Indexed OCR Text
Pages 401-420
- آل عمران - الخافضِ إذ الأصل: انظروا في كذا. آ. (١٣٨) قوله تعالى: ﴿للناس)؛ يجوز أن يتعلَّق بالمصدر قبلَه؛ ويجوز أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه وصفٌ له. قوله: ((للمتقين)) يجوز أنْ يكونَ وصفاً أيضاً ويجوزُ أن يتعلَّقَ بما قبله، وهو محتمِلٌ لأنْ يكونَ من التنازع، وهو على إعمالِ الثاني للحذفِ مِن الأول. أ. (١٣٩) قوله تعالى: ﴿ولا تَهِنُوا﴾: الأصلُ: ((تَوْهِنُوا)) فَحُذِفَتِ الواوُ لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ في الأصلِ، ثم أَجْرِيَتْ حروفُ المضارعةِ مُجْراها في ذلك. ويقال: وَهَنَ - بالفتح في الماضي - يَهِن - بالكسر في المضارع. ونُقِل أنه يقال: وَهُن وَوهِن بضم الهاء وكسرِها في الماضي. وَوَهَن يُسْتعمل لازماً ومتعدياً تقول: وَهَن زيدٌ أي: ضَعُفَ، قال تعالى: ((وَهَن العظمُ مني))(١) ووهَنْتُه أي: أَضْعَفْتُه. ومنه الحديثُ: (وهَنَتْهُم حُمَّى يثرب))(٢) والمصدرُ على الوَهَن والوَهْنِ، بفتح العين وبسكونِها. وقال زهير (٣): ١٤٣٨- فأصبحَ الحبلُ مِنْها واهِناً خَلَقًا أي: ضعيفاً. قوله: ((وأنتم الأعلَوْن)) جملةٌ حاليةٌ من فاعل (تَهِنوا)) أو ((تحزنوا)) والاستئنافُ فيها غيرُ ظاهرٍ. والْأَعْلَوْن: جمعُ أَعْلِى والأصل: أَعْلَيُون فتحرَّكت (١) الآية ٤ من مريم. (٢) البخاري: الحج (الفتح) ٤٦٩/٣؛ أبو داود: المناسك ٤٤٦/٢. (٣) ديوانه ٣٤ وصدره: وَأَخْلَفَتْكَ ابنةُ البكريِّ ما وعدَتْ والخلق : البالي. ٤٠١ - آل عمران - الفاءُ وانفتح ما قبلَها فَقُلبت ألفاً فَحُذِفَتْ لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة لتدلّ عليها، وإنْ شئت قلت: استُثْقِلَتْ الضمةُ على الياءِ فَحُذِفت فالتقى ساكنان أيضاً الياء والواو، فَحُذِفت الياء لالتقاء الساكنين، وإنما احتِجْنا إلى ذلك لأنَّ واوَ الجمعِ لا يكونُ ما قبلها إلاّ مضموماً لفظاً أو تقديراً، وهذا مثالُ التقديرِ. قولُه: ((إنْ كنتم مؤمنين)) جوابُه محذوفٌ أي: فلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا. آ. (١٤٠) قوله تعالى: ﴿فَرْحٌ﴾: قرأ الْأَخَوان(١) وأبو بكرٍ: ((قُرْح)) بضم القاف، وكذلك (القُرْح)) معرَّفاً، والباقون بالفتح فيهما، فقيل: هما بمعنى واحد. ثم اختلف القائلون بهذا فقال بعضهم: ((المرادُ بهما الجرحُ نفسه)). وقال بعضُهم : - منهم الأخفش(٢) - المرادُ بهما المصدرُ. يُقال فَرِحَ الجُرَحُ يَقْرَحُ قَرَحاً وَقَرْحاً. قال امرؤ القيس(٣): ١٤٣٩- وبُدِّلْتُ قَرْحباً دامياً بعد صحةٍ لعلَّ منايانا تَحَوَّلْنَ أَبْؤُسَا والفتحُ لغةُ الحجار، والضمُّ لغةُ غيرِهم فهما كالضَّعْف والضُّعْفِ والكُرْه والكُرْه. وقال بعضُهم؛ ((المفتوح: الجُرحُ، والمضموم: ألمه)). وقرأ ابنُ السَّمَيْفَعِ (٤) بفتح القاف والراء وهي لغةٌ كالطَّرْدِ والطَّرَد. وقال أبو البقاء(٥): ((هو مصدرُ قَرُحَ يَقْرُح إذا صار له قُرْحَةٍ، وهو بمعنى دَمِي. وقرىء ((قُرُح)) بضمِّهما. قيل: وذلك على الإِتباع كاليُسْر واليُسُرِ والطَّنْب والطُّنُب. (١) حمزة والكسائي. انظر: السبعة ٢١٦؛ الكشف ٣٥٦/١. (٢) معاني القرآن ٢١٥/١. (٣) ديوانه ١٠٧؛ الهمع ١١٢/١؛ والدرر ٨٣/١. (٤) الشواذ ٢٢ منسوبة إلى أبي السمَّال والبحر ٦٢/٣. (٥) الإملاء ١ /١٥٠. ٤٠٢ - آل عمران - وقرأ الأعمش(١): ((إنْ تَمْسَسْكم)) بالتاء من فوق، ((قروحٌ)) بصيغة الجمع، والتأنيث(٢) واضح. وأصلُ المادةِ الدلالةُ على الخُلوصِ ومنه: الماء الفَراح أي: لا كُدورةَ فيه، قال(٣): ١٤٤٠_ فساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلاً أَكَادُ أَغَصُّ بالماءِ القَراحِ وأرضٌ قَرْحَة أي: خالصةُ الطين ومنه: قريحةُ الرجلِ لخالصِ طبعِهِ. وقال الراغب (٤): (القَرْحُ: الأثرُ من الجراحةِ، من شيءٍ يصيبُه من خارجٍ، والقُرْحُ - يعني بالضم - أثرُها مِنْ داخلٍ كالبَثْرَةِ ونحوِها، يقال: قَرَحْتُه نحو: جَرَحْتُه. قال الشاعر(٥): ١٤٤١- لا يُسْلِمُون قريحاً حَلَّ وسطُهُمُ يومَ اللِّقاءِ ولا يُشْؤُون مَنْ قَرَحُوا أي: جرحوا. وقَرِح: خرج به قَرْحٌ، وَفَرَحَ الله قلبَه وأقرحه - يعني : فَفَعَل وأفْعَل فيه بمعنى ـ وفَرَسٌ قارحٍ: إذا أصابَه أثرٌ من ظهورِ نابِهِ، والأنثى: قارحةٌ، وروضةٌ قَرْحاءُ إذا كان في وسطها نَوْرٌ، وذلك تشبيهٌ بالفرسِ القَرْحاءِ. والاقتراحُ: الابتداعُ والابتكارُ، ومنه قالوا: اقترح