Indexed OCR Text

Pages 541-560

- آل عمران -
١٥٢٠- قومٌ إذا سمعوا الصَّريخَ رأيتَهُمْ
ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أو سافِعِ
فـ ((أو)» بمعنى الواو، لأنَّ ((بين)) لا تَدْخُل إلا على متعدد، وكذلك هنا
لَمّا كان ((عاملٍ)) عامّاً أُبدل منه على سبيل التوكيد، وعُطِف على أحد الجزأين
ما لا بد منه، لأنه لا يؤكَّد العمومُ إلا بعموم. الخامس: أن يكون ((مِنْ ذَكرٍ))
صفةً ((ثانية)) لـ ((عامل)) قَصَد بها التوضيحَ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ كالتي قبلها .
قوله: ((بعضُكم من بعضٍ )) مبتدأ وخبرٌ، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنَّ
هذه الجملةَ استئنافيةٌ جيء بها لتبيين شِرْكَةٍ النساء مع الرجال في الثواب الذي
وَعَد الله به عبادَه العاملين، لأنه يُروى في الأسباب أنَّ أم سلمة - رضي الله
عنها - سألّْه عليه السلام عن ذلك فنزلت، والمعنى: كما أنكم من أصل
واحد، وأنَّ بعضكم مأخوذٌ من بعض فكذلك أنتم في ثواب العملِ لا يُئاب
رجلٌ عاملٌ دونَ امرأة عاملة.
وعَبَّر الزمخشري (١) عن هذا بأنها جملةٌ معترضةٌ. قال: ((وهذه جملةٌ
معترضةٌ بُيِنَتْ بها شِرْكُ النساء مع الرجالِ فيما وعَدَ اللَّهُ العاملين)) ويعني
بالاعتراضِ أنها جِيءَ بها بين قولِه ((عَمَلَ عاملٍ)) وبينَ ما فُصِّلَ به عملُ
العاملِ مِنْ قوله: ((فالذين هاجروا))، ولذلك قال الزمخشري(٢): ((فالذين
هاجروا تفصيلٌ لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم.
والثاني: أن هذه الجملة صفة. الثالث: أنها حالٌ، ذكرهما
أبو البقاء(٣)، ولم يعيِّن الموصوفَ ولا ذا الحال، وفيه نظر.
قوله: ((فالذين هاجروا)) مبتدأٌ، وقوله: (لَأَكَفِّرَنَّ)) جوابُ قسمٍ محذوفٍ
(١) الكشاف ٤٨٩/١.
(٢) الكشاف ٤٩٠/١.
(٣) الإِملاء ١٦٣/١.
٥٤١

- آل عمرانـ
تقديرُه: واللَّهِ لأكفِّرَنَّ، وهذا القسمُ وجوابُه خبرٌ لهذا المبتدأ، وفي هذه الآيةِ
ونظائرِها من قوله: ((والذين جاهدوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ))(١). وقول الشاعر(٢):
١٥٢١ - جَشَأَتْ فقلتُ اللَّذْ خَشِيْتِ لِيأْتِيَنْ
وإذا أتاكٍ فلاتَ حين مَثَّاصٍ.
رَدّ(٣) على ثعلب حيث زعم أن الجملة القسمية لا تقع خبراً. وله أن
يقول: هذه معمولةٌ لقولٍ مضمْرٍ هو الخبرُ، وله نظائر.
والظاهرُ أنَّ هذه الجمل التي بعد الموصول كلُّها صلاتٌ له، فلا يكون
الخبر إلا لِمَنْ جمع بين هذه الصفات: المهاجرة والقتل والقتال، ويجوز أن
يكون ذلك على التنويع، ويكون قد حَذَفَ الموصولاتِ لفَهْم المعنى،
وهو مذهب الكوفيين، وقد تقدَّم القول فيه، والتقدير: فالذين هاجروا، والذين
أخرجوا، والذين قاتلوا، فيكون الخبر بقوله: لأكفرنَّ عَمِّن اتصف بواحدة من:
: [١٩٤/أ] هذه /.
وقرأ جمهور السبعة: ((وقاتلوا وقُتلوا)) ببناء الأول للفاعل من المفاعلة،
والثاني للمفعول، وهي قراءةٌ واضحة. وابن (٤) عامر وابن كثير كذلك، إلا أنهما.
شَدَّدا التّاء من ((قُتلوا)) للتكثير، وحمزة والكسائي بعكس هذا، ببناء الأول
للمفعول، والثاني للفاعل. وتوجيهُ هذه القراءةِ بأحدٍ معنيين: إما أنّ الواوَ
لا تقتضي الترتيب فلذلك قُدِّم معها ما هو متأخرٌ في المعنى، هذا إن حملنا
ذلك على اتّحاد الأشخاص الذين صَدَر منهم هذان الفعلان. الثاني: أن
(١) الآية ٦٩ من العنكبوت.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٤٦/٣؛ والمغني ٤٥٤.
(٣) قوله: ((رد)) مبتدأ، خبره ((في هذه الآية)) قبله.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٢٢١؛ الكشف ٢٧٣/١؛ الشواذ ٢٤؛ القرطبي ٣١٩/٤
البحر ١٤٥/٣.
٥٤٢

