Indexed OCR Text
Pages 221-240
- آل عمران - يكون ((فيكونُ)) بمعنى ((فكان))، وعلى هذا أكثرُ المفسرين والنحويين، وبهذا فَسَّرِه ابنُ عباس رضي الله عنه. والمثَلُ هنا: منهم مَنْ فَسَّره بمعنى الحال والشأن، قال الزمخشري(١): ((أي: إنَّ شأنَ عيسى وحالَه الغريبة كشأنٍ آدم))، وعلى هذا التفسير فالكافُ على بابها من كونِها حرفَ تشبيه، وفَسَّر بعضُهم المَثَلَ بمعنى الصفة، قال ابن عطية (٢): ((وهذا عندي خطأ وضعفُ في فَهْمِ الكلام، وإنما المعنى: أن المثلَ الذي تتصوَّرُه النفوسُ والعقولُ مِنْ عيسى هو كالمُتَصَوَّرِ من آدم، إذ الناسُ كلُّهم مُجْمِعُون(٣) [على] أنَّ اللَّهَ خَلَقَه مِنْ تراب من غيرِ فحلٍ، وكذلك قولُه: ((مَثَلُ الجنة))(٤) عبارةٌ عن المتصوَّر منها، والكافُ في «كمثل)) اسمٌ على ما ذكرناه من المعنى)). قال الشيخ(٥): ((ولا يَظْهَرُ لي فَرْقٌ بين كلامِه هذا وبين مَنْ جَعَلَ المَثَلَ بمعنى الشأن والحال وبمعنى الصفة)). قلت: قد تقدَّم في أولِ البقرة أنَّ المَثَل قد يُعَبَّر به عن الصفة وقد لا يُعَبَّر به عنها، فدلَّ ذلك على تغايُرهما، وقد مَرَّ تفسيرُه وعبارةُ الناسِ فيه، ويَدُلُّ على ذلك ما قاله صاحب(٦) (ريّ الظمآن)) عن الفارسي قال: ((قيل: المَثْلُ بمعنى الصفة، وقولك: صفةُ عيسى كصفةِ آدم كلامٌ مُطَرد، على هذا جُلُّ اللغويين والمفسرين، وخالف أبو علي الفارسي الجميعَ، وقال: المَثَلُ بمعنى الصفة لا يُمْكِنُ تصحيحُه في اللغة، إنما المَثَلُ التشبيهُ، على هذا تدورُ تصاريفُ (١) الكشاف ٤٣٣/١. (٢) المحرر ١٠٩/٣. (٣) الأصل: «مجموعون» وهو سهو. (٤) الآية ٣٥ من الرعد. (٥) البحر ٤٧٧/٢ . (٦) وهو شرف الدين محمد بن عبدالله المرسي الأندلسي المتوفى سنة ٦٥٥. انظر: إيضاح المكنون ٣/ ٦٠٤. ٢٢١ - آل عمران - الكلمة، ولا معنى للوصفيةِ في التشابهِ، ومعنى المثل في كلامِهم أنها كلمةٌ يرسلُها قائلُها لحكمةٍ يُشَبِّه بها الأمورَ ويقابِلُ بها الأحوالَ)» قلت: فقد فَرَّق بين لفظِ المثل في الاصطلاحِ وبين الصفة. وقال بعضُهم: إنَّ الكافَ زائدةٌ، وبعضُهم قال: إنَّ ((مَثَلًا)) زائد. فقد تحصَّل في الكاف ثلاثة أقوال، أظهرها: أنها على بابها من الحرفية وعدمٍ الزيادة، وقد تقدَّم تحقيقه. وقال الزمخشري(١): ((فإن قلت: کیف شُبِّه به وقد وُجِد هو بغير أب، ووُجِد آدمُ بغيرِ أب ولا أم؟ قلت: هو مثلُه في أحدٍ الطرفين، فلا يَمْنَعُ اختصاصُه دونَه بالطرفِ الآخرِ مِنْ تشبيهِه به، لأنَّ المماثلَة مشاركةٌ في بعضِ الأوصافِ، ولأنه شُبِّه به في أَنه وُجِد وجوداً خارجاً عن العادةِ المستمرةِ وهما في ذلك نظيران، ولأنَّ الوجود من غير أب وأم أغربُ وأخرقُ للعادةِ من الوجود بغير أب، فَشَبَّه الغريبَ بالأغرب ليكون أقطعَ للخصم وَأَحْسَمَ لمادة شُبْهته. وعن بعض العلماء أنه أُسِر بالروم فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له، قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له، قالوا: فإنه كان يحيي الموتى، قال: فحزقيل أَوْلى لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف. قالوا: فإنه كان يبرىء الأكمة والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طُبخْ وَأُحْرِقَ ثم خَرَج سالماً» .. قوله: ((من تراب)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلَّقٌ بـ ((خلقه)) أي ابتداء خلقه من هذا الجنس، والثاني: أنه حالٌ من مفعول ((خلقه)) تقديره: خَلَقه كائناً مِنْ تراب، وهذا لا يساعِدُه المعنى. آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿الحقُّ مِن ربك﴾: يجوز أنْ تكونَ هذه جملةً مستقلةً برأسِها، والمعنى: أنَّ الحقَّ الثابتَ الذي لا يضمحل هو من ربك، ومن جملةٍ ما جاء مِنْ ربك قصةُ عيسى وأمِّه فهي حَقٌ ثابتٌ، ويجوزُ أَنْ ((الحق)) خبرُ (١) الكشاف ٤٣٣/١. ٢٢٢ - آل عمران - مبتدأ محذوف، أي: هو، أي: ما قَصَصْنَا عليك من خبر عيسى وأمه. و((من ربك)) على هذا فيه وجهان، أحدهما: أنه حال فيتعلق بمحذوف. والثاني: أنه خبرٌ ثان عندَ مَنْ يُجَوِّزُ ذلك، وتقدَّم نظيرُ هذه الجملة في البقرة(١) والنهيُ له عليه السلام عن الامتراءِ، ولم يكن ممترياً، [وهذا] من الإلهاب والتهييج على الثبات على ماهو عليه من الحق، أو لأنَّ المرادَ به غيره. آ. (٦١) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حاجَّكَ﴾: يجوز في ((مَنْ)) وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطيةً وهو الظاهر أي: إنْ حاجَّك أحدٌ فقلْ له: كيتَ وكيتَ، ويجوز أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي، وإنما دَخَلَتِ الفاءُ في الخبر لتضمُّنه معنى الشرط. والمُحاجَّة مُفاعلة وهي من اثنين، وكان الأمر كذلك. قوله: (فيه)) متعلق بحاجَّك أي: جادَلك في شأنه، والهاء فيها وجهان، أظهرهما: عَوْدُها على عيسى عليه السلام. والثاني عَوْدُها على الحق، وقد يتأيَّد هذا بأنه أقربُ مذكورٍ، إلَّ أنَّ الأول أظهرُ لأن عيسى هو المُحَدَّث عنه وهو صاحب القصة . قوله: ((مِنْ بعدٍ ما جاءك)) متعلَّقٌ بحاجِّك أيضاً، و((ما)) يجوز أن تكون موصولة اسميةً، ففاعلُ ((جاءك)) ضميرٌ يعودُ عليها أي: من بعد الذي جاءك هو، و((من العلم)) حالٌ / من فاعل ((جاءك))، ويجوز أن تكونَ موصولةً [١٥٢/ب] حرفية، وحينئذُ يقال: يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعل، أو عَوْدُ الضمير على الحرف، لأن ((جاءك)) لا بُدَّ له من فاعل، وليس معنا شيءٌ يَصْلُحُ عَوْدُه عليه إلا ((ما)) وهي حرفيةٌ. والجوابُ: أنه يجوز أن يكون الفاعلُ قولَه ((من العلم)) و((من)) مزيدةٌ، أي بعد ما جاءك العلم أي: بعد مجيء العلم، وهذا إنما يتخرَّج على قول الأخفش(٢) لأنه لا يَشْترط في زيادتها شيئاً. و (( مِنْ)) في (١) الآية ١٤٧: ((الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)). (٢) انظر: معاني القرآن ٩٨/١. ٢٢٣ - آل عمران بـ ((من العلم)) يُحْتمل أن تكونَ تبعيضيَّةً وهو الظاهرُ وأَنْ تكونَ لبيان الجنس. قوله: ((تعالوا)) العامةُ على فتح اللام لأنه أمرٌ من: تعالَى يَتَعالى، كترامى يترامى، وأصلُ ألفِه ياءٌ، وأصلُ هذه الياء واو، وذلك أنه مشتقٌ من العلوِّ وهو الارتفاعِ كما سيأتي بيانه في الاشتقاق، والواوُ متى وقَعَتْ رابعةً فصاعداً قُلِبَتْ ياءً فصار تعالَوَ: تعالَيَ، فتحرَّك حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فَقُلِب ألفاً فصار: تعالَى كَتَرامى وتغازَى، فإذا أَمَرْتَ منه الواحدَ قلت: تعالَ يا زيدُ، بحَذْفِ الألف، وكذا إذا أَمَرْتَ الجمعَ المذكَّر قلت: تعالَوا؛ لأنك لمَّا حَذَفْتَ الألف لأجلِ الأمرِ أبقَيْتَ الفتحَّة مُشْعرةً بها. وإن شئت قلت: الأصل: تعالَيُوا، وأصلُ هذه الياءِ واوٌ كما تقدَّم، ثم استُثْقِلت الضَّمةُ على الياءِ فَحُذِفَتْ ضمتُها فالتقى ساكنان، فحُذِف أولُهما وهو الياء لالتقاء الساكنين وتُرِكِبُ الفتحةُ على حالِها. وإن شئت قلت: لَمَّا كان الأصلُ: تعالَيُوا تحرَّك حرف العلة وانفتح ما قبله وهو الياء فَقُلِب ألفاً فالتقى ساكنان، فحُذِفٍ أولُهما وهو الألف وبقيت الفتحة دالة عليه. والفرقُ بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف في الوجه الأول خُذِفَت الأجل الأمر وإن لم تتصل به واو ضمير، وفي هذا حُذِفت لالتقائها مع واو الضمير. وكذلك إذا أَمَرْتَ الواحدة تقول لها ((تعالَيْ))، فهذه الياء هي یاء الفاعلة من جملة الضمائر، والتصريفُ كما تقدم، إلا أنك تقول هنا: الكسرة على الياءَ بَدَلُ الضمة هناك، وأمَّا إذا أَمَرْتَ المثنى فإن الياء تثبت فتقول: يا زيدان تعالَيا، ويا هندان تعاليا أيضاً، يَسْتوي فيه المذكران والمؤنثان، وكذلك أمرُ جماعة الإِناث تَثْبُت فيه الياء تقول: يا نسوة تعالَّيْن، قال تعالى: ((فتعالَيْن أمتِّعْكن)) (١) إذ لا مقتضى للحذف ولا للقلبِ، وهو ظاهرٌ بما تمهّد من القواعد . - (١) الآية ٢٨ من الأحزاب. ٢٢٤ - آل عمران - وقرأ الحسن وأبو السمَّال وأبو واقد(١): ((تعالُوا)) بضم اللام، ووجَّهوها على أن الأصل: تعاليُوا كما تقدم، فاستثقلت الضمة على الياء فُقِلت إلى اللام بعد سَلْب حركتِها فبقي: تعالُوا بضم اللام. قال الزمخشري في شورة النساء(٢): ((وعلى هذه القراءة قال الحمداني (٣): ١٣١٢- تعالِي أقاسمْك الهمومَ تعالِي بكسرِ اللام)»، وقد عابَ بعضُ الناسِ (٤) عليه في استشهاده بشعر هذا المُولِّدِ المتأخر، وليس بعيبٍ فإنه ذَكّرَه استئناساً وهذا كما تقدَّم في أولِ البقرة عندما أَنْشَدَ لحبيب: (٥) ١٣١٣- هما أَظْلَمَا حالَيَّ ثَمَّتَ أَجْلَيا واعتذر هو عن ذلك بما قَدَّمْتُه عنه فكيف يُعابُ عليه شيءٌ عَرَفَه ونَّه عليه واعتَذَر عنه؟ والذي يَظْهَرُ في توجيهِ هذه القراءةُ أنهم تناسَوا الحرفَ المحذوف حتى كأنهم تَوَهَّمُوا أنَّ الكلمة بُنِيَتْ على ذلك، وأنَّ اللامَ هي الآخِرُ في الحقيقة فلذلكَ عُومِلَتْ معامَلَةَ الآخِرِ حقيقةً فَضُمَّتِ قبلَ واو الضميرِ وكُسِرَتْ قبل يائه كما ترى، ويَدُلُّ على ما قلتُه أنهم قالوا في ((لَمْ أُبَلَهْ)): إنَّ الأصلَ: ((أبالي)) لأنه (١) البحر ٤٧٩/٢؛ الشواذ ٢١. (٢) الكشاف ٥٣٦/١ عند الآية ٦١ من النساء. (٣) ديوانه ٣٢٥ وصدره: أيا جارتًا ما أَنْصَفَ الدهرُ بيننا والحمداني هو أبو فراس ابن عم سيف الدولة. (٤) لعله يعني به أبا حيان في البحر ٢٨٠/٣. (٥) تقدم برقم ٢٤٩. ٢٢٥ - آل عمران :- مضارع بالَى، فلمَّا دخل الجازمُ حَذَفوا له حرفَ العلةِ على القاعدةَ ثم تناسوا ذلك الحرفَ فَسَكَّنُوا للجازمِ اللامَ لأنها كالأخيرِ حقيقةً، فلما سكنت اللام التقى ساكنان: هي والألف قبلَها فَحُذِفَتَ الألف لالتقاء الساكنين، وهذا التعليلُ أَوْلَى لأنه يَعُمُّ هذه القراءةَ والبيت المذكور، وعلى مقتضى تعليله هو (١) يقال: الأصل: تعالَبِي (٢)، فاستُثْقِلَت الكسرةُ على الياء، فُقِلَت إلى اللام بعد سَلْبِهَا حركَتَها، ثم حُذِفَتِ الياءُ لالتقاء الساكنين. وتعالَ: فعلٌ صريحٌ وليس باسمِ فعلٍ الاتصال الضمائر المرفوعة البارزة به. قيل: وأصلُهُ طَلَبُ الإِقبال من مكانٍ مرتفع تفاؤلاً بذلك، وإدناءً للمدعوّ، لأنه من العلو والرفعة، ثم تُوُسِّع فيه فاستُعْمِلَ في مجرد طلب المجيء، حتى يُقالُ ذلك لمن يريدُ إهانته كقولك للعدوّ: تعالَ، ولمَنْ لا يَعْقِل کالبهائم ونحوها، وقيل: هو الدعاءُ لمكانٍ مرتفعٍ ، ثم تُوُسِّع فيه حتى استُعْمِلَ فِي طَلَبِ الإِقبالِ إلى كل مكانٍ حتى المنخفضِ . و(نَدْعُ)) جزمٌ على جوابِ الأمرِ إذ يَصِحُّ أَنْ يقالَ: إِنْ تتعالوا نَدْعُ. قوله: ((ثمَّ نَبْتَهِلْ)) أتى بثم هنا تنبيهاً لهم على خطابهم في مباهلته، كأنه [١٥٣/أ] يقولُ لهم: لا تعجلوا: وَتَأنَّوا لعله أَنْ یظهر لكم الحق، فلذلك أتی بحرف/ التراخي . والابتهال: افتعالٌ من البُهْلَة، والبهلة بفتح الباء وضمها، وهي اللعنة، قال الزمخشري: (٣) ((ثم نتباهل بأن نقول: لعنةُ الله على الكاذب منا ومنكم، والبهلة بالفتح والضم: اللعنة، وبَهَله الله: لعنه الله وأبعده من رحمته، من (١) أي التعليل السابق الذي أورده، وكان قد نقله عن أبي حيان في البحر ٤٧٩/١ دون أن بنص . (٢) الياء الأولى ياء الفعلُ كُسِرت لوجود الياء بعدها، والياء الثانية ياء المؤنثة المخاطبة. (٣) الكشاف ١/ ٤٣٤. ٢٢٦ - آل عمران - قولك: أبهله إذا أهمله، وناقةً باهل: لا صِرار عليها، وأصل الابتهال هذا ثم استُعمل في كل دعاء يُجْتهد فيه وإن لم يكن التعاناً) قلت: ما أحسنَ ما جُعِلْ الافتعال هنا بمعنى التفاعل، لأن المعنى لا يَجيء إلا على ذلك، وتفاعَلَ وافْتَعَلَ أَخَوان في مواضع نحو: اجتَوَروا وتجاوروا، واشْتَوروا وتشاوروا، ولذلك صَحَّتِ واو اجتَوَر واشْتَوَر، وقوله: ((وإن لم يكن التعانا)) يعني أنه اشتهر في اللغة: فلان يَبْتَهِل إلى الله في قضاءٍ حاجته، ويبتهل في كشف کړبته . وقال الراغب: (١) «أصل البَهْل: كونُ الشيءِ غيرَ مراعَى. والباهل: البعيرُ المُخَلَّى عن قَيْدِه أو عن سمةٍ، أو المُخَلَّى ضَرْعُها عن صِرار)»، وأنشد لا مرأة : (٢) ((أتيتُكَ باهِلاً غيرَ ذاتِ صِرار)) وَأَبْهَلْتُ فلاناً: خَلَّيْتُه وإرادته، تشبيهاً بالبعير الباهل، والبَهْل والابتهال في الدعاء: الاسترسالُ فيه والتضرع نحو: ((ثم نبتهلْ فنجعلْ))(٣)، ومنْ فَسَّر الابتهالَ باللَّعْنِ فلأجلِ أنَّ الاسترسالَ في هذا المكانِ لأجل اللعنِ، قال الشاعر: (٤) ١٣١٤- نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ قلت: هذا الشطرُ للبید، وأول البيت: (١) المفردات ٦١. (٢) ليس هذا بالإِنشاد، وإنما هو قول ورد لأعرابية أمام زوجها في المفردات ٦١، وشرحه بقوله: أَبَحْتُ له جميع ما كنت أملكه، لم أستأثر بشيء دونه. وانظر: الصحاح ((بهل)). (٣) الآية ٦١ من آل عمران. (٤) ديوان لبيد ١٩٧. والقروم: السادة. ٢٢٧ - آل عمران - ١٣١٥ - مِنْ قُرومٍ سادةٍ في قوِمِهم نَظَرَ الدهرُ إليهِمْ فابْتَهَلْ وظاهِرُ هذا أنَّ الابتهالَ عامٍّ في كلِّ دعاءٍ لَعناً كانَ أو غيرَه، ثم خُصَّ في هذه الآيةِ بِاللَّعْنِ. وظاهِرُ عبارةِ الزمخشري (١) أنَّ أصلَهُ خصوصيتُه باللَّعْنِ، ثم تُجُوِّزَ فيه فاستُعْمِلَ في اجتهادٍ في دعاءٍ لَعْناً كانَ أو غيرَه، والظاهِرُ من أقوالِ اللغويين ما ذكرَهُ الراغِبُ. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته: (٢) ١٣١٦- لم أَرَ كالمُزْنِ سَواماً بُهَّلا تَحْسَبُهَا مَرْعِيَّةً وَهِي سُدى بُهَّلاً: ج باهِلة أي: مهملة، وفاعِلة يُجْمع على فُعَّل نحو: ضُرَّب، والسُّدى: المهمل أيضاً. وقوله: ((فنجعلْ)) هي المتعديةُ لاثنين بمعنى: نُصَيِّر، و((على الكاذبين)) هو المفعول الثاني . آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا هو القَصَصُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((هو) فصلاً، والقصصُ خبر ((إِنَّ)، و((الحقُّ)) صفتُهُ، ويجوزُ أَنْ يكون ((هو) مبتدأ و(القَصَصُ)) خبرَه، والجملةُ خبرَ ((إِنَّ))، والإِشارةُ بهذا إلى ما تقدَّم ذكرُه من أخبارٍ عيسى عليه السلام، وقيل: بل هو إشارةٌ لِما بعدَه وهو قولُه: ((وما مِنْ إله إلا اللَّهُ)). وضُعِّفَ هذا بوجهين، أحدُهما: أنَّ هذا ليس بقصص، والثاني: (١) الكشاف ٤٣٤/١. (٢) ديوانه ١٢٨. والسوام: الإِبل الراعية. وأبو بكر محمد ابن الحسن روى عن الرياشي وأبي حاتم وروى عنه السيرافي له: الجمهرة والأمالي. مات ٣٢١. انظر: مراتب النحويين ٨٤؛ ومعجم الأدباء ١٣٠/١٨؛ والبغية ٧٦/١. ٢٢٨ - آل عمران - أنه مقترنٌ بحرفِ العطفِ، وقد اعتذر بعضهم عن الأول فقال: إنْ أراد بالقصص الخبرَ فَيَصِحُّ على هذا، ويكون التقدير: إنَّ الخبر الحق أنه ما من إله إلا الله، ولكن الاعتراض الثاني باقٍ لم يُجبْ عنه. والقَصَصُ: مصدرُ قولهم: قَصَّ فلان الحديثَ يَقُصَّهِ قَصَّأَ وَقَصَصَاً. وأصلُه: تتبّعُ الأثرِ، يقال: ((فلان خَرَجَ يَقُصُّ أثرَ فلان)) أي: يَتْبعه ليعرفَ أين ذَهَبَ؟ ومنه قولُه تعالى: ((وقالت لأختِهِ قُصِّيه))(١) أي: اتّبعي أثره وكذلك القاصُّ في الكلام لأنه يتَبع خبراً بعد خبر. وقد تقدَّم التنبيه على قراءتَيْ: ((لَهْو)) بسكون الهاء وضمِّها، إجراءً له مُجْرَى عَضُد. قال الزمخشري: (٢) ((فإنْ قلت لِمَ جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر فدخولُها على الفصلِ أجوزُ، لأنها أقربُ إلى المبتدأ منه، وأصلُها أَنْ تدخُلَ على المبتدأ)). قوله: ((وما من إله إلا اللَّهُ)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن ((من إله)) مبتدأ، و((مِنْ)) مزيدةٌ فيه، و((إلا اللَّهُ)) خبره تقديره: ما إله إلا اللَّهُ، وزيدت ((مِنْ)) للاستغراق والعموم. قال الزمخشري: (٣) ((ومِنْ في قوله ((وما مِنْ إله إلا الله)) بمنزلةِ البناءِ على الفتح في ((لا إله إلا اللَّهَ)) في إفادةِ معنى الاستغراقٍ)» قلت: الاستغراقُ في ((لا إله إلا اللَّهُ)) لم تَسْتَفِذْه من البناء على الفتحِ بل استفدناه من ((مِنْ)) المقدرة الدالة على الاستغراق، نصَّ النَّحْويون على ذلك، واستدلَّوا عليه بظهورها في قول الشاعر: (٤) (١) الآية ١١ من القصص. (٢) الكشاف ٤٣٥/١. (٣) الكشاف ٤٣٥/١. (٤) تقدم برقم ٩٤. ٢٢٩ . - آل عمران .- ١٣١٧ - فقام يذودُ الناسَ عنها بسيفِه فقال ألا لا مِنْ سبيلٍ إلى هندٍ والثاني: أن يكونَ الخبرُ مضمراً تقديرُه: وما من إلهٍ لنا إلا الله، و ((إلا اللَّهُ)) بدلٌ من موضع ((من إله)) لأن موضعَه رفعٌ بالابتداء، ولا يجوزُ في مثله الإِبدالُ من اللفظِ، لئلا يَلْزَمَ زيادةٌ مِنْ في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور، ويجوز في مثل هذا التركيب نصبُ ما بعد ((إلا)) على الاستثناء، ولكنه لم يُقرأْ به، إلا أنه جائز لغةً، تقول: ((لا إله إلا اللَّهُ)) برفع الجلالة بدلاً من الموضع، ونصبِها على الاستثناء من الضميرِ المستكنّ في الخبرِ المقدَّر، إذ التقديرُ: لا إله استقر لنا إلا الله. [١٥٣/ب] وقوله: ((وإنَّ اللَّهَ لهو العزيز الحكيم)) كقوله: ((إنّ هذا لهو القصص)). آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿فإِنْ تَوَلُّوا﴾: / يجوزُ أَنْ يكونَ مضارعاً وحُذفت منه إحدى التاءين [تخفيفاً على حدّ] قراءة ((تَنَزَّلُ الملائكةُ))(١) و ((تَذَكَّرون))(٢) ويؤيِّد هذا نَسَقُ الكلامِ ونظمُه في خطاب مَنْ تقدم في قوله تعالى ((تعالوا)) ثم جرى معهم في الخطاب إلى أَنْ قال لهم: فإنْ تَوَلَّوا. وقال أبو البقاء: (٣) ((ويجوز أن يكونَ مستقبلاً تقديرُه: فإنْ تتولَّوا، ذكره النحاس (٤) وهو ضعيف؛ لأنَّ حرفَ المضارعة لا يُحْذَفُ)) قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأن حرف المضارعة يُحْذَفُ في هذا النحو من غيرِ خلاف، وسيأتي من ذلك