عليه فلانٌ كذا، واقترحْتُ بثراً: استخرجْتُ منها ماءً قَراحاً، والقريحَةُ في الأصل: المكانُ الذي يَجْتمع فيه الماءُ المُسْتَنْبَطُ، ومنه استُغِيرَتْ قريحةُ الإِنسانِ)». (١) البحر ٦٢/٣. (٢) قوله: ((والتأنيث)) محروم في الأصل. (٣) تقدَّم برقم ١٢٥ . (٤) المفردات ١١٥ . (٥) البيت للمتنخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٣٢/٢؛ واللسان: قرح؛ ويشرون: يخطئون . ٤٠٣ - آل عمران: ـ قوله: ((فقد مَسَّ القومَ قرحٌ» للنحويين في مثل هذا تأويلٌ وهو أَنْ يُقَدِّروا شيئاً مستقبلاً، لأنه لا يكونُ التعليقُ إلا في المستقبلِ ، وقوله ((فقد مَسَّ القَومَ قَرْحٌ مثلُه)) ماضٍ محقق، وذلك التأويلُ هو التبيين: فقد تبيّن مسُّ القَرْحِ [١٧٩/ب] للقوم، وسيأتي له نظائر / نحو: ((إنْ كان قيمصُه قُدَّ من قُبُلٍ فَصَدَقَتْ)) ((وإنْ كان قيمصُه قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ))(١). وقال بعضُهم ((وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه: ((فتأسَّوا)) ونحو ذلك. وقال الشيخ(٢): ((مَنْ جَعَلَ جواب الشرط ((فقد مَسَّ) فهو ذاهِلٌ)). قلت: غالبُ النحاةِ جَعَلُوه جواباً متأَوِّلين له بما ذَكَرْتُ. قوله: ((وتلك الأيامُ نُداوِلُها)) يجوزُ في ((الأيام)) أَنْ تكونَ خبراً لـ ((تلك)). و ((نُداوِلُها)) جملةٌ حاليةٌ العاملُ فيها معنى اسم الإِشارة أي: أُشير إليها حالَ كونها متداولةٌ. ويجوزُ أن تكونَ («الأيام» بدلاً أو عطفَ بيانٍ أو نعتاً لاسم الإِشارة، والخبرُ هو الجملةُ من قوله: ((نُداوِلُها))، وقد مَرَّ نحوُه في قوله: ((تلك آياتُ اللّهِ نَتْلُوها))(٣) إلا أَنَّ هناك لا يجيءُ القولُ بالنعتِ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ اسِمَ الإِشارة لا يُنْعَتُ إلا بذي أل. و(بين)) متعلقٌ)) بـ ((نُداوِلُها)). وجَوَّز أبو البقاء(٤) أن يكون حالاً من مفعولٍ (نُداولها)) وليس بشيءٍ. والمُدَاوَلَةُ: المناوَبَةُ على الشيء والمعاْوَدَةُ وتَعَهُّدُه مرةً بعد أخرى. يقال: داوَلْتُ بينَهم الشيءَ فتداولوه، كأن ((فاعل)) بمعنى ((فَعَل))(٥). قال الشاعر(٦): (١) الآية ٢٦ من يوسف .. (٢) البحر ٦٢/٣. (٣) الآية ١٠٨ من آل عمران. (٤) الإملاء ١٥٠/١. (٥) لعلها تفاعل. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في شواهد الكشاف ٣٩/٤. ٤٠٤ : - آل عمران - ١٤٤٢ - يَرِدُ المياهَ فلا يزالُ مُداولاً في الناسِ بين تَمَثُّلٍ وَسَمَاعٍ وأدالَ فلانٌ فلاناً جَعَلَ له دَوْلَة، ويقال: دُولة ودَولة بضمِّ الفاء وفتحها، وقد قُرىء بهما في سورة الحشر(١) كما سيأتي إن شاء الله تعالى. واختلف الناس: هل اللفظتان بمعنَّى أم بينهما فرقٌ؟ فذهب بعضُهم كالراغب وغيرِه إلى أنهما سيَّان، فيكونُ في المصدر لغتان. وقال غيرُ هؤلاء: ((بينهما فرقٌ)) واختلفت أقوالُ هؤلاء فقال بعضُهم: ((الدَّوْلة)) بالفتح في الحربِ والجاهِ، وبالضمِّ في المالِ، وهذا تَرُدُّه القراءاتان في سورة الحشر. وقيل: بالضمّ اسمُ الشيء المتداوَلِ، وبالفتح نفس المصدر وهذا قريب. وقيل: الدُّولة بالضم هي المصدر، وبالفتح الفِعْلَةُ الواحدة فلذلك يُقال ((فِي دَوْلة فلان)) لأنها مرة في الدهر. والدَّوْرُ أعُمُّ من الدَّوْل؛ لأن الدَّوْل باللام لا يكون إلا في الحظوظ الدنيوية. والدَّوَلْوَل: الداهيةُ، والجمعُ: دَأَليل. قوله: (ولِيَعلَم اللّهُ)) ذكر أبوبكر بن الأنباري في تعلّق هذه اللام وجهين، قال: ((أحدُهما: أنَّ اللامَ صلةٌ لفعلٍ مضمرٍ يَدُلُّ عليه أولُ الكلامِ بتقدير: ولِيعلمَ اللّهُ الذين آمنوا نُداولها. والثاني: أنَّ العامل فيه «نُدَاولها)» المذكورُ بتقديرِ: نُداولها بين الناسِ لُنُظْهِرَ أمرَهم ولنبِيِّن أعمالَهم، وليعلَم اللهُ الذين آمنوا، فلمَّا ظهرَ معنى اللام المضمرةِ في ((لَيُظْهِرَ)) و((ليبيِّن)» جَرَتْ مَجْرى الظاهرة فجاز العطفُ عليها . وجَوَّز أبو البقاء(٢) وجهاً وهو أن تكونَ الواوُ زائدةً، وعلى هذا فاللامُ (١) الآية ٧ من الحشر، وقرأ العامة بالضم، والسلمي وأبو حيوة بفتح الدال؛ انظر: القرطبي ١٦/١٨. (٢) الإملاء ١ /١٥٠. ٤٠٥ - آل عمران - متعلقةٌ بـ ((نُداوِلُها)) مِنْ غيرِ تقديرِ شيءٍ. ولكنَّ هذا لا حاجةَ إليه، ولم يَحْتَجْ إلى زيادة الواو إلا الأخفشُ في مواضعَ ليس هذا منها (١)، وبعضُ الكوفيين يوافقُه على ذلك. وقَدّرِه الزمخشري (٢) بـ ((فَعَلْنا ذلك ليكونَ كيت وكيتَ ولَيَعلَمْ))، فقدَّر عاملاً وعَلَّق به علةً محذوفة عَطَف عليها هذه العلةَ. قال الشيخ(٣): ((ولم يُعَيِّنْ فاعلَ العلةِ المحذوفةِ، إنما كَنَى عنه بكيت وكيت، ولا يُكْنى عن الشيء حتى يُعْرَف، ففي هذا الوجه حَذْفُ العلةِ وَحَذْفُ عامِلِها وإبهامُ فاعلِها، فالوجهُ الأولُ أظهرُ إذ ليس فيه غيرُ حَذْفِ العامل)) يعني بالوجهِ الأول أَنَّه قَدَّره: ((ولَيَعْلَمَ اللّـهُ فَعَلْنا ذلك)) وهو المداوَلَّةُ أَو نَيْلُ الكفار منكم. والعلمُ هنا يجوزُ أن يتعدَّى لواحدٍ قالوا: لأنه بمعنى عرف، وهو مُشْكِلٌ لأنه لا يجوزُ وصفُ الله تعالى بذلك لِما تقدَّم من أن المعرفة تستدعي جهلًا بالشيء، أو أنها متعلقة بالذوات دون الأحوال، ويجوز أن يكونَ متعدياً الاثنين، فالثاني محذوفٌ تقديرُه: وليعلم الذين آمنوا مميَّزين بالإِيمانِ مِنْ غيرهم . وقُرِىءَ شاذاً(٤): ((يُداوِلُها)) بياء الغَيْبة وهو موافِقٌ لِما قبله ولِما بعده. وقراءةُ العامةِ على الالتفاتِ المفيدِ للتعظيمِ. قوله: ((منكم)) الظاهرُ أنَّ ((منكم)) متعلقٌ بالاتخاذِ، وجَوَّزُوا فيه أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((شهداء)» لأنه في الأصلِ صفةٌ له. آ. (١٤١) وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَخِّصَ﴾: معطوفٌ على ((لِيَعْلَمْ)) وتكونُ الجملةُ من قولِه: ((والله لا يحب الظالمين)) جملةٌ معترضةٌ بين هذه (١) معاني القرآن ١٢٥/١. (٢) الكشاف ١ /٤٦٦. (٣) البحر ٦٣/٣. (٤) البحر ٦٣/٣ من دون نسبة. ٤٠٦ - آل عمران - العللِ. والتمحيصُ: التخليص من الشيء، وقيل: المَحْص كالفحص، ولكنّ الفحصَ يقال في إبراز شيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصل، والمَحْصُ يُقال في إبرازه عمَّا هو متصلٌ به، يقال: مَحَصْتُ الذهبَ ومَحَّصْتُه إذا أزلتُ عنه ما يَشُوبه من خَبَثٍ. ومَحَصَ الثوبَ: إذا أَزال عنه زِثْبَرَه(١)، ومحص الحَبْلُ أي أخلق(٢) حتى ذهب عنه زِئْبَرُه، ومَحَص الظبيُّ: عدا، فَمَحَصَ بالتخفيفِ يكون قاصراً ومتعدِّياً، هكذا رَوَى الزجاج(٣) هذه اللفظةً: (الحَبْل))، ورواها النقاش: ((مَحَصَ الجملُ)) إذا ذهبَ وَبَرُه / وأَمْلَسَ، [١٨٠/أ] والمعنيان واضحان . وقال الخليل: ((التمحيص: التخليصُ من الشيء المَعِيب. وقيل: هو الابتلاءُ والاختبارُ)) وأنشد (٤). ١٤٤٣- رأيْتُ فُضَيْلاً كان شيئاً مُلَفَّفَاً فكشِّفَه التمحيصُ حتى بداليا وروى الواحدي عن المبرد بسند متصلٍ : مَحَص الحبلُ يَمْحَصُ مَحْصاً إذا ذهب زِئْبَرُه حتى تَمَلَّص، وحَبْلٌ محيصٌ ومليص بمعنى واحد. قال: ((يُسْتَحَبُّ في الفرس أن تَمْحَصَ قوائمُه أي: تَخْلُص، وأنشدَ ابن الأنباري على ذلك يصف فرساً(٥): (١) الزئير: ما يعلو الثوب. (٢) أخلق : بَلِيَ. (٣) معاني القرآن ٤٨٤/١. (٤) البيت لعبدالله بن معاوية، وهو في الكامل ١٨٣/١؛ واللسان: محص، وزاد المسير ٠٤٦٧/١ (٥) البيت لأبي دؤاد الإِيادي وهو في ديوانه ٢٨٥؛ والزاهر للأنباري ١٠٧/١؛ النسور: اللحم في باطن الحافر واحدها نسر؛ والمحصات: القوائم المتجردة ليس فيها إلا العظم والجلد والعصب. ٤٠٧ - آل عمران نـ ١٤٤٤ - صُمِّ النَّسورِ صِحاحٍ غيرِ عائِرَةٍ رُكِّبْنَ فِي مَحِصاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ أي: في قوائمَ متجرداتٍ من اللحم ليس فيها إلا العَظْمُ والعَصَبُ والجِلْدِ. قال المبردُ: ((ومعنى قولِ الناس: ((مَحِّصْ عَنَّا ذنوبنا)» أي أَذْهِبْ ما تعلَّق بنا من الذنوب)). قال الواحدي: ((وهذا الذي قاله المبرد تأويلُ المَحَصِ بفتح الحاء وهو واقعٌ، والمَحْص بسكونِ الحاء مصنوعٌ، قال الخليل: ((يقال مَحَصْتُ الشيءَ أَمْحَصُه مَحَصاً إذا أَخْلَصْتَه من كلِّ عيب)) وفي جَعْلِه تسكينَ الحاءِ مصنوعاً نظرٌ، لأنَّ أهلَ اللغةِ نَقَلُوه ساكنها، وهو قياسُ مصدر الثلاثي. ومَحَصْتُ السيفَ والسِّنان: جَلَوْتُهما حتى ذهب صَدَؤُهما. قال أسامة الهذلي (١): ١٤٤٥ - وشَقُوا بِمَمْحوص السِّنانِ فؤادَه أي: بَمَجْلُوٌّ، ومنه استغير ذلك في وَصْفِ الحبل بالملاسَةِ والبَريق. قال رؤبة(٢) يصف فرساً: ١٤٤٦ _ شديدٌ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ السَّوَى والسَّواء: الظهر، قَصَره ضرورةً، سُمِعٍ: ((فَعَلْتُه حتى انقطع سَواي)) أي ظهري. وقد تقدَّمت مادة ((مَحَقٌ)) في البقرة(٣). آ. (١٤٢) قوله تعالى: ﴿أُم حَسِبْتُم أَنْ تَدْخُلوا﴾: في ((أم)) هذه (١) ديوان الهذليين ٢٠٦/٢ وعجزه: لهم قِتَراتٌ قد بُنِينَ مَحاتِدُ فترات: ج فِتْر نَصْل حديد الطرف. (٢) لم أجده في ديوانه وهو في اللسان: محص؛ والجلز: شدة عصب العقب. (٣) انظر الآية ٢٧٦ من البقرة. ٤٠٨ - آل عمران - أوجهٌ أظهرُها: أنها منقطعةٌ مقدَّرةٌ بـ ((بل)) وهمزةِ الاستفهام، ويكون معناه الإِنكارَ. وقيل: ((أم)) بمعنى الهمزة وحدَها، ومعناه كما تقدَّم: التوبيخُ والإِنكارُ، وقيل: هذا استفهامٌ معناه النهيُّ قاله أبو مسلم الأصفهاني. وقيل: هي متصلةٌ. قال ابن بحر(١): ((هي عديلةُ همزةٍ تتقدَّر مِنْ معنى ما تقدَّم، وذلك أنَّ قوله: ((إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ)) ((وتلك الأيام نُداولها)) إلى آخر القصةِ يقتضي أن يُتْبَع ذلك: أتعلمون أنَّ التكليف يُوجِبُ ذلك أم حسبتم. و ((حَسِبَ)) هنا على بابها من ترجيحِ أحد الطرفين. و((أَنْ تَدْخُلوا)) سادٌّ مسدّ المفعولين على رأيٍ سيبويه ومسدَّ الأولِ، والثاني محذوفٌ على رأيِ الأخفش(٢). قوله: ((وَلَّمَّا يَعْلَمِ)) جملةٌ حالية. وقال الزمخشري(٣): ((ولَمّا بمعنى ((م)) إلَّ أَنَّ فيه ضَرْباً من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يُسْتقبل. وتقول: ((وعدني أن يفعل كذا ولَمًّا)) تريد: ((ولَمْ يَفْعَلْ وأنا أتوقع فِعْلَه)). قال الشيخ(٤): ((وهذا الذي قاله في ((لَّمَّ)): أنها تَدُلُّ على توقُّع الفعلِ المنفيِّ بها فيما يُسْتقبل لا أَعْلَمُ أحداً من النحويين ذَكَره، بل ذكروا أنك إذا قلت: ((لَمَّا يخرج زيد)) دَلَّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلًا نَفْيُه إلى وقت الإِخبار، أمَّا أنَّها تدلُّ على توقُّعِهِ في المستقبل فلا ، لكنني وجدت في كلام الفراء شيئاً يقارب ما قاله الزمخشري، قال: (لَمَّ)) لتعريضِ الوجودِ بخلافِ ((لم)). قلت: ((والنَّحْويون إنما فَرَّقوا بينهما مِنْ جهة أنَّ المنفيَّ بـ لَمْ)) هو فعلٌ غيرُ مقرونٍ بـ ((قد)) و((لَمَّا)) نفيٌ له مقروناً بها، وقد تَدُلُّ على التوقع، فيكونُ كلامُ الزمخشري صحيحاً من هذه الجهةِ، ويَدُلُّ على (١) وهو أبو مسلم نفسه. (٢) راجع المسألة في إعرابه للآية ٢٦ من البقرة. (٣) الكشاف ٤٦٧/١. (٤) البحر ٦٦/٣. ٤٠٩ - آل عمران- ما قلته من كونِ ((لم) لَنَفْيٍ فَعَل، و((لَمَّ)) لنفي قد فَعَل نصُّ النجاة على ذلك: سيبويه(١) فَمَنْ دونَه. وقد تقدم نظير هذه الآية في البقرة(٢) وتحقيقُ القول فيها بما يُغْني عن إعادته فعليك بالالتفات إليه. وقوله: ((منكم)) حالٌ من ((الذين)). ((ولَّمًّا يعلمِ اللّهُ)) بكسرِ الميمِ على أصل التقاء الساكنين. وقرأ(٣) النخعي وابن وثاب بفتحها. وفيها وجهان. أحدهما: أنَّ الفتحةَ فتحةُ إتباعٍ ، أَتبعَ الميمَ للام قبلها. والثاني: أنه على إرادةِ النونِ الخفيفةِ، والأصلُ: ((وَلَمَّا يَعْلَمَنْ)) والمنفيُّ بـ لَّمًّا قد جاء مؤكداً بها كقوله(٤) :. ١٤٤٧- يَحْسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلما شيخاً على كُرْسِيِّه مُعَمَّمَا فلمَّا حَذَفَ النونَ بقي آخرُ الفعل مفتوحاً كقوله(٥): ١٤٤٨- لا تُهِينَ الفقيرَ عَلَّك أَنْ تَرْ كَعَ يوماً والدهرُ قدِ رَفَعَهْ [وعليه تُخَرَّج قِراءةُ: ((ألم نشرحَ](٦). بفتح الحاء(٧)، وقولُ الآخر (٨). (١) الكتاب ٤٦٠/١. (٢) الآية ٢١٤ . (٣) البخر ٦٦/٣. (٤) البيت لأبي حيان الفقعسي، أو مساور العبسي، أو العجاج (ملحق ديوانه ٣٣١/٢)؛ وهو في النوادر ١٣؛ ومجالس ثعلب ٥٥٢؛ وأمالي الزجاجي ١٨٩؛ وأمالي الشجري ٣٨٤/١؛ وابن يعيش ٤٢/٩؛ والإنصاف ٦٥٣؛ ورصف المباني ٣٣؛ والبيت في تأكيد الفعل بعد لم وليس لما، وأصل الفعل ((يعلمَنْ)) أبدلت النون ألفاً للوقف. (٥) تقدم برقم ٤٢٢. (٦) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. (٧) الآية ١ من الانشراح، قراءة أبي جعفر المنصور كما في فتح القدير ٤٦١/٥. (٨) البيت للحارث بن منذر أو علي بن أبي طالب وهو في النوادر ١٣؛ وحماسة البحتري ٤٥؛ وسر الصناعة ٨٥؛ والمغني ٣٠٧. ٤١٠ - آل عمران - ١٤٤٩_ في أيِّ يَوميَّ من الموتِ أَفِرُّ أيومَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدِرْ قوله: ((وَيَعْلَم)) العامةُ على فتح الميم وفيها تخريجان، أشهرهما: أنَّ الفعلَ منصوبٌ. ثم هل نصبُه بـ((أَنْ)) مقدرةً بعد الواوِ المقتضية للجمع كهي في قولك: ((لا تأكلِ السمكَ وتَشْربَ اللبن)) أي: لا تجمع بينهما وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يَعْنُون