Indexed OCR Text

Pages 501-520

- آل عمران -
ونظيرُ ذلك تعليقُ أفعالِ القلوب عن المفعولين الصريحين لتقديرٍ لام الابتداء
في قوله(١):
١٤٩٧- كذاك أُدِبْتُ حتى صار مِنْ خُلُقي
إني رأيتُ مِلالُ الشيمةِ الأدَبُ
فلولا تقديرُ اللامِ لوجَبَ نصبُ ((مِلاك)) و((الأدب))، وكذلك في الآية،
لولا تقديرُ اللامِ لوجَبَ فتحُ ((إنما))، ويجوزُ أَنْ يكون المفعولُ الأولُ قد حُذِف
وهو ضميرُ الأمرِ والشأن، وقد قيل بذلك في البيت وهو الأحسن فيه،
والأصلُ: ولا يحسَبَنَّه أي: الأمرَ، و((إنما نُمْلِي)) في موضع المفعول الثاني
وهي المفسِّرة للضمير.
وإن كان(٢) الثاني كان((الذين)) مفعولاً أول، و ((إنما نملي)» في موضع الثاني.
وأما قراءته(٣) التي حكاها عنه الزمخشري فقد خَرَّجها (٤) هو فقال:
«على معنى: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنَّ إملاءَنا لازدياد الإِثم كما يفعلون،
وإنما هو ليتوبوا ويَدْخلوا في الإِيمان، وقوله ((إنما نملي لهم خير لأنفسهم»
اعتراضٌ بين الفعلِ ومعمولِه، معناه: أنَّ إملاءَنا خيرٌ لأنفسِهِم إنْ عَمِلوا
فيه وَعَرَفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المُدَّة وتَرْكِ المعاجَلَة بالعقوبة)) انتهى.
فعلى هذا يكون ((الذين)) فاعلاً، و((أنما)) المفتوحة سادةٌ مَسَدَّ المفعولين
أو أحدِهما على الخلاف، واعتُرِض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال
النحاس(٥): ((وقراءةُ يحيى بن وثاب بكسر إنَّ)) حسنةً، كما تقول: ((حسبت
عمراً أبوه خارجٌ)).
(١) البيت لبعض الفزاريين، وهو في الحماسة ٥٧٤/٢، برواية ((ملاك - الأديا)) الخزانة
٥/٤؛ والدرر ١٣٥/١.
(٢) معطوف على ((فإن كان الأول)).
(٣) أي: بكسر ((إنما) الأولى وفتح الثانية مع الغيبة.
(٤) الكشاف ٤٨٣/١.
(٥) إعراب القرآن ٣٨٠/١.
٥٠١

- آل عمران -
وأمَّا ما حكاه الزجاج (١) قراءةً عن خلق كثير وهو نَصْبُ ((خيراً)) على
الظاهر من كلامه فقد ذكر هو تخريجها على أنَّ ((أنما نملي لهم خيراً لأنفسهم))
بدلٌ من ((الذين)) و ((خيراً» مفعولٌ ثانٍ. ولا بُدَّ من إيرادِ نَصِّه ليظهر لك، قال
رحمه الله: ((مَنْ قَرَأَ (ولا تَحْسَبَنَّ)) بالتاء لم يجز عند البصريين إلا كسرُ ((إِنَّ)
والمعنى: لا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا إِملاؤنا خيرٌ لهم، ودخلت «إنَّ»
مؤكدةً، فإذا فَتَحْتَ صار المعنى: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا إملاءنا خيراً لهم
قال: ((وهو عندي يجوزُ في هذا الموضعِ على البدل من ((الذين)) المعنى:
[١٩٠/ب] / ولا تَحْسَبَنَّ إملَاءَنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأَ بها خَلْقٌ كثير، ومثلُ هذه
القراءة من الشعر(٢):
١٤٩٨ - فما كانَ قَيْسُ هُلْكُه هلكَ واحدٍ
ولكنه بنيانُ قومٍ تَنْهَدَّما
جَعَل ((هُلْكُه)) بدلاً من ((قيس)) المعنى: فما كان هُلْكُ قيسٍ هُلْكَ واحد
يعني: ((فُهُلْك)) الأول بدلٌ من المرفوع، فبقي ((هُلْكَ واحدٍ)) منصوباً خبراً
لـ ((كان))، كذلك ((أنما نُملي لهم)): ((أن)) واسمُها - وهو ((ما)) الموصولةُ -
وصلتُها والخبرُ - وهو (لهم))-في محل نصبٍ بدلاً من الذين كفروا، فبقي
((خيراً)) منصوباً على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((تحسبن)).
إلَّ أنَّ الفارسي قد رَدَّ هذا على أبي إسحاق بأنَّ هذه القراءةَ لِم يَقْرأ بها
أحدٌ - أعني نصبَ (خيراً) - قال أبو عليّ الفارسي(٣): ((لا يَصِحُ البَدِلُ
(١) معاني القرآن ٥٠٧/١ - ٥٠٨؛ وما حكاه: تحسبن - أنما - خيراً، قال ((وإذا فتحت أنَّ
صار المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا إملاءنا، وهو عندي في هذا الموضع يجوز على البدل
من ((الذين)) المعنى: ((لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأ بها خلق كثير)
وكان قد حكى قبل ذلك: ((وقرئت: ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيراً، وقد
قرئت: ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم)) والمفهوم من هذا أنها قرئت بالفتح والكسر،
أما الفتح فهو الذي خَرَّجه كما أوردناه، وأما الكسر فقد يعني به قراءة ثانية.
(٢) تقدم برقم ٦٥١.
(٣) الحجة (خ) ٢٥٢/٢.
٥٠٢