- آل عمران -
يُحْمل ذلك على التوزيع، أي: منهم مَنْ قُتِل ومنهم مَنْ قاتل. وهذه الآية في
المعنى كقوله: ((قُتِل معه ربِّيُّون كثير فما وَهَنوا))(١)، والخلافُ في هذه
كالخلاف في قوله: ((فَيَقْتلون ويُقْتَلون)) في براءة(٢)، والتوجيهُ هناك كالتوجيه
هنا .
وقرأ عمر بن عبدالعزيز: ((وقَتَلوا وقُتلوا)) ببناء الأول للفاعل من ((فَعَل))
ثلاثياً، والثاني للمفعول، وهي كقراءة الجماعة.
وقرأ محارب بن دثار: ((قُتلوا وقاتلوا)) ببنائهما للفاعل. وقرأ طلحة(٣) ابن
مصرف: ((وقُتِّلوا وقاتلوا)) كقراءةٍ حمزة والكسائي، إلَّ أَنَّه شدَّد التاءَ، والتخريجُ
كتخريج قراءتهما. ونقل الشيخ(٤) عن الحسن وأبي رجاء: ((قاتلوا وقُتُلوا))
بتشديد التاء من ((قُتلوا))، وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر كما تقدَّم، وكأنه
لم يَعْرف أنها قراءتُهما.
قوله: ((ثواباً) في نصبه ثمانية أوجه، أحدها: أنه نصب على المصدرِ
المؤكَّدِ، لأنَّ معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير: لأُثيينِّهم إثابة أو تثويباً،
فوضع ((ثواباً) موضعَ أحدٍ هذين المصدرين، لأنَّ الثواب في الأصل اسمُ لِما
يُثاب به كالعَطاء: اسمٌ لما يُعْطِى، ثم قد يقعان موقع المصدر، وهو نظيرُ قولِه:
((صُنْعَ الله))(٥)، و((وَعْدَ الله))(٦) في كونهما مؤكِّدين. الثاني: أن يكونَ حالاً
من ((جنات)) أي: مُثاباً بها، وجاز ذلك وإنْ كانت نكرةً لتخصُّصها بالصفة.
(١) الآية ١٤٦ من آل عمران.
(٢) الآية ١١١ وهي التوبة أيضاً.
(٣) في الأصل ((يحيى)) وهو سهو، وليس ثمة قارىء بالاسم الذي أورده، والتصحيح من
كتب القراءات السابق ذكرها.
(٤) البحر ١٤٥/٣.
(٥) الآية ٨٨ من النمل: ((صُنعَ الله الذي أتقن كل شيء)).
(٦) الآية ١٢٢ من النساء: ((وعدَ الله حقاً)).
٥٤٣

- آل عمران -
والثالث: أنه حال من ضميرِ المفعول أي: مُثابِين. الرابع: أنه حالٌ من
الضمير في ((تجري)) العائد على ((جنات)). وخَصَّص أبو البقاء(١) كونَه حالاً
بجَعْلِهِ بمعنى الشيء المُثابِ بِه. قال: ((وقد يقع بمعنى الشيء المثاب بِه
كقولك: ((هذا الدرهَمُ ثوابُك)) فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من ضمير
الجنات أي: مُثاباً بها، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير المفعول به في
◌َأَدْخِلنهم))(٢). الخامس: نصبُه بفعلٍ محذوف أي: يُعطيهم ثواباً. السادس:
أنه بدلٌ من ((جنات))، وقالوا: على تضمين ((لَأَدْخلنهم)). لَأَعْطِيَنَّهم لَمَّا رأوا أن
الثواب لا يَصِح أن يُنْسَبَ إليه الدخولُ فيه احتاجوا إلى ذلك. ولقائلٍ أن
يقول: جَعَل الثوابَ ظرفاً لهم مبالغةً، كما قيل في قوله: («تَبَّوَّعوا الدار
والإِيمان))(٣). السابع: أنه نصب على التمييز وهو مذهب الفراء (٤). الثامن:
أنه منصوب على القطع، وهو مذهب الكسائي، إلَّ أنَّ مكيّاً(٥) لمَّا نقل هذا
عن الكسائي فَسَّر القطع بكونه على الحال، وعلى الجملةِ فهذان وجهان
غریبان یبعد فهمهما.
و (مِنْ عند الله)) صفةٌ له.
وقوله: ((واللَّهُ عنده حُسْنُ)) الأحسنُ أن يرتفعَ ((حسن الثواب)) على
الفاعلية بالظرفِ قبله، لاعتماده على المبتدأ قبله، والتقدير: والله استقر عنده
حسنُ الثواب، ويجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ والظرفُ قبلَه خبرُه، والجملة خِبرُ
الأول، وإنما كان الوجهُ الأولُ أحسنَ لأنَّ فيه الإِخبارَ بمفرد وهو الأصلُ،
بخلافِ الثاني فإنَّ الإِخبار فيه بجملة.
(١) الإِملاء ١٦٣/١.
(٢) قدَّرها أبو البقاء بقوله: ((أي مثابين)).
(٣) الآية ٩ من الحشر.
(٤) معاني القرآن ٢٥١/١
(٥) المشكل ١٧٤/١.
٥٤٤

- آل عمران -
آ. (١٩٦) وقرأ(١) ابن أبي إسحاق: ﴿لا يَغْرَّنْك): بتخفيف
النون، وكذلك: ((لَ يَغُرَّنْكم))(٢) و ((فلا يَصُدنْك))(٣) و((لا يَصُدنْكم))(٤).
آ. (١٩٧) قوله تعالى: ﴿متاعٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوف دَلَّ عليه
الكلام تقديره: تَقَلَّهم أو تَصَرُّفهم متاع قليل، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ
أي: ولبئسَ المهادُ جهنمُ.
آ. (١٩٨) قوله تعالى: ﴿لكنِ الذين﴾: قرأ الجمهورُ بتخفيفِها،
وأبو جعفر(٥) بتشديدِها، فعلى القراءةِ الأولى: الموصولُ رفعٌ بالابتداء، وعند
يونس يجوز إعمالُ المخففة، وعلى الثانية في محل نصب. ووقعت ((لكن)) هنا
أحسنَ موقع، فإنَّها وقعت بين ضدين: وذلك أن معنى الجملتين التي قبلها
والتي بعدها آيلٌ إلى تعذيبِ الكفار وتنعيمِ المتقين، ووجهُ الاستدراك أنَّه لَمَّا
وَصَفَ الكفارَ بقلةٍ نفعِ تَقَلّهم في التجارة وتصرُّفهم في البلادِ لأجلها جازَ أن
يَتَوَهَّمَ متوهِّمٌ أن التجارة من حيث هي متصفةٌ بذلك فاستدرك أن المتقين وإن
أخذوا في التجارة لا يَضُرُّهم ذلك وأنَّ لهم ما وعدهم به.
قوله: ((تجري من تحتها الأنهار)) هذه الجملة أجاز مكي (٦) فيها
وجهين، أحدهما: الرفع على النعت لـ ((جنات)). والثاني: النصب على
الحالِ من الضمير المُسْتكنِّ في ((لهم)) قال: ((وإنْ شِئْتُ في موضع نصب
على الحال من الضمير المرفوع في ((لهم))؛ إذ هو كالفعل المتأخر بعد الفاعل إنْ
رَفَعْتَ («جنات)» بالابتداء، فإنْ رَفَعْتَها بالاستقرار لم يكن في ((لهم)) ضميرٌ
(١) القرطبي ٣١٩/٤ إلى يعقوب؛ والبحر ١٤٧/٣ إليهما.
(٢) الآية ٥ من فاطر.
(٣) الآية ١٦ من طه.
(٤) الآية ٦٢ من الزخرف.
(٥) القرطبي ٣٢١/٤؛ البحر ١٤٧/٣.
(٦) المشكل ١٧٤/١ .
٥٤٥