أنه كان مِنْ حَقِّ هذا الفعل أن يُعْرَبَ بإعراب ما قبله، فلمَّا جاءت الواو صَرَفَتْه إلى وجهٍ آخرَ من الإِعراب. وتقرير المذهبين(١) في غيرِ هذا الموضوع. والثاني: أنَّ الفتحةَ فتحةُ التقاء ساكنين والفعلُ مجزومٌ، فلمَّا وقع بعده ساكنٌ آخرُ احتيج إلى تحريك آخره فكانت الفتحةُ أَوْلَى لأنها أخف وللإِتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحدِ التخريجين لقراءةٍ: ((وَلَّمَّا يَعْلَمَ الله)) بفتح الميم، والأولُ هو الوجه . وقرأ(٢) الحسن وابن يعمر وأبو حيوة بكسرِ الميم عطفاً على ((يَعْلَمِ)) المجزوم بـ ((لم)). وقرأ عبد الوارث(٣) عن أبي عمرو بن العلاء: ((وَيَعْلَمُ)) بالرفع، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه مستأنفٌ، أخبر تعالى / بذلك. وقال الزمخشري (٤): [١٨٠/ب] ((على أن الواو للحال، كأنه [قال]: ولَمَّا يُجاهِدوا وأنتم صابرون. قال الشيخ (٥): ((ولا يَصِحُّ ما قال، لأنَّ واوَ الحال لا تدخل على المضارعِ ، (١) انظر: الإنصاف ٥٥٥. (٢) الشواذ ٢٢؛ القرطبي ٢٢٠/٤؛ البحر ٦٦/٣. (٣) عبدالوارث بن سعيد البصري، عرض على أبو عمرو؛ وروى عنه ابنه عبدالصمد، توفي سنة ١٨٩. انظر: الطبقات ٤٧٨/١؛ وانظر في هذه القراءة: القرطبي ٢٢٠/٤؛ البحر ٦٦/٣؛ الشواذ ٢٢ . (٤) الكشاف ١ /٤٦٧. (٥) البحر ٦٦/٣. ٤١١ - آل عمران : - لا يجوزُ: ((جاء زَيدٌ ويضحك)) وأنت تريد: جاء زيد يضحك، لأنَّ المضارع واقع موقع اسم الفاعل، فكما لا يجوز ((جاء زيد وضاحكاً)) كذلك لا يجوز: جاء زيد ويضحك، فإنْ أُوٌّلَ على أنَّ المضارعَ خبرُ مبتدأ محذوف أَمْكَنَ ذلك التقديرُ أي: وهو يعلمُ الصابرين كما أَوَّلُوا قولَ الشاعر(١): ١٤٥٠_ نَجَوْتُ وَأَرْهُنُهِمْ مالِكا أي: وأنا أَرْهُنُهم)) قلت: قولُه: ((لا تَدْخُل على المضارعِ)) هذا ليس على إطلاقِهِ، بل ينبغي أن يقولَ: على المضارعِ المثبت أو المنفي بـ(لا)) لأنها تدخُل على المضارع المنفيِّ بـ لم ولما، وقد عُرِف ذلك غير مرة. آ. (١٤٣) قوله تعالى: ﴿كنتم تَمَنَّوْنَ﴾: قرأ البزي بخلاف عنه بتشديد تاء (تَّمَّوْنَ))، ولا يمكنُ ذلك إلا في الوصلِ ، وقاعدتُه أنه يَصِلُ ميم الجمعِ بواوٍ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قوله: ((ولا تَيَمِّمُوا الخبيثَ))(٢). والضميرُ في ((تَلْقَوه)) فيه وجهان، أظهرُهما: عَوْدُه على الموت، والثاني: عَوْدُه على العدوِّ، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ لدلالةِ الحالِ عليه. والجمهور على كسر اللام من ((قبل))؛ لأنها معربةً لإِضافتِها إلى أَنْ وما في حَيِّزها أي: مِنْ قبل لقائِه. وقرأ(٣) مجاهد بن جبر: ((من قبلُ» بضم اللام وقطعها عن الإِضافة كقوله: ((له الأمرُ مِنْ قبلُ ومِنْ بعدُ))(٤)، وعلى هذا فـ ((أَنْ)) وما في حَيِّزها في محلِّ نصب على أنها بدلُ اشتمال من الموت أي: (١) تقدم برقم ٤١٩. (٢) الآية ٢٦٧ من البقرة (٣) الشواذ ٢٢؛ البحر ٦٧/٤؛ القرطبي ٢٢٠/٤ منسوبةً إلى الأعمش .. (٤) الآية ٤ من الروم. ٤١٢ - آل عمران - تَمَّنَّوْن لقاء الموتِ كقولك: ((رَهَبْتُ العدوِّ لقاءَه)». وقرأ (١) الزهري والنخعي: ((تُلاقُوه)) ومعناه معنى ((تَلْقَوه)) لأن ((لَقِي)) يستدعي أن يكونَ بين اثنين عادةً وإنْ لم يكن على المفاعلة. قوله: ((فقد رأيتموه)) الظاهرُ أن الرؤيةَ بصريةٌ فتكتفي بمفعول واحد، وجَوَّزوا أن تكونَ عِلْمية فتحتاجَ إلى مفعول ثان هو محذوف أي: فقد علمتموه حاضراً أي: الموت، إلاّ أنَّ خَذْفَ أحد المفعولين في باب ((ظن)» ليس بالسهل(٢)، حتى إنَّ بعضَهم يَخُصُّه بالضرورة كقول عنترة(٣): ١٤٥١- وَلَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَه مِنِي بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ أي: فلا تَظُنِّي غيرَه واقعاً مني . قوله: ((وأنتم تنظرون)) يجوزُ أَنْ تكونَ حاليةً، وهي حالٌ مؤكدة رَفَعَتْ ما تحتملُه الرؤيةُ من المجازِ أو الاشتراك، أي: بينهما وبين رؤية القلب، ويجوزُ أن تكونَ مستأنفةً، بمعنى: وأنتم تنظرون في فِعْلِكم الآن بعد انقضاءِ الحرب هل وَقَيْتُم أو خالَفتم؟ وقال ابن الأنباري: ((رأيتموه)) أي: قابَلْتُموه وأنتم تنظُرون بعيونكم، ولهذه العلةِ ذَكَرَ النظرَ بعد الرؤية حين اختلف معناهما، لأنَّ الأولَ بمعنى المقابلة والمواجهة، والثاني: بمعنى رؤية العين)» وهذا غيرُ معروفٍ عند أهل اللسان، أعني إطلاقَ الرؤيةِ على المقابلة والمواجهة، وعلى تقدير صحتِه فتكونُ الجملةُ من قوله: ((وأنتم تنظرون)) جملةً حاليةً مبيّنة لا مؤكدةً؛ لأنها أفادَتْ معنىًّ زائداً على معنى عاملها، ويجوز أن يُقَدَّر (١) الشواذ ٢٢؛ البحر ٦٧/٣. (٢) لأن أصلهما مبتدأ وخبر فهما عمدة. (٣) تقدم برقم ٧٩٩. ٤١٣ - آل عمران - لـ (ينظرون)) مفعولاً، ويجوز ألَّ يُقَدَّر، إذ المعنى: وأنتم من أهل النظر. [١٨٢/أ] واللَّهُ تعالى أعلمُ ولله الحمد والمِنَّة |(١). آ. (١٤٤) قوله تعالى: ﴿وما محمدٌ إلَّ رسولٌ﴾: (مَا)) نافيةٌ ولا عملَ لها هنا مطلقاً أعني على لغة الحجازيين والتميميين، لأنَّ التميميين لا يُعْملونها البتة، والحجازيون يُعْملونها بشروط منها: ألَّ ينتقضَ النفيُّ بـ ((إلا))، إذ يزول السبب الذي عَمِلَتْ لأجله وهو شَبَهُها بـ ((ليس)) في نفي الحال(٢)، فيكونُ ((محمد)» مبتدأً، و ((رسول» خبره، هذا هو مذهب الجمهور، أعني إهمالَها إذا نُقِضَ نفيُها، وقد أجاز إعمالَها منتقضةً النفيِ بإلاَّ يونسٍ وأنشد (٣): ١٤٥٢- وما الدهرُ إلَّ منجنوناً بأهلِه وما صاحبُ الحاجات إلا مُعَذَّبا فَنَصَبَ ((منجنوناً)) و((مُعَذَّباً)) على خبرِ ((ما))، وهما بعدَ ((إِلاَّ))، ومثلُه قول الآخر(٤): ١٤٥٣- وما حَقُّ الذي يَعْتُو نهاراً ويَسْرِقُ ليلَه إِلَّ نَكالا فـ (حق)) اسمُ ((ما )) و((نَكالاً)) خبرُها. وتأوَّلَ الجمهور هذه الشواهدَ على أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وهذا المنصوبُ معمولٌ لذلك الخبر المحذوفٍ (١) يبدأ الآن الجزء الثاني وكتب في اللوحة ١٨١: ((الجزء الثاني من الدر المصون في علوم الكتاب المكنون تأليف العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الشافعي الحلبي عفا الله عنه وعن والديه وعن جميع المسلمين)) واللوحة ١٨٢ ذات وجه واحد. (٢) أي إنها تصبح دالة على إيجاب لدى دخول ((إلا)) عليها. (٣) تقدم برقم ٥٩٧. (٤) البيت لمغلس بين لقيط وهو في الهمع ١٢٣/١؛ والعيني ١٤٨/٢؛ والدرر ٩٤/١. ٤١٤ - آل عمران - والتقديرُ: وما الدهرُ إلَّ يدورُ دورانَ منجنون، فحُذِفَ الفعلُ الناصبُ لـ «دوران))، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه في الإِعراب، وكذا (إلا معذباً)) تقديره: يُعَذَّب تعذيباً، فَحُذِفَ الفعل وأُقيم ((مُعَذَّبً) مُقَامَ ((تَعْذيب)) كقوله: ((مَزَّقْناهم كلَّ ممزّق))(١) أي: كلَّ تمزيق، وكذا ((إلا نكالاً)) وفيه من التكلُّفِ ما ترى. قوله: ((قد خَلَتْ)) في هذه الجملةِ وجهان، أظهرهما: أنها في محلِّ رفعٍ صفةً لـ ((رسول)). والثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكنِّ في (رسول))، وفيه نظرٌ لجريانِ هذه الصفةِ مَجْرى الجوامد فلا تتحمَّل ضميراً. و ((من قبله)) فيه وجهان أيضاً، أحدهما: أنه متعلَّقٌ بـ (خَلَتْ)). والثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنه حال من ((الرسل)» مُقَدَّماً عليها، وهي حينئذٍ حالٌ مؤكدة؛ لأنَّ ذِكْرَ الخلوِّ يُشْعِرُ بالقبلية. وقرأ ابن عباس(٢): (رسُل)) بالتنكير. قال أبو الفتح (٣): ((ووجهُها أنه موضعُ تبشيرٍ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الحياة ومكانُ تسوية بينه وبين البشر في ذلك، وهكذا يُفْعل في أماكن الاقتصاد نحو: ((وقليلٌ من عِبادِيَ الشَّكُور))(٤) ((وما آمن معه إلا قليل))(٥) وقال أبو البقاء(٦): ((وهو قريب من معنى المعرفة)) كأنه يُريدُ أنَّ المرادَ بالرسلِ الجنسُ، فالنكرةُ قريبةُ منه بهذه الحيثِيَّةِ، وقراءةُ الجمهور أَوْلِى لأنَّها تَدُلُّ على تفخيمِ الرسل وتعظيمِهم. (١) الآية ١٩ من سبأ. (٢) البحر ٦٨/٣. (٣) المحتسب ١٦٨/١. (٤) الآية ١٣ من سبأ. (٥) الآية ٤٠ من هود. (٦) الإملاء ١٥١/١. ٤١٥ - آل عمران : - قوله: ((أفإنْ ماتَ)) الهمزةُ لاستفهام الإنكارِ، والفاءُ للعطف ورتبتُها التقديمُ لأنها حرفُ عطف، وإنما قُدِّمَتْ الهمزةُ لأَنَّها لها صَدْرُ الكلامِ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، وأنَّ الزمخشري يُقَدِّرُ بينهما فِعْلًا محذوفاً تَعْطِفُ الفاءُ عليه ما بعدَها. وقال ابن خطيب زَمَلَّكى(١): ((الأوْجَهُ أَنْ يُقَدَّرَ محذوفٌ بعد الهمزة وقبل الفاء تكونُ الفاءُ عاطفةً عليه، ولو صرح به لقيل: أتؤمنون به مدةً حياته فإِنْ مات ارتدَدْتم فتخالِفوا سُنَّنَ اتِباع الأنبياءِ قبلَكم في ثباتِهم على مِلّلٍ: أنبيائهم بعد مَوْتِهم)» وهذا هو مذهب الزمخشري، إلَّ أنَّ الزمخشري هنا عَبَّر بعبارةٍ لا تقتضي مذهبه الذي هو حَذْفُ جملةٍ بعد الهمزةِ فإنه قال(٢): ((الفاءُ مُعَلَّقةٌ للجملةِ الشرطيةِ بالجملةِ قبلَها على معنى التسبيبِ، والهمزةُ لإِنكار أَنْ يَجْعَلُوا خُلُوَّ الرسلِ قِبَلَه سباً لانقلابِهِم على أَعْقَابِهِم بعدَ هلاكِه بموتٍ أو قَتْلٍ، مع عِلْمِهِم أَنَّ خُلُوَّ الرسلِ قبله وبقاءَ دينِهِم مُتَمَسَّكاً به يجبُ أَنْ يُجْعَلَ سبباً للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا للانقلابِ عنه)) فظاهرٌ هذا الكلام أنَّ الفاءَ عَطَفَتْ هذه الجملةَ المشتملة على الإِنكارِ على ما قبلها من قوله ((قد خَلَتْ)) مِنْ غير تقديرٍ جملةٍ أخرى. وقال أبو البقاء(٣). قريباً من هذا فإنَّه قال: ((الهمزةُ عند سيبويه(٤) في موضعِها، والفاء تدلُّ على تعلُّقِ الشرطِ بما قبله)). انتهى. لا يقال: إنه جَعَل الهمزةَ في موضعِها فيُوهِمُ هذا أنَّ الفاءَ ليست مُقَدَّمَةً عليها لأنه جَعَلَ هذا مقابلاً لمذهبٍ يونس، فإنَّ يونس يزعم أنَّ هذه الهمزةَ في مِثْلِ هذا التركيبِ داخلةٌ على جواب الشرط، فهي في مَذْهَبِه [في] غيرِ موضِعها. وسيأتي تحريرُ هذا كلِّه. (١) لعله كمال الدين بن الزملكاني من القرن السابع، ورد اسمه في طبقات القراء ٥٧/٢ (٢) الكشاف ٤٦٨/١. (٣) الإملاء ١٥١/١. (٤) الكتاب ٤٩١/١. ٤١٦ - آل عمران - و ((إنْ)) شرطيةٌ. و((ماتَ)) و((انقلبتم)) شرطٌ وجزاءً، ودخولُ الهمزة على أداة الشرطِ لا يغيِّر شيئاً مِنْ حكمِها، وزَعَم يونس أنَّ الفعلَ الثاني الذي هو جزاءُ الشرطِ ليس بجزاءٍ للشرطِ، إنما هو المُسْتَفْهَمُ عنه، وأنَّ الهمزةَ داخلةٌ عليه تقديراً فيُنْوى به التقديمُ وحينئذ فلا يكونُ جواباً، بل الجوابُ محذوفٌ، ولا بد إذ ذاك من أن يكونَ فعلُ الشرط ماضياً، إذ لا يُحْذَفُ الجوابُ إلا والشرطُ ماضٍ ، ولا اعتبارَ بالشعرِ فإنه ضرورةٌ، فلا يجوزُ عندَه أَنْ تقولَ: ((أإِنْ تُكْرِمْنِي أَكْرِمْك﴾ [لا بجَزْمهما ولا بجزم الأول ورفع الثاني](١) لأنَّ الشرط مضارِعٌ. ولا: ((أإن أكرمتني أكرمْك)) بجزم ((أكرمْك)) لأنه ليس الجوابَ بل دالاً (٢) عليه، والنيةُ به التقديمُ، فإنْ رَفَعْتَ (أكرمك)) وقلت: ((أإنْ أكرَمْتَني أكرمُك)) صَحَّ عنده، فالتقديرُ عند يونس: انقلبتم على أعقابِكم إنْ ماتَ محمدٌ؟ لأنَّ الغرضَ إنكارُ انقلابِهم على أعقابِهم بعد مَوْتِه . وبقولٍ يونس قال كثيرٌ من المفسرين، فإنَّهم يقولون: ألفُ الاستفهامِ دَخَلَتْ في غير موضعها، لأنَّ الغرضَ إنما هو: ((أتنقلبون إنْ ماتَ محمد)). وقال أبو البقاء(٢): ((وقال يونس: الهمزةُ في مثلِ هذا حَقُّها أَنْ تَدْخُل على جواب الشرطِ تقديرُه: ((أتنقلبون إنْ مات))؛ لأنَّ الغرضَ التنبيهُ أو التوبيخُ على هذا الفعلِ المشروط. ومذهبُ سيبويه الحقُّ لوجهينٍ، أحدهما: أنك لو قَدَّمْتَ الجوابَ لم يكن للفاءِ وجهٌ إذ لا يَصِحُّ أَنْ تقولَ: «أتزورُوني فإنْ زُرْتُكِ))، ومنه قولُه تعالى: ((أفإنْ مِتَّ فهم الخالدون))(١)، والثاني: أنَّ الهمزةَ لها صدرُ الكلام، و «إنْ)» لها صدرُ الكلامِ، فقد وقعا في موضِعِهما، والمعنى يَتِمُّ بدخولِ الهمزة على جملةِ الشرط والجواب، لأنهما كالشيءٍ (١) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل. (٢) لعل الأنسب: بل دالًّ. (٣) الإملاء ١٥١/١. (٤) الآية ٣٤ من الأنبياء. ٤١٧ - آل عمران - الواحدِ)» انتهى. وقد رَدَّ النحويون على يونس بقوله: ((أفإنْ مِتَّ فهم : الخالدون)) فإنَّ الفاءَ في قوله: ((فهم)) تُعَيِّنُ أن يكون جواباً للشرط. ولهذه المسألةِ موضعٌ هو أليقُ بها من هذا الكتاب. وأتى هنا بـ ((إنْ)) التي تقتضي الشك، والموتُ أمرٌ مُحقق، إلا أنه أُورد مَوْرِدَ المشكوك فيه للتردُّدِ بين الموتِ والقتلِ. قوله: ((على أعقابِكم)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه متعلُّقٌ بـ ((انقلبتم)). والثاني: أنه حالٌ من فاعلِ ((انقلبتم)) كأنه قيل: انقلبتم راجعين. وقرأ(١) ابن أبي إسحاق: ((ومَنْ ينقلِبْ على عَقِبه)) بالإِفراد. و((شيئاً)) نُصِبَ على المصدرِ أي: شيئاً مِنَ الضررِ لا قليلاً ولا كثيراً. وقد تقدَّم نظيرُه. آ. (١٤٥) قوله تعالى: ﴿وما كان لنفسِ أَنْ تموتَ﴾: ((أَنْ تموتَ)) في محل رفع اسماً لـ ((كان)). و(لنفس)) خبرٌ مقدم فيتعلَّقُ بمحذوف و «إلاّ بإذنِ الله)) حالٌ من الضمير في ((تموت)) فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، وهو