- آل عمران -
إلا بنصب ((خير)) من حيث كان المفعول الثاني لـ ((حسبت))، فكما انتصب
((هلك واحدٍ)) في البيت لَّمَّا أبدلَ الأولَ من ((قيس)) بأنه خبرٌ لكان كذلك
ينتصبُ ((خيراً لهم)) إذا أبدل الإِملاءَ من ((الذين كفروا)) بأنه مفعولٌ ثانٍ
لتحسَبَنَّ)) قال: ((وسألْتُ أحمدَ بن موسى عنها فَزَعم أنَّ أحداً لم يَقْرأ بها)) يعني
بأحمد هذا أبا بكر بن مجاهد الإِمامَ المشهور. وقال في ((الحجة)) له(١).
(الذين كفروا في موضعِ نصبٍ بأنَّها المفعول الأول، والمفعولُ الثاني هو الأولُ
في هذا الباب في المعنى، فلا يجوزُ إذاً فَتْحُ ((أَنَّ)) في قوله: ((أَنَّما نُمْلي لهم))
لأنَّ إملاءَهم لا يكون إياهم)) قال: ((فإنْ قلت: لِمَ لا يجوزُ الفتحُ في ((أنَّ))
وتجعلُها بدلاً من ((الذين كفروا)) كقوله: ((وما أنسانيهُ إلا الشيطانُ أن أذكرَه))(٢)
وكما كان ((أنَّ)) من قولِه تعالى: ((وإذْ يَعِدِكُم اللّهُ إحدى الطائفتين أنها
لكم(٣)؟ قيل: لا يجوزُ ذلك، وإلا لزمك أَنْ تَنْصِبَ ((خيراً)) على تقدير:
لا تَحْسَبَنَّ إملاءَ الذين كفروا خيراً لأنفسهم، حيث كان المفعول الثاني
لـ ((تحسبنَ))، وقيل: إنه لم يقرأ به أحد، فإذا لم يُنْصَبْ عُلِم أنَّ البدلَ فيه
لا يَصِحُّ وإذا لم يَصِحَّ البدلُ لم يَجُزْ إلا كسرُ ((إنَّ)) على أن تكون ((إِنَّ» وخبرُها
في موضع المفعول الثاني من ((تحسبن)) انتهى مارد به عليه، فلم يبقَ
إلا الترجيحُ بين نقل هذين الرجلين، أعني الزجاج وابن مجاهد، ولا شك أن
ابن مجاهد أَعْنى بالقراءات، إلا أن الزجاج ثقةٌ، ويقول: ((قرأ بها خلق كثير))،
وهذا يُبْعِدُ غَلَطه فيه، والإِثباتُ مقدَّمٌ على النفي. وما ذكره أبو علي من قولِه:
(وإذا لم يَجُزْ البدلُ لم يَجُزْ إلا كسرُ إِنَّ) إلى آخره، هذا أيضاً مِمَّ لم يقرأ به
أحدٌ. قال مكي (٤): ((وجهُ القراءةِ لِمَنْ قَرَأ بالتاء - يعني بتاءِ الخطاب - أنْ
يكسر ((إنما) فتكونُ الجملةُ في موضعِ المفعول الثاني ولم يَقْرأ به أحدٌ
عَلِمْتُه)).
(١) الحجة (خ) ٢٥٢/٢.
(٢) الآية ٦٣ من الكهف.
(٣) الآية ٧ من الأنفال.
(٤) المشكل ١٦٨/١.
٥٠٣

- آل عمران -
وقد نقل أبو البقاء (١) نصبَ ((خيراً)) قراءةً شاذة قال: ((وقد قِرِىء شاذاً
بالنصبِ على أَنْ يكونَ (لأنفسهم)) خبرَ ((أنَّ)، و((لهم)) تبينٌ أو حالٌ من
(خيراً)) يَعْني أنه لَمَّا جعل لأنفسهم الخيرَ جعل ((لهم)): إمَّ تبييناً تقديرُه: أعني
لهم، وإمَّا حالاً من النكرة المتأخرة، لأنه كان في الأصلِ صفةً لها، والظاهرُ
على هذه القراءةِ ما قَدَّمْتُه مِنْ كونِ (لهم)) هو الخبرَ، ويكونُ (لأنفسِهم)) في
محلِّ نصبٍ صفةً لـ ((خيرا) كما كانَ صفةً له في قراءةِ الجمهور، ونَقَلَ أيضاً
قراءةَ كسر ((إِنَّ) وهي قراءة يحيى، وخَرَّجها على أنها جوابُ قسمٍ محذوفٍ،
والقسمُ وجوابُه يَسُدُّ مَسَدَّ المفعولين ولا حاجة إلى ذلك، بل تخريجُها على
ما تقدَّم أولى، لأنَّ الأصلَ عدمُ الحذفِ.
والإِملاء(٢): الإِمهالُ والمَدُّ في العمر، ومنه: ((مَلَاوَةُ الدهر)» للمدة
الطويلة، والمَلَوان: الليل والنهار، وقولهم ((مَلاك اللـهُ بنعمةٍ)) أي : مَنَحَكها
عمراً طويلاً. وقيل: المَلَوان: تكرُّر الليل والنهار وامتدادُهما، بدليلِ إضافتهما
إليهما في قول الشاعر(٣):
١٤٩٩ - نهارٌ وليلٌ دائمٌ مَلَواهُما
على كلِّ حالٍ المرءِ يَخْتلفان
فلو كانا الليلَ والنهارَ لما أُضيفا إليهما، إذ الشيءُ لا يضاف إلى نفسِه.
وقوله: (أَنَّما نُمْلي لهم) أصلُ الياءِ واو، وإنما قُلِبَتْ ياءً لوقوعها رابعةً.
قوله: ((أَنَّمَا نُمْلي لهم ليزدادوا)) قد تقدَّم أن يحيى بن وثاب قرأ بكسر
الأولى وفتح هذه، فيما نقله عنه الزمخشري، وتقدَّم تخريجُها، إلا أنَّ الشيخَ(٤)
(١) الإملاء ١٥٩/١.
(٢). انظر: مفردات الراغب ٤٩٤.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في المفردات ٤٩٤.
(٤) البحر ١٢٤/٣.
٥٠٤

- آل عمران -
قال: ((إنه لم يَحْكِها عنه غيرُ الزمخشري، بل الذين نقلوا قراءةً يحيى إنما
نقلوا كسره للأولى فقط)) قال: ((وإنما الزمخشري لِوَلُوعه بمذهبه يرومُ رَدَّ كلِّ
شيء إليه)). وهذا تحاملٌ عليه لأنه ثقة لا ينقل ما لم يُرْوَ.
وأمَّا على قراءة كسرها ففيها وجهان، أحدهما: أنها جملة مستأنفة تعليلٌ
للجملةِ قبلَها كأنه قيل: ما بالُهم يَحْسَبون الإِملاءَ خيراً؟ فقيل: إنما نملي لهم
ليزدادوا إثماً. و((إِنَّ) هنا مكفوفةٌ بـ ((ما))، ولذلك كُتِبَتْ متصلةً على الأصلِ،
ولا يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً ولا حرفيةً؛ لأنَّ لام كي لا يَصِحُ وقوعُها خبراً
للمبتدأ ولا لنواسِخِه .
والوجه الثاني: أنَّ هذه الجملةَ تكريرٌ للأولى. قال أبو البقاء(١): ((وقيل
((أنما) تكريرٌ للأولِ، و ((ليزدادوا)) هو المفعولُ الثاني لـ ((تَحْسَبَنَّ)) هذا على قراءةٍ
التاء، والتقديرُ: لا تَحْسَبَنَّ يا محمد إملاءَ الذين كفروا خيراً ليزدادوا إثماً(٢)، بل
ليزدادوا إيماناً، ويُرْوى أنَّ بعض الصحابة قرأه كذلك)) انتهى. قلت: وفي هذا
نظرٌ من حيث إنه جَعَل (ليزدادوا)) هو المفعولَ الثاني، وقد تقدَّم أنَّ لامَ ((كي))
لا تقعُ خبراً للمبتدأ ولا لنواسخه، ولأنَّ هذا إنما يَتِمُّ له على تقديرٍ فتح الثانية،
وقد تقدَّم أن أحداً لم ينقُلْها إلا الزمخشري عن يحيى(٣)، والذي يقرأ
((تحسبن)) بتاء الخطاب لا يفتحها البتة .
واللامُ في ((ليزدادوا)) فيها وجهان، أحدُهما: أنها لامُ كي، والثانيةُ أنها
لامُ الصيرورة.
وقوله: ((ولهم عذابٌ)» في هذه الواوِ قولان، أحدُهما: أنها للعطف،
والثاني: أنها للحالِ. وظاهرُ قولِ الزمخشري أنها للحال في قراءة يحيى ابن
(١) الإملاء ١ / ١٥٩.
(٢) عبارة أبي البقاء: ((إيماناً بل ليزدادوا إثماً) وهي الصواب.
(٣) وما نقله الزمخشري عن يحيى ليس كذلك، وإنما هو بكسر الأولى وفتح الثانية مع الغيبة .
٥٠٥

