Indexed OCR Text
Pages 361-380
- آل عمران - ومنه قولُهم: ((إنْ ضَيَّعني فلانٌ ففي اللَّهِ كافٍ)) المعنى: الرحمن كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهذا فيه بُعْدٌ. قوله: ((أصابَتْ)) هذه الجملة في محل جر أيضاً صفةٌ لـ ((ريح))، ولا يجوز أن تكونَ صفةً لـ ((صِرّ) لأنه مذكر. وبدأ أولاً بالوصف بالجار لأنه قريب من المفرد ثم بالجملة. هذا إنْ أعربنا ((فيها)) وحده صفةً، ورَفَعْنا به (١) ((صِر))، أمَّا إذا أعربناه خبراً مقدماً و((صِرِّ) مبتدأ فهما جملة أيضاً. قوله: ((ظلموا)) صفة لـ ((قوم))، والضمير في ((ظلمهم)) يعود على القوم ذوي الحرث، أي: ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي التي كانت سبباً في إهلاكه. وجَوَّز الزمخشري (٢) وغيره أن يعودَ على المنفقين، وإليه نحا ابنُ عطية(٣)، ورجَّحه بأنَّ أصحاب الحرث لم يُذْكَروا للردِّ عليهم ولا لتبيين ظلمهِم، بل لمجردٍ التشبيه بهم. قوله: ((ولكنْ أنفسهم يظلمون)) العامةُ على تخفيف ((لكن)) وهي استدراكيةٌ، و((أنفسَهم)) مفعولٌ مقدم، قُدِّم للاختصاص أي: لم يقع وبالُ ظلمهم إلا بأنفسهم خاصةً لا يتخطَّاهم، ولأجلِ الفواصل أيضاً. وقرأها بعضهم (٤) مشددة، ووَجْهُها أن يكونَ ((أنفسَهم)) اسمها، و((يظلمون)) الخبرُ، والعائدُ من الجملة الخبرية على الاسم محذوفٌ تقديرُه: ولكنَّ أنفسَهم يظلمونها، فحُذِف، وحَسَّن حذفَه كونُ الفعلِ فاصلة، فلو ذُكِرَ مفعولُه لغات هذا الغرضُ. وقد خَرَّجه بعضُهم على أن يكون اسمُها ضميرَ الأمر والقصة حُذِف للعلم به، و(أنفسَهم)) مفعولٌ مقدَّمٌ ليظلمون كما تقدَّم، والجملةُ خبرٌ (١) أي بقوله ((فيها)). (٢) الكشاف ١ /٤٥٧. (٣) المحرر ٢٠٦/٣. (٤) البحر ٣٨/٣. ٣٦١ - آل عمران : - لها، وقد رُدَّ هذا بأنَّ حَذْفَ اسمِ هذه الحروف لا يجوز إلا ضرورة كقوله(١). ١٣٩٥ - إنَّ مَنْ يدخلِ الكنيسةَ يوماً يَلْقَ فيها جآذراً وظباءَ على أن بعضَهم لا يَقْصُرِه على الضرورة، مستشهداً بقوله عليه السلام ((إنَّ من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المُصَوِّرون))(٢)، قال: «تقديره إنه))، ويُعْزى هذا للكسائي، وقد ردَّه بعضهم، وخَرَّج الحديث على زيادة ((مِنْ)) والتقدير: إنَّ أشدَّ الناس. والبصريون لا يُجيزون زيادة ((من)) في مثل هذا التركيبِ لِما عُرِفَ غيرَ مرة(٣) إلا الأخفش. آ. (١١٨) قوله تعالى: ﴿مِنْ دونِكم﴾: يجوز أن يكون صفة لـ ((بطانة)) فيتعلَّقَ بمحذوف، أي: كائنةً من غيركم. وقدَّره الزمخشري (٤). (من غيرِ أبناء جنسكم، وهم المسلمون)) ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بفعل النهي. وجَوّز بعضُهم أن تكون ((مِنْ)) زائدةً، والمعنى: دونكم في العمل والإِيمان. وبطانة الرجل: خاصَّتُه الذين يُباطِنُهم في الأمور، ولا يُظْهر غيرَهم عليها مشتقةً من البَطْنِ، والباطنُ: دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك. قال عليه السلام: ((الناسُ دِثار والأنصارُ شِعار))(٥). والشِّعار (١) البيت للأخطل، وهو في ديوانه - بيروت - ٢٧٦؛ وأمالي الشجري ٢٩٥/١؛ والمقرب ١٠٩/١؛ وابن يعيش ١١٥/٣، ورصف المباني ١١٩. والجؤذر: ولد البقرة الوحشية، وقد منع وقوع ((من) اسماً لهاكون الشرط لا يعمل ما قبله فيما بعده. (٢) البخاري: اللباس (الفتح) ٣٨٢/١٠؛ وابن حنبل ٤٢٦/١. (٣) أي أنهم يشترطون تنكير مجرورها وأن تسبق بغير موجب. (٤) الكشاف ٤٥٨/١ . (٥) البخاري (الفتح): المغازي ٤٧/٨ المسند ٤١٩/٢. ٣٦٢ - آل عمران - ما يلي جسدك من الثياب. ويقال: ((بَطَن فلانٌ بفلان بُطوناً وبِطانة))(١). قال الشاعر (٢): ١٣٩٦- أولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانتي وهم غَيْبَتِي مِنْ دونٍ كلِّ قريب قوله: ((لا يَأْلونكم خَبالا)) يقال: ((أَلَا في الأمر يَأْلُو فيه)) أي: قَصَّر نحو: غزا يغزو، فأصلُه أن يتعدَّى بحرف الجر كما ترى. واختُلِف في نصب (خَبالا)) على أوجهٍ. أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ. والضميرُ هو الأول، وإنما تَعَدَّى لاثنين للتضمين. قال الزمخشري (٣): ((يقال: ألا في الأمر يَأْلُو فيه أي: قَصَّر، ثم استُعْمِل مُعَدَّئَّ إلى مفعولين في قولهم: ((لا آلوك نُصْحاً ولا ألوك جُهْداً» على التضمين، والمعنى: لا أمنعُك نُصْحاً ولا أَنْقُصُكه)». الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاط حرفِ الجر، والأصل: لا يألونكم في خَبال أي: في تخبيلكم وهذا غيرُ منقاسٍ، بخلافِ التضمين فإنه منقاسٌ، وإنْ کان فیہ خلافٌ واهٍ. الثالث: أن ينتصبَ على التمييز، وهو حينئذٍ تمييز منقول من المفعولية، والأصلُ: لا يَأْلون خبالكم أي: في خبالكم: ثم جُعِل الضميرُ المضاف إليه مفعولاً بعد إسقاط الخافض، فنُصِب ((الخبال)) الذي كان مضافاً تمييزاً، ومثله قولُه تعالى: ((وفَجِّرْنا الأرضَ عيوناً)(٤) أي: ((عيون الأرضِ))، فَفُعلِ به (١) بطن فلان: صار من خواصه. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٣/٣؛ والعيبة من الرجل: موضع سِرِّه. (٣) الكشاف ٤٥٨/١. (٤) الآية ١٢ من القمر. ٣٦٣ - آل عمران ـ ما تقدَّم، ومثلُه في الفاعلية: ((واشتعل الرأس شيباً(١)) الأصل: ((شيبُ الرأس)»، وهذا عند مَنْ يُثْبت كونَ التمييز منقولاً من المفعولية. وقد مَنْغَه بعضُهم، وتأوَّل قولَه تعالى: ((وفَجَّرْنا الأرضَ عيوناً) على أنَّ ((عيونا)) بدلُ بعضٍ من كل، وفيه حَذْفُ العائدِ أي: عيوناً منها. وعلى هذا التخريجِ يجوزٌ أَنْ يكونَ ((خبالاً)) بدلَ اشتمال من (كم))، والضميرُ أيضاً محذوفٌ أي: ((خبالاً منکم، وهذا وجه رابع. [١٧٣/ب] الخامس: أنه / مصدرٌ في موضع الحال أي: مُتَخَّبِّلين. السادس: قال ابن عطية (٢): معناه: لا يُقَصِّرون لكم فيما فيه من الفسادِ عليكم))، فعلى هذا الذي قَدَّره يكونُ المضمر و((خبالاً)) منصوبين على إسقاطِ الخافض وهو اللام و ((في)) . وهذه الجملةُ فيها ثلاثةُ أوجه. أحدُها: أنها استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، وإنما جيء بها وبالجملِ التي بعدَها لبيانِ حالِ الطائفةِ الكافرة حتى يَنْفِروا منها فلا يتخذوها بِطانةً، وهو وجه حسن. والثاني: أنها حالٌ مِنْ الضمير المستكنِّ في ((مِنْ دونكم)) على أنَّ الجارَّ صفةٌ لـ ((بطانة)). والثالث: أنها في محلِّ نصبٍ نعتّاً لـ((بطانة)) أيضاً. والْأَلْوُ بزنة ((الغَزْوِهِ التقصيرُ كما تقدَّم، قال زهير (٣): ١٣٩٧- سَعَى بعدَهم قومٌ لكي يُذْرِکوهمُ فلم يَفْعَلوا ولم يُلِيموا ولم يَأْلُوا (١) الآية ٣ من مريم. (٢) المحرر ٢٠٧/٣. (٣) الديوان ١١٤؛ البحر ٣٣/٣. ٣٦٤ - آل عمران - وقال امرؤ القيس(١): ١٣٩٨ - وما المرءُ ما دَامَتْ حُشاشَةُ نفسِه بمُدْرِكِ أَطْرافِ الخطوبِ ولا آلِ يقال: آَلَى يُؤْلِي بزنة ((أَكْرم))، فَأُبْدِلَتِ الهمزةُ الثانية ألفاً، وأنشدوا(٢): ١٣٩٩- فما آلَى بَنِيَّ ولا أساؤوا ويقال: انتلَى يَأْتّلي بزنة ((اكتسب)» يكتسب، قال امرؤ القيس (٣). ١٤٠٠_ ألا رُبَّ خصمٍ فيكِ أَلْوى رَدَدْتُه نصيحٍ على تَعْذالِه غيرُ مُؤْتَلٍ فيتحدُ لفظُ ((آلى)) بمعنى قصَّر و((آلى)) بمعنى حَلَف، وإنْ كان الفرقُ بينهما ثابتاً من حيث المادةُ؛ لأنَّ لامَه من معنى الحَلْف ياء، ومِنْ معنى التقصير واو. وقال الراغب(٤): ((وأَلَوْتُ فلاناً أي: أوْلَيْتُه تقصيراً نحو: كسبته أي: أوليته كَسْباً وما أَوْتُه جُهْداً أي: ما أَوْلَيْتُه تقصيراً بحسَبِ الجُهْد، فقولُك: (جُهْداً)) تمييز. وقوله: لا يَأْلونكم خَبالا)) منه، أي: لا يُقَصِّرون في طلبٍ الخَبَال. وقال تعالى: ((ولا يَأْتَلِ أولو الفَضْلِ))(٥) قيل: هو يفتعل من أَلَّوْت، وقيل: هو من آليت أي: حَلَفْتُ. (١) الديوان ٣٩. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان ((ألا)) وصدره: وإنَّ كنائني لنساءُ صِدْقٍ (٣) ديوانه ١٨، وشرح القصائد للتبريزي ٩٩؛ والألوى: الشديد الخصومة، وغير مؤتل: أي : غير تارك نصحى بجهده. (٤) المفردات ١٨. (٥) الآية ٢٢ من النور. ٣٦٥ - آل عمران :- والخَبالُ: الفسادُ، وأصلُه ما يلحَقُ الحيوانَ من مرضٍ وفتورٍ فيورِتُه فساداً واضطراباً، يقال منه: خَبَله وخَبَّله بالتخفيف والتشديدِ فهو خابِلٌ ومُخْبَلٌ ومَخْبول ومُخَبَّل. ويقال: خَبْل وخَبَل وخَبال. وفي الحديث: ((مَنْ شرب الخمر ثلاثاً كان حقاً على اللّهِ أن يَسْقِيَه من طينة الخبال))(١) وقال زهير ابن أبي سلمى (٢): ١٤٠١ - هنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخْبِلوا وإنْ يَسْأَلُوا يُعْطُوا وإنْ يَبْسِرُوا يُغْلُوا والمعنى في هذا البيت: أنهم إذا طُلِب منهم إفسادُ شيء من إِيلِهِم أفسدوه، وهذا كنايةٌ عن کرمِهم. قوله: ((وَدُّوا ما غَيِتُّم) في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أَوْجَهُها: أن تكونَ مستأنفةً كما هو الظاهرُ فيما قبلها. والثاني: أنها نعتٌ لـ ((بطانة)) فمحَلُّها نصبُ. والثالث: أنها حالٌ من الضمير في ((يْلونكم)). و(ما)) مصدريةً، و((عَنِتْم)) صِلَتُها، وهي وصلتُها مفعولُ الوَدادة أي: عَنْتُكم أي: مَقْتَكُم. وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ في البقرةِ عند [قوله] ((لَأَعْنَتَكم))(٣). وقال الراغب(٤) هنا: ((المعاندَةُ والمعانَّةُ يتقاربان، لكنَّ المعاندة هي الممانعة، والمعانتَةُ أَنْ يَتَخَرَّى مع الممانَعَةِ المَشَقَّةُ. قوله: ((قد بَدَتِ البغضاءُ)) هذه الجملةُ كالتي قبلها، وقرأ عبد الله(٥): (بدا) من غيرتاء، لأنَّ الفاعلَ مؤنثٌ مجازي ولأنَّها في معنى البغض. والبغضاء (١) رواه أبو داود: الأشربة ٨٦/٤؛ ابن حنبل ٣٥/٢. (٢) تقدم برقم ١٢٥. (٣) انظر الآية ٢٢٠ من البقرة. (٤) المفردات ٣٦١. (٥) البحر ٣٩/٣. ٣٦٦ - آل عمران - مصدرٌ كالسرَّاءِ والضَّرَّاءِ. يقال منه: بَغُض الرجلُ فهو بغيض كظُرُفَ فهو ظريف . وقوله: ((من أفواههم)) متعلُّقٌ بـ ((بَدَتْ)) ((ومِنْ)) لابتداء الغاية. وجَوِّز أبو البقاء (١) أن تكونَ حالاً أي: خارجةً من أفواههم. والأفْواه: جمعُ فم، وأصلُه: فوه، فلامُه هاء، يَدُلُّ على ذلك جَمْعُه على ((أفواه))، وتصغيرُه على (فُوَيْه)، والنسبُ إليه على فَوْهِيّ، وهل وزنُه فَعْل بسكون العين أو فعَل بفتحِها؟ خلافٌ للنحويين، وإذا عَرَفْتَ ذلك فاعلَمْ أنهم حَذَفوا لامَه تخفيفاً فبقي آخرُه حرف علة فَأَبْدَلوها ميماً لقُربها منها لأنهما من الشَّفَة، وفي الميم هَوِيٌّ في الفم يضارع المدَّ الذي في الواو، هذا كلَّه إذا أفردوه عن الإِضافةِ، فإِنْ أضافوه لم يُبْدِلوا حرفَ العلة كقوله(٢): ١٤٠٢ - فُوهٌ كَشَقِّ العَصا لأياً تَبَيِّنُهُ وقد عُكِس الأمرُ في الطرفين، فَأَتى بالميمِ في الإِضافةِ وبحرفِ العلةِ في القطعِ عنها، فمِنَ الأولِ قولُه(٣): ١٤٠٣- يُصْبِحُ ظمآنَ وفي البحرِ فَمُهْ وخَصَّه الفارسي وجماعةٌ بالضرورةِ، وغيرُهم جَوَّزه سَعَةً، وَجَعَل منه (١) الإملاء ١٤٧/١. (٢) البيت لعلقمة بن عبدة وعجزه: أُسَكُّ ما يسمع الأصواتَ مصلومُ وهو في الديوان ٥٩؛ والمفضليات ٣٩٩. والبيت في وصف النعام؛ واللأي: الجهد؛ والسكك: ضيق الأذنين؛ والمصلوم: المقطوع الأذن. (٣) البيت لرؤية، وهو في ديوانه ١٥٩؛ والمخصص ١٣٦/١؛ والخزانة ٢٦٦/٢؛ والدرر ١٤/١. ٣٦٧ - آل عمرانْ بُ [١٧٤/ أ] قولَه عليه السلام /: (لَخُلوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عِند اللّهِ مِنْ ريحٍ. المسك))(١)، ومِن الثاني قوله(٢): ١٤٠٤ - خالَطَ مِنْ سَلْمى خياشيمَ وفَا أي: ((وفاها))، وإنما جاز ذلك لأنَّ الإِضافةَ كالمنطوق بها، وقَالَتْ العرب: ((رجلٌ مُفَوَّه)) إذا كان يجيد القول، وهو أَقْوَهُ منه أي: أوسع (٤) فماً، وقال لبيد (٣). ١٤٠٥_ وما فاهوا به أبداً مُقيمُ وفي الفم تسع لغات(٥)، وله أربعُ مواد: فوه، فمو، ف مي، ف مم، بدليل أفواه وفَمَوَيْن وفَمَيَّيْن وأفمام. قوله: ((وما تُخْفِي)) يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ أَي: تُخْفيه، فَحُذِفِ، وأَنْ تكونَ المصدريةَ أي: وإخفاءُ صدورهم، وعلى كِلا التقديرين فـ ((ما)) مبتدأٌ، و((أكبرُ» خبرُه، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ أي: أكبرُ من الذي أَبْدَوه بأفواههم. (١) البخاري (الفتح) الصوم ١٠٣/٤؛ مسلم: الصوم ٨٠٧/٢. (٢) البيت للعجاج وقبله : حتى تناهى في صهاريج الصفا وهو في الديوان ٢٢٥/٢؛ والمخصص ١٣٦/١؛ وابن يعيش ٨٩/٦؛ والهمع ٤٠/١ والدرر ١٤/١. (٣) الأصل: «واسع» وهو سهو. (٤) البيت لأمية بن أبي الصلت. وعجزه: فلا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها وهو في ديوانه ٥٤؛ وليس للبيد، واللسان: سهر، والدرر ١٩٩/٢. (٥) انظر: اللسان: فوه. ٣٦٨ - آل عمران - قوله: ((إنْ كنتم)) شرطٌ حُذِفَ جوابُه لدلالةِ ما تقدَّم عليه، أو هو ما تقدَّم عند مَنْ يرى جوازَه(١). أ. (١١٩) وقوله تعالى: ﴿ها أنتم أُولاء ◌ُحُبُّونهم): قد تقدَّم نظيرُه وتحقيقُه مرتين(٢)، ونزيد هنا أن يكونَ (أولاء)» في موضعٍ نصبٍ بفعل محذوف، فتكونُ المسألةُ من الاشتغال نحو: ((أنا زيداً ضربته)) وقوله: (ولا يُحِبُّونكم)) يُحتمل أن يكونَ استئنافَ إخبارٍ وأَنْ يكونَ جملةً حالية. و((الكتاب)) يجوز أَنْ تكونَ الألفُ واللامُ للجنس، والمعنى بالكتبِ كلها، فاكتفى بالواحد، ويجوزُ أن تكونَ للعهدِ، والمرادُ به كتابٌ مخصوصٌ. وقوله: ((عليكم). متعلَّقٌ بـ ((عَضُوا))، وكذلك: ((من الغيظِ)). و((مِنْ)) فيه لابتداءِ الغاية، ويجوز أَنْ تكونَ بمعنى اللام فتفيدَ العلة أي: من أجلٍ الغَيْظِ. وجَوَّز أبو البقاء(٣) في ((عليكم)) وفي ((من الغيظ)) أن يكونا حالَيْن، فقال: ((ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي: حَنِقين عليكم، ((من الغيظِ)) متعلِّقٌ بـ عَضُّوا)) أيضاً، و((مِنْ)) لابتداء الغايةِ أي: من أجلِ الغيظِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي: مغتاظين)) انتهى. وقولُه: ((ومِنْ لابتداء الغاية أي: من أجل الغيظ)) كلامُ متنافر، لأنَّ التي للابتداء لا تُفَسَّر بمعنى ((من أجل)) فإنه معنى العلة، والعلةُ والابتداء متغايران، وعلى الجملةِ فالحاليةُ فيها لا يَظْهَرُ معناها، وتقديرُه الحالَ ليس تقديراً صناعياً، لأنَّ التقديرُ الصناعِيَّ إنما يكون بالأكوان المطلقةِ . والعَضُّ: الْأُزْمُ بالأسنانِ وهو تحامُلُ الأسنانِ بعضِها على بعضٍ . يقال: عَضِضْتُ بكسر العين في الماضي - أعَضَّ - بالفتحِ - عَضَّأَ وعَضيضاً. قال (١) انظر: الكتاب ٤٣٦/١؛ المقتضب ٦٩/٢ - ٧٢. (٢) انظر الآية: ٨٥ من البقرة، ٦٦ من آل عمران. (٣) الإملاء ١٤٧/١. ٣٦٩ - آل عمران - امرؤ القيس (١): ١٤٠٦ - كفَحْلِ الهجانِ يُنْتَحِي للعضيضِ ويُعَبَّرْ به عن النَدمِ المفرط، ومنه: ((ويومَ يَعَضُّ الظالمُ على يديه))(٢) وإنْ لم يكن ثَمَّ عضّ حقيقةً. قال أبو طالب(٣): ١٤٠٧ - وقد صالَحُوا قوماً علينا أَشِحَّةٌ يَعَضُّون غيظاً: خَلْفَنَا بِالأنامِلِ. جَعَلَ الباءَ زائدةً في المفعول، إذ الأصلُ: يَعَضُّون خلفَنا الأنامل، وله نظائرُ مرت، وقال آخر (٤): ١٤٠٨ - قدَ آَفِنى أنامِلَه أَزْمُهُ فَأَمْسَى يَعَضُّ عليَّ الوَظِيفا وقال الحارث بن ظالم المُرِّي(٥) : ١٤٠٩ - وأقتلُ أقواماً لئاماً أذِلَّةً يَعَضُّون مِنْ غِيظٍ رؤوسَ الأباهِمِْ وقال آخر (٦): (١) ديوانه ٧٥، وصدره: له قُصْرَ يا عَيْرِ وساق نعامةٍ والقصرى: آخر الضلوع، ينتحي : يعترض. (٢) الآية ٢٧ من الفرقان. (٣) وهو أيضاً في ديوان الفرزدق ٨٥٥؛ والمقتضب ٩٠/٤؛ والبحر ٤١/٣. (٤) البيت لصخر الغي الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٧٣/٢؛ والوظيف: الذراع (٥) شواهد الكشاف ٥١٩/٤. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤١/٣. ٣٧٠ - آل عمران - ١٤١٠ - إذا رَأَوْني أُطالَ اللّهُ غِيظَهُمُ عَضُّوا من الغيظِ أَطْرَافَ الأباهيم والعَضُّ كلُّه بالضادِ إلَّ في قولهم: ((عَظَّ الزمانُ)) أي اشتدَّ، وعَظّتِ الحربُ، فإنهما بالظاءِ أختِ الطاء، وأنشد(١): ١٤١١ - وعَظُّ زمانٍ يا بنَ مروانَ لم يَدَعْ من المالِ إلَّ مُسْحتاً أو مُجَلَّفُ وقد رأيته بخط جماعة من الفضلاء: ((وعَضَّ زمان)) بالضاد. والعَضُّ : - بضمِّ الفاء - عَلَف من نوىَّ مرضوضٍ وغيرِه، ومنه: بعير عُضاضِيَّ أي: سمينٌ كأنه منسوبٌ إليه، وأَعَضَّ القومُ: إذا أكلَتْ إبلُهم ذلك والعِضّ - بكسر الفاء - الداهية من الرجال كأنهم تَصَوَّروا عَضَّه وشدته. وزمنٌ عضوضٌ أي: جَدْب، والتَّعْضُوضُ: نوعٌ من التمرِ سُمِّ بذلك لشدة مَضْغِه وصعوبته. والأناملُ: جمع أَنْمُلة وهي رؤوس الأصابع، قال الرماني: ((واشتقاقُها من النملِ هذا الحيوانُ المعروف، شُبُّهَتْ به لدِقَّتها وسرعةِ تصرُّفها وحركتها ومنه قالوا للنّمَّام: نَمِل ومُنْمِل لذلك قال(٢): ١٤١٢- ولستُ بذي نَيْرَبٍ فِيهِمُ ولا مُنْمِشٍ منهمُ مُنْمِلُ وفي ميمها الضم والفتح . والغَيْظُ: مصدر غاظَه يَغِيظه أي: أغضبه، وفَسَّره الراغب(٣) بأنه أشدُّ (١) تقدم برقم ١٠٢٥. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: غمش. والنيرب: الشر والنميمة. والنمش: الفساد. (٣) المفردات ٢٨٢. ٣٧١ - آل عمران - الغضب قال: ((وهو الحرارة التي يَجِدُها الإِنسان من ثَوَران دم قلبه)) قال: ((وإذا وُصِف به اللهُ تعالى فإنما يُراد به الانتقامُ. والتغيظ: إظهارُ الغيظ، وقد يكونُ مع ذلك صوتٌ، قال تعالى: ((سَمِعُوا لها تَغَيُّظاً وزَفيرا)(١). والجملةُ من قوله: ((وتؤمنون)) معطوفةٌ على: ((تُحِبُّونِهم)) ففيها ما فيها من . [١٧٤/ب] الأوجه المعروفة. / وقال الزمخشري(٢): ((والواو في ((وتؤمنون)) للجال وانتصابُها من ((لا يُحِبُونكم)) أي: لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم تُحِبُّونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم)) قال الشيخ (٣): ((وهو حسنٌ، إلَّ أنَّ فيه من الصناعة النحوية ما يَخْدِشُه، وهو أنه جعل الواوَ في ((وتؤمنون)) للجال وانتصابها من ((لا يحبونكم))، والمضارعُ المثبتُ إذا وَقَع حالاً لا تدخُلُ عليه واو الحال تقول: ((جاء زيدٌ يضحك)) ولا يجوز: ((ويضحك)). فأمَّا قولُهم: ((قمتُ وأَصُكُ عينَهُ)) ففي غايةِ الشذوذِ، وقد أُوَّلَ على إضمارٍ مبتدأ أي: ((وأنا أصُكُ عينه)) فتصيرُ الجملةُ اسميةً، ويُحتمل هذا التأويلُ هنا أي: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، لكنَّ الْأُوْلى ما ذكرناه من كونها للعطف)» يعني فإنه لا يُحْوِج إلى حَذْفٍ بخلافِ تقدير مبتدأ فإنه على خلاف الأصل. وثَمَّ جملةٌ محذوفةٌ يَدُلُّ عليها السياقُ، والتقدير: وتُؤمْنون بالكتاب كله ولا يُؤمنون هم به كلِّه، بل يقولون: نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض. قوله: ((بغيظكم)) يجوز أَنْ تكونَ الباءُ الحالِ أي: موتوا ملتبسين بغيظِكم لا يُزايلكم، وهو كنايةٌ عن كثرةِ الإِسلام وفُشُوَّه، لأنه كلما ازداد الإِيمان زاد غيظُهم. ويجوز أنْ تكونَ للسببية أي: بسبب غيظكم. (١) الآية ١٢ من الفرقان. (٢) الكشاف ١ / ٤٥٩. (٣) البحر ٤٠/٣. ٣٧٢ - آل عمران - وقوله: ((موتوا)» صورتُه أمر ومعناه الدعاء، وقيل: معناه الخبر أي: إن الأمر كذلك، وقد قال بعضهم: ((إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الدعاء لأنه لو أمره(١) بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة فإنَّ دعوته لا تُرَدُّ، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآية، ولا يجوز أن يكونَ بمعنى الخبرِ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أَخْبَرِ ولم يؤمِنْ أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المَعْنَيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ والتهديد، ومثله: ((اعملوا ما شئتم))(٢) ((إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت))(٣). وهذا الذي قاله ليس بشيء؛ لأنَّ مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء إنْ قصد به الدعاء، ولا تحت الخبر إنْ قصد به الإخبار. آ. (١٢٠) وقرأ العامة: ﴿إِنْ تَمْسسكم﴾ بالتأنيث، مراعاةً للفظ ((حسنة))، وقرأ أبو عبدالرحمن بالياء من تحت(٤)، لأن تأنيثها مجازي، وقياسُه أن يقرأ: ((وإنْ يصبكم سيئة)) بالتذكير أيضاً، ولا أحفظ عنه فيها شيئاً. قوله: ((إنَّ الله عليم بذات الصدور)) يُحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفةً، أخبر تعالى بذلك؛ لأنهم كانوا يُخْفُون غيظهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن تكون من جملة المقول أي: قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول. ومعنى قوله ((بذات)) أي: بالمضمرات ذواتِ الصدور، فـ ((ذات)) هنا تأنيث ((ذي)) بمعنى صاحب، فَحُذِف الموصوف وأقيمت صفتُه مُقامه أي: عليم بالمضمراتِ صاحبةِ الصدور، وجُعِلَتْ صاحبةً للصدور لملازمتها لها وعدم انفكاكها عنها نحو: أصحاب الجنة، أصحاب النار. (١) الأصل: ((أمرهم)) وهو سهو. (٢) الآية ٤٠ من فصلت. (٣) رواه البخاري: الأنبياء (الفتح) ٥١٥/٦؛ أبو داود: الأدب ١٤٩/٥. (٤) البحر ٤٣/٣. ٣٧٣ - آل عمران - واختلفوا على الوقف على هذه اللفظة: هل يُوقف عليها بالتاء أو بالهاء؟ فقال الأخفش والفراء وابن كيسان: ((الوقفُ عليها بالتاء إتباعاً لرسم المصحف)). وقال الكسائيّ والجرميّ: ((يُوقَفُ عليها بالهاء لأنها تاءُ تأنيث، كهي في ((صاحبه)). وموافقةُ الرسم أَوْلِى، فإنه قد ثَبَتَ لنا الوقفُ على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا هنا بالتاء وافقنا تلك اللغة والرسم، بخلاف عکسِه . قوله: ((لا يَضُرُّكم)) قرأ نافع(١) وابن كثير وأبو عمرو: ((يَضِرْكم)) بكسر الضاد وجَزْم الراء على جواب الشرط من ضاره يَضيره، ويقال أيضاً: ضاره يَضوره، ففي العين لغتان. ويقال: ضاره يضيرُه ضَيْراً فهو ضائر وهو مَضِيرُ، وضاره يَضُورِهِ ضَوْراً فهو ضائرٌ وهو مَضُور، نحو: قلتُه أقوله فأنا قائل وهو مقول. وقرأ الباقون: ((يَضُرُّكم)) بضم الضاد وتشديد الراء مرفوعة. وفي هذه القراءة أوجه، أحدها: أن الفعل مرتفع وليس بجواب للشرط، وإنما هو دالٌّ على جواب الشرط، وذلك أنه على نية التقديم، إذ التقدير: لا يَضُرُّكمِ أنْ تصبروا وتتقوا فلا يَضُرُّكم))، فَحُذِف ((فلا يضركم)) الذي هو الجواب لدلالةِ ما تقدم عليه، ثم أُخَّر ما هو دليل على الجواب، وهذا الذي ذكرته هو تخريج سيبويه (٢) وأتباعِه. وإنما احتاجوا إلى ارتكاب هذا الشطط لما رأوا من عدم [١٧٥/أ] الجزم في فعل / مضارع لا مانعَ من إعمال الجازم فيه، ومثلُ هذا قَوْلُ الآخر(٣): ١٤١٣ - يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ إِنَّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْفُرَعُ (١) السبعة ٢١٥؛ الكشف ٣٥٥/١. (٢) الكتاب ٢٣٦/١. (٣) تقدم برقم ١٢٣٩. ٣٧٤ - آل عمران - برفع ((تُصْرع)) الأخير، وكذلك قوله(١): ١٤١٤ - وإنْ أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ برفع ((يقول)) إلَّ أنَّ هذا النوع(٢) مُطَرِدٌ بخلافِ ما قبله، أعني كون فعلَيْ الشرطِ والجزاءِ مضارعين فإنَّ المنقولَ عن سيبويه(٣) وأتباعِه وجوبُ الجزم إلا في ضرورة كقوله: ((إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرِعُ))، وتخريجُه هذه الآيةَ على ما ذكرته عنه يدل على أن ذلك لا يُخَصُّ بالضرورة فاعلم ذلك: الوجه الثاني: أنَّ الفعلَ ارتفعَ لوقوعه بعد فاء مقدرة هي وما بعدها الجواب في الحقيقة، والفعل متى وقع بعد الفاء رُفع ليس إلا، كقوله تعالى: ((مَنْ عاد فينتقُم الله منه))(٤) والتقدير: فلا يَضُرُّكم، والفاء حُذِفت في غير محل النزاع كقوله(٥): ١٤١٥ _ مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللَّهُ يشكُرها والشرُّ بالشر عند الله سِيَّانِ أي: فالله يشكرها. وهذا الوجهُ رأيت بعضَهم ينقله عن المبرد، وفيه نظر (٦)، من حيث إنهم لمَّا أنشدوا البيتَ المذكور نقلوا عن المبرد أنه لا يجيز حَذْفَ هذه الفاء البتة لا ضرورةً ولا غيرها، وينقلون عنه أن كان يقول: ((إنما الرواية في هذا البيت: منْ يفعلِ الخيرَ فالرحمنُ يَشْكُرُه (١) تقدم برقم ١٢٣١. (٢) أي إذا كان فعل الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً. (٣) الكتاب ٤٣٦/١. (٤) الآية ٩٥ من المائدة. (٥) تقدم برقم ١٤٠. (٦) مذهبه في المقتضب ٦٩/٢ - ٧٢ على تقدير الفاء. ٣٧٥ - آل عمران - وَرُدُّوا عليه بأنه إذا صَحَّت روايةٌ فلا يَقْدَح فيها غيرُها. ورأيت بعضَهم ينقله عن الفراء (١) والكسائي، وهذا أقرب. الوجه الثالث: أن الحركة حركةُ إتباع، وذلك أن الأصل: لا يَضْرِرْكم بالفك لسكونِ الثاني جزماً، وسيأتي أنه إذا التقى مِثْلان في آخرِ فعلٍ سكن ثانيهما جزماً أو وقفاً فللعرب فيه مذهبان: الإِدغامُ - وهو لغة تميم - والفُ - وهو لغة الحجاز-، لكن لا سبيل إلى الإِدغام إلا في متحرك، فاضطُررنا إلى تحريك المثلِ الثاني: فَحَرَّكناه بأقرب الحركات إليه وهي الضمةُ التي على الحرفِ قبلَه، فحرَّكناه بها وأدغمنا ما قبله فيه فهو مجزوم تقديراً، وهذه الحركةُ في الحقيقة حركةُ إتباعٍ لا حركةُ إعراب بخلافها في الوجهين السابقين قبل هذا فإنها حركة إعراب. واعلم أنه متى أُدْغِم هذا النوع: فإمَّا أن تكونَ فاؤه مضمومةً أو مفتوحة أو مكسورة، فإن كانت مضمومة كالآية الكرية وقولهم ((مُدَّ)) ففيه ثلاثة أوجه حالةَ الإِدغام: الضمُّ للإِتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين فتقول: مُدُّ ومُدَّ ومُدِّ، ورُدُّ ورُدَّ ورُدِّ. ويُنْشدون على ذلك قولَ جرير(٢): ١٤١٦ - فَغُضِّ الطّرِفَ إِنَّك من نُمَيْر فلا كعباً بَلَغْتَ ولا كِلاَيَا بضم الضاد وفتحها وكسرها على ما ذكرته لك، وسيأتي أنَّ الآية قرىء فيها بالأوجه الثلاثة. وإن كانت مفتوحة نحو: عَضَّ، أو مكسورة نحو فِرَّ، كان في اللامِ وجهان: الفتح والكسرُ، إذ لا وجهَ للضم، لكن لك في نجو: ((فِرَّ) (١) معاني القرآن ٢٣٤/١: (٢) ديوانه ٧٥؛ والكتاب: ١٦٠/٢. ٣٧٦ - آل عمران - أن تقول: الكسرُ من وجهين: إمّا الإتباعِ وإمَّا التقاء الساكنين، وكذلك لك في الفتح نحو: ((عَضَّ)) وجهان أيضاً: إمَّا الإِتباعُ وإمَّ التخفيفُ، هذا كلُّه إذا لم يتصلْ بالفعلِ ضميرُ غائبٍ، فأمَّا إذا اتصل به ضمير غائب نحو: «رُدَّه)) ففيه تفصيلٌ ولغاتٌ يكثُر القولُ فيها ولا (١) يليقُ التعرُّضُ لذلك في هذا النوع. وقرأ عاصم(٢) فيما رواه عنه المفضِّل بضم الضاد وتشديد الراء مفتوحة على ما ذكرت لك من التخفيف /، وهي عندهم أَوْجَهُ من ضم الراء. وقرأ [١٧٥/ب] الضحاك بن مزاحم: ((لا يَضُرِّكم)) بضمِّ الضاد وتشديد الراء مكسورة على ما ذكرْتُه لك مِن التقاء الساكنين، وكأنَّ ابن عطية(٣) لم يحفَظُها قراءةً فإنه قال: «وأمَّا الكسرُ فلا أعرفُها قراءةً». وعبارةُ الزجاج (٤) في ذلك مُتَجَوَّزٌ فيها إذ يظهر من دَرْج كلامِه أنها قراءة. قلت: قد بيَّنْتُ أنها قراءة كما قال الزجاج ولله الحمد. والكَيْدُ: المَكْرُ والاحتيالُ. وقال الراغب(٥): ((وهو نوع من الاحتيال، وقد يكونُ ممدوحاً، وقد يكون مذموماً، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر)». قال ابن قتيبة: ((وأصلُه من المشقةِ مِنْ قَوْلِهِم: ((فلان يكيدُ بنفسِه)) أي يَجُوز(٦) بها غمرات الموت ومشقاته)). ويقال: كِدْتُ فلاناً أَكِيده كبِعْتُهُ أَبيعهُ. قال(٧): ١٤١٧ - مَنْ يَكِدْني بسيٍِّ كنتُ منه كالشَّجا بين حَلْقِه والوَرِيد (١) الواو من ((ولا)) مطموسة في الأصل. (٢) الشواذ ٢٢؛ البحر ٤٣/٣؛ القرطبي ١٨٤/٤. (٣) المحرر ٢١٣/٣. (٤) معاني القرآن ١ / ٤٧٦. (٥) المفردات ٤٤٣. (٦) يُجُوز: يسلك. (٧) البيت لأبي زبيد الطائي وهو في نوادر أبي زيد ٦٨؛ والمقتضب ٥٩/٢؛ والمقرب ٢٧٥/١؛ ورصف المباني ١٠٥. والشجا: الشوك. ٣٧٧ - آل عمران - وقرأ أُبَيُّ: ((لا يَضْرِرْكم)) بالفكِّ وهي لغة الحجاز، وعليها قوله تعالى: ((إنْ تَمْسَسْكم حسنةٌ)). وقوله: ((شيئاً)) منصوبٌ نصبَ المصادر أي: شيئاً من الضرر، وقد تقدم نظيره، وقرأ العامة: ((بما يعملون محيطٌ)) بالغَيْبة وهي واضحة. وقرأ الحسن(١) بالخطاب: إمَّا على الالتفاتِ وإمَّا على إضمارِ ((قل لهم يا محمد)). أ. (١٢١) قوله تعالى: ﴿وإذ غَدَوْتَ﴾ العامل في ((إذ)) مضمرٌ تقديرهُ: واذكر إذ غدوت، فينتصِبُ انتصابَ المفعول به لا على الظرف. وجَوَّز بعضُهم أَن يكون معطوفاً على ((فئتين)) في قوله: ((قد كان لكم آية في فئتين))(٢) أي: قد كان لكم آيةٌ في فئتين وفي إذ غَدَوْتَ، وهذا لا ينبغي أن يُعَرَّج عليه. والغدوُ: الخروجُ أولَ النهار يقال: غَدا يَغْدُو أي: خَرَجَ غُدْوَةٌ، ويُسْتعمل بمعنى صار عند بعضهم، فيكونُ ناقصاً يرفع الاسم وينصبُ الخبر، وعليه قولُه [عليه] السلام(٣): ((لو توكلتم على الله حَقَّ توَكَّلِهِ لرزقكم كما يرزق الطيرَ تَغْدُو خِماضَاً وَتَرُوحٍ بِطانً» .. وقوله: ((من أهلك)) متعلق بـ ((غَدَوْتَ)) وفي ((من)) وجهان، أظهرهما: أنها لابتداء الغاية أي: من بين أهلك، قال أبو البقاء(٤): ((وموضعُه نصب تقديره: فارقْتَ أهلك)) وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب ولا تفسير معنى، فإن المعنى على غير ما ذكر. والثاني: أنها بمعنى مع أي: مع أهلك، وهذا لا يساعده لا لفظً ولا معنى . قوله: ((تُبُوِىءُ)) الجملة يجوز أن تكون حالاً من فاعل ((غدوت))، وهي (١) الشواذ ٢٢؛ البحر ٤٣/٣. (٢) الآية ١٣ من آل عمران. (٣) ابن ماجة: الزهد ١٣٩٤/٢؛ ابن حنبل ٣٠/١. (٤) الإملاء ١٤٨/١. ٣٧٨ - آل عمران - حال مقدرة أي: قاصداً تَبْوِئَةَ المؤمنين، لأنَّ وقت الغدو ليس وقتاً للتَّبْوئة. ويحتمل أن تكون مقارنةً؛ لأنَّ الزمان متسع. وتُبَوِّىءُ أي: تُنَزِّلُ فهو يتعدى لمفعولين إلى أحدهما بنفسه وإلى آخر بحرف الجر، وقد يُحْذف كهذه الآية. ومِنْ عدم الحذف قوله تعالى: (وإذ بَوَأْنا لإِبراهيمَ مكانَ البيت))(١) وأصله من المَبَاءة وهي المَرْجِعُ. قال(٢): ١٤١٨ - وما بَوَّأ الرحمنُ بَيْتَك منزلاً بشرقيِّ أَجيادِ الصَّفا والمُحَرَّمِ وقال آخر(٣): ١٤١٩ - كم مِن أخٍ لي صَالحٍ بيدَيَّ لَحْدا بَوَأْتُه وقد تقدَّم اشتقاق هذه اللفظة. وقيل: ((اللام في قوله ((لإِبراهيم)) مزيدةٌ، فعلى هذا يكون متعدياً للاثنين بنفسه)). ومقاعد جمع ((مَقْعَد)). والمراد به هنا مكانُ القُعودِ. وقعد قد يكون بمعنى صار في المَثَل خاصة. وقال الزمخشري (٤): ((وقد اتّسِع في قعد وقام حتى أُجْرِيا مُجرى صار)). قال الشيخ (٥): ((أمَّا إجراء (فُعَد)) مُجْرى ((صار)) (١) الآية ٢٦ من الحج. (٢) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ١٢٣ وروايته فيه: وما جَعَل الرحمنُ بيتك في العُلى وهذا في البحر ٤٥/٣ . بأجيادٍ غربي الصَّفا والمُحَرَّمِ (٣) البيت لعمروبن معد يكرب الزبيدي. وهو في الحماسة ١٠٥/١؛ وشواهد الكشاف ٤ /٣٧٧. واللحد: القبر. (٤) الكشاف ٤٦٠/١. (٥) البحر ٤٥/٣ . ٣٧٩ - آل عمران فقال بعض أصحابنا إنما جاء ذلك في لفظة واحدة شاذة في المثل(١) في قولهم: ((شَحَذَ شَفْرَته حتى قَعَدَتْ كأنها حَرْبة)»، وكذلك نَقَدٍ على الزمخشري تخريجَه قوله تعالى: (فتقعدَ مَذْموماً))(٢) بمعنى: فتصيرَ، لأنه لا يَطَرِدُ إجراء قَعَد مُجْرى صار» قلت: وهذا الذي ذكره الزمخشري صحيح من كون ((قعد)» يكون بمعنى صارَ في غير ما أشار إليه هذا القائل، حكى أبو عمر الزاهد عن ابن الأعرابي أن العرب تقول: ((قَعد فلان أميراً بعد أن كان مأموراً) أي صار. ثم قال الشيخ(٣): ((وأمَّا إجراء ((قام)) مجرى ((صار)) فلا أعلم أحداً عَدَّها في أخوات ((كان))، ولا جعلها بمعنى صار، إلا ابن هشام الخضراوي (٤) فإنه ذكر [١٧٦/ أ] في قول الشاعر(٩): / ١٤٢٠- على ما قامِ يَشْتِمُني لئيمٌ كخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رماد قلت: وغيرُه من النجويين يجعلُها زائدةً، وهو شاذ أيضاً. وقرأ العامة: ((تُبَوِّىءُ)) عَدَّوْه بالتضعيف. وعبد الله (٦): ((تُبْوِىءُ)) بسكون الباء عَدَّاه بالهمزة، فهو مضارع أَبْوأَ كأكرم، وقرأ يحيى بن وثاب ((تُبْوي)) كقراءة عبدالله، إلا أنه سَهَّل الهمزة بإبدالها ياء فصار لفظه كلفظ ((تُحْيي)) كقولهم: تُقْري في تُقْرىء: وقرأ عبدالله: ((للمؤمنين)) بلام الجر كقوله: ((وإذ بَوَّأْنَا (١) المثل هنا: التشبيه بين شيئين. (٢) الآية ٢٢ من الإسراء: ((لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً)). (٣) البحر ٤٥/٣. (٤) أبو عبدالله محمد بن يحيى الأندلسي، أخذ عن ابن خروف وأخذ عنه الشلوبين، وله: أبنية الأفعال والاقتراح: توفي ٦٤٦. انظر: البلغة ٢٥٠؛ والبغية: ٢٦٧/١. (٥) تقدم برقم ١١٦. (٦) انظر في وجوه قراءاته: الشواذ ٢١؛ البحر ٤٦/٣. ٣٨٠