Indexed OCR Text

Pages 341-360

- آل عمران -
وقال صاحب ((أسرار التنزيل))(١): ((بل قد اعتُرِض على النحاة في
قولهم: ((لَمَّا حُذِف ((يُقال)) حُذِفت الفاءُ)) بقوله تعالى: ((وأمَّا الذين كفروا أفلم
تكن آياتي تُتْلى عليكم))(٢) فَحَذَف ((يُقال)) ولم يَحْذِفِ الفاء، فلمَّا بَطَل هذا
تعيِّن أن يكونَ الجوابُ في قوله: ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)» فوقَع
ذلك جواباً له، ولقوله: ((أَكَفَرْتُمْ))، ومِنْ نَظْمِ العربِ إذا ذَكَروا حرفاً يقتضي
جواباً له أَنْ يَكْتَفُوا عن جوابِه حتى يَذْكُرُوا حرفاً آخَر يقتضي جواباً، ثم
يَجْعَلُون له جواباً واحداً كما في قوله تعالى: ((فإِمَّا يأتِيَّنَّكم مني هُدى فَمَنْ تَبَعَ
مُداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)»(٣)، فقوله: «فلا خوفٌ علیھم» جوابُ
للشرطين معاً، وليس ((أفلم)) جوابَ ((أمَّا)) بل الفاءُ عاطفةٌ على مقدَّرٍ، والتقدير:
أأهملتكم فلم أتلُ علیکم آیاتی)».
قال الشيخ (٤): ((وهو كلامُ أديبٍ لا كلامُ نحوي، أمَّا قولُه: ((قد اعتُرِض
على النحاة)) فيكفي في بُطْلان هذا الاعتراضِ أنه اعتراضُ على جميع النحاة،
لأنه ما من نحوي إلّ ويُخَرِّج الآيةَ على إضمارٍ فيقال لهم: أكفرتم، وقالوا:
هذا هو فحوى الخطاب: وهو أن يكون في الكلام شيءٌ مقدرٌ لا يَسْتغني المعنى
عنه، فالقولُ بخلافِه مُخالِفٌ للإِجماع فلا التفاتَ إليه. فأمَّا ما اعترض به من
قوله: ((وأمَّا الذين كفروا أفلم تَكُنْ آياتي)» وأنه قَدَّروه: فيقال لهم: أفلم تكن
آياتِي، فَحَذَف ((فيقال)) ولم يَحْذِف الفاءَ فَدَلَّ على بُطْلان هذا التقدير)) فليس
بصحيحٍ، بل هذه الفاءُ التي بعد الهمزة في ((أفلم)) ليست فاءَ ((فيقال)» التي
هي جوابُ ((أمَّا)) حتى يُقَالَ حَذَف ((يقال)» وبقيت الفاءُ، بل الفاءُ التي هي
(١) وهو كمال الدين عبدالواحد بن عبد الله الأنصاري، واسم كتابه ((نهاية التأميل في أسرار
التنزيل)). البحر ٢٣/٣.
(٢) الآية ٣١ من الجاثية.
(٣) الآية ٣٨ من البقرة.
(٤) البحر ٢٤/٣.
٣٤١

- آل عمران -
جواب ((أمّا)) و((يقال)) بعدها محذوفٌ، وفاء ((أفلم)) تحتمل وجهين أحدهما:
أن تكون زائدة، وقد أنشد النحويون على زيادةِ الفاء قول الشاعر(١):
١٣٧٩ - يموتُ أُناسٌ أو يَشِيبُ فتاهُمُ
ويَحْدُثُ ناسٌ والصغيرُ فيكبُرُ
أي: والصغيرُ يَكْبُرُ، وقولَ الآخر (٢):
١٣٨٠ - لَمَّا اتَّقى بيدٍ عظيمٍ جِرْمُها
فتركْتُ ضاحِي كَفِّه يَتَذَبْسَذَبُ
أي: تركت، وقال زهير(٣):
١٣٨١ - أراني إذا ما بِتُّ بِتُّ على هوى
فَثُمَّ إذا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ غادِيا
يريد: ثم إذا، وقال الأخفش (٤): ((وزعموا أنهم يقولون: ((أخوك فوجَد))
يريدون: أخوك وجَدٌ)) .. والوجه الثاني: أن تكونَ الفاءُ تفسيريةً. والتقدير:
(فيقالُ لهم ما يَسُوْءُهم فألم تكن آياتي)) ثم اعتُنِي بحرف الاستفهام فَقُدِّم عِلَى
الفاءِ التفسيرية، فَقُدِّم كما تَقَدَّم على الفاء التي للتعقيب في نحو قوله: ((أفلم
يَسيروا في الأرض(٥)) وهذا على رأي مَنْ يُثْبِتُ أنَّ الفاءَ تفسيرية نحو: ((توضّأ
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الجمع ١٣١/٢؛ والدرر ١٧٢/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في سر الصناعة ٢٧٠/١؛ والمغني ١٨٠؛ والجرم: الجسد،
والضاحي: الظاهر.
(٣) ديوانه ٢٨٥؛ وسر الصناعة ٢٦٦/١؛ وابن يعيش ٩٦/٨؛ والمغني ١٢٥؛ ورصف
المباني ٢٧٥؛ وشواهد المغني ١٢٥؛ والخزانة ٥٨٨/٣؛ وبتُ على هوى: أي على أمرٍ
أريده.
(٤) معاني القرآن ١٢٤/١
(٥) الآية ١٠٩ من يوسف.
٣٤٢
٠٠