- آل عمران -
وثاب فقط، فإنه قال(١) «فإنْ قلت: ما معنى هذه القراءة؟ - يعني على قراءةٍ
يحيى التي نقلَها هو عنه - قلت: معناه ((وَلا يَحْسَبَنَّ أنَّ إملاءَنا لزيادةِ الإِثْمِ
والتعذيبِ، والواوُ الحالِ، كأنه قيل: ليزدادوا إثماً مُعَدَّاً لهم عذابٌ مهين)) قال
الشيخ (٢) : - بعد ما ذكر من إنكارِه عليه نقلَ فتحَ الثانية عن يحيى كما قدمته
لك - ((وَلَّمَّا قرَّر في هذه القراءة أنَّ المعنى على نهي الكافر أَنْ يَحْسَب أنما
يُعْلي الله لزيادة الإِثم، وأنه إنما يملي لزيادة الخير كان قولُه: ((ولهم عذابٌ
مهينٍ)) يَدْفَعُ هذا التفسيرَ، فَخَرَّج ذلك على أن الواوَ للحالِ ليزولَ هذا التدافعُ
الذي بين هذه القراءةِ وبين آخرِ الآية)).
وأصل (ليزدادوا)): ليزتادوا بالتاء، لأنه افتعالٌ من الزيادة ولكنَّ تاء
الافتعالِ تُقْلَبُ دالاً بعد ثلاثةِ أحرف: الزاي والذال والدال نحو: اذَّكر وادَّانِ.
والفعلُ هنا متعدٍّ لواحدٍ وكانَ في الأصلِ متعدياً لاثنين نحو: ((فزادَهم اللّهُ
مرضاً))(٣)، ولكنه بالافتعالِ ينقُص أبداً مفعولاً، فإنْ كان الفعلُ قبل بنائِه على
افتعل للمطاوعةِ متعدياً لواحدٍ صار قاصراً بعد المطاوعةِ نحو: ((مدَدْتُ الحبل
فامتًّ))، وإنْ كان متعدياً لاثنين صار بعد الافتعالِ متعدياً لواحدٍ كهذه الآيةِ
وخُتِمَتْ كلُّ واحدةٍ من هذه الآياتِ الثلاثِ بصفةٍ للعذاب غيرٍ ما خُتمت
به الأخرى لمعنى مناسب، وهو أنَّ الأولى تضمَّنَتْ الإِخبارَ عنهم بالمسارعةِ
في الكفر، والمسارعةُ في الشيء والمبادرةُ إلى تحصيله تقتضي جلالته
وعظمته، فجُعِل جزاؤهم ((عذابٌ عظيمٌ)) مقابلةً لهم، ويَدُلُّ ذلك على خساسةٍ
ما سارَعُوا فيه، وأمَّ الثانيةُ فتضمَّنَتْ اشتراءَهم الكفرَ بالإِيمان، والعادةُ سرورُ
المشتري واغتباطُه بما اشتراه، فإذا خَسِرَ تألم، فخْتِمت هذه الآيةُ بألمِ العذابِ
(١) الكشاف ٤٨٣/١.
(٢) البحر ١٢٤/٣.
(٣) الآية ١٠ من البقرة.
٥٠٦

- آل عمران -
كما يجدُ المُشْتري المغبون ألم خسارته. وأمَّا الثالثةُ فتضمَّنَتْ الإِملاء وهو
الإِمتاعُ بالمال وزينةُ الدنيا، وذلك يقتضي التعزُّزَ والتكبُّر والجبروتَ فخُتِمت
هذه الآيةُ بما يقتضي إهانتهم وذلتهم بعد عزهم وتكبُّرهم.
آ. (١٧٩) وقله تعالى: ﴿وما كان اللّهُ لِيَذَرَ﴾: هذه تُسَمَّى لامَ
الجحود، وينصبُ بعدَها المضارعُ بإضمار ((أن)) ولا يجوزُ إظهارها. والفرقُ بينها
وبين لام كي أَنَّ هذه على المشهور شرطُها أن تكون بعد كونٍ منفي، ومنهم
مَنْ يشترط مُضِيَّ الكونِ، ومنهم مَنْ لم يَشْترط الكون، ولهذه الأقوال دلائل
واعتراضات مذكورة في كتب النحو استغنيت عنها هنا بما ذكرْتُه في ((شرح
التسهيل)».
وفي خبر ((كان)) في هذا الموضع وما أشبهه قولان، أحدهما : - وهو
قول البصريين(١) - أنه محذوفٌ وأنَّ اللامَ مقويةٌ لتعديةِ ذلك الخبر المقدر
لضعفِه، والتقدير: ما كان اللّهُ مريداً لأنْ يَذَر، فـ ((أن يذر)) هو مفعول
((مُرِيدًا))، والتقديرُ: ما كانَ اللّهُ مريداً تَرْكَ المؤمنين. والثاني - قول
الكوفيين -: أنَّ اللامَ زائدةٌ لتأكيدِ النفي وأنَّ الفعلَ بعدها هو خبر («كان»،
واللامُ عندهم هي العاملةُ النصبَ في الفعلِ بنفسِها لا بإضمار ((أَنْ))، والتقديرُ
عندهم: ما كان الله يَذَرُ المؤمنين.
وضَعَّف أبو البقاء (٢) مذهبَ الكوفيين بأنَّ النصبَ قد وُجِد بعد هذه
اللامِ ، فإنْ كان النصبُ بها نفسِها فليست زائدةً، وإن كان النصب بإضمار ((أَنْ))
فَسَدَ من جهة المعنى لأنَّ ((أَنْ)) وما في حَيِّزها بتأويل مصدر، والخبرُ في باب
((كان)) هو الاسمُ في المعنى فيلزم أن يكونَ المصدرُ الذي هو معنىٍّ من
المعاني صادقاً على اسمِها وهو مُحال)).
(١) انظر: الإنصاف ٥٩٣.
(٢) الإملاء ١٥٩/١.
٥٠٧

