Indexed OCR Text
Pages 481-500
- آل عمران - رجلًا زيدٌ، والتنازع(١) عند إعمال الثاني في رأي سيبويه، والبدل(٢) على خلاف فيه، وضمير الأمر(٣). قال: ((وزاد بعضُ أصحابنا أن يكون [الظاهر] المفسِّر(٤) خبراً، وبأنّ(٥) حَذْفَ أحد مفعولي ((ظن)» اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليلٌ جداً، نَصَّ عليه الفارسي، ومَنْعه ابن ملكون(٦) البتة)). وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه ((يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره)» فالزمخشري لم يقدَّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدِّرَ الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ ((أنفسهم)) المنصوبة وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهِّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في ((قُتلوا))، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّ تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً. وتقدَّم الكلام (٧) على مادة ((حَسِب)) ولغاتِها وقراءاتها . وقرأ(٨) ابن عامر: ((قُتُّلوا)) بالتشديد، وهشام وحده في ((لو أطاعونا ما قُتِّلوا))، والباقون بالتخفيف. فالتشديد للتكثير، والتخفيف صالح لذلك. (١) نحو: ضرباني وضربت الزيدين، وانظر: الكتاب ٣٧/١. (٢) نحو: مررت به زيدٍ. (٣) نحو: هو زيد منطلق. (٤) نحو: ((وقالوا إنْ هي إلا حياتنا الدنيا)) والتقدير: وما الحياة إلا حياتنا الدنيا. (٥) هذا كلام الشيخ يردّ فيه على تقدير الزمخشري. معطوف على ((بأن هذا التقدير)). (٦) إبراهيم بن محمد الحضرمي الإِشبيلي، له: شرح الحماسة وشرح الجمل، روى عنه ابن خروف والشلوبيين، توفي سنة ٥٨١؛ انظر: البلغة ١٠؛ والبغية ٤٣١/١؛ وإيضاح المكنون ١٥٨/١. (٧) انظر: إعرابه للآية ٢١٤ من البقرة. (٨) السبعة ٢١٩؛ الكشف ٣٦٣/١؛ الشواذ ٢٣. ٤٨١ - آل عمران - وقرأ الجمهور ((أحياء)) رفعاً على: ((بل هم أحياء)) وقرأ(١) ابن أبي عبلة: ((أحياءً)). وخَرَّجها أبو البقاء (٢) على وجهين، أحدهما: أن تكون عطفاً على ((أمواتًا) قال: ((كما تقول: ((ظننت زيداً قائماً بل قاعداً). والثاني: - وإليه ذهب الزمخشري(٣) أيضاً - أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ تقديره: بل أحْسَبُهم أحياءً. وهذا الوجه سبق إليه أبو إسحاق(٤) الزجاج، إلَّ أنَّ الفارسي. رَدَّه عليه في ((الإِغفال)) قال: «لأنَّ الأمرَ تعيَّن فلا يجوزُ أن يُؤمر فيه بمحسبةٌ، ولا يَصِحُّ أن يُضْمَرَ له إلا فعلُ المحسبة، فوجهُ قراءة ابن أبي عبلة أن تُضْمِر فعلًا غيرَ المحسبة: اعتقِدْهم أو اجْعَلْهم، وذلك ضعيفٌ إذ لا دلالة في الكلام على ما يُضْمَر)) انتهى. وهذا تحاملٌ من أبي عليّ. أمَّا قوله: ((إنَّ الأمر تعيّن)) يعني أنَّ كونَهم أحياءً أمرٌ متيقن، فكيف يُقال فيه: ((أَحْسَبُهم)) بفعل يقتضي الشك؟ وهذا غيرُ لازم لأنَّ («حَسِبَ)) قد تأتي لليقين. قال(٥) :. ١٤٩١ - حَسِبْتُ التّقَى والجودَ خيرَ تجارةٍ رَباحاً إذا ما المرءُ أَصْبح ثاقِلا وقال آخر(٦): ١٤٩٢- شهدْتِ وفاتوني وكنتُ حَسِبْتُني فقيراً إلى أَنْ يَشْهدوا وتَّغِيبسي ! فـ ((حَسِب)) في هذين البيتين لليقين، لأنَّ المعنى على ذلك، وقوله: ((وذلك ضعيف)) يعني من حيث عدمُ الدلالةِ اللفظيةِ، وليس كذلك، بل إذا (١) البحر ١١٣/٣. (٢) الإِملاء ١٥٧/١. (٣) الكشاف ١ /٤٧٩ . (٤) معاني القرآن ٥٠٤/١. (٥) تقدَّم برقم ٩٢٣. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١١٣/٣. ٤٨٢ - آل عمران - أَرْشَد المعنى إلى شيء يُقَدَّر ذلك الشيءُ لدلالة المعنى عليه من غير ضَعْف، وإنْ كان دلالةُ اللفظِ أحسنَ. وأمَّا تقديرُه هو ((أو اجْعَلْهم)) قال الشيخ(١): ((هذا لا يَصِحُّ البتة سواء جَعَلْتَ ((اجْعَلْهم)) بمعنى: اخْلُقْهم أو صَيِّرهم أو سَمِّهم أو الْقَهُمْ». قوله: ((عند ربهم)) فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُهما: أَنْ يكونَ خبراً ثانياً لـ ((أحياء)) على قراءة الجمهور. الثاني: أن يكونَ ظرفاً لـ «أحياء)) لأنَّ المعنى: يَخْيَوْن عند ربِّهم. الثالث: أن يكونَ ظرفاً لـ ((يُرْزقون)) أي: يقعُ رِزْقُهم في هذا المكانِ الشريف. الرابع: أن يكون صفةً لـ((أحياء))، فيكونَ في محلِّ رفعٍ على قراءةِ الجمهورِ ونصبٍ على قراءة ابن أبي عبلة. الخامس: أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنُّ في ((أحياء)) والمرادُ بالعندية المجازُ عن قربهم بالتكرمة. قال ابن عطية(٢): ((هو على حَذْفِ مضاف أي: عند كرامةِ ربهم)) ولا حاجةً إليه، لأنَّ الأولَ أليق. قوله: ((يُرْزَقون)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ خبراً ثالثاً لأحياء، أو ثانياً إذا لم تَجْعَلِ الظرفَ خبراً. الثاني: أنه صفةٌ لـ ((أحياء)) بالاعتبارين المتقدمين، فإِنْ أعربنا الظرفَ وصفاً أيضاً فيكونُ هذا جاءَ على الأحسنِ، وهو أنه إذا وُصِف بظرفٍ وجملةٍ فالأحسنُ تقديمُ الظرفِ وعديلِه لأنه أقربُ إلى المفرد. الثالث: أنه حالٌ من الضمير في ((أحياء)) أي: يَخْيَون مرزوقين. والرابع: أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنُّ في الظرف، والعاملُ فيه في الحقيقة العاملُ في الظرف. قال أبو البقاء(٣) في هذا الوجه: ((ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الظرفِ إذا جَعَلْتَه صفةً)) أي: إذا جَعَلْت الظرف، وليس ذلك مختصاً بجَعْلِه صفةً فقط، بل لوجَعَلْتَه حالاً جاز ذلك أيضاً، وهذه تُسَمَّى الحالَ (١) البحر ١١٣/٣. (٢) المحرر ٢٩٣/٣. (٣) الإملاء ١٥٧/١. ٤٨٣ - آل عمران- المتداخلة، ولو جَعَلْتَه خبراً كان كذلك. آ. (١٧٠) قوله تعالى: ﴿فَرِحين﴾: فيه خمسةُ أوجه، أحدها: أن يكونَ حالاً من الضمير في ((أحياء)». الثاني: من الضمير في الظرف. الثالث: من الضمير في ((يُرْزَقون)): الرابع أنه منصوب على المدح. الخامس أنه صفةٌ لـ((أحياء))، وهذا يختصُّ بقراءة ابن أبي عبلة. و((بما)) يتعلَّقُ بـ «فرحین)». قوله: ((مِنْ فضله)) في ((مِنْ)) وجهان(١)، أحدُهما: أنَّ معناها السُّبيّة أي: بسبب فضله أي: الذي آتاهم الله متسبِّبٌ عن فضله. الثاني : أنها لابتداءِ الغاية، وعلى هذين الوجهين تتعلق بآتاهم. الثالث: أنها للتبعيض أي: بعضَ فضله، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير العائد على الموصول، ولكنه خُذِف والتقدير: بما آتاهموه كائناً من فضله. قوله: ((ويستبشرون)) فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أن يكونَ من بابٍ عطفٍ. الفعلِ على الاسم لكونِ الفعلِ في تأويلهِ، فيكونُ عطفاً على ((فرحین) كأنه قيل: فَرِحين ومستبشرين، ونَظَّروه بقوله تعالى: ((فوقَهم صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ))(٢). [١٨٩/أ] والثاني: أنه أيضاً / يكونُ من باب عطف الفعل على الاسم، لكنْ لأنَّ الأسم في تأويل الفعل. قال أبو البقاء (٣): ((هو معطوفُ على ((فرحين))؛ لأنَّ إِسم الفاعل هنا يُشْبه الفعل المضارع)) يعني أنَّ ((فرحين)) بمنزلة ((يفرحون))، وكأنه جعله من باب قوله: ((إِنَّ المُصُّدِّقين والمُصَّدِّقات وأَقْرِضُوا))(٤)، والتقديرُ الأولُ أَوْلِى، لأنَّ الاسمَ وهو ((فرحين)) لا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نجعلَهِ في مَجِلِّ فعلٍ مضارعٍ حتى نتأوَّل الاسمَ به، والفعلُ فرعٌ عليه، فينبغي أن يُرَدَّ إليه(٥)، (١) وجهان من ناحية تعلقها، وليس من ناحية معناها. (٢) الآية ١٩ من الملك. (٣) الإملاء ١٥٧/١. (٤) الآية ١٨ من الحديد (٥) يردُّ الفعل ((يستبشرون)) إلى الاسم ((فرحين)» بعد تأويله بمستبشرين. ٤٨٤ - آل عمران - وإنما فعلنا ذلك في الآيةِ لأنَّ أل الموصولةَ بمعنى الذي، و((الذي)) لا تُوصَلُ إلا بجملة أو شبهها، وذلك الشَّبَهُ في الحقيقةِ بِتأوَّل بجملة. الثالث: أَنْ يكونَ مستأنفاً، والواو للعطف عَطَفْت فعليةً على اسمية. الرابع: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي: وهم يستبشرون، وحينئذ يجوز وجهان، أحدُهما: أن تكونَ الجملةُ حاليةً من الضمير المستكِنِّ في ((فرحين)) أو من العائد المحذوف من ((آتاهم))، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جَعْلِنا إياها حالاً لأنَّ المضارع المثبت لا يجوز اقترانُه بواو الحال لِما تقدَّم غيرَ مرة. والثاني من هذين الوجهين: أن تكونَ استئنافية عَطَفَتْ جملةً اسميةٌ على مثلها. واستغفعل هنا ليست للطلب، بل تكون بمعنى المجردِ نحو: ((استغنى اللّه، واستمجد المَرْخ(١) والعَفار)) بمعنى غَنِي ومَجُد. وقد سمع ((بَشِر الرجل)) بكسر العين فيكون استبشر بمعناه، قاله ابن عطية (٢). ويجوز أن يكونَ مطاوعَ أبشر نحو: ((أكأنه فاستكان، وأراحه فاستراح، وأشلاء(٣) فاستشلى، وأَحْكمه فاستحكم)) وهو كثير. وجَعَلَه الشيخُ(٤) أظهرَ مِنْ حيث إنَّ المطاوعة تدلُّ على الانفعال عن الغير، فحصلت لهم البشرى بإبشار الله تعالى، وهذا لا يلزمُ إذا كان بمعنى المجرد. قوله: ((مِنْ خلفهم)) في هذا الجارِّ وجهان، أحدهما: أنه متعلق (١) قال في الصحاح: ((مجد)) ((وفي المثل: في كل شجرٍ نار، استمجد المّرْخ والعَفار)) أي: استكثرا منها، كأنهما أخذا من النار ما هو حسبُهما. ويقال: لأنهما يسرعان الوَرْيَ فشُبّها بمن يُكثر من العطاء طلباً للمجد)). (٢) المحرر ٢٩٥/٣. (٣) أشلى الناقة: دعاها للحَلْب. ولها معانٍ أخرُ انظرها في اللسان: شلي. (٤) البحر ١١٥/٣. ٤٨٥ - آل عمران - بـ ((يَلْحقوا)) على معنى أنهم قد بَقُوا بعدهم، وهم قد تقدَّموهم. والثاني: أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من فاعل ((يلحقوا)) أي: لم يلحقوا بهم حالَ كونِهِم مُتَخَلَّفين عنهم أي: في الحياة. قوله: ((ألاّ خوفٌ)) فيه وجهان أحدُهما: أنَّ((أَنْ)) وما في حَيِّزها في محل جر بدلاً من ((بالذين)) بدلَ اشتمال أي: يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم فهو المُسْتَبْشَرُ به في الحقيقة لأنَّ الذواتِ لا يُسْتَبْشَر بها. والثاني: أنها في محل نصب على أنها مفعولٌ من أجله أي: لأنهم لا خوف. و((أَنْ)) هذه هي المخففةُ، واسمها ضمير الشأن، وجملةُ النفي بعدها في محلِّ الخبر، والذواتُ لا يُسْتبشر بها كما تقدَّم فلا بد من حذف مضاف مناسبٍ، والتقدير: ويستبشرون بسلامةِ الذين، أو لُحوقهم بهم في الدرجة. وقال مكيّ(١) بعد أَنْ حَكَىْ أنها بدلُ اشتمال: ((ويجوز أن تكون ((أَنْ» في موضع نصب على معنى ((بأن لا)). وهذا هوبعينه هووجه البدلِ المتقدم، غايةُ ما في الباب أنه أعاد مع البدلِ العاملَ في تقديره، اللهم أَنْ يعني أنَّها وإنْ كانت بدلاً من ((الذين)) فليست في محلِّ جربل في محلِّ نصب، لأنها سقطت منها الباءُ فإنَّ الأصل ((بأَنْ لا))، و((أَنْ)) إذا حُذِف منها حرفُ الجر كانت في محلِّ نصب على رأي سيبويه(٢) والفراء(٣). وهو بعيد. آ. (١٧١) قوله تعالى: ﴿وأَنَّ الله لا يُضيع﴾: قرأ(٤) الكسائي بكسر ((إِنَّ)) على الاستئناف. وقال الزمخشري(٥): ((إنّ قراءةَ الكسرِ اعتراض)» (١) المشكل ١٦٦/١. (٢) الكتاب ١٧/١. (٣) معاني القرآن ١٤٨/١، ٢٣٨/٢. (٤) السبعة ٢١٩؛ الكشف ٣٦٤/١. (٥) الكشاف ٤٨٠/١. ٤٨٦ : - آل عمران - واستشكل كونَها اعتراضاً، لأنَّها لم تقع بين شيئين متلازمين)) ويمكن أن يُجاب عنه بأن ((الذين استجابوا)) يجوز أن يكون تابعاً لـ((الذين لم يلحقوا)) نعتاً أو بدلاً على ما سيأتي، فعلى هذا يُتَصَوَّرُ الاعتراض. ويؤيِّد كونَها للاستئنافِ قراءةُ عبد الله(١) ومصحفه: ((والله لا يُضيع)). وقرأ باقي السبعة بالفتح عطفاً على قوله: ((بنعمةٍ)) لأنها بتأويل مصدر أي: يستبشرون بنعمة من الله وفضلٍ منه وعدمِ إضاعةِ اللَّهِ أجرَ المؤمنين. وقوله: ((يستبشرون)) من غيرِ حرف عطف فيه أوجه، أحدها: أنه استئنافٌ متعلَّق بهم أنفسِهم دونَ ((الذين لم يلحقوا بهم)) لاختلاف متعلَّق البشارتين. والثاني: أنه تأكيدٌ للأول لأنه قَصَد بالنعمة والفضل بيانَ متعلَّق الاستبشار الأول، وإليه ذهب الزمخشري(٢). الثالث: أنه بدل من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلاً أنه لَمّا كان متعلَّقُه بياناً لمتعلَّق الأول حَسُن أن يقال: بدلٌ منه، وإلاّ فكيف يُبْدَلُ فِعْلٌ مِنْ فعلٍ موافقٍ له لفظاً ومعنى؟ وهذا في المعنى يَؤُول إلى وجه التأكيد. والرابع: أنه حال من فاعل ((يحزنون))، ويحزنون عامل فيه أي: ولاهم يحزنون حالَ كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيدٌ لوجهين، أحدهما: أنَّ الظاهرَ اختلافُ مَنْ نَفَى عنه الحزن ومن اسْتَبْشَر. والثاني: أنَّ نَفْيَ الحزن ليس مقيداً ليكون أبلغَ في البشارة، والحالُ قيدٌ فيه فيفوتُ هذا المعنى. آ. (١٧٢) قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا﴾: فيه ستة أوجه، أحدها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: ((للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر)). وقال مكيّ(٣) هنا: ((وخبرُه ((مِنْ بعدما أصابهم القَرْح)). وهذا غلطً لأنَّ هذا ليس (١) البحر ١٦/٣؛ الكشاف ٤٨٠/١. (٢) الكشاف ١ /٤٨٠ . (٣) المشكل ١٦٦/١. ٤٨٧ - آل عمران - بمفيد البتة، بل ((مِنْ بُعد)) متعلُّقٌ باستجابوا. والثاني: خبر مبتدأ مضمر أي: هم الذين. والثالث: أنه منصوبٌ بإضمار ((أعني)). وهذان الوجهان يَشْملُهما قولُك ((القطع). الرابع: أنه بدل من ((المؤمنين)). الخامس: أنه بدل من ((الذين لم يلحقوا)) قاله مكي(١). السادس أنه بدلٌ من ((المؤمنين)). ويجوز فيه وجهٌ سابع: وهو أن يكون نعتاً لقوله: ((الذين لم يلحقوا)) قياساً على جَعْلِه بدلاً منهم عند مكي. و ((ما)) في ((بعدما أصابَهم)) مصدریةٌ، و ((للذين أحسنوا)) خبرٌ مقدم. و «منهم)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من الضمير في (أحسنوا)) وعلى هذا فـ ((مِنْ)) تكون تبعيضيةً. والثاني: أنها لبيان الجنس. قال الزمخشري(٢): «مثلُها في قوله: ((وَعَد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم))(٣) لأنَّ الذين استجابوا قد أحسنوا كلُّهم واتقوا لا بعضُهم)). و((أجْرٌ)) مبتدأ مؤخر، والجملة من هذا المبتدأ وخبره: إمَّا مستأنفةٍ أو حالٌ إن لم تُعْرِبْ الذين استجابوا مبتدأ، وإمَّ خبرُ إنْ أعربناه مبتدأ كما تقدَّم تقريره. آ. (١٧٣) قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾: فيه من الأوجه ما تقدم في ((الذين)» قبله، إلاّ في رفعه بالابتداء. قوله: ((فزادَهم إيماناً) في فاعلِ ((زاد)) ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه ضمير يعود على المصدر المفهوم من ((قال)» أي: فزادهم القولُ بكيت وكيت إيماناً نحو: ((اعدلوا هو أقرب للتقوى(٤). والثاني: أنه يعودُ على المقولِ الذي (١) المشكل ١٦٦/١. (٢) الكشاف ١ /٤٨٠. (٣) الآية ٢٩ من الفتح. (٤) الآية ٨ من المائدة. ٤٨٨ - آل عمران - هو ((إِنَّ الناسَ قد جَمَعُوا لكم فاخشوهم)) كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلامَ فزادهم إيماناً. الثالث: أنه يعود على الناس، إذا أريد واحدٌ فردٌ كما نقل في القصة، وسبب النزول وهو نُعَيْم بن مسعود الأشجعي(١)، نقل هذه الثلاثةَ الأوجهَ الزمخشري(٢). واستضعف الشيخ(٣) الوجهين الأخيرين، قال: ((مِنْ حيث إنَّ الأولَ لا يزيد إيماناً إلا النطقُ به لا هو في نفسه، ومن حيث إنَّ الثاني إذا أُطْلق على المفردِ لفظُ الجمع مجازاً فإنَّ الضمائرَ تَجْري على ذلك الجمعِ لا على المفرد. تقول: (مفارقهُ شابَتْ)) باعتبارِ الجمع، ولا يجوز: (مفارِقُه شاب)) باعتبار: مَفْرِقُه شاب)). وفيما قاله الشيخ نظرٌ، لأنَّ المقولَ هو الذي في الحقيقة حَصَل به زيادةٌ الإِيمان. وأمَّا قوله: ((تَجْري على الجمع لا على المفرد)) فغير(٤) مُسَلَّم. ويَعْضُده أنهم نَصُّوا على أنه يجوزُ اعتبارُ لفظِ الجمعِ الواقعِ موقعَ المثنى تارةً ومعناه أخرى فأجازوا: ((رؤوس الكبشين قطعتُهُنَّ وقَطعتهما)) وإذا ثَبَتَ ذلك في الجمع الواقعِ موقعَ المثنى فليَجُزْ في الواقعِ موقع المفرد(٥). ولقائلٍ أَنْ يُفَرِّق بينهما وهو أنه إنما جازٌ أَنْ يُراعَى معنى التثنيةِ المُعَبَّرِ عنها بلفظ الجمع القَرْبها منه، من حيث إنَّ كلّ منهما فيه ضَمُّ شيء إلى مثلِه بخلافِ المفردِ فإنه بعيدٌ من الجمعِ لعدَمِ الضمَّ فلا يَلْزَمُ مِنْ مراعاة معنى التثنية في ذلك مراعاةُ معنى المفرد (٦). (١) كنيته أبو أسلمة، أسلم في وقعة الخندق وكان له فيها أثر مشهور. قتل في وقعة الجمل أو قبل ذلك. انظر: الإصابة ٨٧٨٠. (٢) الكشاف ٤٨١/١. (٣) البحر ١١٨/٤. (٤) الأصل: ((غير)) وهو سهو لوجوب الفاء بعد ((أما)). (٥) واضح أن الإشكال في الآية هو قوله: ((فزادهم»، عند الزمخشري: أن أصلها فزادوهم - أي الناس - إيماناً. ورفض أبو حيان ذلك لإفراد الضمير وهو غير جائز عنده. (٦) هذا تسليم من المؤلف بمذهب أبي حيان الذي هو المذهب الصحيح. ٤٨٩ - آل عمران - قوله: ((وقالوا: خَسْبُنَا اللَّهُ)) عَطَفَ ((قالوا)) على ((فزادهم)) والجملةُ بعد القولِ في محلِّ النصب به. وقد تقدَّم أنَّ ((حَسْب)) بمعنى اسم الفاعل أي: (مُحْسِب)) بمعنى الكافي، ولذلك كانت إضافتُه غيرَ محضٍ عند قوله في البقرة: ((فَحَسْبُه جهنم))(١). وقوله: ((ونِعْمَ الوكيلُ» / المخصوصُ بالمَدْحِ محذوفٌ أي الله. [١٨٩/ب] آ. (١٧٤) قوله تعالى: ﴿بنعمةٍ﴾: فيه وجهان أحدهما: أنها متعلقةٌ بنفس الفعل على أنها باءُ التعدية. والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من الضميرِ في ((انقلبوا))، والباءُ على هذا للمصاحبةِ كأنه قيل: فانقلبوا ملتبسین بنعمةٍ ومصاحبین لها. قوله: ((لم يَمْسَسْهِم سوءً)) هذه الجملةُ في محل نصب على الحال أيضاً، وفي ذي الحال وجهان أحدهما: أنه فاعلُ ((انقلبوا)) أي: انقلبوا سالمين من السوء. والثاني: أنه الضميرُ المستكنُّ في ((بنعمة)) إذا كانت حالاً، والتقديرُ: فانقلبوا مُنَّعَّمين بريئين من السوء، والعامل فيها العاملُ في ((بنعمة)) فهما حالان متداخلتان، والحال إذا وقعت مضارعاً منفياً بـ ((لم)) وفيها ضميرُ ذي الحال جاز دخولُ الواو وعدمُه، فمِن الأول قولُه تعالى: ((أو قال أُوحِي إليَّ ولم يُوْحَ إليه شيء))(٢) وقولُ كعب(٣): ١٤٩٣- لا تَأْخُذَنِّي بأقوالِ السوشاةِ ولم أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاويل (١) الآية ٢٠٦. (٢) الآية ٩٣ من الأنعام. (٣) من قصيدته اللامية المشهورة. ديوانه ١٢ . ٤٩٠ - آل عمران - ومن الثاني هذه الآيةُ وقُولُه: ((وَرَدَّ الله الذين كفروا بغيظِهم، لم يَنالوا خيراً)(١)، وقولُ قيس بن الأسلت(٢): ١٤٩٤ - وأضرِبُ القَوْنَسَ يوم الوغى بالسيفِ لم يَقْصُرْ به باعِي وبهذا يُعْرف غلط الأستاذ ابن خروف حيث زعم أن الواو لازمةٌ في مثل هذا، سواءً كان في الجملة ضميرٌ أم لم يكن. قوله: ((واتَّبعوا)) يجوز في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها عطف على ((انقلبوا)). والثاني: أنها حال من فاعل ((انقلبوا)) أيضاً، ويكونُ على إضمار ((قد)) أي: وقد اتبعوا. آ. (١٧٥) قوله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان﴾: ((إنما)) حرف مكفوف بـ ((ما)) عن العمل، وقد تقدَّم القول فيها أولَ هذا الكتاب. وفي إعراب هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أحدها: أن يكون ((ذلكم)) مبتدأ و ((الشيطان)» خبره، و((يُخَوِّفُ أولياءَه)) حالٌ بدليل وقوع الحال الصريحة في مثل هذا التركيب نحو: ((وهذا بَعْلي شيخاً)(٣) ((فتلك بيوتُهم خاويةً))(٤). الثاني: أن يكونَ ((الشيطانُ)) بدلاً أو عطف بيان، و((يُخَوِّفُ)) الخبر ذكره أبو البقاء(٥). الثالث: أن كونَ ((الشيطان)) نعتاً لاسمِ الإِشارة، و ((يُخَوِّفُ)) الخبر، على أن يُراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان. ذكره الزمخشري(٦). قال (١) الآية ٢٥ من الأحزاب. (٢) المفضليات ٢٨٦؛ والبحر ١١٩/٣؛ والقونس: أعلى بيضة الحديد. (٣) الآية ٧٢ من هود. (٤) الآية ٥٢ من النمل. (٥) الإِملاء ١٥٨/١. (٦) الكشاف ٤٨١/١. ٤٩١ - آل عمران ـ الشيخ(١): ((وإنما قال: (والمراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان)) لأنه لا يكونُ نعتاً والمرادُ به إبليس لأنه إذ ذاك يكون علماً بالغلبة كالعُّوق(٢)، إذ هو في الأصل صفةٌ ثم غلب على إبليس)) وفيه نظر. الرابع(٣): أن يكون ((ذلكم)) ابتداءً وخبراً، و((يُخَوِّف)) جملةً مستأنفة بيانٌ لشيطنته، والمرادُ بالشيطان هو المُثْبِّط للمؤمنين. الخامس: أن يكون: (ذلكم)) مبتدأ، و((الشيطانُ)) مبتدأ ثانٍ، و((يُخوّف)) خبرُ الثاني، والثاني وخبرُه خبر الأول قاله ابن عطية (٤). وقال: ((وهذا الإِعرابُ خيرٌ في تناسق المعنى من أن يكون ((الشيطان)) خبر ((ذلكم)) لأنه يجيء في المعنى استعارةً بعيدة. وَردِّ عليه الشيخ (٥) هذا الإِعرابَ إنْ كان الضمير في ((أولياءه)) عائداً. على الشيطان؛ لِخلوِّ الجملة الواقعة خبراً مِنْ رابط يربطها بالمبتدأ وليست نفس المبتدأ في المعنى نحو: ((هِجِّيرى(٦) أبي بكر: لا إله إلا الله))، وإن عاد على ((ذلكم)) ويُراد بذلكم غيرُ الشيطان جاز، ويصير نظيرَ: ((إنما هند زيدٌ يضربُ عبدها)) والمعنى: إنما ذلكم الركب أو أبو سفيان الشيطانُ يخوفكم أنتم أولياءه أي: أولياءَ الركب أو أولياء أبي سفيان . والمشار إليه بـ ((ذلكم)) هل هو عينٌ أو معنى؟ فيه احتمالان، أحدهما: أنه إشارة إلى ناس مخصوصين كنعيم وأبي سفيان وأشياعهما على ما تقدم .. والثاني: أنه إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الركب وإرسالٍ أبي سفيان وجَزْعِ مَنْ جَزَعَ، وعلى هذا التقدير فلابد من حذف مضاف أي: فِعْلَ. (١) البحر ١٢١/٣. (٢) العُّوق: نجم في السماءِ. (٣) الأصل: ((الثالث)) وهو سهو. (٤) المحرر ٢٩٩/٣. (٥) البحر ١٢١/٣. (٦) مِجیرى: أي شأنه ودیدنه. ٤٩٢ - آل عمران - الشيطان، وقَدَّره الزمخشري (١): ((قولَ الشيطان)) أي: قولَه السابق وهو ((إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشَوْهم)) وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإِشارة الأعيانٍ أو معان - فالإِخبار بالشيطان عن ((ذلكم)) مجاز، لأنَّ الأعيان المذكورين والمعاني من الأقوال والأفعالِ الصادرة من الكفار ليست نفسَ الشيطان، وإنما لما كانت بسببه ووسوسته جاز ذلك. قوله: ((يُخَوِّف أولياءه)) قد تقدَّم ما محلُّه من الإِعراب، والتضعيفُ فيه للتعدية، فإنه قبل التضعيف متعدٍّ إلى واحدٍ وبالتضعيفِ يكتسب ثانياً، وهو من باب أعطى، فيجوزُ حَذْفُ مفعوليه أو أحدهما اقتصاراً واختصاراً، وهو في الآية الكريمة يَحْتمل أوجهاً، أحدها: أن يكون المفعولُ الأول محذوفاً تقديره: يُخَوِّفكم أولياءه، ويُقَوِّي هذا التقديرَ قراءةُ (٢) ابن عباس وابن مسعود هذه الآيةَ كذلك، والمراد بأوليائه هنا الكفارُ، ولا بد من حذف مضاف أي: شَرَّ أوليائه، لأنَّ الذواتِ لا يُخاف منها. والثاني: أن يكونَ المفعول الثاني هو المحذوف، و((أولياءه)) هو الأول، والتقدير: يُخَوّف أولياءه شر الكفار، ويكون المراد بأوليائه على هذا الوجه المنافقون ومَنْ [في] قلبه مرض مِمَّن تخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج، والمعنى: أنَّ تخويفه بالكفار إنما يَحْصُل للمنافقين الذين هم أولياؤه، وأما أنتم فلا يَصِل إليكم تخويفُه. والثالث - ذكره بعضهم - أن المفعولين محذوفان، و((أولياءه)) نصب على إسقاطِ حرف الجر، والتقدير: يُخَوِّفكم الشرَّ بأوليائه، والباء للسبب أي: بسبب أوليائه، فيكونون هم آلة التخويف، وكأن هذا القائل رأى قراءة أُبيّ(٣) والنخعي: ((يُخَوِّف بأوليائه)» فظنَّ أن قراءة الجمهور مثلُها في الأصل، ثم (١) الكشاف ٤٨١/١. (٢) البحر ١٢٠/٣. (٣) البحر ١٢٠/٣. ٤٩٣ - آل عمران :ـ حُذِفت الباء، وليس كذلك، بل تخريجُ قراءة الجمهور على ما تقدَّم، إذ لا حاجة إلى ادِّعاء ما لا ضرورة له. وأمَّا قراءةُ أُبَيّ فتحتمل الباءُ أن تكونَ زائدةً كقوله(١): ١٤٩٥_ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوْرِ. فتكونُ كقراءةِ الجمهورِ في المعنى، ويُحتمل أن تكونَ للسببِ والمفعولان محذوفان كما تقدَّم تقریرهُ. قوله: ((فلا تَخافُوهم)) في الضميرِ المنصوبِ ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه يعودُ على أوليائِه أي: فَلا تَخافوا أَولياءَ الشيطان، هذا إنْ أُريد بالأولياءِ كفارُ قريش. والثاني: أن يعود على ((الناس)) من قوله: ((إنَّ الناسَ قد جَمَعَوا لكم)) إنْ كان المرادَ بأوليائه المنافقون. والثالث: أن يعود على الشيطان على المعنى. قال أبو البقاء(٢): ((إنما جُمِع الضميرُ لأنَّ الشيطانَ جنس)). والياءُ في قوله: ((وخافونٍ)) من الزوائد، فأثبتها أبو عمرو(٣) وصلاً، وحذفَها وقفاً على قاعدتِه، والباقون يحذفونها مطلقاً (٤). وقوله: ((إن كنتم مؤمنين)) جوابُه محذوفٌ أو متقدِّم عند مَنْ يرى ذلك، وهذا من بابِ الإِلهاب والتهيج، وإلّ فهم متلبِّسون بالإِيمان. آ. (١٧٦) قوله تعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الذين﴾: قرأ نافع(٥). ((يُخْزِنْك)) بضم حرف المضارعة من ((أحزن)) رباعياً في سائر القرآن إلا التي: (١) تقدم برقم ٧٤٧. (٢) الإملاء ١٥٨/١. (٣) البحر ١٢١/٣. (٤) وهم بذلك يسيرون مع رسم المصحف. (٥) السبعة ٢١٩؛ الكشف ٣٦٥/١. ٤٩٤ - آل عمران - في قوله: ((لا يَحْزُنُهم الفزعُ الأكبرُ))(١) فإنه كالجماعة. والباقون بفتح الياء من حَزَنه ثلاثياً، فقيل: هما من باب ما جاء فيه فَعَل وأَفْعَل بمعنىٍّ، وقيل: باختلافِ معنى، فَحَزَنَه جعل فيه حُزْناً نحو: دَهَنه وكَحَله أي : جعل فيه دُهْناً وكُحْلاً، وأحزنْتُه إذا جَعَلْتُه حزيناً، ومثلُ حَزَنَه وَأَحْزَنَهِ: فَتَنَهِ وَفْتَه، قال سيبويه(٢): ((وقال بعضُ الأعرابِ: أَحْزَنْتُ الرجل وأقْتَنْتُه أي: جَعَلْتُه حزيناً وفاتنا). وقيل: حَزَنْتُه أحدثْتُ له الحُزْنَ، وَأَحْزَنْتُه عَرَّضْتُه للحزن، قاله أبو البقاء(٣). وقد تقدَّم في البقرة(٤) اشتقاقُ هذه اللفظة وما قيل فيها. وتقدَّم أيضاً أنه يُقال: حَزِن الرجلُ بالكسر، فإذا أرادوا تعديتَه عَذَّوْه بالفتحةِ فيقولون: ((حَزَّنْتُه)). كـ ((شَتِرَتْ(٥) عينه وشَتّرها الله)). والحقُّ أَنَّ حَرَنَه وأَحْزَنَه لغتان فاشيتان لثبوتِهما متواترتين وإنْ كان أبو البقاء قال(٦): ((إنَّ أحزن لغةٌ قليلةٌ)). ومِنْ عجيبِ ما اتفق أن نافعاً - رحمه الله - يقرأ هذه المادة من ((أحزن)) إلا التي في الأنبياء كما تقدم، وأن شيخه أبا جعفر يزيد بن القعقاع يقرؤها من (حَزَنه)) ثلاثياً إلا التي في الأنبياء، وهذا من الجمع بين اللغتين، والقراءةُ سُنَّةٌ مُتَبَّعَةٌ. ويُقْرأ: ((يُسارعون)) بالفتحِ والإِمالةِ. وقرأ النحوي(٧): (يُسْرعون)) من أَسْرع في جميع القرآن. قال ابن عطية (٨): ((وقراءةُ الجماعةِ أبلغُ، لأنَّ الذي (١) الآية ١٠٣ من الأنبياء. (٢) الكتاب ٢٣٤/٢. (٣) الإملاء ١٥٨/١. (٤) الآية ٣٨. (٥) الشتر: انقلاب في جفن العين. (٦) الإِملاء ١٥٨/١. (٧) وهو الكسائي كما في البحر ١٢١/٣. (٨) المحرر ٣٠١/٣. ٤٩٥ [١٩٠/أ] يُسارعُ غيرَه أشدُّ اجتهاداً / مِن الذي يُسْرِعُ وحده. آل عمران- وقوله: ((شيئاً)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ أي: لا يَضُرُّونه شيئاً مِنْ الضرر. والثاني : أنه منصوب على إسقاط الخافض أي: لن يضروه بشيء، وهكذا كلَّ موضعٍ أشبهه ففيه الوجهان . آ. (١٧٨) قوله تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنما تملي﴾؛ قرأ الجمهور (يَحْسَبَنَّ)) بالغيبة، وحمزة(١) بالخطاب، وحكى الزجاج(٢) عن خلقٍ كثير كقراءة حمزة إلا أنَّهم بكسروا(٣) ((إنما)) ونصبوا ((خيراً) وأنكرها ابن مجاهد، وسيأتي إيضاح ذلك، ويحيى بن وثاب بالغيبة وكسر (إنما))، وحكى عنه الزمخشري (٤) أيضاً أنه قرأ بكسر ((إنما)) الأولى وفتح الثانية مع الغَيْبة. فهذه خمسُ قراءات. فأمَّا قراءةُ الجمهور فتخريجُها واضحٌ، وهو أنه يجوز أَنْ يكون الفعلُ مسنداً إلى ((الذين))، و((أنَّ)) وما اتصل بها ساذٌّ مسدّ المفعولين عند سيبويه وَمَسِدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٍ عند الأخفش حَسْبما تقدم(٥) غير مرة. ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب يُراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي : ولا يحسبن النبيُّ عليه السلام، فعلى هذا يكون ((الذين كفروا)) مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، فتَّحِدُ هذه القراءةُ على هذا الوجه مع قراءة حمزة ـ رحمه الله ـ، وسيأتي تخريجها. و((ما)) يجوز أَنْ (١) السبعة ٢١٩؛ الكشف ٣٦٥/١؛ البحر ١٢٣/٣؛ الشواذ ٢٣، وسوف نرسم ((إنما)) على الاتصال كما في المصحف. (٢) معاني القرآن ١ /٥٠٧ - ٥٠٨. (٣) ليس ثمة تصريحٍ من الزجاج بكسر ((إنما) بل المفهوم من تخريجه لهذه القراءة حين تحدَّث عن نصب ((خيرً)» أن قارئها فتحَ ((إنما)). (٤) الكشاف ٤٨٣/١ (٥) انظر المسألة في إعرابه للآية ٢٦ من البقرة. ٤٩٦ - آل عمران - تكونَ موصولة اسمية، فيكونُ العائد محذوفاً لاستكمال الشروط، أي: أنَّ الذي نُمْليه، وأن تكونَ مصدرية أي: إملاءنَا، وهي اسم ((أنَّ)) و((خير)) خبرُها. قال أبو البقاء (١): ((ولا يجوزُ أَنْ تكونَ کافةً ولا زائدةً، إذ لو كانت كذلك لا نتصَبَ (خيرٌ)) بـ ((نُمْلِي))، واحتاجت ((أنَّ)) إلى خبرِ إذ كانت ((ما)) زائدةً، أو قُدِّر الفعلُ يليها، وكلاهما ممتنعٌ)). انتهى. وهو من الواضحات، وكتبوا ((أنما)) في الموضعين متصلةً، وكان من حقِّ الأولى الفصلُ لأنها موصولة. وأمَّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوالُ الناس وتخاريجُهم حتى إنه نُقِل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس(٢): ((وتابعه على ذلك خلقٌ كثير)) وهذا لا يُلْتفت إليه لتواتُرها. وفي تخريجها ستةُ أوجهٍ، أحدها: أن يكون فاعلُ ((تحسَبَنَّ)) ضميرَ النبي صلى الله عليه وسلم، و((الذين كفروا)) مفعولٌ أولُ، و ((أنما نُملي لهم خيرٌ)) مفعولٌ ثانٍ. ولا بد على هذا التخريجِ مِنْ حَذْفٍ مضافٍ: إمَّا من الأولِ تقديرُه: ((ولا تَحْسَبَنَّ شأنَ الذين كفروا، وإمَّا من الثاني تقديرُه: ((أصحابَ أنَّ إملاءنا خيرٌ لهم))، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ ((أنما نُمْلِي)) بتأويلِ مصدرٍ، والمصدرُ معنىًّ من المعاني لا يَصْدُق على الذين كفروا، والمفعولُ الثاني في هذا البابِ هو الأولُ في المعنى . الثاني: أن يكونُ ((أنما نملي لهم)) بدلٌ من ((الذين كفروا)) وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء (٣) وتَبِعهما جماعةٌ منهم الزمخشري (٤) والزجاج (٥) وابن الباذش. قال الكسائي والفراء: ((وجهُ هذه القراءةِ التكريرُ والتأكيدُ، والتقدير: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا ولا تحْسَبَنَّ أنما نُمْلي)). قال الفراء: ((ومثلُه: ((هل (١) الإملاء ١ /١٥٩. (٢) إعراب القرآن ٣٧٩/١. (٣) معاني القرآن ٢٤٨/١. (٤) الكشاف ٤٨٢/١. (٥) معاني القرآن له ٥٠٧/١. ٤٩٧ - آل عمران - يَنْظُرون إلا الساعة أن تأتِيَهم)) (١) أي: ما ينظرون إلاّ أَنْ تأتِيهم)) انتهى. وقد رَدَّ بعضُهُم قولَ الكسائي والفراء بأَنَّ حَذْفَ المفعولِ الثاني في هذه الأفعالِ لا يجوزُ عند أحدٍ، وهذا الرُّدُّ ليس بشيءٍ، لأنَّ الممنوعَ إنما هو حَذْفُ الاقتصارِ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال ابن الباذش: ((ويكونُ المفعولُ الثاني حُذِفَ لدلالةِ الكلام عليه، ويكونُ التقديرُ: ((ولا تحسبن الذين كفروا خيريةً إملائنا لهم ثابتةً أو واقعةٌ) .. وقال الزمخشري: ((فإِنْ قلت: كيف صَحِّ مجيءُ البدلِ ولم يُذْكَرْ إلا أحدُ المفعولين، ولا يجوزُ الاقتصارُ مِنْ فعلِ الحُسْبان على مفعولٍ واحدٍ؟ قلت: صَحِّ ذلك من حيث إنَّ التعويلَ على البدلِ، والمبدلُ منه في حُكمِ المُنَحَّى، ألا تراك تقول: ((جعلت متاعك بعضه فوق بعضٍ)) مع امتناعٍ سکوتك على ((متاع)). وهل البدلُ بدلُ اشتمالٍ - وهو الظاهرُ - أو بدلُ كلٍ من كل فيكونُ على حذفٍ مضافٍ تقديرُه: ((ولا تَحْسَبَنَّ إملاء الذين)) فَحَذَف ((إملاء)) وأبدلَ منه ((أنما نملي))؟ قولان مشهوران. الثالث : - وهو أغربُها - أن يكونَ ((الذين)) فاعلاً بـ((تَحْسَبَنَّ)) على تأويلِ أَنْ تكونَ التاءُ فِي الفعلِ للتأنيثِ كقولِهِ: ((كَذَّبَتْ قَومُ نوحٍ)(٢) أي: (ولا تَحْسَبَنَّ القومَ الذين كفروا)) و((الذين)) وصفُ ((القوم)) كقوله: ((وأَوْرَتْنا القومَ الذين كانوا)(٣) فعلى هذا تَتَّحد هذه القراءةُ مع قراءة الغَيْبة، وتخريجُها كتخريجِها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني (٤) في تفسيرِه المسمى: (١) الآية ٦٦ من الزخرف. (٢) الآية ١٠٥ من الشعراء. (٣): الآية ١٣٧ من الأعراف. (٤) محمود بن حمزة، له: الإيجاز والإفادة، قرأ عليه نصر بن علي، توفي بعد الخمسمئة. انظر: معجم الأدباء ١٢٥/١٩؛ طبقات القراء ٢٩١/٢؛ البغية ٢٧٧/٢. ٤٩٨ آل عمران - بـ ((اللباب)). وفيه نظرٌ من حيث إنَّ ((الذين)) جارٍ مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، والجمعُ المذكرُ السالمُ لا يجوز تأنيثُ فعلِه عند البصريين، لا يجوزُ: قامت الزيدون، ولا: تقوم الزيدون. وأمَّا اعتذاره عن ذلك بأنَّ (الذين)) صفةٌ للقوم الجائزِ تأنيثُ فعلِهم وإنما حُذِفَ فلا ينفعه، لأنَّ الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ به لا بالمقدَّرِ، لا يُجيز أحدٌ من البصريين: ((قامت المسلمون)) على إرادة ((القوم المسلمون)) البتة. وقال أبو الحسن الحوفي: ((أنَّ وما عَمِلَتْ فيه في موضعٍ نصبٍ على البدلِ، و((الذين)) المفعولُ الأولُ، والثاني محذوفٌ)) وهو معنى قول الزمخشري المتقدم. الرابع: أن يكونَ ((أنما نُملي لهم)) بدلاً من ((الذين كفروا)) بدلَ الاشتمالِ أي: إملاءَنا، و((خيرٌ)) بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو خيرٌ لأنفسهم، والجملةُ هي المفعولُ الثاني. نقل ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن بعضهم، قال: ((قلت: ومثلُ هذه القراءة بيتُ الحماسة(١): ١٤٩٦- مِنَّا الأناةُ وبعضُ القوم يَحْسَبُنا أَنَّا بِطاءٌ وفي إبطائنا سَرَعُ كذا جاءت الرواية بفتح ((أنَّ)) بعد ذِكْر المفعولِ الأول، فعلى هذا يجوز أن تقول: ((حَسِبْتُ زيداً أنه قائمٌ)) أي: حَسِبْتُه ذا قيامٍ، فوجهُ الفتحِ أنها وقعت مفعولةً، وهي وما عَمِلَتْ فيه في موضعِ مفردٍ وهو المفعولُ الثاني لحسبت)) انتهى. وفيما قاله نظر؛ لأن النحاة نصوا على وجوب كسر ((إنَّ)) إذا وقعت مفعولاً ثانياً والأولُ اسمُ عينٍ، وأنشدوا البيت المذكور على ذلك(٢)، وعللوا وجوبَ الكسر بأنَّا لو فَتَحْنا لكانت في محل مصدر فيلزَمُ الإِخبارُ بالمعنى عن العين. (١) البيت لوضَّاح بن إسماعيل وهو في الحماسة ٣٢٤/١، والسرع: السرعة. (٢) يبدو من هذا الكلام أن للبيت روايةً أخرى بكسر ((إن)). ٤٩٩ - آل عمران :- الخامس: أن يكون ((الذين كفروا)) مفعولاً أولَ، و((أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً)) في موضع المفعول الثاني، و((أنما نملي لهم خير)) مبتدأ وخبر، اعترض به بين مفعولي ((وَتَحْسَبَنَّ»، وفي الكلام تقديمٌ وتأخِيرٌ، نُقِل ذلك عن الأخفش(١). قال أبو حاتم(٢): ((سمعت الأخفش يذكر فتحَ ((أَنَّ)) يحتجُ بها لأهل القَدَر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير، كأنه قال: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين [كفروا] إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسِهم)) انتهى. وإنما جاز أن تكون ((أَنَّ)) المفتوحةُ مبتدأً بها أولُ الكلامِ لأنَّ مذهب الأخفشِ ذلك، وغيرُه يمنع ذلك، فإنْ تَقَدَّم خبرُها عليها نحو: ((في ظني أنك منطلقٌ)) أو أمَّا التفصيلية نحو: ((أما أنك منطلقٌ فعندي)) جاز ذلك إجماعاً، وقولُ أبي حاتم: ((يذكرُ فتحَ أنَّ)) يعني بها التي في قوله: ((أَنَّما نُمْلِي لهم خيرٌ)). ووجهُ تمسُّكِ القَدَريَّة به أنَّ الله تعالى لا يجوزُ أَنْ يُملي لهم إلا ما هو خيرٌ لأنفسِهم؛ لأنه يجبُ عندهم رعايةُ الأصلحِ . [السادس: قال المهدوي: ((وقال قوم](٣) قدَّم ((الذين كفروا)) توكيداً، ثم حالَهم مِنْ قوله: ((أنما نملي لهم)) رَدَّاً عليهم، والتقدير: ولا تحسبن أنَّ إملاءَنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم)) انتهى . وأمَّا قراءةُ يحيى بكسر ((إنما)) مع الغيبة فلا يخلو: إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ مسنداً إلى ((الذين)) أو إلى ضمير غائب، فإن كان الأولُ كانت ((إنما)) وما في حيزها معلِّقَةً لـ ((يحسبن)) وإنْ لم تكن اللام في خبرها لفظاً فهي مقدرةٌ، فتكون (إنما)) بالكسر في موضع نصب؛ لأنها معلقةٌ لفعلِ الحسبان مع نية اللام، (١) لم يرد في ((معاني القرآن)) إشارة إلى ذلك. (٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس ٣٨٠/١. (٣) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. ٥٠٠