Indexed OCR Text
Pages 321-340
- آل عمران - الثالث. و((مَنْ)) يجوز أن تكونَ شرطيةً وأن تكون موصولة، ولا يَخْفى الكلام عليهما ممَّا تقدم. وقرأ أُبَيّ وعمرُ وابن عباس وأبو جعفر ومجاهد: ((آيَةٌ بينة))(١) بالتوحيد، وتخريجُ ((مقام)) على الأوجه المتقدمة سهلٌ: مِنْ كونها بدلاً أو بياناً عند الزمخشري، أو خبرَ مبتدأ محذوف، وهذا البدل متفق عليه؛ لأن البصريين يُبْدِلون من النكرةِ مطلقاً، والكوفيون لا يُبْدِلون منها إلا بشرطِ وصفِها وقد وُصِفَتْ. قوله: ((مَنِ استطاع)) فيه ستة أوجه، أحدها أنَّ (مَنْ) بدلُ من ((الناس)) بدلُ بعضٍ من كل، وبدلُ البعضِ وبدلُ الاشتمالِ لا بد في كلٍّ منهما مِنْ ضميرٍ يعودُ على المُبْدَلِ منه نحو: أَكَلْتُ الرغيفَ ثلثَه، وسُلِب زيدٌ ثوبُه، وهنا ليس ضميرٌ، فقيل: هو محذوفٌ تقديره: مَنْ استطاع منهم. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، إذ المرادُ بالناس المذكورين خاصٍّ، والفرقُ بين هذا الوجهِ والذي قبله أنَّ الذي قبلَه يُقال فيه: عامٌّ مخصوصٌ، وهذا يُقالُ فيه: عامٌّ أُريد به الخاصُّ، وهو فرقٌ واضح، وهاتان العبارتان مأخوذتان مِنْ عبارة الإِمام الشافعي(٢) رضي الله عنه. الثالث: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو مَنْ استطاع. الرابعُ: أنَّها مصدريةٌ بإضمارِ فعلٍ أي: أعني مَن استطاع، وهذان الوجهان في الحقيقة مأخوذان من وجهِ البدل، فإنَّ كلَّ ما جاز إبدالُهُ ممَّا قبله جاز قَطْعُه إلى الرفع أو النصب المذكورين آنفاً. الخامس: أنَّ ((مَنْ)) فاعلٌ بالمصدرِ وهو (حَجِّ» والمصدرُ مضاف لمفعوله، والتقدير: ولله على الناس أن (١) البحر ٨/٣؛ الكشاف ٤٤٧/١. (٢) محمد بن إدريس، أخذ عن إسماعيل بن عبدالله، أحد الفقهاء الأربعة المشهورين، توفي سنة ٢٠٤؛ له كتاب الأم. انظر: طبقات القراء ٩٦/٢. ٣٢١ - آل عمران - يَحُجَّ من استطاع منهم سبيلاً البيتَ، وهذا الوجه قد رَدَّه جماعة(١) مِنْ حَيْثُ الصناعةُ ومن حيث المعنى: أمَّا من حيثُ الصناعةُ فلأنه إذا اجتمع فَاعِلٌ ومفعولٌ مع المصدرِ العامل فيهما فإنما يُضاف المصدرُ المرفوعِه دونَ منصوبِه فيقال: يعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمراً، ولوقلت: ((ضربُ عمروٍ زيدٌ)) لم يَجُزْ إلا في ضرورة كقوله(٢). ١٣٦٠- أَفْنَى تِلادي وما جَمِّعْتُ مِنْ نَشَبِ فَرْعُ القوافيزِ أفواهُ الأباريقِ يروى بنصب (أفواه)) على إضافةِ المصدر وهو ((قَرْع)) إلى فاعله، وبالرفعِ على إضافته إلى مفعوله، وقد جَوَّزه بعضُهم في الكلامِ عِلَى ضَعْفٍ، والقرآنُ لا يُحْمَلُ على ما في الضرورةِ ولا على ما فيه ضعفٍ. وأما من حيث المعنى فلأنه يؤدِّي إلى تكليفِ الناس جميعهم مستطيعهم وغيرٍ مستطعيعهم أن يَحُجَّ مستطيعُهم، فيلزمُ من ذلك تكليفُ غيرِ المستطيعِ بأن يَحُجَّ المستطيعُ وهو غيرُ جائٍ، وقد التزم بعضُهم هذا، وقال: نعم نقول بموجبه، وأن الله تعالى كَلَّف الناسَ ذلك، حتى لو لم يَحُجَّ المستطيعون لَزِمِ غيرُ المستطيعين أن يأمروهم بالحج حَسْبَ الإِمكان؛ لأن إحجاج الناسِ إلى الكعبة وعرفةً فرضٌ واجبٌ. و((مَنْ)) على الأوجهِ الخمسة موصولةٌ بمعنى الذي. السادس: أنها شرطيةٌ والجزاءُ محذوفٌ يدل عليه ما تقدَّم أو هو نفسُ المتقدمِ على رَأْي، ولا بُدَّ من ضميرٍ يعود مِنْ جملةِ الشرطِ على الناسِ (١) يعني شيخه أبا حيان في البحر ١١/٢. (٢) البيت للأقيشر الأسدي وهو في الإنصاف ٢٣٣؛ واللسان: قفز؛ والشذور ٣٨٣؛ والدرر ١٢٥/٢. والثلاد: المال القديم؛ النشب: ما لا يستطيع الإنسان حمله من أموال كالدور؛ القوافيز: أقداح الحمر. ٣٢٢ - آل عمران - تقديرُه: مَنِ استطاعَ منهم إليه سبيلاً فلله عليه أن يَحُجِّ، ويترجَّحُ هذا بمقابلتِهِ بالشرطِ بعدَه وهو قولُه: ((ومَنْ كَفَر فإنَّ الله غني عن العالمين)). وقوله: ((وللّهِ على الناسِ حجُّ البيت)) جملةٌ من مبتدأ وخبر وهو قوله (له))، و((على الناس)) متعلقٌ بما تَعَلَّق [به] الخبر / أو متعلق بمحذوفٍ على أنه [١٦٧/ب] حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في الجار، والعامل فيه أيضاً ذلك الاستقرار المحذوف، ويجوز أن يكونَ ((على الناس)) هو الخبرَ، و((الله)) متعلقٌ بما تعلَّق به الخبرُ، ويمتنع فيه أن يكونَ حالاً من الضمير في ((على الناس)) وإن كان العكسُ جائزاً كما