- آل عمران -
أمَّا قولُه: ((إنْ كانَ النصبُ بها فليست زائدةً) فممنوعٌ؛ لأنَّ العمل لا يمنع
[١٩١/أ] الزيادةَ، ألا ترى أنَّ حروفَ الجر / تُزاد وهي عاملةٌ، وكذلك ((أَنْ)) عند
الأخفش(١) و((كان)) في قوله(٢):
١٥٠٠_
وجيرانٍ لنا كانوا كرام
وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في غيرِ موضع .
و ((يَذَرُ)) فعلٌ لا يَتَصرَّفِ كـ ((يَدَعُ)) استغناءً عنه بتصرُّف مُرادِفِه وهو
((ترك))، وحُذِفَتِ الواوُ مِن ((يَذَرُ)) من غيرِ موجبٍ تصريفي، وإنما حُمِلتَ على
((يَدَعُ)) لأنها بمعناها، وَيَدَعُ)) حُذِفَتْ منه الواو لموجبٍ وهو وقوعُ الواوِ بين ياءٍ
وكرةٍ مقدرة، وأمَّا الواوُ في ((يَذَرُ)) فوقعت بين ياءٍ وفتحة أصلية، وقد تقدَّم
تحقيقُ القولِ فيه عند قوله تعالى: ((وذَروا ما بقي من الربا))(٣).
قوله: ((حتى يَمِيزَ)) ((حتى)) هنا قيل: للغاية المجردة بمعنى ((إلى))،
والفعلُ بعدَها منصوبٌ بإضمار ((أَنْ))، وقد تقدَّم تحقيقه في البقرة. والغايةُ هنا
مشكلةٌ على ظاهرِ اللفظِ ؛ لأنه يصيرُ المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على
ما أنتم عليه إلى هذه الغاية وهي التمييزُ بين الخبيث والطيب، ومفهومُه أنه إذا
وُجِدت الغايةُ تَرَك المؤمنين على ما أنتم عليه. وهذا ظاهرُ ما قالوه من كونها
للغاية، وليس المعنى على ذلك قطعاً، ويصيرُ هذا نظيرَ قولك: ((لا أُكَلِّم زيداً
حتى يَقْدُمَ عمروٌ)) فالكلامُ منتفٍ إلى قدومِ عمرو. والجوابُ عنه: أن ((حتى))
غايةٌ لما يُفْهَمُ من معنى هذا الكلامِ، ومعناه أنه تعالى يُخَلَّص ما بينكم
بالابتلاء والامتحان إلى أَنْ يَميز الخبيثَ من الطيب.
(١) معاني القرآن له ١٨٠/١.
(٢) تقدم برقم ٧٥٦.
(٣) الآية ٢٧٨ من البقرة.
٥٠٨

- آل عمران -
وقرأ حمزة(١) والكسائي هنا وفي الأنفال(٢): ((يُميِّز)) بالتشديد، والباقون
بالتخفيف. وعن ابن كثير أيضاً ((يُميز)) من أماز، فهذه ثلاث لغات، يقال:
مازَه ومَيَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل، لأنَّ الفعل قبلهما متعدٍ،
وإنما فَعَّل بالتشديد وأَفْعَل بمعنى المجرد، وهل ماز ومَيّز بمعنى واحد
أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم القائلون بالفرق اختلفوا، فقال بعضهم:
لا يقال «ماز)) إلا في كثير من كثير، فأما واحد من واحد فَمَّزت، ولذلك قال
أبو معاذ(٣): يقال: ((مَيِّزْتُ بين الشيئين ومِزْتُ بين الأشياء)». وقال بعضُهم
عكسَ هذا: مِزْتُ بين الشيئين ومَيَّزْتُ بين الأشياءِ، وهذا هو القياسُ، فإنَّ
التضعيفَ يُؤْذِنُ بالتكثير وهو لائقٌ بالمتعددات. ورجّح بعضُهم ((مَيَّز)) بالتشديد
بأنه أكثر استعمالاً، ولذلك لم يُسْتعمل المصدرُ إلا منه فقالوا: التمييز،
ولم يقولوا: ((المَيْز)) يعني لم يقولوه سماعاً وإلا فهو جائز قياساً.
قوله: ((ولكنَّ الله)) هذا استدراك من معنى الكلام المتقدم، لأنه لَمَّا قال
تعالى: ((ما كان اللّهُ لِيُطْلِعَكم)» تُوُهِّم أنه لا يُطْلِعَ أحداً على غيِه لعمومٍ
الخطابِ فاستدرك الرسلَ، والمعنى: ولكنَّ اللّهَ يجتبي - أي يصطفي - مِنْ
رسلِهِ من يشاء فيُطْلِعُه على الغيب، فهو ضدٌّ لما قبلَه في المعنى، وقد تقدّم
أنها تقعُ بين ضِدَّيْنِ ونقيضين، وفي الخلافين خلافٌ.
و ((يَجْتَبي)»: يَصْطَّفي ويَخْتار، يَفْتَعل من جَبَوْتُ المالَ والماءَ وجَبَيْهُما
لغتان، فالياءُ في ((يَجْتَبي)) يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ عَلى أَصلِها، وأَنْ تكونَ منقلبةً من
واوٍ لانكسارِ ما قبلَها.
(١) السبعة ٢٢٠؛ القرطبي ١٨٩/٤؛ الشواذ ٢٣.
(٢) الآية ٣٧.
(٣) الفضل بن خالد المروزي، روى عنه الأزهري وروى عن عبدالله بن المبارك، مات
سنة ٢١١؛ انظر: معجم الأدباء ١٤٠/٦؛ البغية ٢٤٥/٢.
٥٠٩

- آل عمران -
ومفعول ((يشاءُ)» محذوفٌ، وينبغي أَنْ يُقَدَّر ما يليقُ بالمعنى، والتقديرُ:
مَنْ يَشاءُ إِطْلاعَه على الغيب.
آ. (١٨٠) قوله تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلون»: قرأ
حمزة(١) بالخطاب، والباقون بالغيبة. فأمَّا قراءةُ حمزة فـ (الذين)) مفعولٌ أولُ،
و ((خيراً» هو الثاني، ولا بُدَّ من حذف مضاف لِيَصْدُقَ الخبرُ على المبتدأِ،
تقديرُه: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلُ الذين يبخلون. قال أبو البقاء(٢): ((وهو ضعيفٌ لأنَّ
فيه إضمارَ البخلِ قبلٍ ذِكْر ما يَدُلُّ عليه)) وفيه نظرٌ، لأنَّ الدلالةُ على
المحذوف قد تكونُ متقدمةً وقد تكون متأخرةً، وليس هذا من بابِ الإِضمارِ
في شيء حتى يُشْتَرَطَ فِيه تقدُّمُ ما يَدُلُّ على ذلك الضميرِ.
. و ((هو)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه فَصْلٌ بين مفعولي ((تحسبن) ..
والثاني - قاله أبو البقاء(٣) -: أنه توكيدُ، وهو خطأ، لأنَّ المضمر لا يُؤكِّد
المُظْهَر، والمفعول الأول(٤) اسمُ مظهر ولكنه حُذِف كما تقدم. وبعضُهم يُعَبِّر
عنه فيقول: ((أُضمّر المفعولُ الأولُ)) يعني حُذِفَ فلا يُغْتَرَّ بهذه العبارةِ،
و((هو)) في هذه المسألةِ يتعيَّن فَصْلِيَّتُه(٥) لأنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ مبتدأً
أو بدلاً أو توكيداً، والأولُ منتفٍ لنصبٍ ما بعده - وهو خيراً - وكذا الثاني لأنه
كان يلزمُ أَنْ يوافِقَ ما قبِلَه في الإِعرابِ فكان ينبغي أَنْ يُقالَ إياه لا (هو))،
وكذا الثالثُ لِما تقدَّم .
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فيجوزُ فيها أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى ضمير غائب:
(١) السبعة ٢٣٠؛ الكشف ٣٦٦/١.
(٢) الإملاء ١٦٠/١.
(٣) الإملاء ١٦٠/١.
(٤) وهو المضاف المحذوف (بخل)).
(٥) أي إعرابه ضمير فصل:
١٠

