Indexed OCR Text
Pages 201-220
- آل عمران - قوله: ((إنَّ في ذلك)) ((ذلك)) إشارةٌ إلى جميعٍ ما تقدَّم من الخوارق، وأُشير إليها بلفظِ الأفراد وإنْ كانت جمعاً في المعنَى، بتأويل ((ما ذُكِرَ وما تَقَدَّم)). وقد تقدَّم أن في مصحف عبدالله وقراءته: ((لآياتٍ)) بالجمع مراعاةً لِما ذكرته من معنى / الجمع. وهذه الجملةُ تحتمل أَنْ تكون من كلام عيسى [١٤٩/ب] وأَنْ تَكُونَ من كلام الله تعالی. و ((إن كنتم مؤمنين)) جوابُهُ محذوفٌ أي: إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيةِ وتدبّرتموها. وقَدَّر بعضُهم صفةً محذوفة لآية، أي لآيةً نافعةً، قال الشيخ: (١) ((حتى يَتَّجِهَ التعلُّقُ بهذا الشرط)) وفيه نظرٌ، إذ يَصِحُّ التعلُّقُ بالشرطِ دونَ تقديرِ هذه الصفةِ . آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقاً﴾: نَسَقُ على محلٍّ ((بآية))؛ لأنَّ ((بآية)» في محلِّ نصبٍ على الحال إذ التقديرُ: وجئتكم ملتبساً بآية ومصدقاً. وقال الفراء(٢) والزجاج: (٣) ((نصب مصدقاً على الحال، المعنى: وجئتُكم مصدقاً لما بين يديَّ، وجاز إضمار ((جئتُكم)) لدلالةِ أولِ الكلامِ عليه، وهو قوله: ((أني قد جئتكم بآيةٍ من ربكم))، ومثلُه في الكلام: ((جئته بما يحب ومكرماً له)). قال الفراء: ((ولا يجوزُ أَنْ يكون ((ومصدقاً)) معطوفاً على ((وجيها) لأنه لو كان كذلك لقال: ((ومُصَدِّقاً لِما بين يديه)) يعني أنه لو كان معطوفاً عليه لأتى معه بضميرِ الغيبةِ لا بضمير التكلم، وكذلك ذَكَرٌ غيرُ الفراء، ومَنْع أيضاً أن يكونَ منسوقاً على ((رسولاً)) قال: ((لأنه لو كان مردوداً عليه لقال: ((وَمُصَدِّقاً لِما بين يديك)) لأنه خَاطَبَ بذلك مريم، أو قال: بين يديه)) يعني أنه لوكان معطوفاً على ((رسولاً)) لكان ينبغي أن يُؤْتى بضميرِ الخطاب مراعاةً لمريم أو بضميرٍ (١) البحر ٤٦٨/٢. (٢) معاني القرآن ٢١٦/١. (٣) معاني القرآن وإعرابه ٤١٩/١. ٢٠١ - آل عمران - الغَيْبة مراعاةً للاسم الظاهر: قال الشيخ: (١) ((وقد ذَكَرْنا أنه يجوزُ في ((ورسولاً)) أن يكونَ منصوباً بإضمار فعل أي: وأُرْسِلْتُ رسولاً)» فعلى هذا التقدير يكون ((مصدقاً) معطوفاً على ((رسولاً)). قوله: ((مِنَ التوراة)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من ((ما)) الموصولةِ أي: الذي بين يديَّ حالَ كونِهِ من التوراةِ، فالعامِلُ فيه ((مصدقاً» لأنه عاملٌ في صاحبِ الحال، والثاني: أنه حالٌ من الضمير المستترِ في الظرفِ الواقِعِ صلةً، والعامِلُ فيه الاستقرارُ المضمرُ في الظرفِ أو نفسُ الظرفِ لقيامِهِ مِقامَ الفعل . قوله: ((ولِأَحِلَّ)) فيه أوجه أحدها: أنه معطوفٌ على معنى ((مصدقاً) إذ المعنى: جئتُكم لأصدِّقَ ما بين يديّ ولأُحِلَّ لكم، ومثلُه من الكلام: ((جِثْتُه معتذراً إليه ولأحتلِبَ رضاه، أي: جئتُ لأعتذرَ ولأجتلبَ، كذا قال الواحدي وفيه نظرٌ، لأن المعطوفَ عليه حال، وهذا تعليلٌ. قال الشيخ(٢) بعد أَنْ ذَكَرَ هذا الوجهَ: ((وهذا هو العطفُ على التوهُّمِ وليس هذا منه، لأن معقوليةً الحالِ مخالفةٌ لمعقوليةِ التعليلِ ، والعطفُ على التوهم لا بد أَنْ يكونَ المعنى مُتَّحِداً في المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ألا ترى إلى قوله: ((فأصََّّقَ وأكُرْ))(٣) كيف اتَّحد المعنى من حيث الصلاحيةُ لجوابِ التحضيض، وكذلك قولُه: (٤) ١٣٠٣ - تَقِيِّ نَقِيٍّ لم يُكَثِّرْ غنيمةٌ بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبى ولا بِحَقَّلَّدٍ (١) البحر ٤٦٨/٢. (٢) البحر ٤٦٨/٢. (٣) الآية ١٠ من المنافقون: ((ربِّ لولا أَخَّرْتَنِي إلى أجلٍ قريب فأصَّدَّقَ وأكن مِن الصالحين» . (٤) تقدم