Indexed OCR Text
Pages 441-460
- آل عمران - ويمكنُ تخريجُ قراءةِ الحسن على وجهين آخرين، أحدُها: أَنْ يُقالَ: استْقِلَتِ الضمةُ على الواوِ لأنها أختُها، فكأنه اجتمعَ ثلاثةُ واوات، فَنُقلت الضمة إلى اللام فالتقى ساكنان: الواو التي هي عين الكلمة والواو التي هي ضمير، فحُذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ولو قال ابن عطية هكذا لكان أَوْلى. والثاني: أن يكونَ ((تَلُون)) مضارَع ((ولِيَ كذا)) من الولاية، وإنما عُدِّي بـ((على)) لأنه ضُمِّن معنى العطف. وقرأ حميد بن قيس: ((على أُحُد))(١) بضمتين، يريد الجبل، والمعنى على مَنْ في جبل أحد، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية (٢): (والقراءةُ الشهيرة أقوى لأنه لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرّ الناس عنه، وإصعادهم إنما كان وهو يَدْعوهم)». قوله: ((والرسولُ يَدْعوكم)) مبتدأ وخبر في محلَّ نصب على الحال، العامل فيها: ((تَلْوُون)). قوله: ((فأثابكم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوفٌ على ((تُصْعِدون)) و(تِلْوون))، ولا يَضُرُّكونُهما مضارعين، لأنهما ماضيان في المعنى، لأنَّ ((إذ)) المضافة إليهما صَيَّرتهما ماضيين، فكأن المعنى: إذا صَعِدتم وأَلْويتم. والثاني: أنه معطوفُ على ((صَرَفكم)). قال الزمخشري(٣): ((فأثابكم)) عطفٌ على (صَرَفَكم)). وفيه بُعْدُ لطولِ الفصلِ. وفي فاعِله قولان، أحدُهما: أنه الباري تعالى، والثاني: أنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قال الزمخشري (٤): (ويجوز أَنْ يكونَ الضميرُ في ((فأثابكم)» للرسولِ، أي: فأساكم في الاغتمامِ ، وكما غَمَّكم ما نَزَل به من كسرِ رباعيته غَمَّه ما نَزَل بكم من فَوْتِ الغنيمة. (١) البحر ٨٣/٣. (٢) المحرر ٢٦٦/٣. (٣) الكشاف ٤٧١/١. (٤) الكشاف ٤٧١/١. ٤٤١ - آل عمران - و ((غَمَّا)) مفعولٌ ثانٍ، و((بغمِ)) يجوزُ في الباءِ أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ للسببية، على معنى أنَّ متعلَّق الغم الأول الصحابة، ومتعلَّق الغمِّ الثاني قَبْلُ المشركين يوم بدر، والمعنى: فأثابكم غَمَّاً بالغمِّ الذي أَوْقعه على أيديكم بالكفار يوم بدر. وقيل: ((متعلَّقُ الغمِّ الرسولُ، والمعنى: أذاقكم الله غَمَّأ بسبب الغَمِّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشَلِكم، أو فأثابكم الرسولُ، أي: آساكم غَمَّأ بسببِ غمِ اغتممتموه لأجله. والثاني: أن تكونَ الباءُ للمصاحبة أي: غَمَّأْ مصاحباً لغَمِّ، ويكون الغَمَّان للصحابة، فالغَمُّ الأول الهزيمة والقتل. والثاني: إشرافُ خالد بخيل الكفار، أو بإرجاف قتل الرسول عليه السلام، فعلى الأول تتعلَّق الباء بـ ((أَثَابكم)). قال أبو البقاء(١): ((وقيل: المعنى بسبب غَمٌّ، فيكونُ مفعولاً به)». وعلى الثاني تتعلَّقُ بمحذوفٍ، لأنه صفةٌ لِغَمّ، أي: غَمََّ مصاحِباً لغَمِّ، أو مُلْتَبِساً بِغَمِّ. وأجازٌ أبو البقاءِ (٢) أنّ تكونَ الباءُ بمعنى ((بعد)» أو بمعنى ((بَدَل))، وجَعَلَها في هذين الوجهين صِفةٌ لـ غَمَّا))، وكونُها بمعنى ((بعد)) و((بدل)) بعيدٌ، وكأنه يريد تفسيرَ المعنى، وكذا قال الزمخشري(٣): ((غَمَّاً بعد غم)). وقوله: ((فأثابكم)) هل هو حقيقةٌ أو مجاز؟ فقيل: مجاز، كأنه جَعَلَ الغَمّ [١٨٥/أ] قائماً مقام الثواب / الذي كان يحصُّل لولا الفِرارُ، فهو كقوله(٤): ١٤٦٩ - أخافُ زياداً أَنْ يكونَ عَطاؤه أداهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا (١) الإِملاء ١٥٤/١. (٢) الإِملاء ١٥٤/١. (٣) الكشاف ٤٧١/١. (٤) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢٢٧/١؛ وشواهد الكشاف ٤٠٤/٤؛ والبحر ٨٣/٣؛ والأداهم: القيود؛ والمجدرجة: السياط المفتولة. ٤٤٢ - آل عمران - وقوله: (١) ١٤٧٠_ تحيةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ جعل القيودَ والسياطَ بمنزلة العطاء، والضربَ بمنزلة التحية. وقال الفراء (٢): ((الإِثابَةُ هنا بمعنى المعاقبة، وهو يَرْجِعُ إلى المجاز)). قوله: ((لكيلا)) هذه لامُ ((كي))، وهي لام جر، والنصبُ هنا بـ ((كي)) لئلا يلزمَ دخولُ حرفٍ جر على مثله. وفي متعلَّق هذه اللامِ قولان، أحدُهما: أنه (فأثابكم))، وفي ((لا)) على هذا وجهان، أحدهما: أنها زائدةٌ، لأنه لا يترتَّبُ على الاغتمام انتفاءُ الحزنِ، والمعنى: أنه غَمَّهم ليُحْزِنَهم عقوبةً لهم على تركِهم مواقعَهم، قاله أبو البقاء(٣). الوجه