- آل عمران -
زيدٌ فَغَسَل وجهَه ويديه إلى آخر أفعالِ الوضوء)» فالفاءُ هنا ليسَتْ مُرَتِبَةُ وإنَّما
هي مفسِّرةٌ للوضوءِ، كذلك تكونُ في ((أَفَلَمْ تكن آياتي تُتْلَى عليكم)) مفسرةٌ
للقول الذي يَسُوْءُهم .
وقولُ هذا الرجلِ: ((فَلَمَّا بَطَلَ هذا تعيّن أن يكون الجوابُ: فذوقوا)) أي
تعيّن بطلانُ حَذْف ما قدَّره النحويون من قوله ((فيقال لهم» لوجودِ هذه الفاء في
((أفلم تكن)) وقد بيََّّا أن ذلك التقدير لم يبطل وأنه سواء في الآيتين، وإذا كان
كذلك فجواب ((أمَّا)) هو: ((فيقال)) في الموضعين ومعنى الكلام عليه.
وأما تقديره: ((أأهملتكم فلم تكن آياتي تُتْلَى)) فهذه بدعة زمخشرية، وذلك أن
الزمخشري يُقَدِّر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلًا يَصِح عطفُ ما بعدها
عليه، ولا يَعْتقد أنَّ الفاء والواو وثم إذا دَخَلَتْ عليها الهمزةُ أَصلُهُنَّ التقديمُ على
الهمزة، لكن اعتُنِيَ بالاستفهامِ فَقُدِّم على حرف العطف، كما ذهب إليه
سيبويه(١) وغيرُه من النحويين. وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة
/ في ذلك، ويُظْلانُ قولِه الأول مذكورٌ في النحو، وقد تقدم في هذا الكتاب [١٧٠ /ب]
حكايةُ مذهبِ الجماعة في ذلك، وعلى تقدير قول هذا الرجل ((أهملتكم))
فلا بد من إضمارِ القولِ وتقديره: فيقال أأهملتكم، لأنَّ هذا المقدَّرَ هو خبر
المبتدأ، والفاءُ جوابُ أمَّا، وهو الذي يدل عليه الكلامُ ويقتضيه ضرورةً، وقولُ
هذا الرجل: ((فوقع ذلك جواباً له ولقولهِ: أكفرتم)) يعني أنَّ ((فذوقوا العذاب))
جوابٌ لـ((أمَّ)) ولقولهِ: ((أكفرتم)» والاستفهامُ هنا لا جوابَ له إنما هو استفهام على
طريق التوبيخ والإِرذال بهم. وأمَّا قولُ هذا الرجل: ((ومِنْ نظم العرب إلى
آخره)» فليس كلامُ العرب على ما زعم بل يُجْعل لكلِّ جوابُ، إن لا يكن
ظاهراً فمقدرً، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً. وأما دعواه ذلك في قوله تعالى :
(فإِمَّا يأتينّكم مني هدى)) الآية وزعمُه أنَّ قوله تعالى: ((فلا خوفٌ عليهم))
(١) الكتاب ٤٩١/١.
٣٤٣

- آل عمران -.
جوابٌ للشرطين فقولٌ رُوِيَ عن الكسائي، وزعم بعضُ الناسِ أنَّ جوابَ
الشرط الأول محذوفٌ تقديرُه: فاتبعوه، والصحيح أنَّ الشرط الثاني وجوابَه
جوابُ الشرط الأول، وتقدَّمت هذه الأقوالُ الثلاثة عند قوله تعالى: ((فإمّا
یأتینکم مني هُدی انتھی)).
وقوله: ((أكفرتم)) الهمزةُ فيه للإِنكارِ عليهم والتوبيخِ لهم والتعجيب من
حالهم، وفي قوله: ((أكفرتم)) نوعٌ من الالتفاتِ وهو المُسَمَّى عند علماء البيان
بتلوينِ الخطاب، وذلك أنَّ قوله: ((فَأَمَّا الذين اسْوَدَّتْ وجوهُهم)) في حكم
الغيبة، وقولُه بعد ذلك: ((أكفرتم)» خطابُ مواجهة.
آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿ففي رحمةِ الله﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنَّ
الجار متعلُّقٌ بخالِدون. و((فيها)) تأكيدٌ لفظي للحرفِ، والتقديرُ: فهم خالدون
في رحمةِ الله فيها، وقد تقرَّر أنه لا يُؤَكَّد الحرفُ تأكيداً لفظياً إلا بإعادةٍ
ما دَخَلَ عليه أو بإعادةِ ضميرِهِ كهذه الآيةِ، ولا يجوز أن يعودَ وحدَه إلا في
ضرورةٍ كقوله(١):
١٣٨٢- حَتّى [تراها] وكأنَّ وكأنْ
أعناقَها مُشَدَّدَاتٌ بِقَرَنْ
كذا ينشدون هذا البيتَ، وأصرحُ منه في البابِ(٢):
١٣٨٣- فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي
ولا لَلِمَا بِهِمْ أبداً دواءُ
(١) البيت للأغلب العجلي أو خطام المجاشعي، وهو في الهمع ١٢٥/٢؛ والعيني ٤/ ١٠٠؛
والدرر ١٦٠/٢. والقرن: الحبل.
(٢) البيت لمسلم بن معبد الوالبي، وهو في معاني القرآن للفراء ٦٨/١؛ وسر الصناعة
٢٨٣/١٠؛ والمقرب ٢٣٨/١؛ والإنصاف ٥٧١؛ ورصف المباني ٢٠٢؛ وابن يعيش
١٧/٧٨؛ وشواهد المغنى ٥٠٥؛ والدرر ١٥/٢.
٣٤٤

- آل عمران -
ويَحْسُن ذلك إذا اختلف لفظهُما كقولِهِ(١):
١٣٨٤ - فَأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنِي عن بما به
اللهم إلا أَنْ يكونَ ذلك الحرفُ قائماً مقامَ جملةٍ فيكرَّرُ وحده كحروف
الجواب کنعم نعم وبلی بلى ولا لا .
والثاني: أنَّ قولَه: ((ففي رحمة)) خبرٌ لمبتدأٍ مضمرٍ، والجملة بأسرها
جوابُ ((أمَّا)) والتقديرُ: فهم مستقرون في رحمةِ الله، وتكون الجملَةُ بعدَه مِنْ
قوله: ((هم فيها خالدون)) جملةً مستقلةً من مبتدأ وخبرٍ دَلَّتْ على أنَّ الاستقرارَ
في الرحمةِ على سبيلِ الخلود، فلا تَعَلَّقَ لها بالجملةِ قبلَها من حيثُ
الإِعرابُ.
قال الزمخشري (٢): ((فإنْ قلت: كيفَ موقعُ قولِهِ: ((هم فيها خالدون)
بعد قوله: ((ففي رحمة الله)»؟ قلت: موقعُ الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون
فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يَظْعَنُون عنها ولا يموتون)).
وقرأ أبو الجوزاء(٣) وابن يعمر: ((اسوادَّتْ وابياضَتْ)) بألف، وقد تقدَّم
أن قراءتَهما: تَبياضُّ وَتَسْوَادُ وهذا قياسُها. وأصلُ افْعَلَّ هذا أن يكون دالاً على
لون أو عيب حسي كاغْوَرَّ واسْوَدَّ واحْمَرَّ، وألا يكون من مضعفٍ كأُحِمَّ(٤)،
ولا معتلِّ اللامِ كَأَلْهى، وألّ يكونَ للمطاوعة، ونَدَر ((انهارَّ الليل)» و«اشْعارٌ
الرجل)) أي تفرَّق شعره، إذ لا دلالة فيهما على عيب ولا لون، ونَدَرَ أيضاً
(رعَوَّى)) فإنه معتلُّ اللام مطاوعٌ لـ((رَعَوْتُه)) بمعنى كففته، وليس دالاً على عيبٍ
(١) تقدم برقم ٩١٦.
(٢) الكشاف ٤٥٤/١.
(٣) البحر ٢٦/٢.
(٤) أُحِمُّ: قُدْر.
٣٤٥