- آل عمران -
إِمَّا الرسولُ أو حاسِبٌ ما ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مسنداً إلى ((الذين))، فإنْ كان
مسنداً إلى ضميرٍ غائبٍ فـ((الذين)) مفعولٌ أولُ على حَذْفِ مضافٍ كما تقدَّم
ذلك في قراءة حمزة أي: بخلَ الذين، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّ الرسولُ
- أو أحدٌ ــ بخلَ الذين يبخلون خيراً. و((هو)) فصل كما تقدَّم، فتتحدُ
القراءتان معنىٍّ وتخريجاً. وإنْ كان مسنداً لـ ((الذين)) ففي المفعولِ الأولِ
وجهان، أحدُهما: أنه محذوفٌ لدلالةِ ((يبخلون)) عليه كأنه قيل: ((ولا يَحْسَبَنَّ
الباخِلون بخلَهم هو خيراً لهم)) و((هو)) فصلٌ. قال ابن عطية (١): ((ودَلَّ على
هذا البخلِ ((يبخلون)) كما دَلَّ ((السفيه)) على ((السَّفَه)) في قوله(٢):
١٥٠١ - إذا نُهِي السَّفيهُ جرى إليه
وخالَفَ والسفيهُ إلى خلافٍ
أي: جرى إلى السفه)). قال الشيخ(٣): ((وليست الدلالةُ فيها سواءً
لوجهين، أحدُهما: أنَّ دلالةَ الفعلِ على المصدرِ أَقْوى مِنْ دلالةِ اسمِ
الفاعلِ عليه وأكثرُ، ولا يوجَدُ ذلك إلا في هذا البيت أو غيرِه إن ورد. الثاني:
أنَّ البيتَ فِيه إضمارٌ لا حذفٌ، والآيةُ فيها حَذْفٌ.
الوجه الثاني: أنَّ المفعولَ نفس ((هو))، وهو ضميرُ البخل الذي دَلَّ عليه
((يبخلون)) كقوله: ((اعدلوا هو أقربُ للتقوى))(٤)، قاله أبو البقاء(٥)، وهو غلطٌ
أيضاً؛ لأنه ينبغي أَنْ يأتِيَ به بصيغةِ المنصوب فيقول: ((إياه)) لكونِه منصوباً
بـ ((يَحْسَبَنَّ»، ولا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نَدَّعي أنه من بابِ استعارةِ ضميرِ الرفع
(١) المحرر ٣٠٦/٣.
(٢) تقدم برقم ١٣٨٧.
(٣) البحر ١٢٨/٣.
(٤) الآية ٨ من المائدة.
(٥) الإملاء ١٦٠/١.
٥١١

- آل عمران:فت
مكانَ النصبِ كقولهم ((ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا)) فاستغار ضميرَ الرفعِ مكانَ
ضميرِ الجر.
وفي الآية وجهٌ آخرُ غريبٌ خَرَّجه الشيخ(١) قال: ((وهو أَنْ تكونَ المسألةُ
من بابِ الإِعمال إذا جَعَلْنا الفعلَ مسنداً لـ ((الذين))، وذلك أنَّ ((يَحْسَبَنِّ))
يطلب مفعولين و ((يَبْخلون)» يطلبُ مفعولاً بحرفِ جر، فَقولُه: ((ما آتاهم اللهُ
من فضلِه)) يطلبه ((يحسبن)) مفعولاً أولَ ويكون ((هو)) فَصْلاً، و((خيراً) المفعولُ
الثاني، ويطلبه ((يبخلون)» بتوسُّطِ حرفِ الجر، فأعملَ الثاني - على الأفصحِ
وعلى ما جاء في القرآن - وهو ((يبخلون)) فَعُدِّي بحرف الجر، وأخذ معموله،
وحَذَّفَ معمول ((يحسبن)) الأولَ وبقي معمولُه الثاني، لأنه لم يُتنازع فيه، وإنما
جاء التنازعُ في الأول، وساغ حذفُه وحدَهِ كما ساغ حَذْفُ المفعولين في مسألة
سيبويه(٢): ((متى رأيت أو قلت: زيد منطلق)) فـ((رأيت)) و((قلت)) تنازعا في
((زيدٌ منطلقٌ)) وفي الآيةِ لم يتنازعا إلا في الأولِ، وتقديرُ المعنى: ((ولا يَحْسَبَنَّ
ما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم الناسُ الذين يَبْخلون به)) فعلى هذا التقدير
يكونُ ((هو)) فَصْلاً لـ ((ما آتاهم)) المحذوفِ لا لبخلهم المقدَّرِ في قول
الجماعة (٣)، ونظيرُ هذا التركيب: ((ظَنَّ الذي مَرَّ بهِندٍ هي المنطلقةَ)) المعنى:
ظَنَّ هنداً الشخصُ الذِي مَرَّ بها هي المنطلقةَ)) فالذي تنازعه الفعلان
هو المفعول الأول، فأعمل الفعل الثاني فيه (٤)، وبقي الأولُ يطلبُه محذوفاً
ويطلبُ الثاني مثبتاً إذ لم يقع فيه التنازعُ. انتهى)).
ومع غرابةِ هذا التخريجِ وتطويله بالنظيرِ والتقدير فيه نظرٌ، وذلك أنَّ
النحويينَ نَصُوا على أنه إذا أعملنا الثانيَ، واحتاج الأولُ إلى ضمير المتنازع
(١) البحر ١٢٨/٣.
(٢) الكتاب ٤١/١.
(٣) وذلك كما مر في أول الإعراب والتقدير: ((ولا يحسبن بخلَ الذين هو خيراً)) ..
(٤) وهو قوله: ((بهند)).
٥١٢