الثاني: أنها ليست زائدةً، فقال الزمخشري (٤): ((معناه: لكي لا تحزنوا لتتمرَّنوا على تَجُرُّعِ الغُموم، وتَضْرَوا باحتمالِ الشدائدِ فلا تحزنوا فيما بعدُ على فائتٍ من المنافع، ولا على مصيبٍ من المضارِ)) وقال ابن عطية(٥): ((المعنى: أنَّ ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم وَرَّطْتُم أنفسَكم، وعادةُ البشرِ أن يصبرَ للعقوبة إذا جنى، وإنما يكثُرُ قَلَقُه إذا ظَنَّ البراءةً من نفسه. والثاني: أنَّ اللامَ تتعلَّق بـ ((عَفا)) لأنَّ عَفْوَهِ أَذْهَبَ كلَّ حزنٍ. وفيه بُعْدُ من جهةِ طولِ الفصلِ . آ. (١٥٤) قوله تعالى: ﴿أَمَنَّةً نُعاساً﴾: فِي نَصْبِ كلِّ منهما أربعة (١) تقدم برقم ٦٦٥. (٢) معاني القرآن ٢٣٩/١. (٣) الإملاء ١/ ١٥٤. (٤) الكشاف ٤٧١/١. (٥) المحرر ٢٦٨/٣. ٤٤٣ - آل عمران :- أوجه، الأولُ من وجوه ((أَمَنَةً)): أنها مفعولُ (أَنْزَل)). الثاني: أنها حال من ((نُعاساً)) لأنها في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّمتْ نُصِبَتْ حالاً. الثالث: أنها مفعولٌ من أجله، وهو فاسدٌ لاختلالِ شرطٍ وهو اتحادُ الفاعل، فإنَّ فَاعِل (أَنْزِل)) غيرُ فاعلِ الأمَنَةِ. الرابع، أنه حالٌ من المخاطبين في ((عليكم))، وفيه حينئذٍ تأويلان: إمَّا على حَذْفِ مُضافٍ أي: ذوي أمنةٍ، وإمَّا أن يكونَ ((أَمَنَةً) جمعَ ((آمِن)) نحو: بار وَبَرَرة، وكافِر وَكَفَرة. وأمَّا (نُعاساً)) فإِنْ أَعْربنا ((أمنةً)) مفعولاً به كان بدلاً، وهو بدلُ اشتمال، لأنَّ كلَّ مِن الأمنةِ والنعاس يشتمل على الآخر، أو عطفَ بيانٍ عند غيرِ الجمهور، فإنهم لا يشترطون جريانَه في المعارف، أو مفعولاً من أجله وهو فاسدٌ بما تقدَّم، وإنْ أَعْرَبْنا (أمنةً)) حالاً كان مفعولاً بـ ((أَنْزل)) عطف على قوله: (فأثابكم))، وفاعلُه ضميرُ اللّهِ تعالى، وأل في ((الغمّ)) للعهدِ، لتقدَّم ذِكْرِه. ورَدَّ الشيخ (١) على الزمخشري كونَ ((أمنةً)) مفعولاً له بما تقدَّم، وفيه نظرٌ، فإنَّ الزمخشري(٢) قال: ((أو مفعولاً له بمعنى: نَعِسْتُمْ أَمَنَةً)) فقدَّر له عاملاً يتَّحِدُ فاعلُه مع فاعل ((أمنةً)) فكأنه استشعر السؤالَ، فلذلك قَدَّر عاملًا، على أنه قد يُقال: إنَّ الأمَنة من الله تعالى، بمعنى أنه أَوْقَعها بهم، كأنه قيل: أنزل عليكم النَّعاس لِيُؤْمِنكم به، و((أمنة)) كما تكون مصدراً لمِنْ وَقَع بِه الأمن تكونُ مصدراً لِمَنْ أَوْقعهِ. وقرأ [الجمهور: (أَمَنَةً)) بفتح الميم: إمّا مصدراً بمعنى الأمن، أو جمع ((آمِنَ)) على ما تقدَّم تفصيله. والنخعي (٣) وابن محيصن](٤) بسكون الميم، وهو مصدرٌ فقط، وكلاهما للمَرَّة. (١) البحر ٨٦/٣. (٢) الكشاف ٤٧٢/١. (٣) الشواذ ٢٣؛ البحر ٨٥/٣. (٤) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. ٤٤٤ - آل عمران - قوله: ((يَغْشَى)) قرأ(١) حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرِّجوا قراءةً حمزة والكسائي على أنها صفةً لـ((أَمَنَة)) مراعاةً لها. ولا بُدَّ من تفصيلٍ وهو: إنْ أَعْرَبوا (نُعاساً» بدلاً أو عطفَ بيان أَشْكَلَ قولُهم مِنْ وجهين، أحدُهما: أنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أو عطفُ البيان، قُدِّمتِ الصفةُ وأُخِّر غيرُها. وهنا قد قَدَّموا البدلَ أو عطفَ البيانِ عليها. والثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن تُحَدِّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول: ((هندُ حسنُها فاتِنٌ)) ولا يجوزُ: ((فاتنةٌ) إلا قليلاً، فَجَعْلُهم ((نُعاساً) بدلاً من ((أمنة)) يَضْعُفُ بهذا، فإنْ قيل: قد جاءَ مراعاةٌ المبدلِ منه في قوله(٢): ١٤٧١ - فكأنه لَهِقُ السَّراةِ كأنه ما حاجِبَيْهِ مُعَيِّنْ بِسَوادِ فقال: (مُعَيَّن)) مراعاةً للهاء في ((كأنه))، ولم يراعِ البدلَ وهو ((حاجَبيْه)) ومثلُه قولُه(٣): ١٤٧٢ - إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ فقال: ((تَرَكَتْ)) مراعاةً للسيوف، ولوراعَى البدلَ لقال: ((ترك)). فالجواب: أن هذا -وإنْ كان قد قال به بعض النحويين مستنداً إلى هذين البيتين - مؤولٌ بأنَّ(مُعَيِّن)) خبرٌ عن ((حاجبيه)) لجريانهما مَجْرى الشيء الواحدِ في كلام العرب، وأنَّ نَصْبَ ((غدوها ورواحها)) على الظرفِ لا على البدل، (١) السبعة ٢١٧؛ الكشف ٣٦٠/١. (٢) تقدم برقم ٦٥٠. (٣) تقدم برقم ٦٤٩. ٤٤٥ - آل عمران :- وقد تقدَّم لنا شيء من هذا عند قوله: ((على المَلَكَين ببابلَ هاروتَّ وماروتَ))(١). وإنْ أَعْرِبوا «نُعاماً)) مفعولاً من أجلِه لَزِمِ الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالمفعولِ له، وكذا إنْ أَعْربوا ((نعاساً)) مفعولاً به، و((أَمَنَةٌ)) حالاً يلزم الفصلُ أيضاً، وفي جوازه نظرٌ، والأحسنُ حينئذٍ أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما حكمُ هذه الأَمَنَة؟ فأخبرَ بقوله ((تَغْشى))، ومَنْ قرأ بالياء أعاد الضمير على ((نُعاساً)) وتكون الجملةُ صفةً له. و((منكم)) صفة لـ «طائفة)) فيتعلق بمحذوف. قوله: ((وطائفةٌ قد أَهْمَّتْهُم)) في هذه الواو ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها ولؤ الحالِ، وما بعدها في محلِّ نصب على الحالِ، العاملُ فيها ((يَغْشَىْ)). والثاني: أنها واوُ الاستئنافِ، وهي التي عَبَّر عنها مكي (٢) بواوِ الابتداءِ، والثالث: أنّها بمعنى ((إذ) ذكره مكي (٣) وأبو البقاء (٤) وهو ضعيفٌ. و((طائفةٌ)) مبتدأ، والخبرُ ((قد أَهَمَّتْهُمْ أنفسُهم))، وجاز الابتداءُ بالنكرةِ لأحد شيئين: إمَّا للاعتماد على واوِ الحال، وقد عَدَّه بعضُهم مُسَوِّغاً، وإنْ كان الأكثرُ لم يذكروه، وأنشد(٥): ١٤٧٣ - سَرَيْنا ونجمٌ قِد أضاءَ فمذْ بدا مُحْيَّاكِ أَخْفَى ضَوْءُه كلَّ شارِقٍ وإمَّا لأنَّ الموضعَ موضعُ تفصيلٍ ، فإنَّ المعنى: يَغْشى طائفةً، وطائفةٌ لم يَغْشَهم(٦)، فهو كقولِهِ(٧). (١) الآية ١٠٢ من البقرة. (٢) المشكل ١٦٤/١. (٣) المشكل ١٦٤/١. (٤) الإملاء ١٥٤/١، وقال عنه: ((وليس بشيء)). (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في المغني ٤٢٣؛ والدرر ٧٦/١. (٦) الأصل: ((يغشاهم)) وهو سهو. (٧) تقدم برقم ٢٢٢. ٤٤٦ - آل عمران - ١٤٧٤- إذا ما بكىْ مِنْ خَلْفِها انصرَفَتْ له بشِشَّ وشِقِّ عندنا لم يُحَوِّلِ ولو قُرىء بنصب ((طائفةً)) على أن تكونَ المسألةُ من باب الاشتغال لم يكن ممتنعاً إلا من جهة النقل فإني لم أحفظه قراءة. وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجه، أحدها: أنه ((قد أَهَمَّتْهُم)) كما تقدم، الثاني: أنه ((يظنون)) والجملةُ قبلَه صفةٌ لـ ((طائفة)). الثالث: أنه محذوفُ، أي: ومنكم طائفة، وهذا يُقَوِّي أَنَّ معناه التفصيل، والجملتان صفتان لـ «طائفة))، أو يكونُ ((يظنون)) حالاً من مفعول ((أهمِّتْهم)) أو مِنْ «طائفة)) لتخصُّصه بالوصف، أو خبراً بعد خبر إنْ قلنا إنَّ ((قد أهمتهم)) خبرٌ أولُ، وفيه من الخلافِ ما مَضَى غيرَ مرة. الرابع: أنَّ الخبر ((يقولون))، والجملتان قبلَه على ما تقدَّم من كونهما صفتين أو خبرين، أو إحداهما خبرٌ والأخرى حالٌ، ويجوزُ أَنْ يكون ((يقولون)) صفةً، أو حالاً أيضاً إنْ قلنا: إنَّ الخبر الجملة التي قبله، أو قلنا إنَّ الخبرَ مضمر. وقوله: ((يظنُّون)) له مفعولان، فقال أبو البقاء (١): ((غيرَ الحق)) مفعولٌ أولُ أي: أمراً غير الحق، و((بالله)) هو المفعول الثاني)). وقال الزمخشري: (٢) (غير الحق)) في حكم المصدر، ومعناه: يَظُنُون باللّهِ غيرَ الحق الذي يجب أن يُظَنَّ به، و((ظنّ الجاهلية)) بدلُ منه، ويجوز أن يكونَ المعنى: ((يظنون باللَّهِ ظَنَّ الجاهلية))، و((غيرَ الحق)» تأكيدٌ لـ ((يظنون)) كقولك: «هذا القولُ غيرُ ما تقول))، فَعَلى ما قال لا يتعدَّى ((ظنَّ) إلى مفعولين، بل تكونُ الباءُ ظرفيةٌ للظن، كقولك: ((ظننت بزيد)) أي: جعلْتُه مكانَ ظنّي))، وعلى هذا المعنى حَمّل النحويون قوله(٣): (١) الإملاء ١٥٤/١. (٢) الكشاف ٤٧٢/١. (٣) تقدم برقم ٤٣١. ٤٤٧ - آل عمران - سَراتُهُمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ ١٤٧٥ - فقلت لهم ظُنّوا بالفَيْ مُدَجِّجٍ أي: اجعلوا ظنكم في ألفَي مُدَجَّج. وتحصَّل في نصب ((غير الحق)) وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ أولُ لـ ((يظنون)). والثاني: أنه مصدرٌ مؤكّدٌ للجملةِ التي قبلَه بالمعنيين اللذين ذكرهما الزمخشري .. وفي نصب ((ظنَّ الجاهلية)) وجهان أيضاً: البدلُ من ((غيرَ الحق))، أو أنه [١٨٥/ب] مصدرٌ مؤكد لـ ((يظنون))، و((بالله)): إمَّا متعلق بمحذوف على جَعْله / مفعولاً ثانياً، وإمَّا بفعل الظن على ما تقدم. وإضافةُ ((الظن)) إلى ((الجاهلية)) قال الزمخشري(١): ((كقولك: ((حاتمُ الجودِ، ورجلُ صدقٍ)) يريد الظنَّ المختصَّ بالملةِ الجاهلية، ويجوز أن يراد: ظنَّ أهلِ الجاهلية)) وقال غيره: ((المعنى: المدة الجاهلية أي: القديمة قبل الإِسلام نحو: حَمِيَّة