تقدم، والفرقُ أنه يلزم هنا تقديمُ الحالِ على العاملِ المعنوي، والحالُ لا تتقدَّم على العامل المعنوي بخلافِ الظرف وحرفِ الجر فإنهما يتقدَّمان على عامِلهما المعنوي للاتساع فيهما، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك يُجَوِّزُ تقديمها(١) على العامل المعنوي إذا كانت هي ظرفاً أو حرف جر والعاملُ كذلك، ومسألتنا في الآيةِ الكريمةِ من هذا القبيل(٢). وقرأ(٣) الأخوان وحفص عن عاصم: ((حِج)) بكسر الحاء، والباقون بفتحها، فقيل: لغتان بمعنى، الكسرُ لغة نجد والفتح لغة أهل العالية، وفَرِّق سيبويه (٤) فَجَعَلَ المكسور مصدراً أو اسماً للعمل، وأما المفتوحُ فمصدرٌ فقط. وقد تقدَّم في البقرة أنه قرىء في الشاذ بكسر الحاء، وتكلّمْتُ هناك(٥) على هاتين اللفظتين وما ذَكَرَ الناسُ فيهما واشتقاقِ المادة فأغنى عن إعادتِّهِ ولله الحمد والمِنَّةُ. وقد جيء في هذه الآية بمبالغاتٍ كثيرة منها قوله: ((ولله على الناس (١) أي الحال. (٢) انظر المسألة في شرح ابن عقيل على ألفية بن مالك ٥٤٨/١. (٣) السبعة ٢١٤؛ الكشف ٣٥٣/١. (٤) الكتاب ٢١٦/٢. (٥) البقرة ١٨٩. ٣٢٣ - آل عمران - حج البيت)) يعني أنه حَقٌّ واجبٌ عليهم لله في زمانهم لا ينفكُّون عن أدائِهِ والخروجِ عن عُهْدَتِهِ ومنها أنه ذَكَرَ ((الناس) ثم أَبْدل منهم ((مَنِ استطاعَ إليه سبيلا)) وفيه ضربان من التأكيدِ، أحدُهما: أنَّ الإِبدالَ تثنيةُ المرادِ وتكريرٌ لَه، والثاني: أن التفصيلَ بعد الإجمال والإيضاحَ بعد الإبهام إيرادٌ له في صورتين مختلفتين، قاله الزمخشري (١) على عادةِ فصاحتِهِ وتلخيصِهِ المعنى بأقرب لفظٍ. والألفُ والسلام في ((البيت)) للعهدِ لتقدُّم ذِكْرِه، وهو عَلَمٌ بالغَلَبَة كالثريا(٢) والصَّعِقِ(٣)، فإذا قيل: ((زار البيت)) لم يتبادرِ الذهنُ إلا إلى الكعبة شَرَّفها الله تعالى، وقال الشاعر (٤). ١٣٦١- لَعَمْرِي لأنتِ البيتُ أَكْرِمُ أهلَه وأَقْعُدُ فِي أَقْنَائِهِ بِالْأُصَائِلِ أنشد الشيخُ(٥) هذا البيتَ في هذا المَعْرِضِ وفيه نظرٌ، إذ ليس في الظاهرِ الكعبةُ. والضمير في (إليه)) الظاهرُ عَوْدُهُ على الحج لأنه مُحَدَّثٌ عنِهِ، والثاني: عَوْدُه على البيت و ((إليه)) متعلُّقٌ باستطاع، و((سبيلاً)) مفعولٌ به لأنَّ ((استطاع)) متعدٍّ، قال: ((لا يستطيعون نَصْرَكم))(٦) إلى غيره من الآيات. قوله: ((وَمَنْ كَفَرَهُ يجوزُ أَنْ تكونَ الشرطيةَ وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ تَكُونَ الموصولةَ، ودَخَلَتِ الفاءُ شَبهاً للموصولِ باسمِ الشرطِ وقد تقدَّم تقريرهُ غيرَ مرةٍ، ولا يَخْفَى حالُ الجملتين بعدَها بالاعتبارين المذكورين. ولا بُدَّ مِن رابطٍ بين (١) الكشاف ٤٤٩/١ (٢) الثريا: نجم. (٣) الصعق: كان في الأصل اسماً لكلِّ مَنْ رُمِي بصاعقة ثم غلب على خويلد بن نفيل (٤) تقدم برقم ٩٤٦. (٥) البحر ١١/٣. (٦) الآية ١٩٧ من الأعراف: ٣٢٤ - آل عمران - الشرطِ وجزائِهِ أو المبتدأ وخبرِهِ، ومَنْ جَوِّز إقامةَ الظاهِرِ مُقَامَ المُضْمَرِ اكتفى بذلك في قوله: ((فإن الله غنيَّ عن العالمين)) كأنه قال: غني عنهم. أ. (٩٩) قوله تعالى: ﴿لَمَ تَصُدُّون﴾: ((لِمْ)) متعلقٌ بالفعلِ بعده، و (مَنْ آمن)) مفعولٌ، وقولُه ((يَبْغُونها)) يجوز أن تكونَ جملةً مستأنفةٌ أَخْبَرَ عنهم بذلك، وأَنْ تَكونَ في محلٌّ نصبٍ على الحال، وهو أظهرُ من الأول لأنَّ الجملة الاستفهاميةَ جِيء بعدها بجملةٍ حاليةٍ أيضاً وهي قوله: ((وأنتم تَشْهَدون)) فتتفقُ الجملتان في انتصابِ الحال عن كل منهما، ثم إذا قلنا بأنها حالٌ ففي صاحبها احتمالان، أحدُهما: أنه فاعل («تَصُدُّون))، والثاني: أنه ((سبيل الله)) وإنما جاز الوجهان لأن الجملةَ اشتملَتْ على ضميرٍ كلٍّ منهما. والعامة على ((تَصُدُّون)) بفتح التاء من صَدَّ يَصُدُّ ثلاثياً، ويستعمل لازماً ومتعدياً. وقرأ الحسن(١): (تُصِدُّون)) بضمَّ التاء من أَصَدَّ مثل أَعَدَّ، ووجهُه أَنْ يكونَ عَدَّى ((صَدَّ» اللازم بالهمزة، قال ذو الرمة: (٢) ١٣٦٢- أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيفِ عنهمُ و ((عِوَجا)» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ به، وذلك أن يُراد تبغون: تَظْلُبون، قال الزجاج(٣) والطبري (٤): ((تطلبون لها اعوجاجاً، تقول العرب: (١) البحر ١٤/٣؛ الشواذ ١٢. (٢) عجزه: صدودَ السَّواقي