_ آل عمران -
ولا لونٍ، وأمَّا دخولُ الألف في افْعَلَّ (١) هذا فدالٌّ على مُروض ذلك المعنى،
:
وعدمُها دالَّ على ثبوتِهِ واستقرارِهِ، فإذا قلت: اسودَّ وجهه دلَّ على اتصافه
بالسواد من غير عروض فيه، وإذا قلت ((اسوادَّ» دلَّ على حدوثِهِ، هذا
هو الغالب وقد يُعْكِسُ قال تعالى: ((مُدْهاَمَّتان))(٢) والقصدُ به الدلالةُ على
لزومِ الوصفِ بذلك للجنتين، وقولُه تعالى: ((تَزْوَرَّ عن كهفهم))(٣) القصدُ به
العروضُ لازْوِرار الشمس لا الثبوتُ والاستقرار، كذا قيل، وفيه نظرٌ محتمل،
لأنَّ المقصود وصفُ الشمس بهذه الصفة الثابتة بالنسبة إلى هؤلاء القوم
خاصة .
وقوله: ((فَذُوقوا)) من بابِ الاستعارة، جَعَلَ العذابَ شيئاً يُدْرَكُ بحاسة
الأكل والذوق تصويراً له بصورةٍ ما يُذاق. وقوله: ((بما كنتم)) الباءُ سببيةٌ،
[١٧١/أ) و((ما)) مصدريةٌ ولا تكونُ بمعنى الذي لاحتياجِها إلى العائد، / وتقديرُهُ غيرُ
جائزٍ لعدمِ الشروطِ المجوِّزَةِ لحَذْفِهِ.
آ. (١٠٨) قوله تعالى: ﴿تلك آياتُ الله﴾: مبتدأ وخبر، و(«نتْلوها)»
جملة حالية، وقيل: ((أياتُ الله)) بدلٌ من ((تلك)) و((نتلوها)) جملةٌ واقعةٌ خبراً
للمبتدأ، و((بالحقِّ)) حالٌ من فاعل ((نَتْلوها)) أو مفعوله، وهي حالٌ مؤكدة؛ لأنه
تعالى لا يُنَزِّلها إلا على هذه الصفةِ .
وقال الزجاج (٤): ((في الكلام حذفُ تقديرُه: تلك آياتُ القرآنِ حُجَجُ
اللَّهِ ودلائلُه). قال الشيخ (٥): ((فعلى هذا الذي قَدَّره يكون خبرُ المبتدأ محذوفاً
(١) فتصبح مع دخول الألف اسْوادٍّ، ومع عدمها: اسودٍّ.
(٢) الآية ٦٤ من الرحمن.
(٣) الآية ١٧ من الكهف وهي قراءة ابن عامر كما في السبعة ٣٨٨.
(٤) معاني القرآن ٤٦٦/١
(٥) البحر ٢٧/٣ .
٣٤٦

- آل عمران -
لأنه عنده بهذا التقدير يَتِمُّ معنى الآية، وهذا التقديرُ لا حاجةَ إليه، إذ المعنى
تامٌّ بدونِهِ)). والإِشارة بـ ((تلك)) إلى الآياتِ المتقدمةِ المتضمنةِ تعذيبَ الكفارِ
وتنعيمَ الأبرار.
وقرأ العامة: (نَتْلوها)) بنونِ العظمة وفيه التفاتُ من الغَيْبة إلى التكلم.
وقرأ أبو نُهَيك(١) ((يتلوها)) بالياءِ من تحتُ، وفيه احتمالان، أحدهما: أن يكونَ
الفاعلُ ضميرَ الباري تعالى لتقدُّم ذِكْرِه في قولِه ((آيات الله)) ولا التفاتَ في هذا
التقديرِ بخلافِ قراءةِ العامة. والثاني: أن يكونَ الفاعل ضميرَ جبريل.
قوله: ((للعالمين)) اللامُ زائدةٌ لا تعلُّق لها بشيءٍ، زِيدت في مفعولٍ
المصدرِ وهو ظلم. والفاعلُ محذوفٌ، وهو في التقدير ضميرُ الباري تعالى،
والتقدير: وما اللَّهُ يريد أن يَظْلِمَ العالمين، فزيدت اللامُ تقويةً للعامل لكونه
فرعاً كقوله تعالى: ((فَعَّالٌ لِما يريد))(٢) وقيل: معنى الكلام: وما اللَّهُ يريدُ
ظلمَ العالمين بعضهم لبعض. ورُدَّ هذا بأنه لو كان المرادُ هذا لكان الترکیبُ
بـ (مِنْ)) أولى منه باللام، فكان يقال (ظُلماً من العالمين)) فهذا معنى يَنْبُو عنه
اللفظُ. ونَكَّرَ ((ظلماً)) لأنه في سياق النفي، فهو يَعُمُّ كلُّ نوعٍ من الظلمِ .
آ. (١١٠) قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمةٍ﴾: في ((كان)» هذه ستةُ
أقوال، أحدها: أنها ناقصةٌ على بابها، وإذا كانت كذلك فلا دلالةً على مُضِيٍّ
وانقطاع، بل تصلح للانقطاع نحو: ((كان زيد قائماً)) وتصلح للدوام نحو:
((وكان الله غفوراً رحيما(٣)) ((ولا تَقْربوا الزِّنى إنه كان فاحشة)) (٤)، فهي هنا
بمنزلَةِ ((لم يَزَلْ)) وهذا بحسَبِ القرائن.
(١) البحر ٢٦/٣.
(٢) الآية ١٠٧ من هود.
(٣) الآية ١٦ من النساء.
(٤) الآية ٣٢ من الإِسراء.
٣٤٧