الجاهلية)). قوله: ((هل لنا من الأمرِ مِنْ شيء)): ((مِنْ)) في ((من شيء)) زائدةٌ في المبتدأ، وفي الخبر وجهان، وأصحُّهما أنه ((لنا))، فيكون ((من الأمر)» في مجلّ نصب على الحال من ((شيء)) لأنه نعت نكرةٍ قُدِّم عليها فينتصبُ حالاً، ويتعلق بمحذوف. والثاني : - أجازه أبو البقاء _(٢) أن يكون ((من الأمر)) هو الخبر، و((لنا)) تبيين، وبه تتِمُّ الفائدةُ كقوله: ((ولم يكن له كُفُواً أخد))(٣). وهذا ليس بشيء، لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذ يتعلَّق بمحذوف، وإذا كان كذلك فيصير «لنا)» من جملةٍ أخرى، فتبقى الجملة من المبتدأ أو الخبر غير مستقلة بالفائدة، وليس نظيراً لقوله: ((ولم يكن له كُفُواً أحد)) فإن (له)) فيها متعلَّق بنفس ((كفواً)) لا بمحذوفٍ، وهو نظيرُ: ((لم يكن أحد قائلًا لبكر) فـ «لبكر» متعلق بنفس الخبر. (١) الكشاف ٤٧٢/١. (٢) الإِملاء ١٥٥/١. (٣) الآية ٤ من الإِخلاص: ٤٤٨ - آل عمران - وهل هذا الاستفهامُ على حقيقتِهِ؟ فيه وجهان أظهرهما: نعم، ويعنون بالأمر: النصرَ والغلبةَ. والثاني: أنه بمعنى النفي، كأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر - أي النصر - شيءٌ، وإليه ذهب قتادة وابن جريج، ولكن يضعف هذا بقوله: ((قل إنَّ الأمرَ كلَّه لله)» فإنَّ مَنْ نَفَى عن نفسِه شيئاً لا يُجاب بأَنْ يُثْبَتَ لغيرِه، لأنه مُقِرِّ بذلك، اللهم إلا أَنْ يُقَدِّر جملةٌ أخرى ثبوتيةً مع هذه الجملةِ فكأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر شيء، بل لِمَنْ أَكْرَهَنا على الخروج، وحَمَلَنا عليه، فحينئذ يَحْسُن الجواب بقوله: ((قل إنَّ الأمرَ كلَّه لله)) لقولهم هذا. وهذه الجملةُ الجوابيةُ اعتراضٌ بين الجمل التي جاءت بعد قوله: ((طائفةٌ)) فإنَّ قولَه: ((يُخْفون في أنفسهم)) وكذا ((يقولون)) الثانية: إمَّا خبرٌ عن ((طائفة)) أو حال مِمَّا قبلها. وقرأ الجماعة ((كلَّه)) بالنصب، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه تأكيدٌ لاسم ((إن)). والثاني - حكاه مكي (١) عن الأخفش(٢) - أنه بدلٌ منه، وليس بواضحٍ . و(لله)) خبرُ ((إِنَّ)). وقرأ أبو عمرو(٣): ((كلُّه)) رفعاً وفيه وجهان، أشهرُهما: أنه رفع بالابتداء، و(له)) خبرُه، والجملةُ خبرُ ((إِنَّ)) نحو: ((إنَّ مالَ زيد كلُّه عنده)). والثاني: أنه توكيدُ على المحلِّ، فـ ((إنَّ)) اسمُها في الأصل مرفوعٌ بالابتداء، وهذا مذهبُ الزجاج والجرميّ، يُجْرون التوابع كلها مُجْرى عطفِ النسق، فيكونُ (الله)) خبراً لـ ((إنَّ) أيضاً. و((يُخْفون)): إمَّا خبرٌ لـ ((طائفة)) أو حالٌ مِمَّا قبله كما تقدم. وأما ((يقولون)) فيحتمل هذين الوجهين، ويحتمل أَنْ یکون تفسیراً لقوله «یخفون» فلا محلًّ له حينئذ. وقوله: (ما قُتِلْنا)) جوابُ ((لو))، وجاء على الأفصحِ : فإنَّ جوابَها إذا كان (١) المشكل ١٦٤/١. (٢) معاني القرآن له ٢١٨/١. (٣) السبعة ٢١٧؛ الكشف ٣٦١/١. ٤٤٩ - آل عمران - منفیاً بـ «ما)» فالأكثر عدمُ اللام، وفي الإِیجاب بالعكس. وقوله: «لو كان لنا من الأمر شيء)) كقوله: ((هل لنا من الأمر من شيء)) وقد عُرِف الصحيحُ من الوجهین. وقد أَعْرَب الزمخشري هذه الجملَ الواقعة بعد قوله: ((وطائفة)) إعراباً أفضى إلى خروجِ المبتدأ بلا خبر، ولا بد من إيراد نَصِّه ليتبيَّنَ ذلك، قال رحمه الله (١): ((فإِنْ قِلت كيف مواقعُ هذه الجمل التي بعد قوله: ((وطائفة))؟ قلت: ((قد أهَمَّتْهُمْ)) صفةٌ لـ ((طائفة)) و ((يظنون)) صفةٌ أخرى أو حال، بمعنى: قد أهمّتْهم أنفسهم ظانِّين، أو استئناف على وجه البيان للجملةِ قبلها، و ((يقولون)» بدلٌ من ((يظنون)). فإن قلت: كيف صَحَّ أن يقع ما هو مسألةٌ عن الأمر بدلاً من الإِخبار بالظن؟ قلت: كانت مسألتُهم صادرةً عن الظن فلذلك جاز إبدالُه منه، و((يُخْفون)) حال من ((يقولون))، و((قل إنَّ الأمر كلَّه الله)) اعتراض بين الحال وذي الحال، و((يقولون)) بدلٌ من ((يُخْفون))، والأجودُ أَنْ يكون استئنافاً)) انتهى كلامه. وهذا من أبي القاسم بناءً على أن الخبر محذوف كما قَدَّمْتُ لك تقريرَه [في]: «ومنكم طائفةٌ)) لأنه موضعُ تفصيل. قوله: ((البرزَ)» جاء على الأفصح، وهو ثبوت اللام في جوابها مثبتاً، والجمهورُ ((لبرز)) مخففاً مبيناً للفاعل، وأبو حيوة(٢): ((لُبُرِّز)) مشدداً مبنياً للمفعول، عَدَّاه بالتضعيف. وقرىء(٣) (كَتَب)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، (القتلَ)) مفعولاً