طائفةٌ كثيرة، وقد أجمعوا على الحذف في قوله: ((تَنَزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها))(٥) (١) الآية ٤ من القدر، وهي قراءة العامة. (٢) الآية ١٥٢ من الأنعام وهي قراءة حفص كما في السبعة ٢٧٢ ((لعلكم تذكرون)). (٣) الإملاء ١٣٨/١. (٤) إعراب القرآن ٣٣٩/١. (٥) الآية ٤ من القدر. ٢٣٠ - آل عمران - ويجوز أن يكونَ ماضياً أي: فإن تَوَلَّى وفدُ نجران المطلوبُ مباهلتُهم، ويكون على ذلك في الكلام التفاتٌ، إذ فيه انتقال من خطابٍ إلى غيبة. وقوله: ((بالمفسدين)) مِنْ وقوعِ الظاهرِ موقعَ المضمرِ تنبيهاً على العلة المقتضيةِ للجزاءِ، وكانَ الأصل: فإنَّ الله عليمٌ بكم، على الأول، وبهم، على الثاني . آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿إلى كلمة﴾: متعلَّقُ بتعالوا فَذَكَرَ مفعول ((تعالوا)) بخلاف ((تعالَوا)) قبلَها فإنه لم يَذكُرْ مفعولَه، لأنَّ المقصودَ مجردُ الإِقبال، ويجوز أن يكونَ حَذْفُه للدلالةِ عليه تقديرُه: تعالوا إلى المباهلة. وقرأ العامة ((كُلِمة)) بفتح الكاف وكسر اللام، وهو الأصل. وأبو السمَّال(١) ((كِلْمة)) بزنة سِدْرة، وكَلْمة كضَرْبة، وتقدم هذا قريباً. و((كلمةٍ)) مفسَّرةً بما بعدها من قوله: ((ألَّ نعبدَ)) فالمرادُ بها كلامٌ كثير، وهذا مِنْ بابِ إطلاق الجزء، والمرادُ به الكل، ومنه تسميتُهم القصيدةَ جمعاً: قافية، والقافية جزءً منها، قال: (٢) ١٣١٨ - أُعَلِّمه الرمايةَ كلَّ يومٍ فلمَّا اسْتَدَّ ساعِدُه رماني وكم عَلَّمْتُه نظمَ القوافي فلمَّا قال قافيةٌ هجاني ويقولون: «كلمةُ الشهادة)» يَعْنُون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (٣) ((أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمةُ لبيد)): (٤) يريد قوله : (١) شواذ القراءات ٢١؛ البحر ٤٨٢/٢. (٢) البيتان لمعن بن أوس أو مالك بن فهم أو عقيل بن علفة،وهما في اللسان: سدد، وشرح شواهد الألفية للعيني ١/ ٢٠. (٣) البخاري: مناقب الأنصار (الفتح) ١٤٩/٧؛ ابن ماجه: الأدب ١٢٣٦/٢. (٤) تقدم برقم ٣٨٤. ٢٣١ - آل عمران - ١٣١٩- ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطلُ وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائِلُ وهذا كما يُسَمُّونَ الشيءَ بجزأيه في الأعيان لأنه المقصودُ منه، قالوا لربيبة القوم - وهو الذي ينظر لهم ما يحتاجون إليه ـــ عَيْن، فأطلقوا عليه عيناً. وقال بعضهم: وُضِعَ المفرد موضعَ الجمع، كما قال: (١) ١٣٢٠ - بها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ وقيل: أُطلقت الكلمة على الكلمات لارتباطِ بعضها ببعضٍ ، فصارت في قوة الكلمةِ الواحدةِ، إذا اختلَّ جزءٌ منها اختلَّت الكلمة، لأن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، هي كلماتٌ لا تتِمُّ النسبةُ المقصودةُ فيها مِنْ حَصْرِ الإلهية في الله إلا بمجموعها. وقرأ العامة: ((سواء)) بالجر نعتاً لكلمة بمعنى عدل، ويَدُلُّ عليه قراءةُ عبدالله: (٢) (إلى كلمةُ عدل)) وهذا تفسيرٌ لا قراءة. و((سواء)» في الأصل مصدر، ففي الوصف التأويلاتُ الثلاثة المعروفة، ولذلك لم يُؤَنَّث كما لم يُؤَنَّث بـ((امرأة عدل)). وقرأ الحسن: (سواء)) بالنصبِ وفيها وجهان، أحدهما: نصبُها على المصدر، قال الزمخشري: (٣) ((بمعنى استوت استواءً))، وكذا الحوفي. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال، وجاءت الحالُ من النكرة، وقد نَصَِّ سيبويه عليه واقتاسه، كذا قال الشيخ(٤)، ولكنَّ المشهورَ غيرُه، والذي حَسَّن مجيئَها (١) تقدم برقم ١٥٤. (٢) البحر ٤٨٣/٢؛ الشواذ ٢١. (٣) الكشاف ٤٣٥/١. (٤) البحر ٤٨٣/٢؛ والكتاب ٢٧٢/١. ٢٣٢ - آل عمران - من النكرةِ هنا كونُ الوصفِ بالمصدر على خلاف الأصل، والصفة والحال متلاقيان من حيث المعنى، وكأن الشيخ غَضَّ من تخريج الزمخشري والحوفي فقال: (١) ((والحالُ والصفة متلاقيان من حيث المعنى، والمصدرُ يحتاج إلى إضمار عامل وإلى تأويل ((سواء» بمعنى استواء، والأشهرُ استعمال «سواء» بمعنى اسم الفاعل أي: ((مُسْتَو)) قلت: وبذلك فَسَّرها ابن عباس فقال: ((إلى كلمةٍ مستوية)). قوله: ((أَنْ لا نعبدَ)) فيه ستةُ أوجه، أحدُها: أنه بدلٌ من «كلمة)) بدلُ كلٍ من كل، الثاني: أنه بدلٌ من ((سواء)»، جَوَّزه أبو البقاء(٢)، وليس بواضح، لأنَّ المقصودَ إنما هو الموصوفُ لا صفتُه، فنسبةُ البدلية إلى الموصوف أولى. وعلى الوجهين فإنَّ وما في حيزها في محل جر. الثالث: أنه في محل رفع خبراً لمبتدأ مضمر، والجملة استئنافُ جوابٍ لسؤال مقدر، لأنه لما قيل: تعالوا إلى كلمة)) قال قائل: ما هي؟ فقيل: هي أَنْ لا نعبد، وعلى هذه الأوجهِ الثلاثة فـ ((بين)) منصوبٌ بسواء ظرفٌ له أي: يقع الاستواء في هذه الجهةِ، وقد صرَّح بذلك زهير حيث قال: (٣) ١٣٢١ - أرُونا خطةٌ لا عيبَ فيها يُسَوِّي بيننا فيها السَّواءُ والوقفُ التام حينئذٍ عند قوله ((من دون الله)) لارتباطِ الكلام معنى وإعراباً. الرابع: أن تكونَ ((أن)) وما في حَيِّزها في محل رفع بالابتداء، والخبرُ الظرفُ قبله. الخامس: جَوَّز أبو البقاء(٤) أن يكونَ فاعلاً بالظرفِ قبلَه، وهذا إنما (١) البحر ٤٨٣/٢. (٢) الإملاء ٢٣٨/١ . (٣) تقدم برقم ١٤٢. (٤) الإملاء ١٣٨/١. ٢٣٣ - آل عمران - يتأتى على رأي الأخفش، إذ لم يعتمدِ الظرفُ، وحينئذٍ يكون الوقفُ على (سواء)) ثم يُبتدأ بقوله: ((بيننا وبينكم أن لا نعبد)) وهذا فيه بُعْدٌ من حيث المعنى ثم إنهم جَعَلوا هذه الجملةَ صفةً لكلمة، وهذا غلطٌ لعدم رابطٍ بِينَ الصفة والموصوفِ وتقديرُ العائد ليس بالسهل، وعلى هذا فقولُ أبي البقاء: (وقيل: تَمَّ الكلام على ((سواء)) ثم استأنف فقال: ((بيننا وبينكم أنْ لا نعبد)) أي بيننا وبينكم التوحيدُ، فَعلى هذا يكون ((أن لا نعبد)) مبتدأ، والظرف خبرَه، [١٥٤/أ) والجملةُ صفةً للكلمة))/ غيرُ واضح، لأنه من حيث جَعَلَها صفةً كيف يحسن أن يقولَ: تَمَّ الكلام على ((سواء)» ثم استأنف، بل كان الصواب على هذا الإِعراب أن تكون الجملةُ استئنافيةٌ كما تقدم. السادس: أن يكونَ ((أن لا نعبد)» مرفوعاً بالفاعلية بسواء، وإلى هذا ذهب الرماني فإنَّ التقدير عنده: إلى كلمةُ مُسْتَوفيها بيننا وبينكم عدمُ عبادة غير الله تعالى، قال الشيخ: (١) ((إلَّ أنَّ فيه إضمارَ الرابط وهو ((فيها)) وهو ضعيف)). : قوله: ((فإنْ تَوَلَّوا فقولوا)) قال أبو البقاء: (٢) ((هو ماض ولا يجوز أن يكون التقدير: ((فإن تتولوا)) لفسادِ المعنى لأن قوله: ((فقولوا اشهدوا» خطاب للمؤمنين وتتولّوا)) للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جوابُ الشرط، والتقديرُ: فقولوا: لهم، وهذا الذي قاله ظاهرٌ جداً. ﴿لَ تُحَاجُّون﴾: هي ((ما)) الاستفهامية دخل آ. (٦٥) وقوله تعالى: عليها حرفُ الجر فَحُذِفَت ألفها، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البقرة، واللامُ متعلقةٌ بما بعدَه، وتقديمُها على عامِلِها واجبٌ لجَرِّها ما له صدرُ الكلام. وقوله: ((في إبراهيم)) لا بدَّ من مضافٍ محذوف أي: في دينِ إبراهيم وشريعته، لأنَّ الذواتِ لا مجادَلَةَ فيها. (١) البحر ٤٨٣/٢. (٢) الإملاء ١٣٨/١. ٢٣٤ - آل عمران - وقوله: ((وما أُنزلت التوراة)) الظاهرُ أنَّ الواوَ للحالِ كهي في قوله: (لِمَ تكفرون بآياتِ الله وأنتم تشهدون))(١) أي: كيف تُحاجُون في شريعته والحالُ أن التوراةَ والإِنجيل متأخران عنه؟ وجَوَّزوا أن تكون عاطفةً وليس . بالبيِّن، وهذا الاستفهامُ للإنكارِ والتعجب. وقولُه: ((إلا من بعده) متعلَّقٌ بأُنزلت، وهو استثناء مفرغ. آ. (٦٦) قوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾: الكلامُ على هذه الآيةِ فيه صعوبةٌ وإشكالٌ فُيحتاج من أجلِ ذلك إلى بَسْطٍ في العبارة، ولنبدأ أولاً بضبط قراءاتِها وتفسيرِ معناها، فإنّ الإِعراب متوقف على ذلك، فأقولُ: القُرَّاء في ذلك على أربع مراتب، المرتبة الأولى للكوفيين(٢)، وابن عامر والبزي عن ابن كثير: ((ها أنتم)) بألف بعد الهاء وهمزةٍ مخففة بعدها. المرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع: بألف بعد الهاء وهمزةٍ مسهلة بينَ بينَ بعدها. المرتبة الثالثة لورش وله وجهان، أحدهما: بهمزة مسهلة بينَ بينَ بعد الهاء دونَ ألفٍ بينهما، الثاني: بألف صريحة بعد الهاء من غير همز بالكلية. المرتبة الرابعة: لقنبل بهمزةٍ محققة بعد الهاء دون ألف. وأمّا المعنى: فقال قتادة والسدي والربيع وجماعة كثيرة: إن الذي لهم به علم هودينُهم الذي وجدوه في كتبهم وثبتَتْ صحتُه لديهم، والذي ليس لهم به علمٌ هو شريعةُ إبراهيم وما كان عليه مِمَّا ليس في كتبهم، ولا جاءَتْ به إليهم رسلُهم، ولا كانوا معاصِريه فَيَعْلَمُون دينه، فجدالُهم فيه مجردُ عنادٍ ومكابرة. وقيل: الذي لهم به علم أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه موجودٌ عندهم في كتبِهِم