- آل عمران -
مرفوع إذ هو كالفعل المتقدم)). يعني أن ((جنات)) يجوز رفعُها من وجهين،
أحدُهما: الابتداءُ والجارُّ قبلها خبرها » والجملةُ خبر ((الذين اتقوا)). والثاني:
بالفاعليةِ لأنَّ الجارَّ قبلَها اعتمد بكونه خبراً للذين اتقوا، وقد تقدَّم أنَّ هذا
أَوْلِى لقربِه من المفرد، فإنْ جَعَلْنا رفعَها بالابتداءِ جاز في ((تَجْري من تحتها
الأنهار)) وجهان: الرفعُ على النعت والنصبُ على الحالِ من الضمير المرفوعِ
في ((لهم)) لِتحمُّلِه حينئذ ضميراً، وإنْ جَعَلْنا رفعَها بالفاعليةِ تعيّن أن تكونَ
الجملةُ بعدَها في موضعِ رفعٍ نعتاً لها، ولا يجوزُ النصبُ على الحال ؛ لأنَّ
((لهم)) ليس فيه حينئذ ضميرٌ لرفعِه الظاهرَ. و((خالدين)) نصبُ على الحال من
الضميرِ في ((لهم))، والعاملُ فيه معنى الاستقرار.
قوله: ((نُزُلاً)) النُّزْلُ: ما يُهيّا للنزيل وهو الضيف. قال أبو الشعراء
الضبي (١):
١٥٢٢ - وكنا إذا الجبارُ بالجيشِ ضافنًا
جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ له نُزْلا
هذا أصلُه ثم اتّبع فيه فأُطلق على الرزق والغذاء، وإنْ لم يكن لضيف،
ومنه: ((فُزُلُ من حميم))(٢) وفيه قولان: هل هو مصدر أو جمع نازل، نحو قول
الأعشى (٣):
(١) البحر ١٤٧/٣؛ شواهد الكشاف ٤٧٩/٤. والمرهفات: السيوف.
(٢) الآية ٩٣ من الواقعة واللفظة فيها لغتان: نُزُل ـ ونُزْل كما في القاموس ((نزل)) وكما
سيقوله المؤلف.
(٣) الديوان ٦٣ وصدره:
قالوا الركوبُ فقلنا تلك عادتُنا
ويُروى له صدر آخر:
إنْ تركبوا فركوبُ الخيل عادتُنا .
وهو في الكتاب ٤٢٩/١؛ والمحتسب ١٩٥/١؛ والجمع ٦٠/٢؛ والدرر ٧٦/٢.
٥٤٦

- آل عمران -
١٥٢٣-
أو تَنْزِلون فإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
إذا عَرَفْتَ هذا ففي نصبه ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوب على المصدر
المؤكِّد؛ لأنَّ معنى «لهم جنات)» نُنْزِلُهم جناتٍ نُزُلاً. وقَدَّره الزمخشري(١)
بقوله: ((رزقاً وعطاءً من عند الله)). الثاني: نصبُه بفعل مضمر أي: جَعَلها لهم
نُزُلاً. الثالث: نصبُه على الحال من ((جنات)) لأنها تخصصت بالوصف.
الرابع: أن يكون حالاً من الضمير في ((فيها)) أي: مُنَزَّلةً إذا قيل: بأن ((نُزُلاً))
مصدر بمعنى المفعول نقله أبو البقاء(٢). الخامس: أنه حال من الضمير
المستكنَّ في ((خالدين)) إذا قلنا إنه جمع نازل، قاله الفارسي في «التذكرة)».
السادس - وهو قول الفراء (٣) -: نصبه على التفسير أي: التمييز، كما تقول:
((هو لك هبةً أو صدقة))، وهذا هو القول بكونه حالاً.
والجمهورُ على ضم الزاي. وقرأ الحسن(٤) والأعمش / والنخعي [١٩٤/ب]
بسكونها وهي لغة، وعليها البيت المتقدم، وقد تقدم لك أن مثل هذا يكون
فيه المسكّنُ مخففاً من المثقل أو بالعكس، والحق: الأول.
قوله: ((مِنْ عند الله)) فيه ثلاثة أوجه، لأنك إنْ جَعَلْتَ ((نُزُلاً)) مصدراً كان
الظرف صفةً له، فيتعلق بمحذوف أي: نزلاً كائناً من عند الله على سبيل
التكريم، وإنْ جَعَلْتَه جمعاً كان في الظرفِ وجهان، أحدهما: جَعْلُه حالاً من
الضمير المحذوف تقديره: نُزُلاً إياها(٥). والثاني: أنه خبر محذوف أي: ذلك
من عند الله، نقل ذلك أبو البقاء(٦).
(١) الكشاف ٤٩١/١.
(٢) الإِملاء ١٦٤/١.
(٣) معاني القرآن ٢٥١/١.
(٤) الشواذ ٢٤؛ القرطبي ٣٢١/٤؛ البحر ١٤٧/٣.
(٥) ((إياها) هذه هي المفعول المحذوف، وتقدير الحال: نازلين الجنة كائنة من عند الله.
(٦) الإملاء ١٦٤/١.
٥٤٧