عن رؤوس المخارمِ وهو في دیوانه ٧٧١، وروايته فیه: أناسٌ أَصَدُّوا الناس بالضرب عنهمُ وهو في البحر ١٤/٣؛ وشواهد الزمخشري ٥٢٨/٤. والسوافي: الرياح، والمخارم: الجبال. (٣) معاني القرآن ٤٥٧/١. (٤) التفسير ٥٤/٧. ٣٢٥ _ آل عمران - (ابغِني كذا)) بوصلٍ. الألف أي: اطلبه لي و((أَبْغني كذا)) بقطع الألف أي: أَعِنِّي على طلبه، قال ابن الأنباري: ((البَغْيُ يُقْتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك: بَغَيْتُ المال والأجر والثواب، وههنا أريد: يبغون لها عوجاً، فلمَّا سَقَطَّتِ اللامُ عَمِلَ الفعلُ فيما بعدَها كما قالوا: ((وَهَبْتُك درهماً) يريدون: وَهَبْتُ لك، ومثلُه: ((صُدْتُكَ ظَبْياً)) أي: صُدْتُ لَك، قال الشاعر: (١) . ١٣٦٣- فَتَوَلَّى غلامُهمْ ثم نادَى أَظَلِيماً أَصِيدُكم أَمْ حِمَارا يريد: أَصِيدُ لكم ظَلِيماً ومثلُه: ((جَنَيْتُكَ كَمْأَةً وَجَنَيْتُكْ رُطَباً)) والأصلُ: جَنّيْتُ لك، فَحَذَفَ وَنَصَبَ)). والثاني: أنه حالٌ من فاعل ((يَبْغُونَها)) وذلك أَنْ يُرادَ بـ (تَبْغُون)) معنى تتعَذَّوْن، والبَغْيُ التعذِّي، والمعنى: تَبْغُون عليها أو فيها. قال الزجاج: (٢) ((كأنه قال: تَبْغُونِها ضالِّين)). والعِوَجَ - بالكسر - والعَوَج - بالفتح - المَيْلُ، ولكنَّ العرب فَرَّقُوا بينهما، فَخَصُّوا المكسورَ بالمعاني والمفتوحَ بالأعيانِ، تقول: في دينه وكلامِه عِوَجٌ - بالكسر -، وفي الجِدارِ عِوَجٌ - بالفتح -. قال أبو عبيدة(٣): ((العِوَج - بالكسر - المَيْلُ في الدين والكلام والعمل، وبالفتح في الحائط والجذع» وقال أبو إسحاق: ((بالكسر فيما لا ترى له شخصاً، وبالفتح فيما له شخصٌ وقال صاحب ((المجمل))(٤): (١) لم أهتد إلى قائله وهو في المغنى ٢٤٣، والظليم: ذَكَر النعام. (٢) ليس في كتابه ((معاني القرآن)). (٣) مجاز القرآن ٩٨/١. (٤) وهو ابن فارس وتقدمت ترجمته . ٣٢٦ - آل عمران - ((بالفتح في كلٌّ منتصبٍ كالحائط، والعوج - يعني بالكسر - ما كان في بساطٍ أودين أو أرض أو معاش)) فقد جعل الفرقَ بينهما بغير ما تقدم. وقال الراغب(١): ((العِوَجُ: العَطْفُ عن حالِ الانتصاب، يقال: عُجْتُ البعيرَ بزِمامه، وفلان ما يَعُوجُ عن شيءٍ يَهُمُّ بِه أي يَرْجع، والعَوَج - يعني بالفتح - / يقال فيما يُذْرك بالبصر كالخشب المنتصِب ونحوه، والعِوَج يقال [١٦٨/أ] فيما يدرك بفكرٍ وبصيرة، كما يكون في أرض بسيطة ◌ِوَج فُيُعرف تفاوتُه بالبصيرة وكالدين والمعاش)، قلت: وهذا قريبٌ من قول ابنٍ فارس لأنه كثيراً ما یأخذ منه. وقد سأل الزمخشري (٢) في سورة طه عند قوله ((لا ترى فيها عِوَجاً ولا أَمْتَا)(٣) حاصلُه يرجع إلى أنه كيف قيل: عِوَج - بالكسر - في الأعيان، وإنما يقال في المعاني؟ وأجاب هناك بجواب حسن سيأتي بيانه إن شاء الله، والسؤالُ إنما يجيء على قول أبي عبيدة والزجاج المتقدم، وأمَّا على قول ابن فارس والراغب فلا یرِدُ. ومِنْ مجيءِ العِوَجِ بمعنى الميل من حيث الجملةُ قولُه (٤). ١٣٦٤ - تَمُرُّون الديارَ ولم تَعُوجوا كلامُكُمُ عليٍّ إذاً حَرَامٌ وقولُ امرىء القيس: (٥) ١٣٦٥ - عُوجا على الطَّلَلِ المُحيل لأننا نبكي الديارَ كما بكى ابنُ حِذَامٍ (١) المفردات ٣٥١. (٢) الكشاف ٣١/٢. (٣) الآية ١٠٧ من طه. (٤) تقدم برقم ١٤٨. (٥) ديوانه ١١٤؛ وابن يعيش ٨٩/٨؛ والهمع ١٣٤/١؛ والدرر ١١١/١؛ والخزانة ٢ /٢٣٤. ٣٢٧ - آل عمران - أي: ولم تميلوا، ومِيلا. وأَمَّ قولهم: ((ما يَعيج زيدٌ بالدواء)) أي: ما ينتفِعُ بِه فمِنْ مادةٍ أُخرى ومعنى آخر. والعاجُ: هذا العظمُ ألفُه مجهولةٌ، لا نعلم: أمنقلبةٌ عن واو أو ياء، وفي الحديث: أنه قال لثوبانَ: ((اشترِ لفاطمةً سِواراً من عاج(١) قال القتيبي (٢): ((العاجُ: الذّبْلُ))، وقال أبو خراش الهذلي في امرأة(٣): ١٣٦٦- فجاءَتْ كخاصِي العَيْر لم تَحْلَ جاجةٌ ولا عاجةً منها تلوحُ على وَشْمِ قال الأصمعيّ: ((العاجةُ: الذَّبْلَةُ، والجاجة: تخمينُ خرزةٍ ما يساوي فلساً، وقوله كخاصي العَيْر: هذا مَثَلّ (٤) تقوله العرب لِمَنْ جاء مُسْتَحْيِباً مِن أمرٍ فيقال: ((جاء كخاصِي العَيْر)) والعَيْر: الحمار، يعنون جاء مستحيياً. ويقال: عاجَ بالمكانِ وعَوَج به أي: أقام وقطن، وفي حديث اسماعيل عليه السلام: ((ها أنتم عائجون)) أي مقيمون، وأنشدوا لجرير(٥): ١٣٦٧ - هَلَ أنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لَغَنًّا