Indexed OCR Text
Pages 641-660
- النساء- ((بنات)) لم يُرَدَّ إليه المحذوف بل قالوا فيه ((بنون))، ومذكر ((أخوات)) رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ: إخْوة وإخْوان)). وهذا الذي قاله ليس بشيء لأنه أَخَذَ جمع التكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً لـ ((أَخَوات)) جمعَ التصحيح، فقال: رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيضاً موجود في ((بنات))؛ لأنَّ مذكره في التكسير رُدَّ إليه المحذوف. قالوا: ابن وأبناء، ولَمَّا جمعوا أخاً جمع السلامة قالوا فيه ((أَخُون)) بالحذف، فردُوا في تكسير ابن وأخ محذوفَهما، ولم يَرُدُّوا في تصحيحهما، فبان فساد ما قال . قوله: ((وخالاتُكم)) ألف ((خالة)) و((خال)) منقلبة عن واو، بدليل جمعه على ((أخوال))، قال تعالى: ((أو بيوتِ أخوالِكم))(١). قوله: ((من الرَّضاعة)): في موضعِ نصب على الحال فيتعلق بمحذوف تقديره: وأخواتُكم كائناتٍ من الرضاعة. وقرأ أبو حيوة(٢): ((من الرِّضاعة)) بكسر الراء. ((مِنْ نسائكم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من ((ربائبكم)) تقديره: ((وربائبكم كائناتٍ من نسائكم)). والثاني: أنه حالٌ من الضمير المستكنِّ في قوله: ((في حُجُوركم)) لأنه لَمَّا وقع صلةً تَحَمَّل ضميراً، أي: اللاتي استَقْرَرْنَ فِي حُجُوركم. والربائب: جمع «ربيبة)) وهي بنت الزوج أو الزوجة، والمذكر: ربيب، سُمِّيا بذلك؛ لأن أحد الزوجين يَرُبُّه(٣) كما يَرُبُّ ابنه. وقوله: ((اللاتي في حُجُوركم)) لا مفهومَ له لخروجه مخرج الغالب(٤). والحُجُور: جمع ((حِجْر)) (١) الآية ٦١ من النور. (٢) البحر ٢١١/٣؛ الشواذ ٢٥. (٣) يربه: يعاهده. (٤) أي: إن إضافتهنّ إلى الحجور حملاً على أغلب ما يكون الربائب عليه، وهي محرمة وإن = ٦٤١ - التساءب بفتحِ الحاءِ وكسرِها، وهو مقدَّمُ ثوبِ الإِنسان ثم استعملت اللفظةُ في الحِفْظ والستر. قوله: ((اللاتي دَخَلْتُم بهنَّ)) صفةٌ لـ ((نسائكم)) المجرورِ بـ ((مِنْ))، اشترط في تحريم الربيبة أن يُدْخَلَ بأمها. ولا جائزٌ أن تكونَ صفة لـ (نسائكم)) الأولى والثانية(١) لوجهين، أحدهما: من جهة الصناعة، وهو أن ((نسائكم)) الأولى مجرورةٌ بالإِضافة والثانية مجرورة بـ ((من)) فقد اختلف العاملان، وإذا اختلفا امتنع النعت، لا تقول: ((رأيت زيداً ومررت بعمروٍ العاقلين)) على أن يكون ((العاقلين)) نعتاً لهما. والثاني من جهة المعنى: وهو أن أم المرأة تَحْرُم بمجردِ العَقْدِ على البنت دَخَلَ بها أو لم يَدْخُل بها عند الجمهور، والربيبةُ لا تَحْرُم إلا بالدخولِ على أمها . وفي كلام الزمخشري (٢) ما يلزم منه أنه يَجُوز أَنْ يكونَ هذا الوصفُ راجعاً إلى الأولى في المعنى فإنه قال: ((مِنْ نسائكم)) متعلق بـ (ربائبكم)» ومعناه: أن الربيبة من المرأةِ المدخولِ بها مُحَرَّمَةٌ على الرجل حلالٌ له إذا لم يدخل بها. فإن قلت: هل يَصِحُّ أن يتعلق بقوله: ((وأمهاتُ نسائكم))؟ قلت: لا يخلو: إمَّا أَنْ يتعلَّقَ بهن وبالربائب فتكون حرمتُهن وحرمةُ الربائب غيرَ مبهمتين جميعاً، وإمَّا أَنْ يتعلَّقَ بهن دونَ الربائبِ، فتكونُ حرمتُهن غيرَ مبهمة وحرمةُ الربائبِ مبهمةً، ولا يجوز الأول لأن معنى ((من)) مع أحد المتعلقين خلافُ معناها مع الآخر، ألا تراك إذا قلت: ((وأمهاتُ نسائكم من لم تكن في الحجر، ولكن بعض أهل الظاهر اشترطوا في تحريمها أن تكون في = انظر: البحر ٢١١/٢: (١) أي صفة لهما معاً. (٢) الكشاف ٥١٦/١. ٦٤٢ - النساء - نسائكم اللاتي دخلتم بهن)) فقد جَعَلْتَ ((مِنْ)) لبيان النساء وتمييزاً للمدخولِ بهنَّ مِنْ غيرِ المدخول بهنَّ، وإذا قلت: ((وربائبكم من نسائكم اللاتي دَخَلْتُم بهن)) فإنك جاعلٌ ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية كما تقولُ: ((بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة))، وليس بصحيحٍ أَنْ يَعْني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيين مختلفين، ولا يجوز الثاني لأن الذي يليه هو الذي يستوجبُ التعليقُ به ما لم يَعْرِضْ أمرٌ لا يُرَدُّ، إلا أَنْ تَقول: أُعَلِّقُه بالنساء والربائب، وأجعل ((من) للاتصال كقوله تعالى: ((المنافقون والمنافقات بعضهم مِنْ بعض))(١)، [وقال](٢): فإني لستُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي ١٥٦٥- [وقوله](٣): ١٥٦٦- ما أنا من دَوْدٍ ولا دَوْدٌ مِنِي وأمهاتُ النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلاتٌ بأمهاتهن لأنهن بناتُهن، هذا وقد اتفقوا على أن التحريم لأمهاتٍ النساء مبهمٌ)). انتهى. ثم قال: ((إلا ما رُوي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير أنهم قرؤوا ((وأمهاتُ نسائكم اللاتي دَخَلْتُم بهن)» فكان ابن عباس يقول: ((واللَّهِ ما أُنزل إلا هكذا)) فقوله: ((أعلقه بالنساء والربائب)) إلى (١) الآية ٦٧ من التوبة. والأصل: ((والمؤمنون والمؤمنات)) والتصحيح من الزمخشري وليس ثمة آية بهذا النص. (٢) تقدم برقم ١٠٢٣ . (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الكشاف ٥١٦/١، والبيت على هذه الرواية من الرجز، وثمة بیت من الرمل شبيه به وهو: أيها السائلُ عنهم وعني وهو في ابن يعيش ١٢٥/٣. لستَ من هندٍ ولا هندُ مِنِي ٦٤٣ - النساء :- آخره يقتضي أن القيد الذي في الربائب - وهو الدخول - في أمهات(١) نسائكم، كما تقدم حكايته عن علي وابن عباس. قال الشيخ(٢): (ولا نعلم أحداً أثبتَ لـ ((مِنْ)) معنى الاتصال، وأما الآية والبيت والحديث فمؤولة .. قوله: ((وحلائلُ)) جمع ((حليلة)) وهي الزوجة، سُمَِّتْ بذلك لأنها تَحُلُ مع زوجها حيث كان، فهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، والزوج حليل كذلك، قال(٣) : ١٥٦٧ - أغشى فتاةَ الحَيِّ عند حليلها وإذا غَزَا في الجيشِ لا أَغْشاها وقيل: اشتقاقها من لفظ الحلال؛ إذ كلٍّ منهما حلال لصاحبه، وهو قول الزجاج(٤) وجماعة، فـ((فَعِيل)) بمعنى مفعول أي: مُحَلَّلة له وهو محللٌ لها، إلا أنَّ هذا يُضْعَفُه دخولُ التأنيث، اللهم إلا أن يقال إنه جرى مَجْرى [٢٠٥/أ] الجوامد / كالنطيحة والذبيحة. وقيل: هما من لفظ ((الحَلّ)) ضد العَقْد؛ لأنَّ كلّ منهما یَحُلُّ إزارَ صاحبِهِ. (والذين من أصلابكم)) صفةٌ مبينة؛ لأنَّ الابن قد يُطْلق على المُتَبَنَى به وليست امرأتُه حراماً على مَنْ تَبَنَّاه، وأمَّ الابن من الرضاع فإنه وإنْ كان حكمُه حكمَ ابن الصُّلْب في ذلك فمبَيَّنٌ بالسنة فلا يَرِد على الآية الكريمة .. وأَصْلاب: جمع ((صُلْب)) وهو الظهرُ، سُمِّي بذلك لقوته اشتقاقاً من الصَّلابة، وأفصحُ لغتَيْه: صُلْب بضمِ الفاء وسكون العين وهي لغة الحجاز، (١) أي ينطبق أيضاً على فئة أمهات النساء. (٢) البحر ٢١٢/٢. (٣) البيت لعنترة وهو في ديوانه ٣٠٨؛ والبحر ١٩٣/٣. (٤) معاني القرآن ٣٤/٢ ٦٤٤ - النساء - وبنو تميم وأسد يقولون ((صَلَباً)) بفتحهما، حكى ذلك الفراء عنهم في كتاب ((لغات القرآن)) له، وأنشد عن بعضهم(١): ١٥٦٨- في صَلَبٍ مثلِ العِنانِ المُؤْدَمِ وحكى عنهم: ((إذا أَقُوم اشتكى صَلَّبي)). قوله: ((وأَنْ تَجْمعوا)) في محلٌّ رفع عطفاً على مرفوع ((حُرِّمت)) أي: وحُرِّم عليكم الجمعُ بين الأختين، والمرادُ الجمعُ بينهما في النكاح، أمَّا في المِلْك فجائزٌ اتفاقاً، وأمَّا الوطءُ بملِكْ اليمين ففيه خلافٌ ليس هذا موضعَه. قولُه: ((إلَّ ما قد سَلَفَ)) استثناءٌ منقطع، فهو منصوبُ المحل كما تقدَّم في نظيره أي: لكن ما مضى في الجاهلية فإن الله يَغْفِرِه. وقيل: المعنى إلا ما عَقَد عليه قبل الإِسلام، فإنه بعد الإِسلام يبقى النكاح على صحته، ولكن يَخْتار واحدةً منهما ويفارق الأخرى، وكان قد تقدَّمَ قريبٌ من هذا المعنى في ((ما قد سَلَف)) الأولِ، ويكون الاستثناء عليه متصلاً، وهنا لا يتأتّى الاتصال البتة لفساد المعنى . آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿والمُحْصَنَاتُ﴾: قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة بـ ((أل)) أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي(٢) بكسرها في الجمع إلا قوله ((والمحصَنات من النساء)) في رأس الجزء(٣) فإنه وافق الجمهور. فأمَّا الفتحُ ففيه وجهان، أشهرهما: أنه أَسْند الإِحصان إلى غيرهن، وهو إمّا (١) البيتِ للعجاج وقبله : رَيّا العظام فَعْمَةُ الْمُخَدِّم وهو في ديوانه ٤٠٥/١؛ ومفردات الراغب ٢٩٢؛ وإصلاح المنطق ٢٩، وشواهد الزمخشري ٥٤٤/٤، والمؤدم: لين الأدمة، والمخدم: موضع الخلخال من الساق. (٢) السبعة ٢٣؛ والكشف ٣٨٤/١. (٣) وهو الجزء الخامس ويقع عند هذه الآية التي يعربها الآن . ٦٤٥ - النساء بـ الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِنُ امرأته أي: يُعِفُّها، والوليَّ يُحصِنُها بالتزويجِ أيضاً والله يُخْصِنُها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوحَ الصادِ بمنزلة المكسور، يعني أنه اسمُ فاعل، وإنما شَذَّ فتحُ عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظَ: أَحْصَنَ فهو مُخْصَنِ وأَلْقح فهو مُلْقَح، وأَشْهَب فهو مُسْهَبٍ .. وأمَّا الكسر فإنه أسند الإِحصان إليهن؛ لأنه يُحْصِنَّ أنفسهن بعفافهن، أو يُحْصِنَّ فروجهن بالحفظ، أو يُحْصِنَّ أزواجهن. وأما استثناء الكسائي التي في رأس الجزء قال: (لأن المراد بهن المُزَوَّجات فالمعنى: أن أزواجَهُنَّ أحصنوهن، فهن مفعولاتٌ))، وهذا على أحدِ الأقوال في المحصنات هنا مَنْ هن؟ على أنه قد قرىء - شاذاً - التي في رأس الجزء بالكسر أيضاً، وإنْ أُريد بهن المزوَّجات؛ لأنَّ المراد أحصنَّ أزواجهنّ أو فروجهنّ، وهو ظاهر. وقرأ يزيد بن(١) قطيب: ((والمُحْصُنات)) بضم الصاد، كأنه لم يَعْتَدَّ بالساكن فأتبعَ الصاد للميم كقولهم: ((مُنْتن)). وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على المَنْعِ ومنه ((الحِصْن)) لأنه يُمْنع به، و ((حِصان)) للفرس من ذلك. ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ وحَصُنَتْ، ومصدِرُ حَصُنَتِ: (حُصْن)) عن سيبويه(٢) و((حصانة)) عن الكسائي وأبي عبيدة، واسمُ الفاعلِ من أَحْصَنَتْ مُحْصَنة، ومن حَصُنت حاصِن، قال(٣): ١٥٦٩ - وحاصِنٍ من حاصناتٍ مُلْسٍ مِن الأذى ومن قِراف الوَقْسِ (١) البحر ٢١٤/٣. ويزيد بن قطيب الشامي ثقة، له اختيار ينسب إليه، روى عن عبدالله بن قيس، وروى عنه عمران الحمصي، ولم تُذكر وفاته .. انظر: الطبقات لابن الجزري ٣٨٢/٢. (٢) الكتاب ٢٢٦/٢، وأجاز فيها الكسر والضم. (٣) البيت للعجاج وهو في ديوانه ٢٠٩/٢؛ والطبري ١٦٥/٨؛ والبحر ١٩٣/٣. والملس: البراءة من كل عيب يذم. والقراف: المخالطة. والوقس: الجرب ويعني به هنا العيب. ٦٤٦ - النساء. ويقال لها: ((حَصان)) أيضاً بفتح الحاء، قال حسان يصف عائشة رضي الله عنها (١): ١٥٧٠- حَصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافل والإِحصانُ في القرآن وَرَد، ويُراد به أحدُ أربعة معان: التزوج والعفة والحرية والإِسلام، وهذا تنفعك معرفته في الاستثناء الواقع بعده: فإن أُريد به هنا التزوُجُ كان المعنى: وحُرِّمت عليكم المحصنات أي: المزوجات إلا النوعَ الذي ملكته أيمانكم: إما بالسَّبْي أو بمِلْكِ مِنْ شَرْي وهبة وإرثٍ، وهو قولُ بعضِ أهل العلم، ويدلُ على الأول قولُ الفرزدق(٢): ١٥٧١- وذاتٍ حَليْلِ أَنْكَحَتْها رماحُنا حَلالٌ لِمَنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ ١٨ يعني: أنَّ مجردَ سبائِها أحلَّهَا بعد الاستبراءِ. وإنْ أُريد(٣) به الإِسلام أو العفةُ فالمعنى : أنَّ المسلماتِ أو العفيفاتِ حرامٌ كلهن، يعني فلا يُزْنى بهن إلا ما مُلِكِ منهن بتزويجٍ أو مِلْك يمين، فيكون المرادُ بـ ((ما ملكت أيمانكم)) التسلّطَ عليهن وهو قَدْرٌ مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة (٤) يكونُ الاستثناء متصلاً. وإنْ أريد به الحرائرُ فالمرادُ إلا ما مُلِكت بمِلْكِ اليمينِ، وعلى هذا فالاستثناءُ منقطع. وقوله: ((مِن النساء)) في محلّ نصبٍ على الحالِ كنظيره المتقدم. وقال (١) ديوانه ٣٨٠؛ والانصاف ٧٥٩؛ وشواهد الكشاف ٥٥٤: وما تزن: ماتتهم، ويعني بالشطر الثاني أنها لا تغتاب، وغرثى: جائعة . (٢) تقدم برقم ٩٦١. (٣) معطوف على قوله: وإن أريد به هنا التزوج. (٤) أي: التزوج والإِسلام والعفة . ٦٤٧ - النساء - مكي (٢): ((فائدةُ قولِه «من النساء)) أنَّ المُحْصَناتِ تقع على الأنفسِ ، فقولُه ((من النساء)) يرفعُ ذلك الاحتمال، والدليلُ على أنه يُراد بالمحصناتِ الأنفِسُ قولُه: (والذينَ يَرْمُون المحصنات))(٢) فلو أريد به النساءُ خاصة لَما حُدَّ مَنْ قذف رجلاً بنص القرآن، وقد أجمعوا على أنّ حَدَّه بهذا النصِّ)). انتهى .. وهذا كلامٌ عجيب لأنه بعد تسليم ما قاله في آية النور كيف يَتَوهَّم ذلك هنا أحدٌ من الناس (٣)؟ قوله: ((كتابَ الله)) في نصبه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه منصوبٌ على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة قبله وهي قوله: ((حُرِّمت))، ونصبُه بفعل مقدر أي: كَتَبَ الله ذلك عليكم كتاباً. وأبعد عبيدة(٤) السلماني في جَعْلِه هذا المصدر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى: ((فانكحوا ما طاب لكم)) (٥). الثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراء بـ ((عليكم)) والتقدير: علیکم کتاب الله أي: الزموه كقوله: ((عليكم أنفسكم))(٦)، وهذا رأي الكسائي ومَنْ تابعه، أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإِغراء مستدِلَّين بهذه الآيةِ، وبقولِ الآخر (٧): ١٥٧٢ - يا أيُّها المائحُ دَلْوي دونَكًا إني رأيتُ الناسَ يَحْمَدونكا (١) لم أجده في المشكل (٢) الآية ٤ من النور. (٣) أي: لأن المقام هنا تعداد الصور المحرمة للزواج فهل يتصور الزواج من الأنفس؟ (٤) عبيدة بن عمرو الكوفي التابعي، أخذ عن عبد الله بن مسعود، وأخذ عنه النخعي. توفي سنة ٧٢. طبقات القراء ٤٩٨/١. (٥) الآية ٣ من النساء. (٦) الآية ١٠٥ من المائدة. (٧) البيت لجارية من مازن أو الراجز من بني أسيد بن عمرو، وهو في الإنصاف ٢٢٨؛ وابن يعيش ١١٧/١؛ والشذور ٤٠٧؛ وأوضح المسالك ١٢١/٣؛ والدرر ١٣٨/٢. والمائح : النازل في البئر ليملأ منه، ودونك: خذ. ٦٤٨ - النساء - فـ ((دلوي)) منصوبٌ بـ ((دونَك)) وقد تقدَّم. والبصريون يمنعون ذلك، قالوا: لأنَّ العاملَ ضعيف، وتأوَّلوا الآيةً على ما تقدم، والبيتَ على أن (دلوي)) منصوبٌ بـ((المائح)) أي: الذي ماح دَلْوي. والثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: الزموا كتاب الله، وهذا قريبٌ من الإغراء. وقال أبو البقاء (١) في هذا الوجه: ((تقديره: الزموا كتاب الله)) و ((عليكم)) إغراء، يعني أن مفعوله قد حُذف للدلالة بـ ((كتابَ الله)) عليه، أي: عليكم ذلك، فيكون أكثر تأكيداً. وأمَّا ((عليكم)) فقال أبو البقاء(٢): إنها على القول بأن ((كتاب)) مصدرٌ يتعلق بذلك الفعل المقدر الناصبِ لـ ((كتاب)) ولا يتعلَّق بالمصدر)) قال: ((لأنه هنا فَضْلة)). قال: ((وقيل: يتعلَّق بنفسٍ المصدر / لأنه ناب عن الفعل، حيث لم يُذْكر معه فهو كقولك: مروراً بزيد [٢٠٥/ب] قلت: وأمَّا على القول بأنه إغراء فلا محلّ له لأنه واقعٌ موقعَ فعلِ الأمر، وأمَّا على القولِ بأنه منصوبٌ بإضمار فِعْلٍ أي: الزموا فـ ((عليكم)) متعلَّقْ بنفس ((كتاب)) أو بمحذوف على أنه حال منه. وقرأ(٣) أبو حيوة ((كَتَّبَ اللَّهُ)) على أن ((كتب)) فعل ماض، و((الله)) فاعل به، وهي تؤيد كونَه منصوباً على المصدر المؤكد. وقرأ ابن السَّمَيْفَع اليماني: ((كُتُبُ الله)) جعله جمعاً مرفوعاً مضافاً لله تعالى على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديره: هذه كتبُ الله عليكم. قوله: ((وأُحِلَّ)) قرأ الأخوان(٤) وحفص عن عاصم: ((أَحَلَّ)) مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل، وكلتا القراءتين الفعلُ فيهما معطوفٌ على (١) الإِملاء ١ /١٧٥. (٢) الإملاء ١ / ١٧٥. (٣) البحر ٢١٤/٣؛ الشواذ ٢٥ . (٤) السبعة ٢٣١؛ الكشف ٣٨٥/١. ٦٤٩ - النساء- الجملةِ الفعليةِ من قوله: ((حُرِّمَتْ))، والمُحَرِّمُ والمُحَلِّلُ هو الله تعالى في الموضعين، سواءً صَرَّحَ بإسناد الفعلِ إلى ضميره أو حَذَف الفاعل للعلم به . وادَّعى الزمخشري (١) أن قراءة ((أُحِلَّ)) مبنياً للمفعول عطفٌ على ((حُرِّمت)) لِيُعْطَفَ فعلٌ مبني للمفعول على مثله، وأما على قراءة بنائه للفاعل فجعله معطوفاً على الفعل المُقَدَّر الناصب لـ ((كتاب)) كأنه قيل: كَتَب الله عليكم تحريمَ ذلك وأَحَلَّ لكم ما وراء ذلكم. قال الشيخ(٢): ((وما اختاره - يعني من التفرقة بين القراءتين - غيرُ مختار؛ لأنَّ الناصبَ لـ ((كتابَ الله)) جملةٌ مؤكدة لمضمون الجملة من قوله ((حُرُّمت)) إلى آخره، وقوله ((وأَخَلَّ لكم)) جملةٌ تأسيسية فلا يناسِبُ أن تُعْطَفَ إلا على تأسيسية مثلِها لا على جملةٍ مؤكدة، والجملتان ها متقابلتان، إذ إحداهما للتحريم والأخرى للتحليل، فالمناسب أن تُعطف إحداهما على الأخرى لا على جملة أخرى غيرِ الأولى؛ وقد فَعَلَ هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول فليكن هذا مثلَه)) وفي هذا الردِّ نظر (٣) . و «ما وراءَ ذلكم)) مفعولٌ به: إمَّا منصوبُ المحل أو مرفوعُه على حَسَبِ القراءتين في ((أحلَّ)). قوله: (أَنْ تبتغوا، في محلِّ ثلاثةُ أوجه: الرفع والنصب والجر، فالرفعُ على أنه بدل من ((ما وراء ذلكم)) على قراءة ((أُحِلَّ)) مبنياً للمفعول؛ لأن ((ما)) حينئذ قائمةٌ مقامَ الفاعل، وهذا بدلٌ منها بدلُ اشتمال. وأمَّا النصبُ فالأجودُ أن يكون على أنه بدل من ((ما)) المتقدمة على قراءة ((أَحَلَّ)) مبنياً للفاعل، كأنه (١) الكشاف ٥١٨/١. (٢) البحر ٢١٦/٣. (٣) كان أولى بالمؤلف أن يبين وجهة النظر هذه، لأن كلام أبي حيان ظاهره منطقي سليم، وقد يكون هذا النظر موضوع الجملة التأسيسية وجواز عطف الجملة المؤكدة عليها. ٦٥٠ - النساء - قال: وأَحَلَّ الله لكم الابتغاء بأموالكم من تزويج أو مِلْك يمين. وأجاز الزمخشري(١) أن يكونَ نصبُه على المفعول من أجله، قال: ((بمعنى: بَيَّن لكم ما يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُم إرادةً أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال کونکم محصنین)). وأنحى عليه الشيخ(٢)، وجَعَلَه إنما قصد بذلك دسيسةَ الاعتزال ثم قال: ((وظاهرُ الآية غيرُ ما فهمه، إذ الظاهر أنه تعالى أَحَلَّ لنا ابتغاء ما سوى المحرماتِ السابقِ ذكرُها بأموالنا حالةَ الإِحصان لا حالةً السِّفاح، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يُعْرَبَ ((أن تبتغوا)) مفعولاً له، لأنه فات شرطٌ من شروط المفعولِ له وهو اتحادُ الفاعلِ في العامل والمفعولِ له، لأنَّ الفاعلَ بـ ((أحلَّ)) هو الله تعالى والفاعلَ في ((تبتغوا)) ضميرُ المخاطبين فقد اختلفا، ولمَّا أحسّ الزمخشري - إن كان أحسَّ - جعل ((أن تبتغوا)) على حذفٍ ((إرادة)) حتى يتحدّ الفاعل في قوله ((وأحلَّ)) وفي المفعولِ له، ولم يجعل ((أن تبتغوا)» مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامتِه مقامَه، وهذا كلَّه خروج عن الظاهر)). انتهى . ولا أدري ما هذا التّحمُّلُ، ولا كيف يَخْفى على أبي القاسم شرطٌ اتحاد الفاعل في المفعول له حتى يقول: ((إن كان أحسَّ)) !!! وأجاز أبو البقاء فيه النصبَ على حذف حرف الجر، قال أبو البقاء (٣). ((وفي ((ما)) - يعني من قوله ((وأحلَّ لكم ما وراء ذلكم)) - وجهان، أحدُهما: هي بمعنى ((مَنْ))، فعلى هذا يكون قوله ((أن تبتغوا)) في موضع جر أو نصب على تقدير: بأن تبتغوا أو لأنْ تبتغوا، أي: أُبيح لكم غيرُ مَنْ ذكرنا من النساء (١) الكشاف ٥١٨/١. (٢) البحر ٢١٧/٣. (٣) الإملاء ١٧٥/١. ٦٥١ - النساء بالمهور، والثاني: أن ((ما)» بمعنى الذي، والذي كنايةً عن الفعل أي: وأحَلُّ لكم تحصيلّ ما وراء ذلك الفعلِ المحرَّمِ، و((أن تبتغوا» بدلٌ منه، ويجوز أن يكونَ أصلُه بأن تبتغوا، أو لأن تبتغوا. وفي ما قاله نظر لا يخفى(١). وأمَّا الجرُّ فعلى ما ذكره أبو البقاء. وقد تقدَّم ما فيه. و ((مُحْصِنين)) حال من فاعل ((تَبْتغوا))، و((غيرَ مسافحين)) حالٌ ثانية، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الضمير في ((مُحْصِنين))، ومفعول محصنين ومافحين. محذوف أي: مُخْصِنين فروجَكم غير مسافحين الزواني، وكأنها في الحقيقة حال مؤكدة لأن المُخْصِن غيرُ مسافِحٍ. ولم يقرأ أحد بفتح الصاد من ((محصنين)» فيما علمت قوله: ((فما استمتعتم به)) يجوزُ في ((ما)) وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطيةً. والثاني: أن تكون موصولةً. وعلى كلا التقديرين فيجوز أن يكونَ المرادُ بها النساءَ المستمتَع بهن أي: النوعَ المُسْتمتع به، وأن يراد بها الاستمتاعُ الذي هو الحدثُ. وعلى جميع الأوجه المتقدمة فهي في محل رفع بالابتداء، فإنْ كانت شرطيةً ففي خبرها الخلاف المشهور: هل هو فعلُ الشرط أو جوابُه أو كلاهما؟ وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة(٢). وإن كانت موصولةً فالخبرُ قولُه: ((فأتوهُنَّ)، ودخلت الفاءُ لشبهِ الموصولِ باسم الشرط، وقد تقدَّم أيضاً تحقيقه. ثم إنْ أُريد بها النوعُ المستمتعُ به فالعائدُ على المبتدأ - سواءً كانت ((ما)) شرطاً أو موصولةً ـ الضميرُ المنصوب في ((فآتوهن))، ويكون قد راعَى لفظَ ((ما)) تارة فأَفْرد في قوله ((به)) ومعناها أخرى، فَجَمع في قوله ((منهن)) (١) يبدو أن هذا النظر في عبارة أبي البقاء ((في موضع جر أو نصب على تقدير بأن تبتغوا، أو لأن تبتغوا)) حيث إن التقديرين في محل جر، ولكن الحرف قد اختلف، فكيف يقول في موضع نصب؟ (٢) انظر: الآية ٣٨. ٦٥٢ - النساء - و ((فآتوهن))، فيصيرُ المعنى: أيَّ نوعٍ من النساء استمتعتم به فَتوهُنَّ، أو النوعَ الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن، وإنْ أريد بها الاستمتاع فالعائدُ حينئذ محذوفٌ تقديره: فأيَّ نوع من الاستمتاع استمتعتم به من النساء فأتوهُنَّ أجورهن لأجله، أو: أيَّ نوع من الاستمتاع الذي استمتعتم به من النساء فأتوهن أجورهُنَّ لأجله. و ((مِنْ)) في ((منهن)) تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون للبيان. والثاني: أن تكون للتبعيض، ومحلَّها النصب على الحال من الهاء في ((به)) ولا يجوز في ((ما)) أن تكون مصدرية لفسادِ المعنى، ولعَوْدِ الضميرِ في ((به)) علیھا(١). / [٢٠٦/أ] والسِّفاح: الزنا، وأصله الصَبُّ، لأن الزاني يَصُبُّ فيه، وكانوا يقولون: سافحيني وماذيني. والمسافِحُ: مَنْ تظاهر بالزنا، ومتخذ الأخدان مَنْ تَسَتَّر فاتخذ واحدة خفية . قوله: ((فريضةً)) حالٌ من ((أجورهن)) أو مصدرٌ مؤكَّد أي: فرض الله ذلك فريضة، أو مصدرٌ على غير الصدر؛ لأن الإِيتاء مفروض فكأنه قيل: فآتوهُنَّ أجورَهنَّ إيتاءً مفروضاً. آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿ومَنْ لم﴾: «مَنْ)) شرطية وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولةٌ. وقوله: ((فممَّا ملكت)»: إمَّا جواب الشرط وإما خبر الموصول، وشروطُ دخولِ الفاء في الخبر موجودةٌ. و((منكم)) في محل نصبٍ على الحال مِنْ فاعل ((يستطِعْ)). وفي نَصْب ((طَوْلًا)) ثلاثة أوجه أظهرها: أنه مفعول بـ((يستطع))، وفي (١) تقدّم أكثر من مرة أن الجمهور لا يجيزون أن يعود الضمير على ((ما)) المصدرية، وابن السراج يجيز ذلك. ٦٥٣ - النساء قوله: ((أن ينكحَ)) على هذا ثلاثة أقوال، القولُ الأول: أنه في محلِّ نصب بـ (طَوْلاً) على أنه مفعولٌ بالمصدر المنون؛ لأنه مصدر ((طُلْت الشيء)) أي: ... ◌ِلْتُه، والتقدير: ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات. ومثلُه قول الفرزدق(١): ١٥٧٣- إن الفرزدق صخرةٌ ملمومَةٌ. طالَتْ فليسَ ينالها الأوعالا أي: طالت الأوعال: فلم تَنَلْها، وإعمالُ المصدر المنون كثير، قال(٢): : ١٥٧٤- بضرب بالسيوف رؤوسَ قومٍ أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقِيلِ وقولُ الله تعالى: ((أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبَةٍ يتيماً ذا))(٣)، وهذا الوجه ذهب [إليه] الفارسيّ. القول الثاني: أنَّ (أَنْ ينكحَ)) بدلٌ من ((طَوْلاً)) بدلُ الشيء من الشيء؛ لأنَّ الطّوْل هو القدرةُ أو الفَصْلُ، والنكاحُ قدرةٌ وفَضْلٌ. · القول الثالث: أنَّه على حذفِ حرفِ الجر، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم مَنْ قَدَّرهِ بـ ((إلى)) أي: طَوْلاً إلى أن ينكحَ، ومنهم مَنْ قَدَّره باللام، أي: لأنْ ينكِحَ، وعلى هذين التقديرين فالجارُّ في محل الصفة لـ((طَوْلاً)) فيتعلق بمحذوفٍ، ثم لَمَّا حُذِفَ حرفُ الجر جاء الخلاف المشهور في محل ((أَنْ)). أنصبٌ هو أم جر؟ وقيل اللامُ المقدرة مع ((أنْ)) هي لامُ المفعول من أجله أي: طَوْلاً لأجل نكاحِهِنَّ. (١) ليس في ديوانه، وهو في الإملاء ١٧٦/١؛ والبحر ٢٢٠/٣ والشاهد لغوي في ((طالت)). (٢) البيت للمرار بن منقذ، وهو في الكتاب ٦٠/١؛ وابن يعيش ٦١/٦؛ والأشموني ٢٨٤/٢ والهام: الرؤوس. والمقيل: العنق. (٣) الآية ١٤ من البلد. ٦٥٤ - النساء- الوجه الثاني مِنْ نصب ((طولاً)) أن يكونَ مفعولاً له على حذف مضافٍ أي: ومَنْ لم يستطعْ منكم لعدمِ طَوْل نكاح المحصنات، وعلى هذا فـ ((أن ينكح)) مفعولُ ((يستطع)) أي: ومَنْ لم يستطِعْ نِكاح المحصناتِ لعدمِ الَّوْل. الوجه الثالث: أن يكونَ منصوباً على المصدر، قال ابن عطية (١): (ويَصِحُّ أن يكونَ ((طَوْلاً)) نصباً على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة لأنهما بمعنى، و((أن ينكح)) على هذا مفعولٌ بالاستطاعة أو بالمصدر)) يعني أن الطَّوْل هو استطاعةٌ في المعنى فكأنه قيل: ومَنْ لم يستطع منكم استطاعةً . قوله: ((فممَّا)) الفاء قد تقدم أنها: إمَّا جواب الشرط، وإما زائدةٌ في الخبر على حَسَب القولين في (مَنْ)). وفي هذه الآية سبعة أوجه، أحدها: أنها متعلقة بفعل مقدر بعد الفاء تقديره: فلينكحْ مِمَّا مَلَكَتْه أيمانكم، و((ما)) على هذا موصولةٌ بمعنى الذي، أي: النوعَ الذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدر محذوف تقديره: فلينكح امرأة أو أَمَةً مِمَّا ملكته أيمانكم، فـ ((مما)» في الحقيقة متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لذلك المفعولِ المحذوفِ، و((مِنْ)) للتبعيض نحو: أكلت من الرغيف، و((من فتياتكم)) في محل نصب على الحال من الضمير المقدر في ((مَلَكَتْ)) العائدِ على ((ما)) الموصولة، و ((المؤمناتِ)) صفةٌ لـ «فتیاتکم». الثاني: أن تكونَ ((مِنْ)) زائدةً و ((ما)) هي المفعولةُ بذلك الفعل المقدر أي: فلينكح ما ملكتْه أَيْمانكم. الثالث: أن ((مِنْ)) في ((من فتياتكم)) زائدة، و((فتياتِكم)) هو مفعولُ ذلك الفعل المقدر أي: فلينكح فتياتِكم، و ((مِمَّا ملكت)» متعلقٌ بنفسِ الفعل، و((من)» لابتداء الغاية، أو بمحذوفٍ على أنه