- آل عمران :-
وقال الزمخشري(١): ((كان)) عبارةٌ عن وجود الشيء في زمن ماض على
سبيل الإِبهام، وليس فيه دليلٌ على عَدَمٍ سابق ولا على انقطاع طارىء، ومنه
قوله تعالى «وكان الله غفوراً رحيما)) وقوله: ((كنتم خير أمة)) کأنه قيل: وُچِئْتُم
خيرَ أمة)). قال الشيخ (٢): قوله ((لم تَدُلَّ على عدمٍ سابقٍ)) هذا إذا لم تكن
بمعنى («صار)) فإذا كانت بمعنى ((صار)) دلَّت على عدمٍ سابقٍ، فإذا
قلت: ((كان زيد عالماً) بمعنى ((صار زيد عالماً)) دَلَّتْ على أنه انتقل
من حالة الجهل إلى حالة العلم، وقولُه: ((ولا على انقطاع طارىء)) قد ذكرنا
قبلُ أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يَدُلُّ لفظ المُضِيِّ منها على الانقطاع، ثم
قد تُسْتعمل حيث لا انقطاعَ، وفَرْقٌ بين الدلالة والاستعمال، ألا ترى أنك
تقول: ((هذا اللفظُ يَدُلُّ على العموم)) ثم قد يستعمل حيث لا يُرادُ
العمومُ بل يُراد الخصوصُ. وقوله ((كأنه قيل وُجِدْتُم خيرَ أمة)) هذا يعارِضُ قولَه
(إنها مثلُ قوله: ((وكان الله غفوراً رحيماً)) لأن تقديرَه «وُجِدتم خير أمة)» يَدُلُّ
على أنها التامة وأن ((خير أمة)) حالٌ. وقوله ((وكان الله غفوراً رحيما) لا شك
أنها هنا الناقصةُ فتعارضا)» قلت: لا تعارُضَ لأنَّ هذا تفسيرُ معنَّى لا تفسيرُ
إعراب.
الثاني: أنها بمعنى ((صِرْتُم)) و((كان)) تأتي بمعنى ((صار)» كثيراً كقوله(٣).
١٣٨٥ - بتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها.
قَطَا الخُزْنِ قد كانَتْ فِراخا بيوضُها.
أي: صارَتْ فراخاً.
الثالث: أنها تامةُ بمعنى وُجِدْتُم، و((خير أمة)) على هذا منصوبٌ على:
الحال أي: وُجدتم في هذه الحال.
(١) الكشاف ٤٤/١ .
(٢) البحر ٢٨/٣.
(٣) تقدم برقم ٣٦٤.
٣٤٨

- آل عمران -
الرابع: أنها زائدةٌ، والتقديرُ: أنتم خيرُ أمةٍ، وهذا قولٌ مرجوحٌ أو غَلَطْ
لوجهين، أحدُهما: أنها لا تُزاد أولاً، وقد نَقَلَ ابن مالك(١) الاتفاقَ على ذلك.
والثاني: أنها لا تعمل في ((خير)» مع زيادتِها، وفي الثاني نظرٌ، إذ الزيادةُ
لا تنافي العملَ، وقد تقدَّم عليه دلائلُ في البقرة عند قوله: ((أَنْ لا نقاتِلَ في
سبيل الله))(٢).
الخامس: أنها على بابها، والمرادُ: كنتم في علم الله، أو في اللوح المحفوظ.
السادس: أن هذه الجملةَ متصلةً بقوله ((ففي رحمة الله)) أي: فيُقال لهم
في القيامةِ ((كنتم خير أمة))، وهو بعيدٌ جداً.
قوله: ((أُخْرِجت)) يجوزُ في هذه الجملة أن تكونَ في محلٌّ جر نعتاً
لـ ((أمة)) وهو الظاهرُ، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ نعتاً لـ ((خير)، وحينئذٍ يكونُ
قد رُوعي لفظُ الاسمِ الظاهر بعد ورودِهِ بعد ضمير الخطاب، ولو رُوعي
ضميرُ الخطاب لكان جائزاً أيضاً، وذلك أنه إذا تقدَّم ضميرُ حاضرٍ متكلماً كان
أو غائباً، ثم جاء بعده خبرُه اسماً ظاهراً، ثم جاء بعد ذلك الاسمِ الظاهر
ما يصلُح أن يكونَ وصفاً له كان للعرب فيه طريقان، إحداهما: مراعاةُ ذلك
الضميرِ السابق فيطابقهُ بما في تلك الجملةِ الواقعةِ صفةً للاسم / الظاهر، [١٧١/ب]
والثانية: مراعاةُ ذلك الاسمِ الظاهر فيعيدُ الضميرَ عليه منها غائباً، وذلك
[نحو] قولك: ((أنتَ رجلٌ تأمُرُ بمعروفٍ)) بالخطابِ مراعاةٌ لـ ((أنت))، و((يأمر))
بالغَيْبَةِ مراعاةً لـ ((رجل))، ((وأنا امرؤ أقولُ الحق)) بالمتكلم مراعاةً لـ ((أنا)) و ((يقولُ
الحقِّ)) مراعاةً لامرىء. ومن مراعاةِ الضمير قوله تعالى: ((بل أنتم قومٌ
تَجْهلون))(٣)، ((بل أنتم قوم تُقْتَنُون))(٤)، وقوله: ((وإنك امرؤٌ فيك جاهلية))(٥)
(١) انظر: شرح الكافية الشافية ٤١١/١.
(٢) الآية ٢٤٦ من البقرة.
(٣) الآية ٥٥ من النمل.
(٤) الآية ٤٧ من النمل.
(٥) رواه البخاري: الإيمان (الفتح) ٨٤/١؛ المسند ١٦١/٥.
٣٤٩

- آل عمران -
وقول الشاعر(١):
١٣٨٦- وأنت امرؤٌ قد كَثَّأَتْ لك لِحْيَةٌ
كأنك منها قاعدُ في جُوالِقٍ
ولو قيل في الآية الكريمة ((أُخْرِجْتُم)) مراعاة لـ ((كنتم)) لكان جائزاً من
حيث اللفظُ، ولكن لا يجوز أن يُقرأ به، لأن القراءةَ سنةٌ متبعة، فالأولى أن
تُجْعل الجملةُ صفةً لـ ((أمة)) لا لـ ((خير)) ليتناسبَ الخطابُ في قولهِ:
((تأمرون)».
قوله: ((للناس)) فيه أوجه، أحدُها: أَنْ يتعلَّقَ بـ ((أُخْرجت))، والثاني:
أن يتعلَّق بـ ((خير)) والفرقُ بينهما من حيث المعنى أنه لا يلزَمُ أن يكونوا أفضلَ
الأمم في الوجه الثاني من هذا اللفظ، بل من موضعٍ آخر. والثالث: أنه
متعلقٌّ من حيثُ المعنى لا من حيث الإِعراب بـ (تأمرون)) على أنَّ مجرورَها
مفعولٌ به، فلمَّا قُدِّمَ ضَعُفَ العاملُ فَقَوِيَ بزيادةِ اللام كقوله: ((إنْ كنتم للرؤيا
تَعْبُرون»(٢) أي: تَعْبُرون الرؤيا.
قوله: ((تأمرون)) في هذه الجملةِ أوجه أحدُها: أنها خبرٌ ثان لـ ((كنتم))،
ويكون قد راعى الضمير المتقدم في ((كنتم))، ولوراعى الخبرَ لقال: ((يأمرون)»
بالغيبةِ، وقد تقدَّم تحقيقُهُ. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، قاله
الراغب وابن عطية(٣). الثالث: أنها في محلُ نصبٍ نعتاً لخير أمة، وأتى
بالخطابِ لِما تقدَّم، قالهِ الحوفي. الرابع: أنها مستأنفةٌ بَيِّنَ بها كونَهم خير أمة،
كأنه قيل: السببُ في كونِكم خيرَ الأممِ هذه الخصالُ الحميدة، وهذا أغربُ
الأوجه.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في أمالي القالي ٧٩/٢؛ والمنصف ١٦٥/١؛ والممتع ٢٧٠/١؛
واللسان والتاج: ((كثأ))؛ والممتع ٢٧٠/١؛ والبحر ٢٩/٣. وكثأت: طالت.
(٢) الآية ٤٣ من يوسف.
(٣) المحرر ١٩٥/٣.
٣٥٠