- آل عمران -
فيه، فإنْ كان يطلبه مرفوعاً أُضْمِرَ فيه وإنْ كان يَطْلُهُ غيرَ مرفوعٍ حُذِف، إلَّ
أَنْ يكون أحدَ مفعولي (ظَنَّ)) فلا يُحْذَفُ، بل يُضْمَرُ ويُؤَخِّر، وعَلَّلوا ذلك بأنه
لو حُذِفَ لبقي خبرُ دون مُخْبَرِ عنه أو بالعكسِ ، هذا مذهبُ البصريين، وفيه
بحثٌ، فإنَّ لقائلٍ أن يقولَ: حُذِفَ اختصاراً لا اقتصاراً، وأنتم تجيزون حَذْفَ
إحداهما اختصاراً في غيرِ التنازع فليَجُزْ في تنازعِ إذ لا فارقَ، وحينئذ يَقْوى
تخريجُ الشيخِ بهذا البحثِ أو يُلْتَزَمُ القولُ بمذهب الكوفيين فإنهم يُجيزون
الحَذْفَ فيما نحن فيه .
وذكر مكي(١) ترجيحَ كلَّ مِن القراءتين فقال(٢):
وميراث مصدرٌ كالمِيعاد، ويأُؤُه من واوٍ، قُلِبَتْ لانكسارِ ما قبلها وهي
ساكنةٌ لأنَّها من الوراثةِ كالميقاتِ والميزانِ من الوقتِ والوزن .
وقرأ أبو عمرو (٣) وابن كثير: ((يَعْمَلُون)) بالغَيْبة جرياً على قوله: ((الذين
يَبْخَلون))، والباقون بالخطاب، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه التفاتٌ، فالمرادُ
الذين يبخلون. والثاني: رَدّاً على قوله: ((وإن تؤمنوا وتتقوا)).
آ. (١٨١) قوله تعالى: ﴿قولَ الذين قالوا إنَّ﴾: العامل في ((إِنَّ))
هو ((قالوا)) فـ ((إنَّ)) وما في حَيِّزها / منصوب المحل بـ ((قالوا)) لا بالقول. وأجاز [١٩١ /ب]
أبو البقاء (٤) أن تكونَ المسألة من باب التنازع - أعني بين المصدر وهو ((قول)
وبين الفعل وهو ((قالوا)) - تنازعا في ((أَنْ)) وما في حَيِّزها، قال: ((ويجوز أن يكون
معمولاً لـ («قول)) المضافِ لأنه مصدرٌ، وهذا تخريجٌ على قول الكوفيين في
إعمال الأول وهو قولٌ ضعيف، ويزداد هنا ضعفاً بأن الثاني فعلٌ والأولُ
(١) المشكل ١٦٨/١؛ الكشف ٣٦٦/١.
(٢) كذا في الأصل وليس بعد ذلك كلام لمكي.
(٣) السبعة ٢٢٠؛ الكشف ٣٦٩/١؛ البحر ١٢٩/٣.
(٤) الإِملاء ١٦٠/١.
٥١٣

- آل عمران : -
مصدرٌ، وإعمالُ الفعل أقوى)). وظاهرُ كلامه أنَّ المسألةَ من التنازع، وإنما
الضعف عنده من جهة إعمال الأول فلو قَدَّرْنا إعمالَ الثاني كان ينبغي أن يجوز
عنده،لكنه يمنع من ذلك مانعٌ آخروهو : أنه إذا احتاج الثاني إلى ضمير المتنازع
فيهِ أخذه ولا يجوزُ حذفُه، وهو هنا غير مذكور، فدل على [هذا] أنها عنده
ليست من التنازع إلا على قول الكوفيين، وهو ضعيف كما ذكر. وانظر كيف
أكَّدوا الجملةَ المشتملةَ على ما أسندوه إليه تعالى وإلى عدمِ ذلك فيما أسندوه
لأنفسِهم كأنه عند الناس أمرٌ معروف.
قوله: ((سنكتُب)) قرأ حمزة(١) بالياء مبنياً لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، و((ما))
وصلتُها قائمٌ مقامَ الفاعلِ. و((قَتْلُهم)) بالرفعِ عطفاً على الموصولِ، و ((يقول))
بياء الغيبة. والباقون بالنون للمتكلم العظيم، فـ ((ما)) منصوبةُ المحلِّ،
و((قتلّهم)) بالنصبِ عطفاً عليها، و((نقولُ)) بالنون أيضاً. وقرأ طلحة ابن
مصرف: ((سَتُكْتب)) يتَاءِ التأنيث على تأويلِ ((ما قالوا)) بمقالتهم. وقرأ ابن
مسعود - وكذلك هي في مصحفه -: ((سنكتب ما يقولون ويُقال)). والحسن
والأعرج: ((سَيَكْتُب)) بالغيبة مبنياً للفاعل أي: الله تعالى أو الملك، و((ما )) في
جميع ذلك يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً - وهو الظاهر - وحُذِفَ العَائِدُ
لاستكمالِ شروطِ الحَذفِ تقديرُه: سنكتب الذي يقولونه. ويجوز أن تكونَ
مصدريةً أي: قولَهم، ويُراد به إذ ذاك المفعولُ به أي: مقولَهم، كقولهم:
((ضَّرْبِ الأمير)).
آ. (١٨٢) قوله تعالى: ﴿ذلك بما قَدَّمَتْ﴾: مبتدأ وخبر تقدیرہ:
ذلك مستحق بما قَدَّمَتْ، كذا قدره أبو البقاء(٢)، وفيه نظرٌ تقدَّم مثله(٣). و((ما))
(١) السبعة ٢٢٠؛ الكشف ٣٦٩/١؛ الشواذ ٢٣؛ البحر ١٣١/٣.
(٢) الإِملاء ١٦٠/١.
(٣) لأنه قدَّر الخبر كوناً خاصاً، وتقديره هنا كون عام.
٥١٤

- آل عمران -
يجوز فيها أن تكونَ موصولة وموصوفةً. و((ذلك)) إشارةٌ إلى ما تقدَّم من عقابهم.
وهذه الجملةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ في محل نصب بالقول عطفاً
على ((ذُوقوا)) كأنه قيل: ونقول لهم أيضاً: ذلك بما قَدَّمَتْ أيديكم، وُبِّخوا
بذلك، وذَكَر لهم السببَ الذي أوجب لهم العقابَ. والثاني: ألَّ تكونَ داخلةً
في حكاية القول، بل تكون خطاباً لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم
يومَ نزولِ الآيةِ، وذُكِرت الأيدي لأن أكثرَ الأعمالِ تُزاوَلُ بها.
قوله: ((وأنَّ اللَّهَ)) عطفٌ على ((ما)) المجرورةِ بالباءِ أي: ذلك العقابُ
حاصلٌ بسببِ كَسْبكم وعدمٍ ظلمهِ لكم. وهنا سؤال: وهو أن ((ظَلَّمً) صيغةُ
مبالغةٍ تقتضي التكثيرَ، فهي أخصُّ من ((ظالمِ))، ولا يَلْزَمُ من نفي الأخصِّ
نفيُّ الأَعَمِّ، فإذا قلت: ((زيدٌ ليس بظلَام)) أي: ليس يُكْثِرُ الظلم، مع جوازٍ أَنْ
يكونَ ظالماً، وإذا قلت: ((ليس بظالم)) انتفى الظلمُ مِنْ أصلِه، فكيف قال
تعالى: ((ليس بظلَّامٍ للعبيد)) (١)؟ وفي ذلك خمسَةُ أوجهٍ، ذكر أبو البقاء(٢)
منها أربعة .
الأول: أن ((فَعَّالاً)) قد لا يُراد به التكثيرُ كقول طرفة(٣):
١٥٠٢- ولَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلاعِ لبيته
ولكنْ متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أَرْفِدٍ
لا يُريد هنا أنه قد يَحُلُّ التلاعَ قليلاً؛ لأنَّ ذلك يَدْفَعُه آخرُ البيت الذي
يَدُلُّ على نفي البخلِ على كلِّ حال، وأيضاً تمامُ المدحِ لا يَحْصُل بإرادة
الكثرة. الثاني: أنه للكثرة، ولكنه لَمَّا كان مقابلاً بالعباد وهم كثيرون ناسب
أن يُقابلُ الكثيرُ بالكثير. والثالث: أنه إذا نفى الظلم الكثير انتفى القليلُ
(١) يعني ولو قال ((بظالم)) لكان أدل على نفي الظلم قليله وكثيره.
(٢) الإملاء ١٦٠/١.
(٣) تقدم برقم ١٩٠.
٥١٥