بنَعْتِه، والذي ليس لهم به علم هو أمر إبراهيم عليه (١) الآية ٧٠ من آل عمران. (٢) السبعة ٢٠٧؛ الكشف ٣٤٦/١؛ القرطبي ١٠٨/٤؛ البحر ٤٨٥/٢. ٢٣٥ - آل عمران - السلام. وقال الزمخشري: (١) ((يعني ها أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيانُ حماقتكم وقلةِ عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علمٌ مِمَّا نطق به التوراة والإِنجيل، فلِمَ تُحاجُّونَ فيما ليس لكم به علمٌ ولا نَعَلَق به كتابكم مِنْ دِينٍ إبراهيم؟)». واختلف الناسُ في هذه الهاءِ فمنهم مَنْ قال: إنها ها التي للتنبيه الداخلةِ على أسماء الإشارة، وقد كَثُرَ الفصلُ بينها وبين أسماء الإِشارة بالضمائر المرفوعةِ المنفصلة نحو: ها أنت ذا قائماً، وها نحن وها هم هؤلاء قائمون، وقد تُعاد مع الإشارة بعد دخولها على الضمائر توكيداً كهذه الآية، ويَقِلُّ الفصلُ بغير ذلك كقوله: (٢) ١٣٢٢- تَعَلَّمَنْ هالعمرُ اللَّه ذا قَسَماً فاقدِرْ بِذَرْعِك وانظرْ أينَ تَنْسَلِكُ وقال النابغة : (٣) ١٣٢٣- ها إنَّ تا ◌ِذْرَةٌ إن لا تكن نَفْعَتْ فإِنَّ صاحبَها قد تاهَ في البُلْدِ ومنهم مَنْ قال: إنها مبدلةٌ من همزة استفهام، والأصلُ: أأنتُم، وهو استفهامُ إنكار، وقدِ كَثُر إبدال الهمزةِ هاءً وإن لم ينقس(٤)، قالوا: هَرَقْتِ وهَرَحْت وهَبَرْت، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش وجماعة، واستحسنه أبو جعفر(٥)، وفيه نظرٌ من حيث إنه لم يثبت ذلك في همزة الاستفهام، لم يُسْمع منهم: هَتَضْرِبُ زيداً بمعنى: أتضرب زيداً. وإذا (١) الكشاف ٤٣٥/١. (٢) تقدم برقم ٦٤٤. (٣) ديوانه ٢٦؛ وابن يعيش ١١٣/٨. واللسان: تا،؛ والخزانة ٤٧٨/٢. عذرة: معذرة. (٤) انظر: الممتع ٣٩٩. (٥) يعني النحاس، انظر: إعراب القرآن ٣٤٠/١. ٢٣٦ - آل عمران - لم يثبت ذلك فكيف يُحمل هذا عليه؟ هذا معنى ما اعترض به الشيخ(١) على هؤلاء الأئمة، وإذا ثَبَتَ إبدال الهمزة هاءً هانَ الأمر، ولا نظرَ إلى كونِها همزةَ استفهام ولا غيرها. وهذا - أعني كونَها همزةَ استفهام أُبدلت هاءً - ظاهرٌ على قراءة قنبل وورش لأنهما لا يُدْخِلان ألفاً بين الهاء وهمزة («أنتم)) لأنَّ إِدخالَ الألف إنما كان لاستثقال توالي همزتين، فلمَّا أُبْدِلت الهمزةُ هاءً زال الثقل لفظاً، فلم يُخْتج إلى ألفٍ فاصلة، وقد جاءً إبدالُ همزة الاستفهام هاءً قال(٢): ١٣٢٤ - وأَتى صواحِبُها يَقُلْنَ: هذا الذي مَنَحَ المودةَ غيرَنا وَجَفانا يريد: أذا الذي؟ ويَضْعُفُ جَعْلُها على قراءتهما ها التي للتنبيه لأنه لم يُحْفظ حَذْفُ ألفها، لا يقال: ((هذا زيد)» بحذفِ ألف ((ها)) كذا قيل، قلت: وقد حَذَفَها ابن عامر في ثلاثة مواضع، إلا أنه ضم الهاء الباقية بعد حذف الألف، فقرأ في الوصل: ((يا أَيُّهُ الساحر))(٣) و ((أَيُّهُ المؤمنون))(٤) في النور و((أَيُّهُ الثَّقَلان))(٥) في الرحمن، لكن إنما فَعَل ذلك إتباعاً للرسم لأنَّ الألف حُذِفَتْ في مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة، وعلى الجملة فقد ثَبَت حَذْفُ ألف ((ها)) التي للتنبيه. وأمَّا مَنْ أثبت الألف بين الهاء وبين همزة ((أنتم)) فالظاهر أن ((ها)) للتنبيه (١) البحر ٤٨٦/٢. (٢) نسب في اللسان ((ذا)) إلى جميل وليس في ديوانه، وهو في رصف المباني ٤٠٣؛ والبحر ٤٨٦/٢؛ والممتع ٤٠٠؛ ابن يعيش ٤٢/١٠؛ والمغني ٣٨٤. (٣) الآية ٤٩ من الزخرف. (٤) الآية ٣١ من النور. (٥) الآية ٣١ من الرحمن، وانظر: السبعة ٤٥٥. ٢٣٧ - آل عمران - [١٥٤/ب] /، ويَضْعُفُ أَنْ تكونَ بدلاً من همزةِ الاستفهامِ لِما تقدَّم من أَنَّ الألف إنما تدخلُ لأجلِ الثقل، والثقل قد زال بإبدال الهمزة هاء. وقال بعضُهم: ((الذي يقتضيه النظرُ أَنْ تكونَ ((ها)) في قراءة الكوفيين والبزي وابن ذكوان للتنبيه، لأنّ الألفَ في قراءتِهِم ثابتةٌ، وليس من مذهبهم أن يَفْصِلوا بين الهمزتين بألفٍ، وأن تكونَ في قراءة قنبل وورش مبدلةً من همزة، لأن قنبلا يَقْرأ بهمزة بعد الهاء، ولو كانت ((ها)) للتنبيه لأتى بألف بعد الهاء، وإنما لم يُسَهِّل الهمزة كما سَهَّلها في ((أأنذرتهم))(١) ونحوِه لأن إبدال الأولى هاء أغناه عن ذلك، ولأن ورشاً فَعَل فيه ما فعل في ((أأنذرتهم)) ونحوه من تسهيلِ الهمزة وتَرْكِ إدخال الألف، وكأن الوجهَ في قراءتِه بالألف الحَمْلُ على البدلِ كالوجهِ الثاني في «أأنذرتهم» ونحوه. ومَنْ عدا هؤلاء المذكورين - وهم أبو عمرو وقالون وهشام - يُحْتمل