعولُ الثاني أيضاً. وقال أبو البقاء (٢): ((وقيل: أرادوا غيرَ مسموعٍ منك))، وهذا القولُ نَقَلَهُ ابن عطية (٣) عن الطبري (٤)، وقال: ((إنه حكايةٌ عن الحسن ومجاهد». قال ابن عطية (٥): ((ولا يساعِدُه التصريف)) يعني أن العرب لا تقول: ((أَسْمَعْتُك)) بمعنَى قَبِلْتُ منك، وإنما تقول: ((أَسْمَعْتُه)) بمعنى سَبْتُه، و((سمعت منه)) بمعنى : قَبِلْتُ منه، يُعَبِّرون بالسماع لا بالإِسماع عن القَبولِ مجازاً، وتقدَّم القولُ في ((راعِنا)) في البقرة(٦). قوله: ((لَيَّأَ بألسنتهم وطَعْنً» فيهما وجهان أحدهما: أنهما مفعولٌ مِن أجلِه ناصبُهما: ((ويقولون)). والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال أي: لاوينَ وطاعنِين. وأصلُ لَيّاً: ((لَوْيٌ)) من لوى يَلْوي، فأُدْغِمَتِ الواوُ في الياء (١) الكشاف ٥٣٠/١. (٢) الإملاء ١٨٣/١. (٣) المحرر ١٣٦/٤. (٤) تفسير الطبري ٤٣٤/٨ (٥) المحرر ١٣٦/٤. (٦) الآية ١٠٤. ٦٩٨ - النساء- بعد قَلْبِها ياءً فهو مثل ((طَيّ)) مصدر طَوَى يَطْوي. و((بألسنتِهم) و((في الدين)) متعلقان بالمصدرين قبلهما. و((لوأنَّهم قالوا)) تقدَّم الكلامُ على ذلك في البقرة(١) بأشبع قول. قوله ((لكان خيراً) فيه قولان، أظهرُهما: أنه بمعنى أفعل، ويكونُ المفضَّلُ عيه محذوفاً، أي: لو قالوا هذا الكلامَ لكان خيراً من ذلك الكلام .. والثاني : أنه لا تفضیل فیه، بل یکون بمعنی جید وفاضل، فلا حذْفَ حينئذ، والباءُ في (بكفرِهم)) للسببية. قوله: ((إلَّ قليلاً)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنَّه منصوبٌ على الاستثناءِ من (لَعَنَّهم)) أي: لَعَنَهم الله إلا قليلاً منهم، فإنهم آمنوا فلم يَلْعَنْهم. والثاني: أنه مستثنى من الضميرِ في ((فلا يؤمنون)) والمرادُ بالقليلِ عبدالله بن سلام وأضرابه. ولم يستحسن مكي(٢) هذين الوجهين: أمَّا الأول قال: ((لأنَّ مَنْ كَفَر ملعون لا يُسْتَثنى منهم أحدٌ. وأمَّا الثاني: فلأنَّ الوجهَ الرفعُ على البدلِ؛ لأنَّ الكلامَ غير موجبٍ)). والثالث: أنه صفةٌ / المصدرٍ محذوفٍ أي: إلا إيماناً [٢١٠/ب] قليلاً، وتعليلُه هو أنهم آمنوا بالتوحيدِ وكفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وشريعته . وعَبَّر الزمخشري(٣) وابن عطية (٤) عن هذا التقليل بالعدم ، يعني أنهم لا يُؤمنون البتة، كقوله(٥): (١) لا يقصد اللفظ نفسه لأن مثل هذه الآية لم ترد في البقرة، وإنما يعني أن ثمة مذهبين في مجيء ((أنّ)) بعد ((لو)): إما أن يكون المصدر مبتدأ خبره محذوف، أو يكون فاعلاً بثبت محذوفةً . (٢) المشكل ١٩٣/١. (٣) الكشاف ٥٣١/١. (٤) المحرر ١٤٠/٤. (٥) البيت لتأبط شراً، وعجزه: كثيرُ الهوى شتى النَّوى والمسالكِ وهو في الحماسة ٧٥/١؛ وشواهد الكشاف ٤٧١/٤. شتى النوى: كثير الهمم. ٦٩٩ - النساء - ١٥٩٢- قليلُ التشكِّي للمُهِمِّ يُصيبه قال الشيخ (١): ((وما ذكراه من أن التقليلَ يُراد به العَدَمُ صحيح، غير أنَّ هذا التركيبَ الاستثنائي يأباه، فإذا قلت: ((لم أقم إلا قليلاً)) فالمعنى: انتفاء القيام إلا القليلَ فيوجد منك، لا أنه دال على انتفاء القيام البتةَ بخلافَ ((قَلَّمَا يقولُ ذلك أحدٌ إلا زيدٌ) و((قَلَّ رجلٌ يفعل ذلك)) فإنه يَحْتمل القليل المقابل للتكثير، ويحتمل النفي المحض، أمّا أنك تنفي ثم توجب، ثم تريد بالإِيجاب بعد النفي نفياً فلا، لأنه يلزم أَنْ تجيءَ (إلَّا)) وما بعدها لغواً من غيرِ فائدة، لأنَّ انتفاء القیام قد فُهِم من قولك: ((لم أقم» فأيُّ فائدةٍ في استثناء مثبت يراد به انتفاءٌ مفهومٌ من الجملة السابقة؟ وأيضاً فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعدَ ((إلا) موافقاً لِما قبلها في المعنى، والاستثناءُ يلزم أن يكون ما بعد ((إلَّ)) مخالفاً لِمَا قبلها فيه)). آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿من قبلٍ أَنْ نَطْمِسَ﴾: متعلقٌ بالأمر في قوله: ((آمنوا))، و((نَطْمِس)) يكونُ متعدياً، ومنه هذه الآية، ومثلُها: ((وإذا النجومُ طُمِسَتْ))(٢) لبنائِه للمفعولِ من غيرِ حرفِ جرِّ، ويكون لازماً يقال: (طَمَس المطرُ الأعلامَ)) و ((طَمَست الأعلامُ))، قال كعب(٣): ١٥٩٣ - من كلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مجهول وقرأ الجمهور: ((نَطْمِس)) بكسر الميم، وأبو رجاء(٤) بضمها، وهما لغتان (١) البحر ٢٦٥/٣. (٢) الآية ٨ من المرسلات. (٣) تقدم برقم ٩٥٥. (٤) البحر ٢٦٦/٢. ٧٠٠