- آل عمران -
ضرورةً؛ لأن الذي يَظْلِم إنما يَظْلِمُ لانتفاعِه بالظلمِ، فإذا تَرَكَ الظلمَ الكَثِيرَ
مع زيادةِ نَفْعِه في حَقِّ مَنْ يجوزُ عليه النفعُ والضُّرُّ كان للظلمِ القليلِ المنفعةِ
أترَكَ. الرابع: أن يكونَ على النسبِ أي: لا يُنْسَبُ إليه ظلمٌ، فيكونُ من
باب: بَزَّار وعَطَّار، كأنه قيل: ليس بذي ظلم البتة. الخامس: قال
القاضي(١) أبو بكر: «العذاب الذي تَوَعَّد أَنْ يفعلَه بهم لو كان ظلماً لكان
عظيماً فنفاه على حَدٍّ عظمته لو كان ثابتاً)).
وقال الراغب(٢)- بعد تفرقَتِه بين جمْعَي ((عَبْد)) على عبید وعِباد -:
فالعبيدُ إذا أُضيف إلى الله تعالى أَعَمُّ من العباد، ولهذا قال: ((وما أنا بِظَلَامٍ
للعبيد)» فنّه على أنه لا يَظْلِمُ مَنْ تخصَّص بعبادِهِ ومَنِ انتسَبَ إلى غيرِهِ مِن
الذين تَسَمَّوْا بعبدِ الشمس وعبدِاللات))، وكان الراغبَ قد قَدَّم الفرقَ بين ((عبيد))
و(عِباد)) فقال: ((وجَمْعُ العبدِ الذي هو مسترقٌّ: ((عبيد)»، وقيل: ((عِبِدَّى))،
وجمعُ العبد الذي هو العابد ((عِباد)». وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ وجموعُها
وما قيل فيها.
آ. (١٨٣) قوله تعالى: ﴿الذين قالوا﴾: يجوزُ في مَحَلَّه الألقابُ
الثلاثة: فالجَرُّ مِن ثلاثةِ أوجه، الأولُ: أنه صفةٌ لـ ((الذين)) المخفوضِ بإضافة
((قول)) إليه. الثاني: أنه بدلُ منه. الثالث: أنه صفةٌ لـ ((العبيد)) أي: ليس
بظلام للعبيد الذين قالوا كيت وكيتَ، قاله الزجاج(٣). قال ابنُ عطية (٤): ((وهذا
مُفْسِدٌ للمعنى والرصفٍ)).
والرفعُ: على القطع بإضمار مبتدأ أي: هم الذين. وكذلك النصبُ
على القطعِ أيضاً بإضمارٍ فعلٍ لائقٍ أي ((أَذُمُّ الذين)).
(١) لعله يعني به أبا بكر الأنباري .
(٢) المفردات ٣٣١.
(٣) معاني القرآن ٥١٢/١.
(٤) المحرر ٣٠٩/٣.
٥١٦

_ آل عمران -
قولُه: ((أَلَّ نؤمنَ)) في ((أَنْ)) وجهان، أحدُهما: أنها على حذفِ حرفٍ
الجر، والأصلُ: في أن لا نؤمِنَ، وحينئذ يَجِيء فيها المذهبان المشهوران:
أهي في محلٌّ جر أو نصب. والثاني: أنها مفعولٌ بها على تضمينٍ: ((عهد))
معنى أَلْزَمَ، تقول: ((عَهِدْتُ إليه كذا)) أي: أَلْزَمْته إياه، فهي على هذا في
محلِّ نصب فقط.
و ((أَنْ)) تُكتب متصلةً ومنفصلةً اعتباراً بالأصلِ أو بالإِدغام. ونَقَل
أبو البقاء (١) أنَّ منهم مَنْ يَحْذِفُها في الخطِّ اكتفاءً بالتشديد. وحكى مكيّ(٢)
عن المبرد أنها إنْ أُدْغِمَتْ بغنةٍ كُتِبت متصلةً وإلاّ فمنفصلةً، ونُقِل عن بعضِهم
أنها إنْ كانت مخففةً كُتِبَتْ منفصلةً، وإنْ كانَتْ ناصبةً كُتِبَتْ متصلةً، والفرقُ
أنَّ المخففةَ معها ضمير مقدرٌ، فكأنه فاصلٌ بينهما بخلافِ الناصبة، وقولُ أهل
الخطِّ في مثل هذا: ((تُكْتب متصلة)) عبارةٌ عن حَذْفِها في الخطِّ بالكلية اعتباراً
بلفظ الإِدغام لا أنَّهم يكتبونها متصلةً، ويُثْبتون لها بعضَ صورتها فيكتبون:
أَنْلا، والدليلُ على ذلك أنهم لَمَّا قالوا في ((أم من)) و((أم ما)) ونحوه بالاتصال
إنما يعنون به كتابةً حرفٍ واحد فيكتبون: أمّن وأمَّا. وفهم أبو البقاء أنَّ
الاتصال في ذلك عبارةٌ عن كتابتهم لها بعضَ صورتها ملصقةً بـ (لا))،
والدليلُ على أنه فَهِم ذلك أنه قال(٣): ((ومنهم مَنْ يَحْذِفُها في الخط اكتفاءً
بالتشديد)) فَجَعَلَ الحذف قسيماً للوصلِ والفصلِ ، ولا يقولُ أحدٌ بهذا.
وتَعَدَّى ((نُؤْمِنُ)) باللامِ لتضمُّنِهِ معنى الاعترافِ، وقد تقدَّم في أولِ
البقرة (٤).
(١) الإملاء ١٦١/١.
(٢) المشكل ١٦٩/١.
(٣) الإِملاء ١٦١/١، وقد يكون سبب هذا كونه ضريراً، فهو لا يعرف قواعدهم الكتابية.
(٤) الآية ٣.
٥١٧