- آل عمران -
:
قوله: ((لكان خيرا)) اسمُ ((كان)) ضميرٌ يعودُ على المصدرِ المدلول عليه
بفعلِهِ، والتقديرُ: لكان الإِيمانُ خيراً كقولهم: ((مَنْ كَذَبَ كان شراً له)) أي:
كان الكذبُ شَرَّاً له، ونحوُه: ((اعدلوا هو أقربُ))(١)، [وقوله](٢):
١٣٨٧- إذا نُهِي السَّفيهُ جَرَى إليه
وخالفَ والسَّفِيهُ إلى خلافٍ
أي: جرى إليه السَّفَهُ.
والمُفَضَّلُ عليه محذوفٌ أي: خيراً لهم مِنْ كفرهم وبقائِهم على
جهلهم. والمرادُ بالخيرية في زعمهم: وقال ابن عطية (٣): ((ولفظةُ ((خير)»
صيغةُ تفضيل ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخيرِ، وإنما جاز ذلك
لِما في لفظ ((خير)) من الشِّياعِ(٤) وتشعُّبِ الوجوهِ، وكذلك هي لفظة ((أفضل))
و((أحب)) وما جرى مجراهما)). قال الشيخ(٥): ((وإبقاؤها على موضوعها
الأصلي أَوْلِى إذا أَمْكَنَ ذلك، وقد أَمْكَنَ ذلك إذ الخيريةُ مطلقةٌ فتحصُلُ بأدنى
مشاركة .
قوله: ((منهم المؤمنون)) إلى آخره: جمل مستأنفة سيقت للإِخبار بذلك.
آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿إلا أذى﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
متصلٌ، وهو استثناءٌ مفرغٌ من المصدر العام، كأنه قيل: لن يَضُرُوكم ضرراً البتة
(١) الآية ٨ من المائدة.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في مجالس ثعلب ٦٠/١؛ والمحتسب ١٧٠/١؛ والخصائص
٤٩/٣؛ والإنصاف ١٤٠؛ والهمع ٦٥/١؛ والدرر ٤٤/١. وجرى: سارع، أي: من
شأن السفيه أن يخالف ناصحه.
(٣) المحرر ١٩٥/٣.
(٤) الشَّياع: مصدر شاع إذا ظهر وتفرَّق.
(٥) البحر ٣٠/٣.
٣٥١

۔ آل عمران -
إلا ضرَر أذى لا يُبالَى به من كلمةٍ سوء ونحوها. والثاني: أنه منقطع أي: لن
يَضُرُّوكم بقتالٍ وغَلَبة، لكن بكلمةٍ أذى ونحوها.
قوله: ((ثم لا يُنْصَرون)) مستأنفٌ، ولم يُجْزَمْ عطفاً على جواب الشرط،
لأنه كان يتغير المعنى، وذلك أن الله تعالى أخبر بعدم نصرتهم مطلقاً،
ولو عطفناه على جواب الشرط للزِم تقييدُه بمقاتلتهم لنا، وهم غيرُ منصورِين
مطلقاً: قاتَلوا أَوْ لم يقاتلوا. وزعم بعضُ مَنْ لا تحصيلَ له أن المعطوف على
جواب الشرط بـ (ثم)) لا يجوزُ جَزْمُه البتةَ، قال: ((لأنَّ المعطوفَ على الجوابِ
جوابُ، وجوابُ الشرطِ يقع بعدَه وعفيبَه، و((ثم)) تقتضي التراخيّ فكيف
يُتَصَوَّرُ وقوعُه عقيبَ الشرط؟ فلذلك لم يُجْزَم مع ((ثم)). وهذا فاسدٌ جداً لقوله
تعالى: ((وإنْ تَتَوَلَّوا يستبدلْ قوماً غيرَكم ثم لا يكونوا أمثالكم))(١) فـ((لا يكونوا)
مجزومٌ نسقاً على ((يستبدل)) الواقعِ جواباً للشرط والعاطفُ ((ثم)). و «الأدبارَ))
مفعولٌ ثان ليولُوكم، لأنه تعذّى بالتضعيف إلى مفعول آخرَ.
آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿أينما ثُقِفُوا﴾: أينما شرطٌ وهي ظرفُ مكان
و ((ما )) مزيدةٌ فيها، فـ((ثُقفوا)) في محلِّ جزمٍ بها، وجوابُ الشرط: إمَّا
محذوفٌ أي: أينما تُقِفُوا غُلِبوا وذُلُّوا، دلَّ عليه قوله: ((ضُرِبت عليهم الذِّلَّة))،
وإمّا نفسُ (ضُرِبَتْ)) عند مَنْ يُجيز تقديمَ جواب الشرطِ عليه، فـ((ضُرِبت
عليهم الذلّةُ)) لا محلِّ له على الأول ومحلَّه الجزمُ على الثاني .
قوله: ((إلا بحبلٍ)) هذا الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو استثناءً
مفرغٌ من الأحوال العامة. قال الزمخشري(٢): ((وهو استثناءً من عامٌ أَعمِّ (٣)
الأحوال، والمعنى: ((ضُرِبَتْ عليهم الذّلَّةُ في عامة الأحوال إلّ في حالٍ
(١) الآية ٣٨ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(٢) الكشاف ٤٥٥/١.
(٣) الكشاف: ((من أعم عام)).
٣٥٢