أَنْ تكونَ ((ها)) للتنبيه، وأَنْ تكونَ بدلاً من همزةِ الاستفهام، أمَّا الوجهُ الأول فلأن ((ها) التنبيه دَخَلَتْ على (أنتم))، فحقق هشام الهمزةَ كما حَقَّقها في ((هؤلاء)» ونحوه، وخفَّفها قالون وأبو عمرو لتوسُّطها بدخول حرف التنبيه عليها، وتخفيفُ الهمزة المتوسطة قوي. وأمّا الوجهُ الثاني فَأَنْ تكونَ الهاءُ بدلاً من همزةِ الاستفهام لأنهم يَفْصِلون بين الهمزتين بألف، فيكونُ أبو عمروٍ وقالونْ على أصلهما في إدخال الألف والتسهيل، وهشام على أصله في إدخال الألف والتحقيق، ولم يُقرأ بالوجه الثاني وهو التسهيل، لأن إبدالَ الهمزة الأولى هاء مُغْنٍ عن ذلك. وقال آخرون: ((إنه يجوز أن تكون ((ها)) في قراءة الجميع مبدلةً من همزة، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على ((أنتم))، ذَكَرَ ذلك أبو علي(٢) الفارسي (١) الآية ٦ من البقرة. (٢) الحجة (خ) ٢١٨/٢ ٢٣٨. - آل عمران - والمهدوي ومكي(١) في آخرين. فأمّا احتمال هذين الوجهين في قراءة أبي عمرو وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر فقد تقدَّم توجيهه وبيانه، وأمّا احتمالُهما في قراءة غيرهم فأقول: أمّا الكوفيون والبزي وابن ذكوان فقد تقدَّم توجيهُ كونٍ («ها» عندهم للتنبيه، وأمَّا توجيهُ كونها بدلاً من الهمزة عندهم فَأَنْ يكون الأصل: أأنتم فَفَصلوا بالألف على لغة من قال(٢): ١٣٢٥- أاأنت أَمْ أُمُّ سالمِ ولم يَعْبَؤوا بإبدال الهمزة الأولى هاءً، لكون البدل فيها عارضاً، وهؤلاء وإنْ لم يكن من مذهبهم الفصلُ، ولكنهم جمعوا بين اللغتين. وأما توجيهُ كون ((ها) بدلاً من الهمزة في قراءة قنبل وورش فقد تقدم. وأما توجيه كونها للتنبيه في قراءتهما - وإنْ لم يكن فيها ألفُ - فأن(٣) تكون الألفُ حُذفت لكثرة الاستعمال. وعلى قولِ مَنْ أَبْدل كورش حُذِفَت إحدى الألفين لالتقاء الساكنين. وقال أبو شامة: ((قلت: الأولى في هذه الكلمة على جميع القراءات فيها أن تكونَ ((ها)) للتنبيه، لأنَّا إنْ جعلناها بدلاً من همزة كانت تلك الهمزةُ همزةً استفهام، و((ها أنتم)) أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر لا للاستفهام، ولا مانع من ذلك(٤) إلا تسهيلُ مَنْ سَهَّل وحَذْفُ من حذف، أمَّا التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله: ((لأعنتكم))(٥) وشبهِه، وأمَّا الحذفُ فيقول: (١) الكشف ٣٤٧/١. (٢) تقدم برقم ١٤٦. (٣) سقطت الفاء سهواً من الأصل. (٤) أي من جعلها للتنبيه. (٥) الآية ٢٢٠ من البقرة: ((ولو شاء الله لأعنتكم)). ٢٣٩ - آل عمران - ((ها)) مثل: ((أَما)) كلاهما حرفُ تنبيه، وقد ثَبَتَ جوازُ حذفٍ ألف ((أما)» فكذا حَذْفُ ألف ((ها)) وعلى ذلك قولُهم: ((أمَ واللَّهِ لأفعلن))، وقد حمل البصريون قولَهم: ((هَلُمَّ)) على أنَّ الأصلَ: ((هالمَ)) ثم حُذِفت ألفُ ((ها)) فكذا: ها أنتم)). قلت: وهو كلامٌ حسن، إلا أنَّ قولَه: ((إنَّ ها أنتم حيث جاءت كانت خبراً لا استفهاماً)) ممنوعٌ، بل يجوزُ ذلك ويجوزُ الاستفهام. انتهى(١). وذكر الفراء (٢) أيضاً هنا بحثاً بالنسبة إلى القصر والمد فقال(٣): ((مَنْ أثبتَ الألف في ((ها)) واعتقدها للتنبيه، وكانَ مِنْ مذهبه أن يَقْصُر في المنفصل فقياسُه هنا قَصْرُ الألف، حقق الهمزة أو سَهَّلها، وأمَّا مَنْ جعلها للتنبيه ومذهبُه المدُّ في المنفصل أو جَعَلَ الهاءَ مبدلةً من همزة استفهام فقياسه أن يَمُدَّ، سواءً حقق الهمزة أو سَهَّلها). وأمَّا ورش فقد تقدَّم عنه وجهان: إبدالُ الهمزة من ((أنتم)) ألفاً وتسهيلُها بينَ بينَ، فإذا أَبْدل مدَّ، وإذا سَهَّل قَصَر. وهذا كافٍ فيما يتعلق بالقراءاتِ وتَفريعاتِ مذاهب القرَّاء عليها، وقد تكلَّموا بأكثرَ مِنْ ذلك، ولكن ليس هذا موضعه. إذا عرفت جميع ما تقدم ففي إعراب هذه الآية أوجه، أحدها: أن (أنتم)) مبتدأ و ((هؤلاء)) خبرُه، والجملةُ من قوله ((حاججتم)) جملةٌ مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيانُ حماقتِكم وقلةِ عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم بما نَطَقَ به التوراة والإنجيل، فِلِمَ تُحاجون فيما ليس لكم به علم؟ ذكر ذلك الزمخشري (٤). الثاني: أن يكونَ ((أنتم هؤلاء)) مبتدأً وخبراً، والجملةُ من ((حاجَجْتم)) (١) لعله يعني بقوله ((انتهى)) انتهى عرض كلام أبي شامة ومناقشته. (٢) معاني القرآن ٢٣١/١: (٣) الأصل: ((فقالوا)) وهو سهو. (٤) الكشاف ١ / ٤٣٥. ٢٤٠