حال من ((فتياتكم)) قُدِّمَ عليها، و((مِنْ)) للتبعيض. الرابع: أن مفعول ((فلينكح)) (١) المحرر ٨٣/٤. ٦٥٥ - الناء هو المؤمنات أي: فلينكح الفتياتِ المؤمنات، و((مِمَّا ملكت)) على ما تقدم في الوجه قبله، و((من فتياتكم)) حالٌ من ذلك العائد المحذوف. الخامس: أنّ («مما) في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فالمنكوحة مما ملكت. السادس: أن ((ما)) في (ممَّا)) مصدريةٌ أي: فلينكح مِنْ مِلْك أيمانكم، ولا بد أن يكونَ هذا المصدرُ واقعاً موقع المفعول نحو: ((هذا خَلْقُ الله))(١) لَيَصِحَّ وقوع النكاح عليه. السابع - وهو أغربُها ونُقِل عن جماعة منهم ابن جرير (٢): أن في الآية تقديماً وتأخيراً وأن التقدير: ومَنْ لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضُكم من بعض الفتيات، فـ((بعضُكم)) فاعل ذلك الفعل المقدر، فعلى هذا يكون قوله: ((والله أعلمُ بإيمانكم)) معترضاً بين ذلك الفعل المقدر وفاعلِه. ومثلُ هذا لا ينبغي أن يقال. قوله: ((والله أعلمُ بإيمانكم)) جملةً من مبتدأ وخبر، وجيء بها بعد قوله (من فتياتكم المؤمنات)) ليفيدَ أنَّ الإِيمَان الظاهر كافٍ في نكاحِ الْأُمَّةِ المؤمنةِ ظاهراً، ولا يشترط في ذلك أَنْ يَعْلَمَ إيمانَها علماً يقيناً، فإنَّ ذلك لا يطَّلِعُ عليهِ إلا اللّهُ تعالى، وفيه تأنيس أيضاً بنكاحِ الإِماء فإنهم كانوا يَنْفِرون من ذلك. قوله: ((بعضُكم من بعض)) مبتدأ وخبر أيضاً، جيء بهذه الجملة أيضاً تأنيساً بنكاح الإِماء كما تقدم، والمعنى: أن بعضكم من جنس: بعض في النسب والدين، فلا يترفّع الحُرُّ عِن نكاح الأمةِ عند الحاجة إليه، وما أحسنَ قولَ أمير المؤمنين علي: «الناسُ من جهة التمثيل أَكْفاء، أبوهم آدم والأم حواء». قوله: ((بإذن أهلهن)) متعلق بـ ((انكحوهن))، وقَدَّر بعضهم مضافاً محذوفاً أي بإذنِ أهل ولايتهن، وأهلُ ولايةِ نكاحهنَّ هم المُلَّك. و((بالمعروف)) فيه (١) الآية ١١ من لقمان. (٢) وهو الطبري. انظر تفسيره ١٩١/٨. ٦٥٦ - النساء - ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه متعلق بـ ((آتوهُنَّ)) أي: آتوهن مهورَهنَّ بالمعروف. / الثاني: أنه حال من ((أجورهن)) أي: ملتبساتٍ بالمعروف يعني غيرَ ممطولةٍ. [٢٠٦/ب] والثالث: أنه متعلق بقوله: ((فانكِحوهن)) أي: فانكِحوهن بالمعروف بإذن أهلهن ومَهْرِ مثلهن والإِشهاد عليه، وهذا هو المعروف. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وآتوهُنَّ أجورهن بإذن أهلهن، فحذف من الثاني لدلالة الأولِ عليه نحوُ: ((والذاكرين اللَّهَ كثيراً والذاكرات))(١) أي: الذاكرات اللَّهَ. وقيل: ثَمَّ مضافٌ مقدر أي: وآتوا مواليَهن أجورَهُنَّ، لأنَّ الْأُمَة لا يُسَلَّمُ لها شيءٌ من المهر. قوله ((مُحْصَناتٍ غيرَ مسافحاتٍ)) حالان من مفعول ((فآتوهن» ومحصنات على هذا بمعنى مُزَوَّجات. وقيل: محصنات حالٌ من مفعول ((فانكحوهن))، ومحصنات على هذا بمعنى عفائفَ أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حالَ كونهن محصناتٍ لا حالَ سِفاحِهن واتخاذِهِنَّ للأخْدان. وقد تقدَّم أن «محصنات)) بكسرِ الصادِ وفتحِها، وما معناها، وأنَّ ((غيرَ مسافحين)) حالٌ مؤكدة. ((ولا متخذاتٍ» عطفٌ على الحال قبله. والأخْدان مفعول بـ ((متخذات)) لأنه اسمُ فاعل، وأخدان جمع ((خِدْن)»، كـ: عِدل وأَعْدال، والخِدْن: الصاحب، وقد تقدَّم أن المسافح هو المجاهر بالزنى، ومتخذّ الأخدانِ هو المستترُ به، وكذلك هو في النساء، وكان الزنى في الجاهلية منقسماً إلى هذين القسمين. قوله: ((فإذا أُحْصِنَّ)» قرأ(٢) نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: ((أُحْصِنَّ)) بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول، والباقون (١) الآية ٣٥ من الأحزاب. (٢) السبعة ٢٣٠؛ الكشف ٣٨٥/١. ٦٥٧ - النساء بفتحهما على البناء للفاعل، فمعنى الأولى: ((فإذا أُحْصِنَّ بالتزوج» فالمُحْصِنُ لهنّ هو الزوج، ومعنى الثانية: ((فإذا أَحْصَنَّ فروجهن أو أزواجهن)) وهو واضح مما تقدم. والفاء في ((فإنْ)) جواب (إذا)) وفي ((فعليهن)) جواب ((إنْ))، فالشرطُ الثاني وجوابه مترتُّبُ على وجود الأول، ونظيره: ((إن أكلت فإنْ ضربت عمراً فأنت حر)) لا يُعْتق حتى يأكلَ أولاً ثم يضربَ عمراً ثانياً، ولو أسقطت الفاء الداخلة على ((إن))(١) في مثل هذا التركيب انعكس الحكمُ، ولزم أن يَضْرِب أولاً ثم يأكل ثانياً. وهذا يُعْرف من قواعد النحو، وهو أن الشرط الثاني