- آل عمران -
قوله: ((وما عندَ الله خيرٌ)): ((ما)) موصولةٌ، وموضعُها رفعٌ بالابتداء،
والخبر: ((خَيْر))، و((للأبرار)) صفة لـ ((خير))، فهو في محلَّ رفع، ويتعلْقُ
بمحذوف. وظاهرُ عبارة الشيخ(١) أنه متعلق بنفس ((خير)) فإنه قال: ((وللأبرار
متعلق بـ ((خير)). وأجاز بعضهم أن يكون ((للأبرار) هو الخبرَ، و((خيرٌ) خبر
ثان. قال أبو البقاء (٢): ((والثاني - أي الوجه الثاني - أن يكون الخبر
(لأبرار))، والنية به التقديم، أي: والذي عند الله مستقر للأبرار، و((خير))
على هذا خبرٌ ثانٍ))، وفي ادعاء التقديم والتأخير نظرً؛ لأنَّ الأصل في الأخبار
أن تكونَ بالاسمِ الصريح، فإذا اجتمع خبرٌ مفردٌ صريحٌ وخبرٌ مؤول به بُدِیء
بالصريحِ من غيرِ عكسٍ ، كالصفة، فإذا وقعا في الآية على الترتيبِ المذكورِ
فكيف يُدَّعى فيهما التقديمُ والتأخير؟ .
ونقل أبو البقاء(٣) عن بعضِهم أنه جَعَل ((للأبرار)) حالاً من الضمير في
الظرف، و((خير)) خبر المبتدأ، قال: ((وهذا بعيدٌ، لأنَّ فيه الفصلَ بين المبتدأ
وخبره بحالٍ هي لغيره، والفصلَ بين الحال وصاحبها بخبر المبتدأ، وذلك
لا يَجُوز في الاختيار.
وقال الشيخ (٤): ((وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: الذي عند الله للأبرار
خيرٌ، قال: ((وهذا ذهولٌ عن قاعدةِ العربية: من أنَّ المجرورَ إذ ذاك يتعلق
بما تعلَّق به الظرفُ الواقعُ صِلةً للموصول، فيكون المجرور داخلاً في حيز
الصلة، ولا يُخْبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها)»(٥). فإنْ عنى
الشيخُ بالتقديمِ والتأخيرِ هذا الوجهَ - أعني جَعْلَ ((للأبرار)) حالاً من الضمير
(١) البحر ١٤٨/٣.
(٢) الإِملاء ١٦٤/١.
(٣) الإملاء ١٦٤/١.
(٤) البخر ١٤٨/٣.
(٥) على حين أن اللفظ القرآني قد جاء بتقديم ((خير)) على ((الأبرار).
:
٥٤٨
:

- آل عمران -
في الظرف - فصحيحٌ، لأنَّ العاملَ في الحال حينئذ الاستقرارُ الذي هو عاملٌ
في الظرفِ الواقعِ صلةً، فيلزَمُ ما قاله، وإنْ عنى به الوجه الأول - أعني
جَعْلَ (الأبرار)) خبراً، والنيةُ به التقديمُ، وبـ ((خير)» التأخيرُ كما ذُكر أبو البقاء -
فلا يَلْزَمِ ما قال، لأنَّ (للأبرار) حينئذٍ يتعلَّقُ بمحذوفٍ آخر غيرِ الذي تعلّق به
الظرف .
و ((خير)) هنا يجوز أن تكون للتفضيل وأن لا تكون، فإنْ كانت للتفضيل
كان المعنى: وما عند الله خيرٌ للأبرار مِمَّا لهم في الدنيا، ويحتمل: خير لهم
مما يَتَقَلَّب فيه الكفارُ من المتاعِ القليلِ الزائلِ .
آ. (١٩٩) قوله تعالى: ﴿لَنْ يؤمن﴾: اللام لام الابتداء دَخَلَتْ على
اسم (إنَّ) لتأخُّره عنها. و((من أهلِ)) خبرٌ مقدم، و ((مَنْ)) يجوزُ أن تكونَ
موصولةً، وهو الأظهرُ، وموصوفةً أي: لقوماً، و((يؤمِن)) صلةٌ على الأول
فلا محلّ له، وصفةٌ على الثاني فمحلُّه النصب. وأَتَّى هنا بالصلةِ مستقبلةً وإن
كان ذلك قد مضى، دلالةً على الاستمرارِ والديمومة.
قوله: ((خاشعين)) فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه حالٌ من الضمير في
(يؤمنُ))، وجَمَعَه حَمْلًا على معنى ((مَنْ)) كما جَمَع في قوله: ((إليهم))، وبدأ
بالحمل على اللفظ - في ((يُؤمِنُ)) - على الحمل على المعنى لأنه الْأُوْلِى.
الثاني: أنه حالٌ من الضمير في ((إليهم))، فالعامل فيه ((أنزل)). الثالث: أنه
حالٌ من الضمير في ((يَشْترون)»، وتقديمُ ما في حَيِّز ((لا)) عليها جائزٌ على
الصحيح، وتقدَّم شيء من ذلك في الفاتحة. الرابع: أنه صفةً لـ ((مَنْ)) إذا قيل
بأنها نكرةٌ موصوفةٌ، وأمَّ الأوجهُ فجائزةً سواءً كانت موصولةً أو نكرةً موصوفة.
قوله: (الله)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بـ ((خاشعين)) أي لأجلٍ
٥٤٩