- ال عمران -
اعتصامهم بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس))، وعلى هذا فهو استثناءٌ متصلٌ.
وقال الزجاج(١) والفراء (٢): ((هو استثناءٌ منقطعٌ)). فقدَّره الفراء: ((إِلَّ أَنْ
يَعْتصموا بحبل من الله))، فَحَذَف ما يتعلَّق به الجارُّ، كما قال حميد بن ثور
الهلالي(٣):
١٣٨٨- رَأَتْنِي بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مخافةٌ
وفي الحبلِ رَوْعاءُ الفؤادِ فَروقُ
أراد: أقبلت بحبلَيْها، فَحَذَفَ الفعلَ للدلالة عليه. ونظّره ابن عطية (٤)
بقوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتلَ مؤمناً إلا خَطَأ))(٥) قال: ((لأن بادي
الرأي يُعْطي أنَّ له أن يَقْتُلَ خطأ، وأنَّ الحبل من الله ومن الناس يُزيل ضرب
الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما في الكلام محذوف / يدركه فهمُ السامعِ [١٧٢/أ]
الناظرِ في الأمر، وتقديرُه في آيتنا: ((فلا نجاة من الموت إلا بحبلٍ)) قال
الشيخ (٦): ((وعلى ما قَدَّره لا يكونُ استثناء منقطعاً لأنه مستثنى من جملة
مقدرة وهي قوله: ((فلا نجاةً من الموت)) وهو متصل على هذا التقدير،
فلا يكون استثناء منقطعاً من الأول ضرورةَ أنَّ الاستثناءَ الواحد لا يكونُ منقطعاً
متصلاً، والاستثناءُ المنقطعُ كما تقرَّر في علم النحو على قسمين: منه
ما يُمْكِنُ أَنْ يتسلُّطَ عليه العاملُ، ومنه ما لا يمكن في ذلك، ومنه هذه الآيةُ على
تقديرِ الانقطاع ، إذ التقديرُ: لكنَّ اعتصامَهم بحبلٍ من اللَّهِ وحبلٍ من الناس
يُنْجِيهِم من القتلِ والأسْر وسَبْيِ الذَّراري واستئصالِ أموالهم، ويَدُلُّ على أنه
(١) معاني القرآن له ١ /٤٦٨.
(٢) معاني القرآن له ٢٣٠/١.
(٣) الديوان ٣٥؛ واللسان: ((فرق))، والفروق: الفَزِعة، وهو يصف ناقته.
(٤) المحرر ١٩٧/٣.
(٥) الآية ٩٢ من النساء.
(٦) البحر ٣٢/٣.
٣٥٣

- آل عمران -
منقطعٌ: الإِخبارُ بذلك في قوله تعالى في سورة البقرة: ((وضُرِبَتْ عليهم الذَّلَّة
والمَسْكَنَّةُ وباؤوا بغضب من الله))(١) فلم يَسْتَثْنِ هناك)). وما بعدَ هذه الآيةِ قد
تقدَّم إعرابه .
آ. (١١٣) قوله تعالى: ﴿ليسوا سواءً﴾: الظاهرُ في هذه الآية أن
الوقف على ((سواء)» تامٌّ، فإنَّ الواوَ اسمُ ((ليس))، و((سواءً)) خبر، والواو تعودُ
على أهل الكتاب المتقدِّم ذكرُهم، والمعنى: أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر
لقوله: ((منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون(٢) فانتفى استواؤهم. و((سواء)) في
الأصلِ مصدرٌ فلذلك وُحِّد، وقد تقدَّم تحقيقُه أولَ البقرة(٣).
وقال أبو عبيدة(٤): ((الواو في ((ليسوا)) علامةُ جمعٍ وليست ضميراً،
واسمُ ((ليس)) على هذا ((أمةٌ)) و((قائمةٌ)) صفتها، وكذا ((يَتْلُون))، وهذا على لغة
((أكلوني البراغيث)) كقول الآخر (٥):
١٣٨٩- يَلُومونني في اشتراءِ النخيـ
ـلٍ أَهْلِي فكلُّهِمُ أَلْوَمُ
قالوا: ((وهي لغةً ضعيفةٌ)). ونازع السهيلي النحويين في كونها ضعيفةً،
ونَسبَها بعضُهم لأزدٍ شنوءة، وكثيراً ما جاء عليها الحديث، وفي القرآنِ
مثلُها(٦)، وسيأتي تحقيقُ هذا في المائدة بزيادةٍ بيان.
(١) الآية ٦١ من البقرة.
(٢) الآية ١١٠ من آل عمران.
(٣) الآية ٦ من البقرة.
(٤) مجاز القرآن ١٠١/١ :
(٥) البيت لأمية بن أبي الصلت وليس في ديوانه، وهو في أمالي الشجري ١٣٣/١؛
وأوضح المسالك ٣٤٧/١؛ والدرر ١٤٢/١.
(٦) لا يثبت الجمهور هذه اللغة في القرآن، ويؤولون ما جاء ظاهره منها على البدل أو التقديم
والتأخير أو أن الواو علامة الجمع.
٣٥٤

- آل عمران -
قال ابن عطية (١): ((وما قاله أبو عبيدةَ خطأً مردودٌ، ولم يُبَيِّن وجهَ
الخطأ، وكأنه تَوَهَّم أنَّ اسم ((ليس)) هو ((أمة قائمة)) فقط، وأنه لا محذوف ثمّ،
إذ ليس الغرضُ تفاوتَ الأمةِ القائمة التالية، فإذا قُدِّر ثَمَّ محذوفٌ لم يكن قول
أبي عبيدة خطأ مردوداً، إلا أن بعضهم رَدِّ قوله بأنها لغة ضعيفة، وقد تقدم
ما فيها والتقدير الذي يَصِحُّ به المعنى، أي: ليس سواءً من أهل الكتاب أمةٌ
قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِر وأمةٌ كافرة، فهذا تقديرٌ يَصِحُّ به المعنى الذي نحا إليه
أبو عبيدة.
وقال الفراء(٢): ((إنَّ الوقف لا يَتِمُّ على ((سواء»، فجعل الواوَ اسمَ
((ليس)) و((سواءً)) خبرها، كما قال الجمهور، و((أمة)) مرتفعة بـ ((سواء)) ارتفاع
الفاعل، أي: ليس أهلُ الكتاب مستوياً منهم أمةٌ قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِرٍ وأمةٌ
كافرة، فَحُذِفَتِ الجملةُ المعادِلة لدلالةِ القسمِ الأولِ عليها كقولِ الشاعر (٣).
١٣٩٠- دعاني إليها القلبُ إني لِأَمْرِها
سميعٌ فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها
أي: أم غَيُّ، فَحُذِف ((الغَيّ)) لدلالةِ ضدِّه عليه، ومثلُه قولُ الآخر(٤):
١٣٩١ - أراكَ فما أَدْرِي أَهَمُّ هَمَمْتَه
وذو الهَمِّ قِدْماً خَاشِعٌ مُتَضائِلُ
أي: أَهَمِّ هممته أم غيرُه، فَحُذِفَ للدلالة، وهو كثيرٌ، قال الفراء: ((لأنَّ
المساواة تقتضي شيئين كقوله: ((سواء العاكفُ فيه والباد))(٥)، وقولُه: ((سواءٌ
(١) المحرر ١٩٩/٣.
(٢) معاني القرآن ٢٣٠/١.
(٣) تقدم برقم ٧٣٤.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في مشكل ابن قتيبة ٢١٥؛ ومعاني القرآن للفراء ٢٣١/١؛
والطبري ١١٩/٧ .
(٥) الآية ٢٥ من الحج.
٣٥٥