نَرَى الْعَرَضَاتِ أو أثرِ الخيامِ كذا أنشدَ هذا البيتَ الهرويُّ مستشهداً به على الإقامةِ، ولیس بظاهر، بل المرادُ بعائجون في البيت مائِلُون وملتفتون، وفي الحديث: ((ثم عاجَ رأسّه إليها(٦)) أي التفت إليها. (١) رواه أبو داود: باب الانتفاع بالعاج ٤١٩/٤؛ المسند ٢٧٥/٥. (٢) عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وكان رأساً في اللغة والأخبار واشتغل بالقضاء، له: إعراب . القرآن؛ مشكل القرآن، توفي سنة ٢٦٧. انظر: البغية ٦٣/٢. (٣) ديوان الهذليين ١٢٩/٢. وعلى وشم: أي ليست موشومة .. (٤) مجمع الأمثال ٢٢٨/١. (٥) ديوانه ٥٦٥؛ وهو في ديوان الفرزدق أيضاً ٨٣٥؛ والإنصاف ٢٢٥؛ واللسان: لغن؛ : والقرطبي ١٥٤/٤. والعرصات: ج عرضة: وسط الدار. (٦) رواه ابن حنبل ١٥٠/٥. ٣٢٨ - آل عمران - و ((ها)) في ((يَبْغُونها)) عائدةً على سبيل، والسبيل يُذكَّر ويؤنَّث كما تقدَّم، ومن التأنيث هذه الآيةُ، وقوله تعالى: ((هذه سبيلي))(١) وقول الآخر(٢): ١٣٦٨- فلا تَبْعَدْ فكلُّ فتى أُناسِ سيصبحُ سالكاً تلك السَّبيلا قوله: ((وأنتم شهداءُ)) حال: إمَّا من فاعلٍ («تَصُدُّون)) وإمَّا من فاعل (تَبْغُون))، وإمَّا مستأنفٌ، وليس بظاهرٍ، وتقدَّم أنَّ ((شهداء)) جمعُ شهيد أو شاهد. آ. (١٠٠) قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكم): ((رَدَّ) يجوزُ أَنْ يُضَمَّنَ معنى ((صَيِّ)) فينصِبَ مفعولين، ومنه قولُ الشاعر(٣): ١٣٦٩ - رَمَى الحَدْثانُ نسوةَ آلٍ حرب بمِقْدَارٍ سَمَدْن له سُمودا فَرَدَّ شعورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً ورَدَّ وجوهَهن البِيضَ سُودا ويجوز ألّ يتضمَّن، فيكونُ المنصوبُ الثاني حالاً. وقوله: ((بعد إيمانكم)) يجوز أنْ يكونَ منصوباً بيردُّوكم، وأَنْ يتعلَّق بكافرين، ويَصيرُ المعنى كالمعنى في قوله («كفروا بعد إيمانهم»(٤): آ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿وأنتم تُتْلى عليكم آياتُ اللهِ﴾: جملةٌ حالية من فاعل (تكفرون))، وكذلك ((وفيكم رسولُه)) أي: كيف يُوجَدُ منكم الكفرُ مع وجود هاتین الحالین؟ (١) الآية ١٠٨ من يوسف. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٤/٣؛ والزاهر ٢٠٩/٢؛ ومجاز القرآن ٣١٩/١. وتبعد : تهلك. (٣) تقدم برقم ٦٧٦. (٤) الآية ٩٠ من آل عمران. ٣٢٩ - آل عمران - والاعتصام: الامتناعُ، يُقال: اعتصم واستعصم بمعنى واحد، واعتصم زيدٌ عمراً أي: هَيَّاَ له ما يَعْتَصِمُ به، وقيل: الاعتصام: الإمساك، واستعصم بكذا: أي استمسك به، والعِصَامُ: ما يُشَدُّ به القِرْبة، وبه يُسَمَّى الأشخاص، والعِصْمَةُ مستعملةٌ بالمعنيين لأنها مانعةٌ من الخطيئةِ وصاحبُها مستمسِك بالحقِّ، والعِصْمَةُ أيضاً: شِبْهُ السوار، والمِعْصَمُ: مَوْضِعُ العِصْمَة، ويُسَمَّى البياضُ الذي في الرسغ ((عُصْمة)) تشبيهاً بها، وكأنهم جَعَلوا ضمةً العينِ فارقةٌ، وَالْأَعْصَمُ من الوُعولِ: ما في معاصِمِها بياضٌ وهي أشدُّها عَذْواً، قال(١): ١٣٧٠ - لو أَنَّ عُصْمَ عَمايتين ويَذْبُلِ سمعا حدیثك وفي الحديث في النساء(٢): ((لا يَدْخُلُ الجنةً منهن إلا كالغراب الْأَعْصَم)) وهو الأبيضُ الرِّجْلين. وقيل: الأبيضُ الجناحين، والمرادُ بذلك التقليلُ. وقوله: ((فقد هَدَى)) جوابُ الشرطِ، وجِيء في الجواب بـ ((قد)) دلالةٌ على التوقُّعِ لأنَّ المعتصِمَ متوقعُ الهداية . [١٦٨/ب] آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾: فيه وجهان: / أَنَّ((تقاة)) مصدرٌ، وهو من بابِ إضافة الصفةِ إلى موصوفها؛ إذ الأصلُ: اتقوا الله التقاةَ الحقَّ أي: الثابت كقولك: («ضربْتُ زيداً أشدَّ الضَّرْبِ تريد: الضربَ الشديد، وقد تقدَّم تحقيقُ كون ((تقاة)) مصدراً في أولِ السورة، وزادَ ابنُ عطية(٣) هنا أن ((تُقاة)) يجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً، وهو في ذلك كالمخالِفِ (١) لم أهتد إلى قائله، وتمامُه: سمعا حديثك أنزلا الأوعالا وهو في شرح المفصل ١ /٤٦ . (٢) أي المتبرجات، والحديث رواه ابن حنبل ١٩٧/٤. (٣) المحرر ١٨٠/٣. ٣٣٠ - آل عمران - للإِجماع فقال: ((ويَصِحُّ أن يكونَ ((التقاة) في هذه الآيةِ جمعَ فاعل، وإنْ كان لم يتصرَّفْ منه فيكونُ كرماة ورامٍ ، أو يكونُ جمعَ تَقِيّ، إذ فَعِيل وفاعل بمنزلة، ويكونُ المعنى على هذا: اتقوا