- آل عمران -
الله. والثاني: أن يتعلَّقَ بـ ((لا يَشْتَرُون)) ذكره أبو البقاء(١)، قال: ((وهو في نية
التأخير، أي: لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً لأجل الله)).
قوله: ((لا يَشْترون)) كقوله: ((خاشعين)) إلا في الوجه الثالث لتعذُّرِهِ،
ونزيد عليه وجهاً آخرَ: وهو أن يكونَ حالاً من الضمير المستكنُّ في ((خاشعين))
أي: غيرَ مشترين. وتقدَّم معنى الخشوع والاشتراء وما قيل فيه وفي الباء في
البقرة(٢).
قوله: ((أولئك لهم أجرُهم)) ((أولئك)) مبتدأ. وأمَّا ((لهم أجرهم)) ففيه ثلاثة
أوجه، أحدها: أن يكون ((لهم)) خبراً مقدماً، و((أجرهم)) مبتدأ مؤخرً، والجملةُ
خبر الأول، وعلى هذا فالظرف فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بـ((أجرهم))،
والثاني: أنه حالٌ من الضمير في ((لهم)) وهو ضميرُ الأجرِ لأنه واقعٌ خبراً.
الوجه الثاني: أنْ يرتفعَ ((أجرُهم)) بالجارِّ قبله، وفي الظرف الوجهان، إلّ
أنَّ الحالَ من ((أجرهم)) الظاهرُ، لأنَّ ((لهم)) لا ضميرَ فيه حينئذٍ. الثالث: أنَّ
الظرفَ هو خبرُ ((أجرهم)) و ((لهم)) متعلق بما تعلَّقَ به هذا الظرفُ من الثبوتِ
والاستقرار. ومن هنا إلى آخر السورة تقدَّم إعراب نظائره.
(١) الإِملاء ١٦٤/١.
(٢) الآية ١٦.
٥٥٠

- النساء-
إعراب سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿من نفسٍ﴾: متعلق بـ((خَلَقكم)) فهو في محل
نصب. و((مِنْ)) لابتداء الغاية. وكذلك ((منها زوجَها))، و((بَثَّ منهما)). وابن
أبي(١) عبلة: ((واحدٍ)) من غير تاء، وله وجهان، أحدهما: مراعاةُ المعنى،
لأن المراد بالنفس آدم عليه السلام. والثاني: أن النفسَ تُذَكَّر وتؤنث،
وعليه(٢):
١٥٢٤- ثلاثةُ أَنفُسِ وثلاثُ ذَوْدٍ
قوله: ((وخَلَقَ)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه عطفٌ على معنى ((واحدة»
لما فيه من معنى الفعل كأنه قيل: ((مِنْ نفسٍ وَحُدتْ)) أي انفردت، يُقال:
«وَحُد، يَجِد، وَحْداً وحِدَة))، بمعنى انفرد. الثاني: أنه عطفٌ على محذوف،
قال الزمخشري (٣): ((كأنه قيل: من نفسٍ واحدةٍ أنشأها - أو ابتدأها ـــ وخلق
منها، وإنما حُذِف لدلالة المعنى عليه، والمعنى: شَعَبَكم من نفس واحدة
هذه صفتُها)» بصفةٍ هي بيانٌ وتفصيلٌ لكيفيةِ خَلْقِهِم منها. وإنما حَمَلَ
الزمخشري والقائلَ الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيبِ الوجودي ؛ لأنَّ خَلْقَ
(١) البحر ٣/ ١٥٤.
(٢) تقدم برقم ٤٤١.
(٣) الكشاف ٤٩٢/١.
٥٥١

- النساء
حواء - وهي المُعَبِّرُ عنها بالزوجِ - قبل خلقنا، ولا حاجة إلى ذلك، لأنَّ الواو
لا تقتضي ترتيباً على الصحيح.
الثالث: أنه عطفُ على ((خَلَقَكم)) فهو داخلٌ في حَيِّز الصلةِ، والواوُ
لا يُبالى بها، إذ لا تقتضي ترتيباً. إلا أن الزمخشري(١) خَصَّ هذا الوجهَ بكونٍ
الخطابِ في ((يا أيها الناسُ)) لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال:
((والثاني: أن يُعْطَفَ على ((خلقكم)) ويكون الخطابُ للذين بُعِث إليهم
الرسول، والمعنى: خَلَقكم من نفس آدم، لأنَّهم مِنْ جملةِ الجنسِ المفرَّعِ
منه، وخَلَقَ منها أُمَّكم حواء)». فظاهرُ هذا خصوصيّةُ الوجهِ الثاني بكونٍ
الخطابِ المعاصرين، وفيه نَظَرٌ. وقَدَّر بعضُهم مضافاً في ((منها)) أي: ((مِنْ
جنسِها زوجَها))، وهذا عند مَنْ يرى أن حواء لم تُخْلق من آدم، وإنما خُلِقْتِ
من طينة فَضَلَتْ مِن طينة آدم، وهذا قولٌ مرغوب عنه.
وقرىء (٢): ((وخالِقٌ وباتٌ)) بلفظِ اسمِ الفاعل. وخَرَّجه الزمخشري (٣)
على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: وهو خالقٌ وباتُ. يقال: بَثَّ وأَبَثُّ بمعنى
((فَرَّق)» ثلاثياً ورباعياً.
وقوله: ((كثيرا)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه نعتُ لـ ((رجالاً)) قال
أبو البقاء (٤): ((ولم يؤنِّثْه حَمْلًا على المعنى، لأنَّ ((رجالاً)) عدد أو جنس
أو جمع، كما ذكَّر الفعلَ المسندَ إلى جماعة المؤنث كقوله: ((وقال نِسوةٌ))(٥).
والثاني : أنه نعت لمصدر تقديره: وبث منهما بَثّاً كثيراً. وقد تقدم أن
(١) الكشاف ٤٩٢/١.
(٢) نسبها في الشواذ ٢٤ إلى خالد الحذَّاء، وانظر: البحر ١٥٥/٣ ..
(٣) الكشاف ٤٩٣/١.
(٤) الإِملاء ١٦٥/١.
(٥) الآية ٣٠ من يوسف
٥٥٢