- آل عمران -
محياهم ومماتهم))(١) .. وقد ضُعِّف قولُ الفراء من حيث الحذفُ ومن حيث
وَضْعُ الظاهرِ موضِعَ المضمر، إذ الأصل: منهم أمة قائمة، فَوُضِعَ ((أهلِ
الكتاب)» موضعَ الضمير.
والوجه أن يكونَ ((ليسوا سواءً)) جملةً تامة، وقولُه: ((من أهل الكتاب
أمةٌ)) جملةً برأسها، وقُولُه: (يَتْلُون)) جملةً أخرى مبيَّةً لعدم استوائِهم، كما
جاءَتِ الجملةُ مِنْ قولِهِ: ((تَأْمُرُون بالمعروف))(٢) إلخ مبَِّةً للخيرية. ويجوزُ أن
يكونَ ((يتلون)) في محلِّ رفعٍ صفةً لأمة.
ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من ((أمة)) لتخصُّصِها بالنعتِ، وأن يكونَ حالاً مِن
الضميرِ في ((قائمة))، وعلى كونِها حالاً من ((أمة)) يكونُ العامل فيها الاستقرارَ.
الذي تَضَمَّنه الجارُّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في هذا الجارِّ
لوقوعهِ خبزاً لأمة.
قوله: ((آناء الليل)) ظرفٌ لـ ((يتلون)). والآناء: الساعات، واحدها:
((أَنَى)) بفتح الهمزة والنون بزنة ((عَصَا)) أو ((إِنَى)) بكسر الهمزة وفتح النون بزنة
(مِعَى))، أو ((أَنْيٌ)) بالفتح والسكون بزنة ((ظَبْيٍ)) أو: إنّيٌّ)) بالكسر والسكون
بزنة ((نِحْي))(٣)، أو ((إِنْوِ)) بالكسر والسكون مع الواو بزنة «جِرْو)»، فالهمزة في
((آناء)) منقلبةٌ عن ياء على الأقوالِ الأربعةِ كرِداء، وعن واوٍ على القول.
الأخير، نحو: ((كِساء)) وستأتي بقيةُ هذه المادةِ في مواضع.
ولا يجوزُ أن يكونَ ((آناء الليل)) ظرفاً لـ ((قائمة)) قال أبو البقاء(٤): (لأنَّ
(قائمة)) قد وُصِفَتْ فلا تعملُ فيما بعد الصفة)) وهذا على تقدير أن يكونَ
۔۔
(١) الآية ٢١ من الجاثية.
(٢) الآية ١١٠ من آل عمران.
(٣) النحي: زقّ للسمن.
(٤) الإملاء ١٤٦/١.
٣٥٦

- آل عمران -
(يَتْلُون)) وصفاً لقائمة، وفيه نظرً؛ لأنَّ المعنى ليس على جَعْلِ هذه الجملةِ
صِفةٌ لما قبلها، بل على الاستئنافِ للبيان المتقدم، وعلى تقديرٍ جَعْلِها صفةً
لِما قبلها فهي صفةٌ لـ (أمة)) لا لـ ((قائمة)) لأنَّ الصفةَ لا تُوصَفُ، إلا أنْ يكونَ
معنى الصفةِ الثانيةِ لائقاً بما قبلها نحو: ((مَرَرْتُ برجلٍ ناطقٍ فصيحٍ))
فـ («فصيح)) صفة لناطق، لأن معناه لائق به. وبعضهم يجعله وصفاً لرجل،
وإنما المانعُ من تعلُّقِ هذا الظرفِ بـ ((قائمة)) ما ذكرْتُه من استئناف جملته.
قوله: ((وهم يَسْجُدون)) يجوزُ أن تكونَ حالاً من فاعلِ ((يَتْلُون)) أي:
يَتْلُون القرآن وهم ساجِدون، وهذا قد يكونُ في شريعتِهم مشروعيةُ التلاوة في
السجودِ بخلافِ شريعتنا، وبهذا يُرَجَّح قولُ مَنْ يقول: إنهم غيرُ أمةِ محمد.
ويجوز أن تكونَ / حالاً من الضمير في ((قائمة)) قاله أبو البقاء(١). وفيه ضعفٌ [١٧٢/ب]
للاستئناف المذكور، ويجوز أن تكون مستأنفة.
آ. (١١٤) وقوله تعالى: ﴿يؤمنون﴾ .. إلى آخره: إمَّا استئنافٌ وإمّا
أحوال، وجيء بالجملة الأولى اسميةً دلالةً على الاستقرار، وصُدِّرت بضمير،
وبُنِي عليه جملةٌ فعليةٌ ليتكوَّرَ الضميرُ فيزدادَ الكلامُ بتكرارِه توكيداً، وجيء
بالخبرِ مضارعاً دلالةٌ على تجدُّدِ السجود في كلِّ وقتٍ، وكذلك جيء بالجمل
التي بعدها أفعالاً مضارعة، ويُحتمل أن يكون ((تؤمنون)) خبراً ثانياً لقوله:
(هم))، ولذلك تُرِك العاطفُ ولو ذُكِر لكان جائزاً(٢). وقولُه: ((مِن الصالحين)»
يجوزُ في ((مِنْ)) أن تكونَ للتبعيض وهو الظاهر. وَجَعَلها ابنُ عطية(٣) لبيانٍ
الجنسِ ، وفيه نظرٌ، إذا لم يتقدَّمْ مبهمٌ فتبيِّنْه هذه.
(١) الإملاء ١٤٦/١.
(٢) وذلك على تقدير أن المعطوف على الخبر خبر مثله.
(٣) المحرر ٢٠٣/٣.
٣٥٧