به، والحسن(٤): ((القتالُ)) رفعاً. قوله: ((وليبتلي)) فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بفعلٍ قبله، تقديرُه: فَرَض اللَّهُ عليكم القتالَ ولم ينصُرْكم يومَ أُحد ليبتلي ما في (١) الكشاف ٤٧٣/١. (٢) الشواذ ٢٣؛ القرطبي ٢٤٣/٣؛ البحر ٩٠/٣. (٣) قراءة ابن عباس؛ الشواذ ٢٣؛ البحر ٩٠/٣. (٤) البحر ٩٠/٣. ٤٥٠ _ آل عمران - صدوركم. وقيل: بفعلٍ بعده، أي: ليبتلي فَعَلَ هذه الأشياء. وقيل: الواوُ زائدةٌ واللام متعلقة بما قبلها، وقيل: ((وليبتلي)» عطفٌ على ((ليبتلي)) الأولى، وإنما كُرِّرت لطولِ الكلام، فعُطِف عليه ((وليمخّص)) قاله ابن بحر. وقيل: هو عطفٌ على علةٍ محذوفٍ تقديرُه: ليقضي اللَّهُ أمرَه وليبتلي، وجَعَلَ متعلَّقَ الابتلاءِ ما انطوى عليه الصدورُ، والذي انطوى عليه الصدر هو القلب، لقوله: ((القلوبُ التي في الصدور))(١)، وجَعَل متعلَّقَ التمحيص - وهو التصفية - ما في القلب وهو النّيَّتُ والعقائد. آ. (١٥٥) وقوله تعالى: ﴿الجَمْعان﴾: إنما تُنِّي - وإن كان اسمَ جمع وقد نَصَّ النحاةُ على أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ إلا شذوذاً - لأنه أُريد به النوعُ، فإنَّ المعنى: جَمْعُ المؤمنين وجَمْعُ المشركين، فلما أُريد به ذلك تُنِّي كقوله(٢): ١٤٧٦- وكلُّ رفيقَيْ كلِّ رحلٍ وإنْ هما تعاطَى القَنا قوماً هما أخَوان والسين في ((استَنْزَلَهم)) للطلب، والظاهرُ أن استفعل هنا بمعنى أَفْعَل لأنَّ القصةَ تَدُلُّ عليه، فالمعنى حَمَلَهم على الزلة، ويكون كَاسْتَلَّ وَأَبَلَّ. آ. (١٥٦) قوله تعالى: ﴿إذا ضَربوا﴾: (إذا)) ظرفٌ مستقبل فلذلك اضطربت أقوالُ المُعْرِبين هنا من حيث إنَّ العاملَ فيها: ((قالوا)» وهو ماضٍ ، فقال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: كيف قيل ((إذا ضَرَبوا)) مع ((قالوا))؟ قلت: هو حكايةُ حالٍ ماضيةٍ كقولك ((حين يضربون في الأرض)). وقال أبو البقاء(٤) (١) الآية ٤٦ من الحج: ((ولكن تَعْمَى القلوبُ التي في الصدور». (٢) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٨٧٠؛ والمغني ٢١٥؛ واللسان ((يدي))؛ والدرر ٩٠/٢. وانظر الأوجه الأخرى في البيت في المغني ٢١٥ . (٣) الكشاف ٤٧٣/١. (٤) الإملاء ١٥٥/١. ٤٥١ ۔۔ _ آل عمران - بعد قوله قريباً(١) من قول الزمخشري: ((ويجوز أن يكونَ ((كفروا) و((قالوا)» ماضیین، ويرادُ بهما المستقبلُ المحكيُّ به الحالُ، فعلى هذا يكون التقديرُ: يكفرون ويقولون)) انتهى. ففي كِلا الوجهين حكايةُ حالٍ، لكنْ في الأولِ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وفي الثاني مستقبلةٌ، وهو من هذه الحيثيّةِ كقوله تعالى: ((حتى يقولّ الرسولُ والذين آمنوا))(٢) وقد تقدَّم. ويجوزُ أَنْ يُراد بـ ((قال)) الاستقبالُ لا على سبيلِ الحكاية، بل لوقوعِه صلةً لموصولٍ، وقد نَصِّ بعضُهم على أنّ الماضيّ إذا وقَع صلة الموصولٍ صَلَح للاستقبال نحو: ((إلا الذين تابوا من قبلِ أَنْ تَقْدِروا عليهم))(٣)، وإلى هذا نحا ابن عطية (٤)، قال: ((ودخلت إذا - وهي حرف استقبال - من حيث ((الذين)) اسمٌ مُبْهَمْ يَعُمُّ مَنْ قَال في الماضي ومَنْ يقول في الاستقبال، ومِنْ حيث هذه النازلةُ تُتَصَوَّرُ في مستقبلٍ الزمان)» يعني فتكون حكايةً حالٍ مستقبلة. وقيل: ((إذا)) بمعنى ((إِذْ)) وليس بشيء. وقَدَّرَ الشيخ(٥) مضافاً محذوفاً هو عاملٌ في ((إذا)) تقديرُه: ((وقالوا لهلاكِ إخوانهم)) أي مخافةً أَن يَهْلَكَ إخوانُهم إذا سافروا أو غزّوا، فقدَّر العاملَ مصدراً مُنْحَلًا لـ((أَنْ)) والمضارع حتى يكونَ مستقبلاً قال: ((ولكنْ يصيرُ الضميرُ في قوله: ((لوكانوا عندنا)) عائداً على ((إخوانهم)، في اللفظ وهو لغيرهم في المعنى أي: يعودُ على إخوانٍ آخرين وهم الذين تقدَّمَ موتُهم بسببِ سفرٍ أو غزو، وقَصْدُهم بذلك تثبيطُ الباقين، وهو نظيرُ: ((درهمٌ ونصفه))، ((وما يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّرٍ ولا ينقُص من عُمُرِه))(٦) وقول النابغة (٧) : (١) أي: كلاماً قريباً. (٢) الآية ٢١٤ من البقرة. (٣) الآية ٣٤ من المائدة. (٤) المحرر ٢٧٥/٣ . (٥) البحر ٩٢/٣. (٦) الآية ١١ من فاطر. (٧) تقدم برقم ١٨٩. ٤٥٢ - آل عمران - ١٤٧٧ - قالَتْ: ألا ليتما هذا الحمامُّ لنا إلى حمامتِنا ونصفُه فَقَدٍ أي، نصفُ درهمٍ آخرَ، ومُعَمَّرٍ آخرَ، وحمامٍ آخرَ). واللامُ في ((لإخوانهم)) للعلةِ، وليسَتْ هنا للتبليغ كالتي في قولك: ((قلت لزيدٍ: افعل كذا)». والجمهورُ على ((غُزّى)) بالتشديد جمع ((غازٍ)، وقياسُه: غُزَاة كرام ورُماة، ولكنهم حملوا المعتلَّ على الصحيح في نحو: ضارِب وضُرَّب، وصائم وصُوَّم. والزهري(١) والحسن: ((غُزَى)) بتخفيفها، وفيه وجهان: أنه خَفَّف الزايّ كراهيةَ التثقيلِ في الجمعِ. والثاني: أنَّ أصلَه ((غُزاة)) كَقُضاة ورُماة، ولكنه حَذَفَ تاءَ التأنيث، لأنَّ نفسَ الصيغةِ دالَّة على الجمعِ ، فالتاءُ مستغنىٍّ عنها. وقال ابن عطية(٢): ((وهذا الحذف كثيرٌ في كلامهم، ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي(٣): ١٤٧٨ - أبى الذُّمُ أخلاقَ الكسائي وانْتَحی به المجدُ أخلاقَ الَأَبُوِّ السُّوابقِ يريد: ((الأبوة)) جمع أب، كما ان ((العمومة)) جمع عَمّ)»، و «البُنُوَّة» جمعُ ابن، وقد قالوا: ابن وبُنُوَ. وقد رَدَّ عليه الشيخ (٤) هذا: بأنَّ الحَذْفَ ليس بكثيرٍ، وأنَّ قوله: ((حُذِفَت التاءُ من ((عُمومة)) ليس كذلك، بل الأصل ((عُموم)) (١) الشواذ ٢٣؛ البحر ٩٣/٣؛ القرطبي ٢٤٦/٤. (٢) المحرر ٢٧٦/٣. (٣) البيت للقناني، وهو في المحتسب ١٧٥/١؛ وابن يعيش ٣٦/٥؛ واللسان: أبي؛ والبحر ٩٣/٣. (٤) البحر ٩٣/٣. ٤٥٣ - آل عمران :- [١٨٦/أ] من غير تاء /، ثم أَدخلوا عليها التاء لتأكيد الجمع، فما جاء على ((فُعول)) من غيرِ تاءٍ فهو الأصلُ نحو: عُموم وفُحول، وما جاءَ فيه التاءُ فهو الذي يَحْتاج إِلَى تأويلِه بالجمعِ ، لم يُبْنَ على هذه التاءِ حتى يُدَّعى حَذْفُها، وهذا بخلاف (قُضاة) وبابِهِ بُني عليها فيمكنُ ادِّعاءُ الحَذْفِ فيه، وأما ((أَبُوّة)) و (بُنُوَة)) فليسا جَمْعَيْن بل مصدَرَيْن(١) وأمَّا (أَبُوّ) في البيت فهو شاذ عند النحاةِ من جهةٍ أنه كان مِنْ حَقُّ أَنْ يُعِلَّه فيقول: ((أُبِيّ)) بقلبِ الواوين ياءين نحو: عُصِيّ. ويُقال: غُزَّاء بالمُدِّ أيضاً وهو شاذٌّ، وتَحَصَّل في ((غازٍ) ثلاثةُ جموعٍ في التكسيرِ: غُزَاة كَقُضَاةَ، وغزَّى كصُوَّم، وغُزَّاء كصُوّام، وجمعٌ رابع جمْعُ سلامة، والجملةُ كلها في محل نصب بالقول. قوله: ((ليجعلَ الله)) في هذه اللام قولان، أحدهما: أنها لام ((كي)» والثاني: أنها لام العاقبة والصيرورة، وعلى القول الأول فيِمَ تتعلَّق هذه اللام؟ وفيه وجهان، فقيل: التقدير: أَوْقَعَ ذلك أي القول - أو المُعْتَقَد - ليجعلَه حسرةً، أو نَدَمُهم، كذا قَدَّره أبو البقاء(٢)، وأجاز الزمخشري(٣): أن تتعلَّقَ بجملة النهي، وذلك على معنيين باعتبار ما يُراد باسمِ الإِشارة على ما سيأتي بيانُه في كلامِه: أمَّا الاعتبارُ الأول فإنه قال: «يعني : لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القول واعتقادِه ليجعله اللَّهُ حسرةً في قلوبِهم خاصة، ويصونَ منها قلوبَكم)) فجعل ((ذلك)) إشارةً إلى القولِ والاعتقادِ. وأمَّ الاعتبارُ الثاني فإنه قال: ((ويجوزُ أَنْ يكونَ ((ذلك)) إشارةً إلى ما دَلَّ عليه النھيُ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعلَ اللَّهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم، لأنَّ مخالَفَتهم فيما يقولون، ويعتقدون مِمَّا يَغُمُّهُمْ ويَغيظهم)) . (١) لعل الأنسب: ((بل مصدران)) أي: هما. (٢) الإملاء ١/ ١٥٥. (٣) الكشاف ٤٧٤/١. ٤٥٤ - آل عمران - وقد رَدَّ عليه الشيخ(١) المعنى الأولَ بالمعنى الثاني الذي ذكرههو، ولا بد من إيراده ليتبيَّنَ لك. قال بعد ما حكى عنه ما نقلْتُه في المعنى الأول: ((وهذا كلام مثبج(٢) لا تحقيقَ [فيه] لأنَّ جَعْلَ الحسرة لا يكون سبباً للنهي كما قلنا. إنما يكونُ سبباً لحصولِ امتثالِ النهي، وهو انتفاء المماثلةِ، فحصولُ ذلك الانتفاء والمخالفةِ فيما يقولون ويعتقدون يَحْصُل عنه ما يَغيظهم ويَغُمُّهُمْ إذ لم يُوافِقُوهم فيما قالوه واعتقَدُوه فلا تَضْرِبوا ولا تَغْزُوا، فالتبس على الزمخشري استدعاءُ انتقاءِ المماثلةِ بحصولِ الانتفاء، وفَهْمُ هذا فيه خَفاءً ودِقَّةً)) انتهى. ولا أدري ما وجهُ تتبيجٍ كلام أبي القاسم، وكيفَ ردًّ عليه علی زعمه بكلامه؟ وقال الشيخ(٣) أيضاً: ((وقال ابنُ عيسى - يعني الرماني - وغيرُه اللامُ متعلقةٌ بالكون، أي لا تكونوا كهؤلاءٍ ليجعلَ اللَّهُ ذلك حسرة في قلوبهم دونّكم، ومنه أُخَذَ الزمخشري في قولِه، لكنَّ ابن عيسى نَصَّ على ما تتعلق به اللام، وذاك لم ينص، وقد بَيِّنَا فسادَ هذا القول)). انتهى. وقوله: ((وذلك لم ينصِّ)) بل قد نَصَّ، قال: ((فإنْ قلت ما متعلَّقُ ليجعلَ؟ قلت: ((قالوا)) إلى آخره، أو بقوله: ((لا تكونوا)»، وأيُّ نص أظهرُ من هذا؟ ولا يجوزُ تَعَلُّق هذه اللام - ومعناها التعليل ـ بـ ((قالوا)) لفساد المعنى، لأنهم لم يقولوه لذلك بل لتثبيطِ المؤمنينِ عن الجهاد. وعلى القولِ الثاني - أعني كونَها للعاقبة - تتعلَّقُ بـ ((قالوا)) والمعنى: أنَّهم قالوا ذلك لغرضٍ من أغراضِهم، فكانَ عاقبةُ قولِهم ومصيرُه إلى الحسرةِ والنَّدامَةِ كقوله: ((فالتقطّه آل فرعونَ ليكونَ لهم عَدُوَّاً وحَزَنً)(٤)، لم يلتقِطوه (١) البحر ٩٤/٣. (٢) كلام مشبج: أي مضطرب. (٣) البحر ٩٤/٣. (٤) الآية ٨ من القصص. ٤٥٥ - آل عمران - لذلك، لكنْ كان مأَلُه لذلك، ولكنَّ كونَها للصيرورةِ لم يَعْرِفْه أكثرُ النحويين، وإنما هو شيء يَنْسِبونَه للأخفش، وما وَرَدَ من ذلك يؤولونه عَلى العِكِسِ مِن الكلام نحو: ((فَبَشِّرْهم [بعذاب](١))، وهذا رأي الزمخشري، فإنه(٢) شَبَّه هذه اللام باللام في: ((ليكونَ لهم عَدُوًّا))، ومذهبُه في تَيْكَ أنها للعلة بالتأويل المذكور. والجَعْلُ هنا بمعنى التصيير، و((حسرةً)) مفعولٌ ثانٍ، و((في قلوبهم)). يجوزُ أن يتعلَّق بالجَعْلِ - وهو أبلغُ - أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ للنكرة قبله. واختلف في المُشار إليه بذلك: فعن الزجاج(٣): هو الظن، ظنوا أنهم لو لم يَحْضُروا لم يُقْتَلُوا. وقال الزمخشري(٤): ((هو النطق بالقول والاعتقاد)). وقريبٌ منه قول ابن عطية(٥)، وأجاز ابن عطية (٦) أيضاً أن يكونَ للنهي والانتهاء معاً. وقيل هو مصدرُ ((قال)) المدلول عليه به. (واللَّهُ بما تعملون بصير)) قرأ(٧) ابن كثير وحمزة والكسائي: ((يَعْملون)» بالغيبةَ ردًّاً على الذين كفروا، والباقون بالخطابَ ردًّاً على قوله: ((لا تكونوا)) فهو خطابٌ للمؤمنين. وجاء هنا بصفة البصر، قال الراغب: (عَلَّق ذلك بالبصر لا بالسمعٍ ، وإنْ كان الصادرُ منهم قولاً مسموعاً لا فعلاً مرئياً، لمَّا كان ذلك القولُ من الكافر قصداً منه إلى عمل يُحاوِلُه، فَخَصَّ البصرَ بذلك، كقولك لِمَنْ يقولُ شيئاً وهو يَقْصِدُ فِعْلًا يُحاوله: ((أنا أرى ما تفعله)). آ. (١٥٧) قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُم﴾: اللامُ هي الموطَِّةُ لِقَسْمِ (١) الآية ٢١ من آل عمران. (٢) الكشاف ٤٧٤/١. (٣) معاني القرآن ٤٩٦/١ (٤) الكشاف ٤٧٤/١. (٥) المحرر ٢٧٧/٣. (٦) المحرر ٢٧٧/٣. (٧) السبعة ٢١٧؛ الكشف ٣٦١/١. ٤٥٦ - آل عمران - محذوف، وجوابُه قولُه: ((لمغفرةُ)) وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لسدِّ جوابِ القسمِ مَسَدَّه لكونِه دالاً عليه، وهو الذي عَنّه الزمخشري(١) بقوله: ((وهو سادَّ مسدّ جواب الشرط)» ولا يعني بذلك أنّه من غيرِ حذفٍ. واللام لام الابتداء، وهي وما بعدها جواب القسم كما تقدم. و ((مغفرةٌ)) فيها وجهان، أظهرهُما: أنها مرفوعةً بالابتداء، والمسوِّغات هنا كثيرة: لام الابتداء والعطف عليها في قوله: ((ورحمةُ)) ووصفُها، فإنَّ قوله: ((من الله)) صفةٌ لها، ويتعلق حينئذٍ بمحذوف، و((خيرٌ)) خبرُ عنها. والثاني: أن تكونَ مرفوعة على خبر ابتداء مضمر، إذا أُريد بالمغفرة والرحمةِ القتلُ أو الموتُ في سبيل الله، لأنهما مقترنان بالموتِ في سبيلِ الله، فيكونُ التقدير: فذلك - أي الموتُ أو القتلُ في سبيلِ الله - مغفرةٌ ورحمةٌ خير، ويكون ((خير)) صفةً لا خبراً، وإلى هذا نحا ابن عطية (٢) فإنه قال: ((وتحتمل الآية أن يكونَ قولُه: ((لمغفرةٌ)) إشارةً إلى الموت أو القتل في سبيل الله، فَسَمَّى ذلك مغفرةً ورحمة، إذهما مقترنان به، ويجيء التقدير: فذلك مغفرةً ورحمة، وترتفعُ المغفرةُ على خبر الابتداء المقدر، وقوله: ((خير)) صفةٌ لا خبرُ ابتداء)) انتهى. ولكنَّ الوجهَ الأولَ أظهرُ، و((خير» هنا على بابِها من كونها للتفضيلِ، وعن ابن عباس: ((خيرٌ من طِلاع(٣) الأرض ذهبةً حمراء)). وقوله: ((ورحمةٌ)) أي: ورحمةٌ من الله، فَحُذِفَتْ صفتُها لدلالة الأولى عليها، ولا بُدَّ من حَذْفٍ آخر مُصَحِّحٍ للمعنى، تقديرُه: لمغفرة من الله لكم ورحمةٌ منه لكم. وجاء بالمغفرة والرحمةِ نكرتين إيذاناً بأنَّ أَدنى خيرٍ وأقلّ (١) الكشاف ٤٧٤/١. (٢) المحرر ٢٧٩/٣. (٣) طلاع الشيء: ملؤه. ٤٥٧ _ آل عمران : شيء خيرٌ من الدنيا وما فيها الذي يجمعونه، وهو نظير ((ورضوانٌ من الله أكبرُ))(١)، والتنكيرُ قد يُشْعِرُ بالتقليل، و((ما)) في قوله ((مِمَّا