استثناء مفرغ، والتقدير: وما كان لها أن تموت إلا مأذوناً لها، والباء للمصاحبة . وقال أبو البقاءُ(٢): ((وإلَّ بإذنِ الله)) الخبر، واللامُ للتبينِ متعلقةٌ بـ ((كان)). وقيل: هي متعلقةٌ بمحذوفٍ تقديره: الموتُ لنفس، و(«أن تموت)) تبيينٌ للمحذوفِ، ولا يجوز أَنْ تتعلَّقَ اللامُ بـ ((تموت)) لِما فيه من تقدیمِ الصلةٍ على الموصولِ)). وقال بعضُهم: ((إنَّ ((كان)) زائدةٌ فيكونُ ((أَنْ تموتَ)) مبتدأ، و((لنفسٍ)) خبره)). وقال الزجاج(٣): ((تقديرُه: وما كانت نفسٌ لتموتَ، ثم قُدِّمَتِ اللامُ)) فجُعِل ما كان اسماً لـ((كان)) وهو (أن تموتَ)) خبراً لها، وما كان خبراً وهو ((لنفسٍ)) اسماً لها. فهذه خمسةُ أقوالٍ، أظهرُها الأول. (١) البحر ٦٩/٣. وقوله ((ابن أبي إسحاق)) غير واضح في الأصل. (٢) الإِملاء ١٥١/١. (٣) معاني القرآن ٤٨٨/١. ٤١٨ - آل عمران - أمَّا قولُ أبي البقاء ((واللامُ للتبيين فتتعلَّقُ بمحذوفٍ)) ففيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنَّ ((كان)) الناقصةَ لا تعمل في غيرِ اسمِها وخبرِها، ولئِنْ سُلِّم ذلك فاللامُ التي للتبيين إنما تتعلَّقُ بمحذوفٍ، وقد نَصُّوا على ذلك في نحوِ: ((سُقياً لك)). وأمَّا مَنْ جَعَل (لنفسِ)) متعلقةً بمحذوفٍ تقديرُه: ((الموتُ لنفسٍ)) ففاسِدٌ لأنه ادَّعى حَذْفَ شيءٍ لا يجوزُ، لأنه إنْ جَعَل ((كان)» تامةً أو ناقصةً امتنع حَذْفُ مرفوعِها لأنَّ الفاعلَ لا يُحْذَفُ، وأيضاً فإنَّ فيه حَذْفَ المصدر وإبقاءً معموله وهو لا يجوزُ. وكذلك قولُ مَنْ جَعَلَ ((كان)) زائدةً. وأمّا قولُ الزجاجِ فإنَّه تفسيرُ معنىَّ لا إعرابٍ فتعودُ الأقوالُ أربعةٌ / . [١٨٣/أ] قوله: ((كتاباً مُؤْجَّلَا)) في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجملة التي قبلَه، فعاملُه مضمرٌ تقديرُه: ((كَتَب الله ذلك كتاباً»، نحو: ((صُنْعَ الله)(١) ((وَعْدَ الله))(٢)، وكتابَ الله عليكم))(٣). والثاني: أنه منصوبٌ على التمييزِ. ذكره ابنُ عطية(٤)، وهذا غيرُ مستقيمٍ؛ لأنَّ التمييزَ منقولٌ وغيرُ منقولٍ، وأقسامُه محصورةٌ وليس هذا شيئاً منها. وأيضاً فأين الذاتُ المبهمةُ التي تحتاج إلى تفسير. والثالثُ: أنه منصوب على الإِغراءِ، والتقديرُ: الزّموا كتاباً مؤجلاً وآمِنوا بالقدر، وليس المعنى على ذلك. وقرأ ورش(٥): ((مُوَجَّلا)) بالواوِ بدلَ الهمزةِ وهو قياسُ تخفيفِها. قوله: ((ومَنْ يُرِدْ ثوابَ)) ((مَنْ)) مبتدأٌ وهي شرطيةٌ. وفي خبرِ هذا المبتدأِ (١) الآية ٨٨ من النمل. (٢) الآية ١٢٢ من النساء. (٣) الآية ٢٤ من النساء. (٤) المحرر ٢٥٠/٣. (٥) انظر: الكشف ١٠٤/١. ٤١٩ - آل عمران - الخلافُ المشهورُ(١) وأَدْغَم (٢) أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر - بخلافٍ عنه - دالَ ((يُرِدْ)) في الثاء، والباقون بالإِظهار. وقرأ(٣) أبو عمرو بالإِسكانِ في هاء ((نؤتيه)) في الموضعين وَصْلاً ووقفاً، وقالون وهشام - بخلاف عنه - بالاختلاسِ وَصْلًاً، والباقون بالإِشباغِ وصلاً. فأمّا السكونُ فقالوا: إنَّ الهاءَ لَمَّا حَلَّتْ مَحَلَّ ذلك المحذوفِ أُعْطيت ما كان يَسْتَحِقُّه من السكون. وأمَّا الاختلاسُ فلاستصحابِ ما كانَتْ عليه الهاءُ قَبلَ حذفِ لامِ الكلمة، فإنَّ الأصل: نُؤْتِيه، فَحُذِفَتْ الياءُ للجزم، ولم يُعْتَدَّ بهذا العارِض فبقيتِ الهاءُ على ما كانت عليه. وأمَّ الإِشباعُ فنظراً إلى اللفظِ لأنَّ الهاءَ بعد متحرِّكٍ في اللفظِ، وإنْ كانت في الأصلِ بعد ساكن وهو الياء التي حُذِفَتْ للجزم. والْأَوْلِى أَنْ يُقال: إن الاختلاسَ والإِسكانَ بعد المتحرك لغةٌ ثابتةٌ عن بني عُقَيْل وبني كلاب، حكى الكسائي: (لَهْ مالٌ وِبِهْ داءٌ)) بسكونٍ الهاء، واختلاسٍ حركتها، وبهذا يتبيّنُ أنَّ قولَ مَنْ قال: ((إسكانُ الهاءِ واختلاسُها في هذا النحو لا يجوزُ إلا ضرورةً، ليس بشيءٍ، أَمَّا غيرُ بنِي عُقَيْل وبني كلاب فنعم لا يوجد ذلك عندهم إلا في ضرورةٍ كقولِه(٤). ١٤٥٤ - لَهُ زَجَلٌ كأَنَّهُ صَوْتُ حادٍ إذا طَلَبَ الوسيقَةَ أو زميرُ باختلاس هاء «كأنه)»(٥)، وقول الآخر(٦): ١٤٥٥- وأشربُ الماءَ مَا بي نحوه عَطَشٌ إِلَّ لأنَّ عيونَهْ سَيْلُ وادِيهَا (١) انظر إعرابه للآية ٣٨ من البقرة. (٢) السبعة ١١٣؛ البحر ٧١/٣. (٣) السبعة ٢١١، في رواية عبدالوارث واليزيدي عنه. وانظر: البحر ٧١/٣. (٤) تقدم برقم ٣٨٥. (٥) في الأصل ((له)) وهو سهو. (٦) تقدم برقم ١٣٣٦. ٤٢٠