- آل عمران -
وقرأ عيسى بن عمر (١): ((بقُرُبان)) بضمتين. قال ابن عطية(٢): ((إتباعاً
الضمةِ القافِ، وليس بلغةٍ لأنه ليس في الكلام فُعُلان بضم الفاء والعين،
وحكى سيبويه: ((السُّلْطان)) بضم اللام، وقال: ((إن ذلك على الإِتباع)». قال
الشيخ(٣): ولم يَقُلْ سيبويه إنَّ ذلك على الإِتباع بل قال(٤): ((ولا نعلمُ في
الكلامِ فِعِلان ولا فُعُلان ولكنه قد جاء فُعُلان وهو قليل، قالوا: ((السُّلُطان))
وهو اسمٌ)) قال الشارحُ لكلامِ سيبويه ((صاحبُ هذه اللغة لا يُسَكِّن ولا يُتْبِعُ!
وكذا ذكر التصريفيون أنه بناءٌ مستقلٌ، قالوا ولم يجىء فُعُلان إلا اسماً
وهو قليلٌ نحو: ((سُلْطانُ)). قلت: أمَّ ابنُ عطية فَمُسَلَّمُ أنه وَهِمَ في النقل عن
سيبويه في ((سُلْطان)) خاصةً، ولكنَّ قولَه في ((قُرُبان)) صحيحٌ لِإِنَّ أُهِلَ
التصريفِ لم يَسْتَثْنُوا إِلاَ السُّلُطان(٥).
والقُرْبان في الأصل مصدرٌ ثم سُمِّي به المفعول كالرَّهْنِ فإنه في الأصلِ
مصدرُ ولا حاجةَ إلى حَذْفٍ مضاف. وزعم أبو(٦) البقاء أنه على حَذْفِ مضافٍ
أي: بتقريبٍ قُرْبانٍ، قال: ((أي يُشَرِّع لنا ذلك)). و((تأكلُه النارُ)) صفةٌ لقُرْبان،
وإسنادُ الأكلِ إليها مجازٌ عَبَّر عن إفنائها الأشياءَ بالأكل.
و ((من قبلي)) و ((بالبينات)) كلاهما متعلَّقٌ بـ((جاءكم))، والباء تحتمل
المعيةَ والتعديةً أي: مصاحبين للآيات.
آ. (١٨٤) قوله تعالى: ﴿فقد كُذُّب رسلٌ﴾: ليس جواباً للشرط،
بل الجوابُ محذوفٌ أي: ((فَتَسَلَّ)) ونحوه، لأنَّ هذا قَد مَضَى وتحقَّق، وفيه
(١) الشواذ ٢٣؛ البحر ١٣٢/٣؛ القرطبي ٢٩٦/٤.
(٢). المحرر ٣٠٩/٣.
(٣) البحر ١٣٢/٣.
(٤) الكتاب ٣٢٢/٢.
(٥) عدَّها ابن خالويه في شواذه ٢٣ إلى جانب السُّلُطان ولم يعدَّها على الإتباع وقال: «إنها
زيادة علی سیبویه».
(٦) الإملاء ١٦١/١.
٥١٨

- آل عمران -
كلامٌ طويلٌ تقدَّم لك نظيرُه. والجملةُ من ((جاؤوا)» في محلٌّ رفعِ صفة
لـ (رُسُل)) و((من قبلك)) متعلقُ بـ ((كُذِّبَ)). والباءُ في ((بالبينات)) تحتملُ
الوجهين(١) كنظيرتها .
وقرأ جمهورُ الناس: ((والزبرِ والكتابِ)) مِنْ غيرِ ذكرِ باء الجر، وقرأ ابنُ
عامر(٢): (وبالزبرِ)) بإعادتها، وهشامٌ وحدَه عنه: ((وبالكتاب)) بإعادتها أيضاً،
وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابن عامر - رحمه الله -. والخَطْبُ فيه
سهلٌ، فَمَنْ لم يأتِ بها اكتفى بالعطف، ومَنْ أتى بها كان ذلك تأكيداً /. [١٩٢/أ]
والزّبُر: جمع زَبُور بالفتح، ويقال: زُبور بالضم أيضاً، وهل هما بمعنىَّ
واحد أو مختلفان؟ سيأتي الكلامُ عليهما في قوله: ((وآتّيْنا داودَ زبوراً» في
النساء(٣).
واشتقاقُ اللفظةِ من ((زَبَرْتُ)) أي: كَتَبْتُ، وزَبَرْتُه قرأْتُه، وزَبَرْتُه: حَسَّنْتُ
كتابته، وزَبَرْتُه: زجرته، فَزَبور بالفتح فَعُول بمعنى مَفْعول كالرَّكوب بمعنى
المركوبِ، والحَلوب بمعنى المَحْلوب، قال امرؤالقيس (٤):
١٥٠٣- لِمَنْ طَلَلٌ أبصرْتُه فشَجاني
كخَطِّ زَبورٍ فِي عَسيبٍ يماني
وقيل: اشتقاقُ اللفظِ من الزُّبْرَة، وهي قطعة الحديد المتروكة بحالها.
و((المنير)) اسم فاعل من أنار أي: أضاء.
آ. (١٨٥) قوله تعالى: ﴿كلَّ نفس ذائقةُ الموت﴾: مبتدأ وخبر،
وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرةِ العمومُ أو الإِضافةُ. والجمهورُ على ((ذائقة الموتِ».
(١) أي المعية والتعدية كما في ((بالبينات)) في الآية قبلها.
(٢) السبعة ٢٢١؛ الكشف ٣٧٠/١.
(٣) الآية ١٦٣ .
(٤) ديوانه ٨٥؛ واللسان: صرع. وعروضه وضربه فعولن وهي نادرة في الطويل.
٥١٩

- آل عمران -
بخفض «الموت)» بالإِضافة، وهي إضافةٌ غيرُ محضةٍ لأنَّها في نيةِ الانفصالِ .
وقرأ اليزيدي(١): ((ذائقةٌ الموتَ)) بالتنوين والنصبِ في ((الموت)) على الأصل.
وقرأ الأعمش بعدمِ التنوين ونصبٍ ((الموت))، وذلك على حذف التنوين
لالتقاء الساكنين وإرادته، وهو كقول الآخر(٢):
١٥٠٤ - فألفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
بنصب الجلالة، وقراءة من قرأ: ((قل هو الله أحدُ اللَّهُ)) بحذف التنوين
من: ((أحد)) لالتقاء الساكنين(٣).
ونقل أبو البقاء(٤) فيها قراءةً غريبةً وتخريجاً غريباً قال: ((ويُقْرأ أيضاً
شاذاً: ((ذائِقُهُ الموتُ)) على جعل الهاء ضمير ((كل)) على اللفظ، وهو مبتدأ
أو خبر)). انتهى. وإذا صَحَّتْ هذه قراءةً فيكونُ ((كل)) مبتدأً، و((ذائِقُهُ)) خبرٌ
مقدمٌ، و((الموتُ)) مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ((كل))، وأضيف ((ذائق)) إلى
ضمير ((كل)) باعتبار لفظها، ويكون هذا من باب القلب في الكلام؛ لأنَّ النفِسَ
هي التي تذوقُ الموتَ وليس الموتُ يذوقُها، وهنا جَعَلَ الموتَ هو الذي يذوق
النفس قلباً للكلام لفهم المعنى، كقولهم: ((عَرَضْتُ الناقة على الحوض)»،
ومنه: ((ويومَ يُعْرَضُ الذين كفروا على النار))(٥) و((أَدْخَلْت القلنسوة في
رأسي)). وقوله(٦):
(١) الشواذ ٢٣؛ البحر ١٣٣/٣؛ القرطبي ٢٩٧/٤.
(٢) البيت لأبي الأسود، وهو في ديوانه ١٢٣؛ ومجالس ثعلب ١٢٣؛ وأمالي الشجري
٣٨٣/١؛ والإنصاف: ٦٥٩؛ وابن يعيش ٢٣٤/٩؛ ورصف المباني ٤٩؛ واللسان:
عنب؛ وشواهد المغني ٩٣٣. والمستعتب: طالب العتبى وهو الرضا.
(٣). وهي قراءة نصر بن عاصم، ورواية عن أبي عمرو. الشواذ ١٨٢. والآية ١-٢ من الإخلاص.
(٤) الإِملاء ١٦١/١.
(٥) الآية ٢٠ من الأحقاف.
(٦) تقدم برقم : ١٢٦٤.
٥٢٠