يَجْمَعُون)) موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوفٌ، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ أي: مِنْ جَمْعِكُم المالَ ونحوه . آ. (١٥٨) وقرأ(٢) أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿مُتّم﴾ و﴿مُتْ﴾(٣): وبابه بضم الميم، ووافقهم حفص هنا خاصة في الموضعين، والباقون بالكسر. فأمّا الضم فلأنه فَعَل بفتح العين مِنٍ ذوات الواو، وكل ما كان كذلك فقياسه إذا أسند إلى ياء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه: إمَّا من أول وهلة، وإمَّا بأن نبدلَ الفتحةَ ضمةً ثم نَنْقُلَها إلى الفاءِ(٤) على اختلاف بين التصريفيين، فيقال في ((قام)) وقال وطال: قُمت وقُمنا وقُمَن وطُلت وطُلن وما أشبه، ولهذا جاء مضارعُه على يَفْعُل نحو: يَمُوتِ. وأما الكسر فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة مَنْ يقول: ماتِ يمات كخاف يخاف، والأصلُ: مَوت بكسر العين كخَوِف فجاء مضارعه على يَفْعَل بفتح العين. قال الشاعر(٥): ١٤٧٩ - بُنَيَّتي: سيدةَ البنات عِيشي ولا يُؤْمَنُ أَنْ تَماتي فجاء بمضارعه على يَفْعَل بالفتح، فعلى هذه / اللغة يَلْزَم أن يقال في الماضي المسند إلى التّاءِ وإحدى أخواتها: ((مِتَّ)) بالكسرِ ليس إلا، وهو أنَّا [١٨٦/ب] (١) الآية ٧٢ من التوبة. (٢) السبعة ٢١٨؛ والكشف ٣٦١/١. (٣) الآية ٢٣ من مريم. (٤) العمل واحد لظاهرة واحدة، وإنما اختلفت طريقة التعبير لتفسيره. (٥) تقدم برقم ٢٣٨ . ٤٥٨ - آل عمران - نَقَلْنا حركةَ الواو إلى الفاء بعد سَلْبِ حركتِها دلالةٌ على بنيةِ الكلمة في الأصلِ. وهذا أَوْلِى مِنْ قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ ((مِتَّ)) بالكسر مأخوذٌ من لغة من يقول: ((يَمُوت)) بالضم في المضارع، وجعلوا ذلك شاذاً في القياس كثيراً في الاستعمال كالمازني وأبي علي الفارسي، ونقله بعضهم عن سيبويه(١) صريحاً، وإذا ثَبَتَ ذلك لغةً فلا معنى إلى ادِّعاء الشذوذ فيه. وأمَّا حفص فجمع بين اللغتين. وقرأ الجماعة: ((تَجْمَعُون)) بالخطاب جرياً على قوله: ((ولئن قُتِلتم))، وحفص(٢) بالغيبة: إمَّا على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين. وهذه ثلاثة مواضع: تقدَّم الموتُ على القتل في الأول منها وفي الأخير، والقتلُ على الموت في المتوسط، وذلك أنَّ الأول لمناسبةِ ما قبله من قوله: ((إذا ضَرَبَوا في الأرض أو كانوا غُزَّى)) فرجعَ الموتُ لِمَنْ ضَرَب في الأرض، والقتلُ لِمَنْ غزا، وأما الثاني فلأنه مَحَلُّ تحريضٍ على الجهاد فَقَدَّم الأهمَّ الأعرفَ، وأمَّا الآخرُ فلأنَّ الموتَ أغلبُ. وقوله: ((لإِلى الله)) اللامُ جوابُ القسم فهي داخلةٌ على ((تُحْشَرون))، و ((إلى الله)) متعلقٌ به، وإنما قُدَّم للاختصاصِ أي: إلى اللّه لا إلى غيره يكونُ حشرُكُم، أو للاهتمام، وحَسَّنَه كونُه فاصلةٌ، ولولا الفصلُ لوجب توكيدُ الفعل بنونٍ، لأنَّ المضارعَ المثبت إذا كانَ مستقبلاً وَجَبَ توكيدُه مع اللام خلافاً الكوفيين، حيثُ يجيزون التعاقبَ بينهما، كقوله(٣): (١) الكتاب ٣٦١/٢. (٢) السبعة ٢١٨؛ الكشف ٣٦٢/١. (٣) البيت لعامر بن الطفيل، وعجزه: فَرْغٌ وإنَّ أخاكمُ لم يُقْصَدِ ٤٥٩ ١٤٨٠ - وقتيلِ مُرَّةً أَثْأَرَنَّ فَإِنهِ. - آل عمران - فجاءَ بالنونِ دونَ اللامِ ، وقوله(١): ١٤٨١ - لِثَنْ تكُ قدِ ضَاقَتْ عليكم بيوتُكم لَيَعْلَمُ ربي أَنَّ بيتيَ واسِعُ فجاءَ باللامِ دون النون، والبصريون يجعلونه ضرورةً. فإِنْ قُصِل بين اللام بالمعمول كهذه الآية أو بـ ((قد)) نحو: ((والله قد أقوم)) وقوله(٢): ١٤٨٢ - كَذَبْتِ لِقد أُصْبي على المَرْءِ عِرْسَه أو بحرفِ تنفيس نحو: ((ولسوف يُعطيك))(٣) فلا يجوزُ توکیده حينئذ بالنون. قال الفارسي: ((دخلتِ النونُ فرقاً بين لام اليمين ولام الابتداء، ولائمُ الابتداء لا تدخل على الفَضْلةِ، فبدخول لام اليمين على الفَضْلة حَصَلَ الفرقُ فلم يُحْتَجْ إلى النون، وبدخولِها على ((سوف)) حَصَل الفرقُ أيضاً فلا حاجةً إلى النونِ، ولامُ الابتداء لا تَدْخُل على الفعلِ إلا إذا كان حالاً، أمَّا مستقبلاً فلا)). آ. (١٥٩) قوله تعالى: ﴿فَيِما﴾: في ((ما)» وجهان، أحدهما: أنها وهو في ديوانه ١٤٥؛ والمفضليات ٣٦٤؛ والهمع ٤٢/٢؛ والدرر ٤٧/٢؛ وفرغ = هَذْر، ولم يقصد: لم يقتل. (١) تقدم برقم ٦٦٣. (٢) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ٢٨ وعجزه: : وأمتع عِرْسي أن يُزَنَّ بها الخالي والبحر ١٩٧/٣. (٣) الآية ٤ من الضحى. ٤٦٠