- آل عمران :-
آ. (١١٥) قوله تعالى: ﴿وما يفعلوا﴾: قرأ الأخوان (١) وحفص:
(يفعلوا)) و((يُكْفَروه)) بالغيبة، والباقون بالخطاب، فالغيبةُ مراعاةٌ لقوله: (مِنْ
أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ، فَجَرَى على لفظِ الغَيْبةِ، أَخْبَرَنَا تعالى أنَّ((ما يفعلوا) مِنْ
خيرٍ بَقِي لهم غيرَ مكفورٍ. والخطابُ على الرجوعِ إلى خطاب أمة محمد
صلى الله عليه وسلم في قوله: ((كنتم)). ويجوزُ أَنْ يكون التفاتاً من الغَيْبة في
قوله ((أمةٌ قائمة)) إلى آخره إلى خطابهم، وذلك أنه آنَسَهم بهذا الخطابِ،
ويؤيِّد ذلك أنه اقتَصَر على ذِكْر الخير دونَ الشّرِّ ليزيدَ في التأنيسِ ، ويدلُّ على
ذلك قراءةُ الْأُخَوين، فإنها كالنص في أنَّ المرادَ قولُه «أمة قائمة)).
و((كَفَر)) يتعدَّى لواحد، فكيف تعدَّى هنا لاثنين، أولُهما قام مقامَ
الفاعل، والثاني: الهاءُ في ((يُكْفروه))؟ فقيل: إنه ضُمِّنَ معنى فعلٍ يتعدَّى
لاثنين وهو ((حَرَم)) فكأنه قِيل: فَلَنْ تُحْرَمُوه، و((حَرَم)» يتعدَّى لاثنين.
آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿مَثَلُ ما ينفقون﴾: ((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ
موصولةٌ اسمية، وعائدُها محذوفٍ لاستكمالِ الشروطِ أي: ينفقونه.
وقوله: (كَمَثَلِ رِيحٍ)) خبرُ المبتدأ، وعلى هذا الظاهرِ - أعني تشبية
الشيء المنفَقِ بالريحِ - استُشْكِل التشبيهُ لأنَّ المعنى على تشبيهه بالحَرْث
- أي الزرع - لا بالريح. وقد أُجيب عن ذلك بأحد أوجه: الأول: أنه من
باب التشبيه المركب، بمعنى أنه يقابِلُ الهيئة الاجتماعية بالهيئة الاجتماعية،
ولا يقابلُ الأفراد بالأفراد، وهذا قد مر تحقيقه أول البقرة عند قوله تعالى:
(مَثْلُهم كَمَثَلِ))(٢)، وهذا اختيار الزمخشري(٣).
الثاني: أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين، فذَكَر أحدَ المُشَبَّهين
(١) السبعة ٢١٥؛ الكشف ٣٥٤/١.
(٢) الآية ١٨ من البقرة.
(٣) الكشاف ١ /٤٥٧.
٣٥٨

- آل عمران -
وتَرَك ذِكْر الآخر، وذَكَر أحد المشبهين به وترك ذكر الآخر، فقد حَذَف مِنْ كلِّ
اثنين ما يَدُلُّ عليه نظيرُه، وقد مَرَّ نظيرُ هذا في البقرة عند قولِه تعالى: ((وَمَثَلُ
الذين كفروا كمثل الذي يُنْعِقُ))(١).
واختار هذا ابن عطية(٢)، وقال: ((هذه غايةُ البلاغةِ والإِعجازِ)). الثالث:
أنه على حَذْف مضاف: إمَّا من الأول تقديرُه: (مَثَلُ مَهْلِكِ ما ينفقونه))، وإمَّا
من الثاني تقديرُه: كمثل مَهْلِك ريح. وهذا الثاني أظهرُ؛ لأنه يؤدِّي في الأول
إلى تشبيه الشيء المُنْفَقِ المُهْلَكِ بالريح، وليس المعنى عليه أيضاً، ففيه عَوْدّ
لِما فُرَّ منه.
وقد ذكر الشيخ (٣) التقديرَ المشارَ إليه، ولم ينبّه عليه، اللهم إلا أن يريد
بـ ((مَهْلِك)) اسمَ مصدر أي: مثلَ إهلاك ما ينفقون، ولكن يُحتاج إلى تقديرٍ
مثل هذا المضاف أيضاً قبل ((ريح)) تقديره: مَثَلُ إهلاك ما ينفقون كمثلٍ إهلاك
ربح. ويجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)) مصدريةً، وحينئذ يكونُ قد شَبَّه إنفاقَهم في عدمٍ
نفعِه بالريحِ الموصوفة بهذه الصفة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.
قوله: ((فيها صِرَّ) في محل جر نعتاً لـ ((ريح))، ويجوز أن يكونَ ((فيها
صِرُّه جملةً من مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون ((فيها)) وحدَه هو الصفةَ، و ((صِرِّ)
فاعلٌ به، وجاز ذلك لاعتماد الجار على الموصوف، وهذا أحسنُ؛ لأنَّ الأصلَ
في الأوصافِ الإِفرادُ، وهذا قريب منه.
و ((الصِرُ)) قيل: البردُ الشديد المحرق، قال(٤):
(١) الآية ١٧١ من البقرة.
(٢) المحرر ٢٠٤/٣ - ٢٠٥.
(٣) البحر ٣٧/٣.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: ((حلل)). والأتاويون: الغرباء. والمُحِلَّت: القدر
والرحى والدلو والقربة، ومن كانت معه حَلّ حيث شاء، وإلا فلا بد له من الاستعانة
بالناس .
٣٥٩

- آل عمران -
١٣٩٢- لا يَعْدِلَنَّ أَتاوِيُّونَ تضرِبُهم
نكباءُ صِرِّ بأصحابِ المُحِلَّاتِ
وقيل: ((الصِرُّ) بمعنى الصَّرْصَر، وهو الشيء البارد، قالت ليلى
الأخيلية(١):
١٣٩٣ - ولم يَغْلِبِ الخَصْمَ الأَلَدَّ وَيَمْلَأَ الـ
جِفانَ سَدِيفاً يومَ نكباءَ صرصٍ.
وأصلُهُ مأخوذٌ من الشَّدِّ والتعقيد، ومنه: الصُرَّة للعُقْدة، وأَصَرِّ على
كذا: لَزِمه. وقال بعضُهم: ((الصِرُّ) صوتُ لهيبِ النار، يكون في الريح مِنْ:
صَرَّ الشيءُ يَصِرُّ صريراً أي: صَوَّت بهذا الحِسِّ المعروفِ، ومنه: صرير
الباب. قال الزجاج (٢): ((والصِرُّ: صوت النار التي في الريح)) وإذا عُرِف هذا
فإنْ قلنا: الصِرُّ: البردُ الشديد أو هو صوتُ النار أو صوتُ الريح، فظرفية الريحِ
[١٧٣/أ] له واضحةٌ، وإنْ كان الصِرُّ صفةً الريح كالصرصر فالمعنى: / فيها قِرَّةٌ(٣)
صِرُّ، كما تقول: برد بارد، وحُذِف الموصوفُ وقامت الصفةُ مَقَامَه، أو تكونُ
الظرفيةُ مجازاً جُعِل الموصوفُ ظرفاً للصفة كما قال (٤).
١٣٩٤-
وفي الرحمنِ للضَّعفاء كافِي
(١) الكشاف ٤٥٧/١ وشواهده ٤٠٠/٤؛ البحر ٣٢/٣. والجفئة: القصعة، والسديف:
قطع السنام، والنكباء: الريح الشديدة.
(٢) معاني القرآن ٤٧٣/١:
(٣) القرّة: ما أصابك من القُرّ وهو البرد.
(٤) البيت لأبي خالد القناني وصدره:
ولولاهُنَّ قد سَوَّمْتُ مُهْري
وهو في الكامل ٨٩٥؛ والكشاف ٤٥٧/١؛ وشواهده ٤٥٦/٤.
٣٦٠