اللَّهَ كما يَحِقُّ أن يكونَ مُتَّقُوه المختصُّون به، ولذلك أُضيفوا إلى ضمير الله تعالى)). قال الشيخ(١): ((وهذا المعنى يَنْبُو عنه هذا اللفظ، إذ الظاهرُ مِنْ قولِهِ: ((حَقَّ تُقاتِهِ» من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، كما تقول: ((ضربْتُ زيداً شديدَ الضرب)) أي الضربَ الشديدَ، وكذلك هذا أي: اتقوا اللَّهَ الاتقاءَ الحقَّ أي: الواجبَ الثابتَ، أمّا إذا جَعَلْتَ التقاةَ جمعاً فإن المعنى يصيرُ مثل: اضرِبْ زيداً حقَّ ضِرابِهِ، فلا يَدُلُّ هذا التركيبُ على معنى: اضربْ زيداً كما يحِقُّ أن يكونَ ضِرابُه، بل لو صَرَّح بهذا التركيب لاحتيجَ في فهم معناه إلى تقديرِ أشياءَ يَصِحُ بتقديرِها المعنى، والتقديرُ: اضرب زيداً ضرباً حقاً كما يَحِقُّ أن يكونَ ضربُ ضِرابِهِ، ولا حاجةَ تَدْعو إلى تحميلِ اللفظِ غيرَ ظاهرِهِ وتكلَّفِ تقاديرَ يَصِحُ بها معنَّى لا يَدُلُّ عليها اللفظُ». قوله: ((ولا تَموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون)) هو نَهْيٌّ في الصورة عن مَوْتهم إلَّ على هذه الحالة، والمرادُ دوامُهم على الإِسلام، وذلك أن الموتَ لا بُدَّ منه، فكأنه قيل: دُوموا على الإِسلام إلى الموت، وقريبٌ منه ما حكى سيبويه(٢): ((لا أُرَيَنَّكِ ههنا)) أي لا تكنْ بالحضرةِ فتقَعَ عليك رؤيتي. والجملةُ مِنْ قولِهِ: (وأنتم مسلمون)) في محل نصب على الحال والاستثناءُ مفرغٌ من الأحوالِ العامة أي: لا تموتُنَّ على حالةٍ من سائر الأحوال إلا على هذه الحال الحسنة، وجاء بها جملةً اسميةً لأنها أبلغُ وآكد، إذ فيها ضميرٌ متكررُ، ولو قيل: ((إلَّ مسلمين)) لم يُفِدْ هذا التأكيدَ، وتقدَّم إيضاحُ هذا التركيب في البقرة عند قوله (١) البحر ١٧/٣. (٢) الكتاب ٤٥٣/١. ٣٣١ - آل عمران تعالى: ((إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون))(١). آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿بحبلٍ﴾: الخَبْلُ في الأصل هو السببُ، وكلَّ ما وصلك إلى شيء فهو حَبْل، وأَصلُه في الأجرام واستعمالُه في المعاني من باب المجاز، ويجوزُ أن يكونَ حينئذٍ من باب الاستعارة، ويجوز أن يكونَ من بابِ التمثيل، ومن كلامِ الأنصار رضي الله عنهم: ((يا رسول الله إنَّ بِينِنا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها)) - يَعْنُون العهود والحِلْف. قال الأعشى(٢). ١٣٧١ - وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةً أَخَذَتْ من الأخرى إليكَ حِبالَها يعني العهودَ، قيل: والسببُ فيه أنَّ الرجلَ كان إذا سافرَ خافَ فيأخذُ مِنْ القبيلةِ عهداً إلى أخرى، ويُعْطَى سهماً أو حبلا يكونُ معه كالعلامةِ، فَسُمِّي العهدُ حبلاً لذلك، وهذا معنيّ غيرُ طائلٍ ، بل سُمِّي العهدُ حبلاً للتوصُّلِ به إلى الغرض. وقال آخر (٣): ١٣٧٢- ما زِلْتُ معتصِماً بحبلٍ منكم والمرادُ بالحبل هنا القرآنُ، وفي الحديثِ الطويل: ((هو حَبْلُ الله المتين»(٤): (١) الآية ١٣٢ من البقرة. (٢) ديوانه ٢٩؛ وشواهد الكشاف ٤ /٤٨٩. أي لا أزال راكباً على الناقة وقد أخذتُ الأمان على مرورها . (٣) لم أهتد إلى قائله وعجزه: مَنْ حَلّ ساحتَكم بأسبابٍ نَجًا وهو في اللسان: ((جبل) (٤) الضمير ((هو)) يعود على القرآن الكريم، والحديث رواه الترمذي في فضل القرآن ١٤؛ (التحفة) ٢١٩/٨؛ والدارمي في فضائل القرآن ٤٣٥/٢. ٣٣٢ - آل عمران - وقولُه: ((جميعاً)) حالٌ من فاعل ((اعتصموا))، و((بحبل الله)) متعلَّقٌ به. قوله ((ولا تَفَرَّقوا)) قرأه البزي بتشديد التاء وصلاً، وقد تقدَّم توجيهُه في البقرة عند قوله: (ولا تَيَّمَّموا))(١)، والباقُون بتخفيفها على الحَذْفِ. وقوله: ((نعمةَ الله)) مصدرٌ مضاف لفاعله إذ هو المُنْعِم، و((عليكم)) يجوز أَنْ يكونَ متعلقاً بنفس ((نعمة)) لأنَّ هذه المادةَ تتعدّى بـ ((على)) [نحو:] ((الذي أَنْعم اللّه عليه))(٢) ويجوز أن يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حال من «نعمة)» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: مستقرة وكائنة عليكم. قوله: ((إذ كنتم)) ((إذ)) منصوبةٌ بنعمة ظرفاً لها، ويجوزُ أَنْ يكون متعلقاً بالاستقرارِ الذي تضمَّنه ((عليكم)) إذا قلنا: إنَّ ((عليكم)) حالٌ من النعمة، وأمَّا إذا عَلَّقْنا ((عليكم)) بنعمة تَعَيَّن الوجهُ الأول. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ منصوباً باذكروا، يعني مفعولاً به لا أنه ظرفٌ له لفسادٍ المعنى، إذ ((اذكروا)» مستقبلٌ، و «إذ» ماضٍ. قوله: ((فأصبَحْتُم)) أصبحَ من أخواتِ ((كان)) فإذا كانَتْ ناقصة كانت مثلَ (كان)) في رفعِ الاسمِ ونَصْبِ الخبر، وإذا كانَتْ تامةً رفَعَتْ فاعلًا واستغنَتْ به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح تقول: ((أصبحَ زيد)) أي دخل في الصباح، ومثلُها في ذلك ((أمسى))، قال تعالى: ((فسبحان الله حين تُمْسون وحين تُصْبحون))(٣) وقوله: ((وإنّكم لتُمُرُّون عليهم مُصْبحين))(٤) وفي أمثالهم(٥): ((إذا سَمِعْتُ بسُرى القَيْنِ فاعلَمْ (١) الآية ٢٦٧ من البقرة. (٢) الآية ٣٧ من الأحزاب. (٣) الآية ١٧ من الروم. (٤) الآية ١٣٧ من الصافات . (٥) مجمع الأمثال ٥٦/١. ٣٣٣ - آل عمران بنة أنَّه مُصْبح)) لأنَّ القَيْنَ - وهو الحَدَّاد - ربما قَلَّت صناعته في أحياءِ العربِ فيقول: أنا غداً مسافرٌ ليأتوه(١) الناس بحوائجهم فيقيمُ ويترُك السفر، فأخرجُوه [١٦٩/ أ] مَثَلًا لمن يقول / قولاً ويخالفه، فالمعنى أنه مقيم في الصباح، وتكون بمعنى ((صار)) عملاً ومعنى كقوله(٢): ١٣٧٣ - فَأَصْبحوا كأنّهم ورقٌ جَفْ فَ فَأَلْوَتْ به الصَّبا والدَّبُورُ أي: صاروا. و (إخواناً) خبرُها، وجَوَّزوا فيها هنا أن تكون على بابِها من دلالتها على اتّصاف الموصوفِ بالصفة في وقت الصباح، وأن تكون بمعنى صار، وأن تكونُ التامة، أي: دخلتم في الصباح، فإذا كانت ناقصةً على بابها فالأظهرُ أن يكونَ («إخواناً)) خبرَها. و((بنعمته)) متعلَّقٌ بـ ((إخْوان))، لِما فيه مِنْ معنى الفعلِ أي: تأخيتم بنعمتِه، والباءُ للسببيةِ. وجَوَّز الشيخُ(٣) أَنْ يتعلَّق بأصبحتم، وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف، وجوّز غِيرُه أَنْ يَتَعلَّق بمحذوف على أنه حال من فاعل (أصبحتم)) أي: فأصبحتم إخواناً ملتبسين بنعمته، أو حال من ((إخواناً) لأنه في الأصل صفةً له. وجَوَّزوا أَنْ يكونَ ((بنعمته)) هو الخبرَ، و «إخواناً) حالٌ، والباءُ بمعنى الظرفية، وإذا كانت بمعنى ((صار)» جَرَى فيها ما تقدَّم من جميع هذه الأوجه، وإذا كانت تامةً فإخواناً حالٌ، و((بنعمتِه)) فيه ما تقدَّم من الأوجه خلا الخبريةِ . (١) كذا على اللغة الضعيفة: أكلوني البراغيث. (٢) البيت لعدي بن زيد، ورواية صدره المشهورة: ثم أضْحَوا كأنهم ورقٌ جَفْ والبيت برواية المؤلف أصاب تفعيلته الأولى شذوذ، وهو في ديوان عدي ٩٠؛ وابن يعيش ١٠٤/٧؛ والهمع ١١٤/١؛ والدرر ٨٤/١. (٣) البحر ١٩/٣. ٣٣٤ - آل عمران - قال ابن عطية(١): ((فأصبحتم)) عبارةٌ عن الاستمرار، وإن كانت اللفظة مخصوصةً بوقت، وإنما خُصَّتْ هذه اللفظةُ بهذا المعنى من حيث هي مبدأُ النهار، وفيها مبدأُ الأعمالِ ، فالحالُ التي يُحِسُّها المرءُ مِنْ نفسه فيها هي التي يستمر عليها يومُّه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع(٢): ١٣٧٤ - أَصْبَحْتُ لا أَحْمِلُ السِّلاحِ ولا أَمْلِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نفرا قال الشيخ(٣): ((وهذا الذي ذكره مِنْ أَنَّ ((أصبح)) للاستمرار، وَعلَّله بما ذكره لم أَرَ أحداً من النحويين ذهب إليه، إنما ذكروا أنها تستعمل بالوجهين (٤) اللذيْنِ ذكرناهما)» قلت: وهذا الذي ذكره ابنُ عطية معنىٌ حسنٌ، وإذا لم ينصَّ عليه النحويون لا يُدْفَعُ، لأنَّ النحاةَ غالباً إنما يتحدثون بما يتعلَّقُ بالألفاظ، وأمَّا المعاني المفهومةُ من فحوى الكلامِ فلا حاجةً لهم بالكلامِ عليها غالباً. والإِجْوان: جمع أَخٍ، وإخوة اسمُ جمعٍ عند سيبويه(٥) وعند غيرِه هي جمع. وقال بعضُهم: ((إنَّ الأخَ في النسَب يُجْمع على ((إخوة))، وفي الدِّين على ((إخْوان))، هذا أَغلبُ استعمالِهم، قال تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة))(٦)، ونفسُ هذه الآية تؤيد ما قاله لأن المراد هنا ليس إخوةَ النسب إنما المرادُ إخوةُ الدين والصداقة، قال أبو حاتم: ((ثم قال أهلُ البصرة: الإِخوةُ في النسبِ والإِخوان في الصداقة)) قال: ((وهذا غَلَط، يقال للأصدقاء والأنسباء (١) المحرر ١٨٤/٣. (٢) البيت في الكتاب ٤٦/١؛ والنوادر ١٥٩؛ واللسان: ضمن؛ وأمالي الشجري ١١٨/٢؛ وابن يعيش ١٠٥/٧. (٣) البحر ١٩/٣. (٤) كان الشيخ قد ذكر أنها تستعمل لانِّصاف الموصوف بالصفة وقت الصباح، وقد تأتي