- النساء -
مذهب سيبويه(١) في مثله النصبُ على الحال. فإن قيل: لِم خَصَّ الرجالَ
بوصفِ الكثرة دون النساء؟ ففيه جوابان، أحدُهما: أنه حَذَفَ صفتَهنْ لدلالةِ
ما قبلها عليها [أي]: ونساءً كثيرة. والثاني: أنَّ الرجال لشهرتِهم يناسِبُهم ذلك
بخلافِ النساء فإنَّ الألْيَقَ بهنَّ الخمولُ والإِخفاء.
قوله: ((تَساءلون)) قرأ الكوفيون(٢): ((تَساءلون)) بتخفيف السين على
حذف إحدى التاءين تخفيفاً، والأصل: تَتَساءلون، وقد تقدَّم لنا الخلاف: هل
المحذوفُ الأولى أو الثانية؟ وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في
السين لأنها مقارِبَتُها في الهمس، ولهذا تُبْدَلُ من السين قالوا: ((ست))(٣)
والأصل: ((سِدْسٌ)).
وقرأ عبدالله: (تَسْأَلُون)) من سأل الثلاثي. وقرىء (٤) ((تَسَلون)) بنقل
حركة الهمزة على السين.
و («تَساءلون)) على التفاعل فيه وجهان، أحدهما: المشاركة في
السؤال. والثاني: أنه بمعنى فَعَل، ويَدُلُّ عليه قراءة عبد الله. قال
أبو البقاء(٥): ((ودخّل حرف الجر في المفعول لأن المعنى: تتحالفون)) يعني:
أن الأصل كان تعدية ((تسألون)) إلى الضمير بنفسِه، فلما ضُمِّن معنى
(تتحالفون)) عُدِّي تَعْدِيَتَه.
(١) الكتاب ١١٦/١.
(٢) ويعني بهم: عاصمً وحمزة والكسائي. انظر: السبعة ٢٢٦؛ والكشف ٣٧٦/١؛
والشواذ ٢٤؛ والبحر ١٥٧/٣.
(٣) ست أصلها: سِدْس، فأبدلوا من السين تاء فقالوا: سِدْتٌ، فكرهوا أيضاً اجتماع
الدال ساكنة مع التاء، فأدغموا الدال في التاء فقالوا: ست. انظر: الممتع في التصريف
٧١٥.
(٤) قراءة ابن عباس واليماني. الشواذ ٢٤ .
(٥) الإملاء ١٦٥/١.
٥٥٣

- النساء -
[١٩٥/أ]
قوله: ((والأرحامَ)) الجمهور / على نصب ميم ((والأرحام)) وفيه وجهان،
أحدهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها.
وقَدَّر بعضهم مضافاً أي: قَطْعَ الأرحام، ويقال: ((إنَّ هذا في الحقيقة من
عطفِ الخاص على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله: اتقوا مخالفَتَه، وقطعُ
الأرحام مندرجٌ فيها)). والثاني: أنه معطوفَ على محل المجرور في ((به))
نحو: مررت بزيد وعمراً، لَّمَّا لَم يَشْرَكْه في الإِتباع على اللفظِ تبعه على
الموضع. ويؤيد هذا قراءة عبدالله (١): ((وبالأرحام)). وقال أبو البقاء(٢).
«تُعَظِّمونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تعظيمٌ له)).
وقرأ حمزة(٣) ((والأرحام)) بالجر، وفيها قولان، أحدهما: أنه عطفٌ على
الضمير المجرور في ((به)) من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد
تقدَّم تحقيقُ القول في هذه المسألة، وأنَّ فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاجُ كلّ
فريق في قوله تعالى: (وكفرٌ به والمسجد))(٤).
وقد طَعَنَ جماعة على هذه القراءة كالزجاج(٥) وغيره، حتى يحكى عن
الفراء الذي مذهبه جواز ذلك أنه قال(٦): «حَدَّثني شريك بن عبدالله عِنْ
الأعمش عن إبراهيم قال: ((والأرحامِ)) - بخفض الأرحام - هو كقولهم:
(أسألك بالله والرحمِ)) قال: ((وهذا قبيحٌ))، لأنَّ العرب لا تَرُدُّ مخفوضاً على
مخفوض قد کُنِيَ عنه».
(١) الشواذ ٢٤؛ البحر ١٥٧/٣.
(٢) الإملاء ١٦٥/١.
(٣) السبعة ٢٦٦؛ الكشف ٣٧٥/١.
(٤) الآية ٢١٧ من البقرة.
(٥) معاني القرآن ٢/٢ قال: ((خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شعر، وخطأً أيضاً في
أمر الدين عظيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحلفوا بآبائكم، فكيف يكون
تساءلون به وبالرحم على ذا؟
(٦) انظر: معاني القرآن ٢٥٢/١؛ تفسير الطبري ٥١٩/٧؛ إعراب القرآن للنحاس
٣٩١/١.
٥٥٤

- النساء -
والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضميرِ المجرورِ بل الواوُ للقسم
وهو خفضٌ بحرفِ القسم مُقْسَمٌ به، وجوابُ القسم: ((إنَّ الله كان عليكم
رقيباً)). وضُعِّف هذا بوجهين، أحدهما: أن قراءتَيْ النصبِ وإظهار حرف الجر
في ((بالأرحام)) يمنعان من ذلك، والأصل توافقُ القراءات. والثاني: أنه نُهِيَ أن
يُحْلَف بغير الله تعالى والأحاديثُ مصرحةٌ بذلك.
وقدَّر بعضُهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: ((تقديره: وربِّ الأرحام)) قال
أبو البقاء(١): وهذا قد أَغْنى عنه ما قبله)) يعني الحلف بالله تعالى. ولقائل [أن
يقول: ] ((إنَّ لله تعالى أن يُقْسِم بما شاء كما أقسم بمخلوقاتِه كالشمس والنجم
والليل، وإن كنا نحن مَنْهيين عن ذلك))، إلا أنَّ المقصودَ من حيث المعنى
ليس على القسمِ، فالأَوْلى حَمْلُ هذه القراءةِ على العطفِ على الضمير،
ولا التفاتَ إلى طَعْنٍ مَنْ طَعَن فيها، وحمزةُ بالرتبة السَّنِيَّة المانعةِ له مِنْ نقلٍ
قراءة ضعيفة .
وقرأ(٢) عبدالله أيضاً: ((والأرحامُ)) رفعاً وهو على الابتداء، والخبر محذوفٌ
فقدَّره ابن عطية(٣): ((أهلٌ أَنْ توصل))، وقَدَّره الزمخشري(٤): و(«الأرحامُ مِمَّا
يتقى، أو: مما يُتّساءل به))، وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية، بخلاف
الأول، فإنه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّره أبو البقاء(٥): ((والأرحامُ محترمة))
أي: واجبٌ حرمتُها .
(١) الإملاء ١٦٥/١.
(٢) وهو عبدالله بن يزيد وليس عبدالله بن مسعود كما في البحر ١٥٧/٣ والأول
أبو عبدالرحمن القرشي روى عن نافع وله اختيار في القراءة، توفي سنة ٢١٣،
أو هو البغدادي الثقة، الذي أخذ عن سليم عن حمزة وروى عنه البزاز وخلف. انظر:
طبقات القراء ١ / ٤٦٣.
(٣) المحرر ٨/٤.
(٤) الكشاف ٤٩٣/١.
(٥) الإملاء ١٦٥/١.
٥٥٥