يُجعل حالاً فيجب التلبُّسُ به أولاً. قوله: ((من العذاب)) متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من الضمير المستكنِّ في صلةٍ ((ما)) وهو ((على))، فالعاملُ فيها معنوي، وهو في الحقيقةِ ما تعلَّق به هذا الجار(٢)، ولا يجوزُ أنْ يكونَ حالاً من ((ما)) المجرورة بإضافة ((نصف)) إليها؛ لأنَّ الحالَ لا بد أن يعمل فيها ما يعمل في صاحبها، و((نصفُ)) هو العامل في صاحبِها الخفضَ بالإِضافة، ولكنه لا يعمل في الحال لأنه ليس من الأسماء العاملة، إلّ أن بعضهم يَرى أنه(٣) إذا كان جزءاً من المضافِ جازَ ذلك فيه، والنصفُ جزءٌ فيجوز ذلك. قوله: ((ذلك لِمَنْ خَشِي)) ((ذلك)) مبتدأ، و((لِمَنْ خشي) جارٌّ ومجرور خبرُه، والمشار إليه بـ ((ذلك)) إلى نكاح الأمة المؤمنة لِمَنْ عَدِمِ الطَّوْلَ. والعَنَتُ في الأصل انكسارُ العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة، وأُرید به هنا ما يَجُرُّ إليه الزنى من العقاب الدنيوي والأخروي، و((منكم)) حالٌ من الضمير (١) أي من الشرط الثاني. (٢) التقدير: نصف الذي استقر هو على المحصنات كائناً من العذاب كائنٌ عليهن. (٣) أي المضاف إليه. ٦٥٨ - النساء - في ((خَشِي)) أي: في حالِ كونه منكم. ويجوز أن تكونَ ((مِنْ)) للبيان. قوله: ((وأَنْ تصبروا خيرٌ لكم)) مبتدأ وخبر لتأوُّلِه بالمصدر وهو كقوله: (وأنْ تَعْفُوا أقرب للتقوى))(١). آ. (٢٦) قله تعالى: ﴿يريدُ الله ليبينَ﴾: في مثلِ هذا التركيبِ للناسِ مذاهبُ: مذهب البصريين أن مفعول ((يريد» محذوف تقديره: يريد الله تحريمَ ما حَرَّمَ وتحليلَ ما حَلَّل وتشريعَ ما تقدَّم لأجلِ التبيين لكم، ونَسَبه بعضُهم لسيبويه، فمتعلَّقُ الإِرادة غيرُ التبيين وما عُطِف عليه، وإنما تأولوه بذلك لئلا يلزم تعذّيَ الفعلِ إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنعٌ، وإلى إضمارِ ((أَنْ)) بعد اللام الزائدة. والمذهب الثاني: ــ ويُعْزى أيضاً لبعض البصريين - أَنْ يُقَدَّر الفعلُ الذي قبل اللام بمصدرٍ في محل رفع بالابتداء، والجار بعده خبره، فيقدر ((يريد الله ليبين»: إرادةُ الله للتبيين، وقوله(٢): ١٥٧٥- أريدُ لأنْسَى ذِكْرَها ..... أي: إرادتي، وقوله تعالى: ((وأُمرنا لُسْلِم))(٣) أي: أُمِرْنا بما أُمِرْنا [به] النسلمَ، وفي هذا القولِ تأويلُ الفعل بمصدر من غير حرف مصدر، وهو ضعيف نحو (٤): (تَسْمَعُ بالمُعَيْدَيِّ خيرٌ مِنْ أَنْ تراه)» قالوا: تقديره: ((أَنْ تسمعَ)) فلمَّا حَذَفَ ((أن)) رَفَع الفعل، وهو في تأويل المصدر لأجل الحرف (١) الآية ٢٣٧ من البقرة. (٢) تقدم برقم ٨٥٠. (٣) الآية ٧١ من الأنعام. (٤) مثل عربي يُضرب للرجل تكون سمعته أحسن من لقائه. انظر: مجمع الأمثال ٠١٤٣/١ ٦٥٩ - النساء :- المقدر فكذلك هذا، فلامُ الجر على الأول في محل نصب لتعلّقها بـ ((يريد)) وعلى هذا الثاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً. الثالث : - وهو مذهب الكوفيين(١) - أن اللامَ هي الناصبة بنفسها من غيرِ إضمار ((أَنْ))، وهي وما بعدها مفعول الإِرادة، ومنع البصريون ذلك؛ لأن اللامَ ثَبَت لها الجر في الأسماء، فلا يجوز أن يُنْصَبَ بها، فالنصب عندهم بإضمار ((أن)) كما تقدم. الرابع: وإليه ذهب الزمخشري(٢) وأبو البقاء(٣) أن اللامَ زائدة، و((أَنْ)). مضمرة بعدها، والتبيينُ مفعولُ الإِرادة. قال الزمخشري: ((يريد الله ليبين)) يريد اللَّهُ أن يبِيِّن، فزيدت اللامُ مؤكدةً لإِرادة التبيين، كما زيدت في ((لا أبا لك)) لتأكيد إضافة الأب)). وهذا - كما رأيت - خارجٌ عن أقوال البصريين والكوفيين، وفيه أنَّ ((أَنْ)) تضمر بعد اللام الزائدة، وهي لا تُضْمر - فيما نص النحويون - بعد لامٍ إلا وتلك اللامُ للتعليل أو للجحود. وقال بعضهم: اللامُ هنا لام العاقبة كهي في قوله: ((ليكون لهم عَدُوًّاَ وحَزَنً)(٤)، ولم يَذْكُر مفعولَ التبيين، بل حَذَفه للعلم به، فقدَّره بعضهم: ((لينين لكم ما يقرِّبكم))، وبعضُهم: ((أن الصبر عن نكاح الأماء خيرٌ))، وبعضُهم: ((ما فَصَّل من الشرائع))، وبعضهم: ((أمَرَ دينكم)) وهي متقاربة. ويجوز في الآية وجهٌ آخرُ حسنٌ: وهو أَنْ تكونَ المسألةُ من باب الإِعمال: تنازع ((بيِّن) و((يَهْدي)) في ((سنن الذين من قبلكم))؛ لأنَّ كلّ منهما يَطْلِبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثاني، وحَذَفَ الضمير من (١) انظر: الإنصاف ٥٧٥. (٢) الكشاف ٥٢١/١. (٣) الإملاء ١/ ١٧٦. (٤) الآية ٨ من القصص ٦٦٠