بمعنی صار. (٥) الكتاب ٢٠٣/٢ (٦) الآية ١٠ من الحجرات. ٣٣٥ - آل عمران عذـ إخوة وإخوان، قال تعالى: ((إنما المؤمنون إخوةٌ)) لم يَعْنِ النسبَ، وقال تعالى: ((أو بيوت إخوانكم))(١) وهذا في النسبِ)) قلتُ: رَدُّ أبي حاتم يتَّجِهُ على هذا النقلِ المطلقِ، ولا يَرِدُ على النقلِ الأول لأنهم قَّدوه بالأغلبِ في الاستعمالِ. قوله: ((على شَفَا)) شفا الشيء: طرفُه وحَرْفُه، وهو مقصورٌ من ذواتٍ الواو، يُثَنَّى بالواو نحو: شَفَوَيْن، ويُكتب بالألف، ويُجْمع على أَشْفَاءِ، ويُستعمل مضافاً إلى أعلى الشيء وإلى أسفله، فيمِن الأول: ((شفا جُرُفٍ))(٢) ومن الثاني هذه الآية، وأشفى على كذا أي: قَارَبه، ومنه أَشْفى المريضُ على الموت، قال يعقوب(٣): ((يُقال للرجلِ عند موته، وللقمر عند محاقِه، وللشمس عند غروبها: ((ما بَقي منه - أو منها - إلا شفا)) أي: إلا قليلٌ)). وقال بعضهم: يُقال لِما بين الليلِ والنهارِ عند غروبِ الشمسِ إذا غاب بعضُها: شفا، وأنشد(٤): ١٣٧٥- أَدْرَكْتُه بلا شّفا أو بشَفا والشمسُ قد كادَتْ تكونُ دَنِفا وقال الراغب(٥): ((والشفاءُ من المرضِ موافاةُ شَفا السلامة، وصار اسماً للبُرء، والشَّفا مذكّرٌ)). وأمَّا عَوْدُ الضميرِ في ((منها)» ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنه عائدٌ على «حفرة)). (١): الآية ٦١ من النور. (٢) الآية ١٠٩ من التوبة. (٣) وهو ابن السكيت وتقدمت ترجمته وانظر: إصلاح المنطق ٤٠٩ . (٤) البيت للعجاج وهو في ديوانه ٢٢٧/٢؛ والخصائص ١١٩/٢؛ واللسان: دنف، ودنفا: أي اصفرّتْ. (٥) المفردات ٢٧١ . ٣٣٦ - آل عمران - والثاني: أنه عائدٌ على ((النار)) قال الطبري(١): ((إنَّ بعضَ الناسِ يُعيده على الشَّفا، وأنَّثَ مِنْ حيثُ كان الشَّفا مضافاً إلى مؤنث، كما قال جرير(٢): ١٣٧٦ - أرى مَرَّ السنين أَخَذْنَ مني كما أخَذّ السِّرارُ مِن الهلال قال ابن عطية(٣): ((وليس الأمر كما ذكروا، لأنه لا يُحتاج في الآية إلى مثل هذه الصناعة، إلا لو(٤) لم نجد للضمير معاداً إلا الشفا، أَما ومَعَنا لفظً مؤنثٌ يعودُ الضميرُ عليه / ويَعْضُده المعنى المُتَّكَلَّمُ فيه فلا يُحتاج إلى تلك [١٦٩/ب] الصناعةِ)) قال الشيخ(٥): ((وأقول: لا يَحْسُنُ عَوْدُه إلَّ على الشَّفا؛ لأنَّ كينونَتَهم على الشَّفا هو أحدُ جُزْأَي الإِسناد، فالضميرُ لا يعودُ إلا عليه، وأمَّا ذِكْرُ الحفرةِ فإنما جاءَتْ على سبيل الإِضافةِ إليها، ألا ترى أنَّك إذا قلت: ((كان زيدٌ غلامَ جعفر)) لم يكن جعفر مُحَدَّثاً عنه، وليس أحدَ جُزْأَي الإِسناد، وكذا لو قلت: (زيد ضربَ غلامَ هندٍ)) لم تُحَدِّث عن هندٍ بشيءٍ، وإنَّما ذكرْتَ جعفراً وهنداً مخصصاً للمُحَدَّث عنه، وأمَّا ذِكْرُ النارِ فإنما ذُكِر لتخصيصِ الحفرة، وليست أيضاً أحدَ جُزْأَي الإِسناد، وليست أيضاً مُحَدَّثً عنها، فالإِنقاذ من الشفا أبلغُ من الإِنقاذِ من الحفرة ومِن النارِ، لأنَّ الإِنقاذَ من الشفا [يستلزم الإِنقاذَ من الحفرة ومن النار، والإنقاذَ منهما لا يستلزِمُ الإِنقاذَ من الشفا]ِ(٦) فعودُه على الشَّفا هو الظاهرُ من حيث اللفظُ ومن حيث المعنى)). (١) التفسير ٨٦/٧. (٢) ديوانه ٤٢٦؛ والهمع ٤٧/١؛ والدرر ٢٠/١. (٣) المحرر ١٨٦/٣. (٤) تعبير ضعيف وجدته بنصه أيضاً في البحر ١٩/٣. (٥) البحر ١٩/٣. (٦) سقط سهواً من الأصل، وهو ضروري للسياق، أثبتناه من البحر. ٣٣٧ - آل عمران - وقال الزجاج (١): «وقولُه: ((منها)) الكنايةُ راجعةٌ إلى النار لا إلى الشفاء لأنَّ القصدَ الإِنجاءُ من النار لا مِنْ شَفا الحفرة)). وقال غيرُه: ((يعودُ على الحفرة، فإذا أنقذهم اللَّهُ من الحفرةِ فقد أَنْقذهم من شَفاها لأنَّ شَفاها منها)). قال الواحدي: ((على أنه يجوزُ أَنْ يَذْكُرَ المضافُ والمضافُ إليه ثم تعودّ الكنايةُ إلى المضافِ إليه دونَ المضاف، كقول جرير: ((أرى مرَّ السنين أَخَذْنَ)) البيت. فَذَكَر مَرَّ السنين، ثم أخبر عن السنين، وكذلك قول العَجَّاجِ(٢): ١٣٧٧ - طولُ الليالي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي طَوَيْنَ طولي وَطَوَيْنَ عَرْضي قال: ((وهذا إذا كان المضافُ من جنسِ المضافِ إليه، فإنَّ مَرَّ السنين هو السنون، وكذلك شّفا الحفرة من الحُفْرَةِ، فَذَكَر الشَّفا وعادَتِ الكِنايةُ إلى الحفرة)) قلت: وهذان القولان نصٌّ في ردِّ ما قاله الشيخ، إلَّ أنَّ المعنى