-النساء
وقوله: ((إن الله كان عليكم رقيباً)) جارٍ مجرىٍ التعليل. والرقيب: فَعيل
للمبالغة من رَقَبَ يَرْقُب رَقْباً ورُقوباً ورِقْباناً إذا أحَدَّ النظرَ لأمر يريد تحقيقَه؛
واستعمالُه في صفات الله تعالى بمعنى الحفيظ، قال(١):
١٥٢٥- كمقاعدِ الرُّقباءِ للضُّرَبَاءِ أيديهم نواهِدْ
والرقيب أيضاً: ضرب من الحَيَّات. والرقيب: السهم الثالث من سهام
الميسر وقد تقدمت في البقرة (٢). والارتقاب: الانتظار."
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿بالطيِّب﴾: هو المفعول الثاني لـ ((تتبدّلوا»،
وقد تقدم في البقرة في قوله تعالى: ((فبدَّل الذين ظلموا))(٣) أن المجرور بالباء
هو المتروكُ والمنصوبَ هو الحاصل. وتفعَّل هنا بمعنى استفعل وهو كثير،
نحو: تَعَجَّل وتأخر بمعنى استعجل واستأخر. ومن مجيء تبدّل بمعنى استبدل
قول ذي الرمة (٤):
١٥٢٦ - فياكرَمَ السَّكْنِ الذين تَحَمَّلوا
عن الدارِ والْمُسْتَخْلِفِ المُتَبَدِّلِ
أي : المستبدل.
قوله: ((إلى أموالكم)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن (إلى)) بمعنى ((مع)
(١) البيت لأبي دؤاد الإِيادي، وهو في مجاز القرآن ١١٣/١، وتفسير الطبري ٥٢٤/٧،
والبحر ١٥٠/٣، والرقباء: ج رقيب، وهو أمين أصحاب الميسر يحفظ ضربهم بالقداج
ويرتبهم. الضرباء: ج ضريب وهو الضارب بالقداح. والبيت من مجزوء الكامل، والشطر
الأول منه عند الضاد الأولى.
(٢) انظر: الآية ٢١٩.
(٣) انظر الآية ٥٩.
(٤) ديوانه ١٤٦٥؛ وغريب الحديث ٣٤٣/٤؛ وشواهد الكشاف ٤٨٠/٤.
٥٥٦

- النساء -
كقوله: ((إلى المرافق))(١)، وهذا رأي الكوفيين. والثاني: أنها على بابها،
وهي ومجرورها متعلقة بمحذوف على أنها حال، أي: مضمومةً أو مضافةً إلى
أموالكم. والثالث: أن يضمَّن ((تأكلوا)) معنى ((تَضُمُّوا)) كأنه قيل: ولا تضمُّوها
إلى أموالكم آكلين. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: قد حَرَّم عليهم أكل مال
اليتامى وحده ومع أموالهم، فلِمَ وَرَدَ النهيُّ عن أكلها(٣) معها؟ قلت: لأنهم
إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رَزَقهم الله من الحلال، وهم مع ذلك
يَطْمعون فيها كان القبحُ أبلغَ والذمُّ ألحقَ، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك، فنعى
عليهم فِعْلَهم، وشنَّع بهم ليكون أزجر لهم».
قوله: ((إنه كان حُوباً)) في الهاءِ ثلاثة أوجه، أحدها: أنها تعودُ على
الأكلِ المفهوم من ((لا تأكلوا)). والثاني: على التبدُّل المفهومِ من
(لا تَتَبدَّلوا)). والثالث: عليهما، ذهاباً به مذهبَ اسمِ الإِشارة نحو: ((عَوانٌ
بين ذلك))(٤)، ومنه(٥):
١٥٢٧ - كأنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهقْ
وقد تقدم ذلك في البقرة، والأولُ أَوْلى، لأنه أقرب مذکور.
وقرأ الجمهور: ((حُوباً)) بضم الحاء. والحسن(٦) بفتحها، وبعضهم:
(حَاباً)) بالألف، وهي لغات في المصدر، والفتح لغة تميم. ونظير الحَوْب
(١) الآية ٦ من المائدة: ((فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)).
(٢) الكشاف ٤٩٥/١.
(٣) الكشاف: أکله.
(٤) الآية ٦٨ من البقرة: ((قال: إنه يقول إنها بقرةً لا فارِضٌ ولا بِكْر، عوانٌ بين ذلك)).
(٥) تقدم برقم ٥٣٩، وللبيت قصة، انظرها في هذا الرقم.
(٦) الشواذ ٢٤؛ البحر ١٦١/٣ .
٥٥٧