الذي ذَكَرِهِ أَوْلَى، لأنه إذا أنقذَهم من طَرَفِ الحفرة فهو أبلغُ مِنْ إنقاذِهم من الحفرةِ، وما ذكره من الصناعةِ أيضاً واضحٌ. والإِنقاذُ: التخليصُ والتنحية، قال الأزهري (٣): ((يقال أَنْقَذْتُه ونَقَذْتُه واستنقَذْتُهُ وتَنَقَّذْتُه بمعنىَّ، ويقال: ((فرسُ نقيذٌ))(٤) إذا كان مأخوذاً من قومٍ آخرين لأنه استْقِذَ منهم، والحُفْرة: فُعْلَة بمعنى مَفْعُولة كغُرْفَة بمعنى مَغْروفة . وقوله: ((كذلك يُبَيِّن اللَّهُ)) نعتٌ لمصدرٍ محذوف أو حالٌ من ضميره أي : (١) معاني القرآن ٤٦١/١. (٢) البيت في ملحق العجاج ٣٠٠/٢ ويُنسب إلى الأغلب أو معاوية وهو في الكتاب ٢٦/١؛ والخصائص ٤١٨/٢؛ والمقتضب ١٩٩/٤؛ والخزانة ١٦٨/٢. (٣) تهذيب اللغة ٧٣/٩٪ (٤) في مطبوعة التهذيب ((نقَذِ)) .. ٣٣٨ - آل عمران - بيِّن لكم تبييناً مثلَ تبيينِه لكم الآياتِ الواضحةَ. وقوله: ((مِن النار)) صفةٌ الحفرة فيتعلّقُ بمحذوفٍ. أ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ منكم أمةٌ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ التامةَ أي: وَلْتُوجد منكم أمةٌ، فتكون ((أمة)) فاعلًا، و((يَدْعُون» جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً لأمة، و((منكم)) متعلّقٌ بتكن على أنها تبعيضيةُ، ويجوز أن يكونَ (منكم)» متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حالٌ من («أمة)) إذكان يجوز جَعْلُه صفةً لها لو تأخر عنها، ويجوز أن تكون ((مِنْ)) للبيان لأن المُبَيَّن وإِنْ تأخَّر لفظاً فهو مُقَدَّمٌ رتبةٌ، ويجوزُ أَنْ تكونَ الناقصةَ فأمة اسمها و ((يَدْعُون)) خبرها، و((منكم)) متعلِّقٌ: إِمَّا بالكون، وإمَّا بمحذوف على الحال من ((أمة)). ويجوزُ أن يكونَ ((منكم)» هو الخبرَ و((يَدْعُون)) صفةً لأمة، وفيه بُعْدٌ. وقرأ العامة: ((ولتكن)). وقرأ الحسن(١) والزهري والسُّلمي بكسرها، وهو الأصل. وقوله: ((ويأمرون بالمعروفِ ويَنْهَوْن عن المنكر)» من باب ذكر الخاص بعد العلم اعتناءً به كقوله: ((وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكال))(٢) لأن اسم الخير يقعُ عليهما بل هما أعظمُ الخيور. وقوله: ((جاءهم البيّنات)، لم يؤنِّثٍ الفعلّ للفصلِ ولكونِه غير حقيقي بمعنى الدلائل. آ. (١٠٦) قوله تعالى: ((يومَ تَبْيَضُّ)» في العاملِ في هذا الظرفِ وجوهٌ، أحدها: أنه الاستقرار الذي تضمَّنه ((لهم)) والتقديرُ: وأولئك استقر لهم عذابٌ يومَ تبيضُ. وقيل: العامل فيه مضمر يَدُلُّ عليه الجملة السابقة تقديرُه: يُعَذَّبون يومَ تبيضٌ وجوهً. وقيل: العاملُ فيه ((عظيم)) وضَعُف هذا بأنه يلزمُ تقييدُ عِظَمِه بهذا اليوم. وهذا التضعيفُ ضعيفٌ؛ لأنه إذا عَظُم في هذا اليوم. (١) البحر ٢٠/٣. (٢) الآية ٩٨ من البقرة. ٣٣٩ - آل عمران - : ففي غيره أَوْلى، وأيضاً فإنه مسكوت عنه فيما عدا هذا اليوم. وقيل: العاملُ («عذاب)). وهذا ممتنعٌ؛ لأن المصدر الموصوفَ لَا يَعْمَلُ [ِبعدَ] وَصْفِه .. وقرأ يحيى (١) بن وثاب وأبو نُهَيْك وأبورزين العقيلي(٢): ((تِبَيَض وتِسْوَدُّه بكسر التاءِ وهي لغةُ تميم، وقرأ الحسن والزهري وابن محيصنِ وأبو الجوزاء: ((تَبياضُّ وَتَسوادُ)) بألف فيهما، وهي أبلغ فإِنَّ ((ابياضٍّ)) أدلَّ على [١٧٠/أ] اتصافِ الشيء بالبياضِ من ابيضٍّ، ويجوز كسرُ حرفِ المضارعة أيضاً مع / الألفِ، إلا أنِّي لا أَنْقُلُه قراءةً لأحد. قوله: ((أكفرتم)) هذه الجملةُ في محل نصبٍ بقولٍ مضمر، وذلك القولُ المضمرُ مع فاءٍ مضمرةٍ أيضاً هو جوابُ أمّا، وحَذْفُ الفاءِ مع القول مُطَرِدْ، وذلك أنَّ القولَ يُضمر كثيراً كقوله تعالى: ((والملائكةُ يَدْخُلون عليهم من كلِّ بابٍ سلامٌ عليكم))(٣) (والذين اتخذوا من دونه أولياءَ ما نعبدهم إلا لِيُقَرِّبون))(٤) ((وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تقبّلْ منا)»(٥) وأمَّا حذْفُها دونَ إضمارِ القول فلا يجوز إلا في ضرورةٍ كقوله(٦): ١٣٧٨ - فأمَّا القتالُ لا قِتالَ لدیكُمُ ولكنَّ سيراً في عِراضِ المواكب أي: فلا قتالَ. (١) الشواذ ٢٢؛ البحر ٢٢/٣؛ القرطبي ١٦٧/٤. (٢) لقيط بن عمير، له صحبة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى له البخاري. ولم تذکر وفاته. تهذيب الكمال ١١٥٢/٣. (٣) الآية ٢٣ من الرعد. (٤) الآية ٣ من الزمر. (٥) الآية ١٢٧ من البقرة. (٦) تقدم برقم ٣٠٨. ٣٤٠