- النساء:
والحاب: القول والقال، والطّرد والطَّرْد - وهو الإِثم - وقيل: المضمومُ اسم
مصدر. والمفتوحُ مصدر. وأصلُه مِنْ حَوْب الإِبل وهوزَجْرِها، فَسُمِّي به
الإِثم، لأنه يُزْجَر به، ويُطلق على الذنب أيضاً، لأنه يزجر عنه، ومنه قوله عليه
السلام: ((إن طلاقَ أُمَّ أيوب لَحَوْب)) أي: لذنب عظيم، يقال: ((حابَ
يَحُوبِ حَوْباً وحُوباً وحاباً وحَوُوباً وحِيابة)). قال المخبِّل السعدي(١):
١٥٢٨- فلا يَدْخُلَنَّ الدهرَ قبرك حُوبٌ
فإنَّك تلقاهُ عليك حَسِيبُ
وقال الآخر(٢):
١٥٢٩ - وإنَّ مهاجِرَيْن تَكَنَّفاه
غداتئذٍ لقد خَطِئا وحابَا
والحَوْبة: الحاجة، ومنه في الدعاء: ((إليك أرفع حَوْبتي))(٣) وأوقع الله
به الحَوْبةَ، وتحوَّب فلان: إذا خَرَج من الحَوْب، كتحرَّج وتأثَّم، فالتضعيف فيهِ
للسَلْب.
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتم﴾: شرطٌ، وفي جوابه وجهان،
أحدهما: أنه قوله: ((فانكحوا))، وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ والعشر
ولا يقومون بحقوقهن، فلمّا نزلت: ((ولا تأكلوا أموالهم)) أخذوا يتحرَّجون من
(١) اللسان: ((حوب)) برواية:
فلا يَدْخُلَنَّ الدهزُ قِبرَكِ حَوْبَةٌ يقوم بها يوماً عليك حَسيبُ
وهو في البحر ١٥٠/٣
(٢) البيت لأمية بن الأسكر، وهو في أمالي القالي ١٠٩/٣ والطبري ٥٢٩/٧؛ والبحر
١٥٠/٣؛ والخزانة ٤٠٥/٢، ويروى البيت: ((وخابا)) بالمعجمة.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما ورد في المسند ٢٢٧/١: ((ربِّ تقبَّل توبتي واغسل
حوبتي)) .
٥٥٨

- النساء-
ولاية اليتامى، فقيل لهم: إنْ خفتم من الجَوْر في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً
من الجَوْر في حقوق النساء فانكحوا هذا العدد، لأنَّ الكثرة تُفْضي إلى الجور
ولا تنفع التوبةُ من ذنبٍ مع ارتكاب مثله.
والثاني: أنَّ الجوابَ قولُه: ((فواحدَةً)) والمعنى: أن الرجل منهم كان
يتزوج اليتيمة التي في ولايته، فلمَّا نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل مال
اليتيم تحرَّجوا من ذلك، فقيل لهم: إنْ خفتم من نكاح النساء اليتامى فانكحوا
ما طابَ من الأجنبيات، أي: اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يَحْتاج
إلى تقدير / مضاف، أي: في نكاح يتامى النساء. فإن قيل: ((فواحدة)» جواب [١٩٥ /ب]
لقوله: ((فإنْ خفتم ألا تعدلوا)) فكيف يكون جواباً للأول؟ أُجيب عن ذلك بأنه
أعادَ الشرط الثاني، لأنه كالأول في المعنى، لمَّا طال الفصلُ بين الأولِ
وجوابه، وفيه نظرً لا يخفى. على متأمله.
والخوف هنا على بابه، فالمراد به الحَذَر، وقال أبو عبيدة(١): إنه بمعنى
اليقين، وأنشد :
١٥٣٠ - فقلتُ لهم خافوا بألفَي مُدَجَّجٍ
سَراتُهُمُ في الفارسي المُسَرَّدِ
أي: أيقنوا، وقد تقدَّم تحقيق ذلك والردُّ عليه، وأنَّ في المسألة ثلاثة
أقوالٍ عند قوله تعالى: ((إلَّ أَنْ يخافا ألاَّ يُقيما حدود الله))(٢).
قوله: ((أَنْ لا تُقْسِطوا)) إِنْ قَدَّرْتَ أنها على حذفِ حرف جر أي: ((مِنْ أن
لا)) ففيها الخلافُ المشهورُ: أهي في محل نصب أو جر، وإنْ لم تقدِّر ذلك بل
(١) مجاز القرآن ١١٤/١. وتقدم البيت برقم ٤٣١.
(٢) الآية ٢٢٩ من البقرة.
٥٥٩

- النساء
وَصَل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت: ((فإن حذرتم)» فهي في محلّ نصب
فقط، كما تقدَّم في البقرة.
وقرأ الجمهور: ((تُقْسطوا)) بضم التاء من ((أقسط)) إذا عدل، فـ ((لا)) على
هذه القراءة نافيةٌ، والتقديرُ: وإنْ خِفْتم عدم الإِقساط أي: العدل. وقرأ(١)
إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب بفتحها من ((قسط))، وفيها تأويلان،
أحدهما: أنَّ ((قَسَط)) بمعنى جار، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أنَّ
الرباعي بمعنى عَدَل، وَالثلاثي بمعنى جار، وكأن الهمزةَ فِيه للسَلْبِ، فمعنى
((أقسط)) أي: أزالَ القسط وهو الجور، و((لا)) على هذا القول زائدةٌ ليس إلا،
وإلَّ يفسدِ المعنى، كهي في قوله: ((لئلا يعلم))(٢). والثاني: حكى
الزجاج (٣): أن ((قسط)) الثلاثي يُستعمل استعمالَ ((أقسط)) الرباعي، فعلى هذا
تكون ((لا)) غيرَ زائدة، كهي في القراءة الشهيرة، إلا أنَّ التفرقةَ هي المعروفة
لغة .
قال الراغب (٤): ((القِسْط)): أن يأخذ قِسْطَ غيرِهِ، وذلك جَوْرٌ،.
والإِقساط: أن يُعْطِيَ قِسْطَ غيره، وذلك إنصافٌ، ولذلك يقال: ((قَسَط الرجل
إذا جار، وأقسط: إذا عَدَل، قال تعالى: ((وأمّا القاسطون فكانوا لجهنم.
حطبا))(٥)، وقال تعالى: ((وأقسِطوا، إن الله يحب المُقْسِطين))(٦).
ومن غيربِ ما يحكى أن الحجّاج لما أَحْضر الحَبْر الشهير سعيد ابن
جبير، قال له: ((ما تقولُ فِيَّ؟)) قال: ((قاسط عادل))، فأعجب الحاضرين،
(١) الشواذ ٢٤؛ البحر ١٦٢/٣.
(٢) الآية ٢٩ من الحديد: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألَّ يَقْدِرون على شيء من فضل الله)).
(٣) لم يرد هذا الرأي له في «معاني القرآن)) ..
(٤) المفردات ٤١٨.
(٥) الآية ١٥ من الجن.
. (٦) الآية ٤٢ من المائدة.
٥٦٠