برقم ١٠٤٤. ٢٠٢ - آل عمران - كيف اتَّحد معنى النفي في قوله: ((لم يُكَثِّرْ)) وفي قوله: ((ولا بحقلَّد)) أي: ليس بمكثرٍ ولا بحقلدٍ، وكذلك ما جاء منه)). قلت: ويمكن أَنْ يُريدَ هذا القائلُ أنه معطوفٌ على معنى ((مصدقاً) أي: بسببِ دلالتِهِ على علةٍ محذوفٍ هي موافقةً له في اللفظِ فَنَسَبَ العطفَ على معناه باعتبارٍ دلالته على العلةِ المحذوفةِ لأنها تشاركه في أصلٍ معناه، أعني مدلولَ المادةِ وإنْ كانت دلالةٌ الحالِ غيرَ دلالةِ العلةِ . الثاني: أنه معطوفٌ على علةٍ مقدرةٍ أي: جئتُكم بآيةٍ لأوسِّعَ عليكم ولِأُحِلَّ، أو لِأَخَفِّفَ عنكم ولِأُحِلِّ ونحوُ ذلك. الثالث: أنه معمولٌ لفعلٍ مضمرٍ لدلالةِ ما تقدَّم عليه أي: وجئتُكم لِإِحِلَّ، فَحُذِفَ العامِلُ بعد الواوِ. الرابع: أنه متعلُّقٌ بقولِهِ: ((وأَطيعون))(١) والمعنى: اتّبعوني لِأُحِل لكم، وهذا بعيدٌ جداً أو ممتنعٌ . الخامس: أن يكونَ ((ولِإِحِلَّ)) ردًّاً على قولِهِ: ((بآية))، قال الزمخشري: (٢) ((ولِأحِلَّ)» ردُّ على قولِهِ: ((بآية من ربكم)) أي جئتكم بآيةٍ من ربكم ولِأحلَّ)). قال الشيخ : (٣) ((ولا يَسْتَقِيم أن يكونَ ((ولِأحِلَّ لكم)) ردًّاً على ((بآيةٍ))؛ لأنَّ ((بآيةٍ)) في موضِعٍ حالٍ، و((لأِحِلَّ)) تعليلٌ ولا يَصِحُ عطفُ التعليلِ على الحالِ؛ لأنّ العطفَ بالحرفِ المُشَرِّك في الحكم يُوجِبُ التشريكَ في جنسِ المعطوفِ عليه، فإنْ عَطَفْتَ على مصدرٍ أو مفعولٍ به أو ظرفٍ أو حالٍ أو تَعليلٍ أو غيرِ ذلك شارَكَهُ في ذلك المعطوفِ» قلت: ويُحتمل أن يكونَ جوابُه ما تقدّم من أنه أرادَ رَدّاً على ((بآية)» من حيث دلالتُها على عاملٍ مقدٍَّ. (١) وهو آخر الآية ٥٠ من آل عمران. (٢) الكشاف ٤٣١/١. (٣) البحر ٤٦٩/٢. ٢٠٣ - آل عمران - قوله: ((بعض الذي حُرِّم)) المرادُ ببعض مدلولُهُ الأصلي، وقال أبو عبيدة: (١) ((إنها هنا بمعنى ((كل)) مستدلاً بقولٍ لبيد: (٢) ١٣٠٤ - تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَها أو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها وقد رَدَّ الناسُ عليه بأنه كان يَلْزَمُ أن يُحِلَّ لهم الربا والسرقة والقتل لأنها كانت مُحَرَّمَةً عليهم، فلو كان المعنى: ولِإِحِلَّ لكم كلَّ الذي حُرِّم عليكم لَأَحَلَّ لهم ذلك كله. واستَدَلَّ بعضُهم على أنَّ ((بعضاً)) بمعنى ((كل)) بقولِ الآخر: (٣) ١٣٠٥ - أبا منذرٍ أَقْنَيْتَ فاستَبِقْ بعضَنَا حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ مِن بعضٍِ أي: أهونُ من كل الشرِّ، واستدلَّ آخرون بقولِ الآخر: (٤) ١٣٠٦- إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها دونَ الشيوخِ تَرى في بعضِهَا خَلَلَا أي: في كلِّها خَلَّلاً، ولا حاجةَ إلى إخراجِ اللفظِ عن مدلولِهِ مع إمكان صحة معناه، إذ مرادُ لبيد ببعض النفوس نفسُه هو، والتبعيضُ في البيتين الآخرين (٥) واضحٌ فإنَّ الشرَّ بعضُه أهونُ من بعضٍ آخرَ لا مِنْ كله، وكذلك ليس كلَّ أمرِ دَبَّرِه الأحداثُ كان فيه خَلَلٌ، بل قد يأتي تدبيرُهُ أحسنَ من تدبيرِ الشيخ . (١) مجاز القرآن ٩٤/١ (٢) ديوانه ٣١١، والخصائص ٧٤/١؛ والمحتسب ١١١/١. (٣) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ١٧٢؛ والكتاب ١٧٤/١؛ والمقتضب ٢٢٤/٣؛ وابن يعيش ١١٨/١؛ والھمع ١٩٠/١؛ والدرر ١٦٣/١. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الإنصاف ٧٦٧؛ والبحر ٤٦٨/٢. (٥) الأصل: ((الآخر)» وهو سهو. ٢٠٤ - آل عمران - وقرأ العامةُ: ((حُرِّمَ)) مبنياً للمفعول والفاعلُ هو الله تعالى. وقرأ(١) عكرمة: ((حَرَّم)) مبنياً للفاعِلِ وهو اللَّهُ تعالى أو الموصولُ في قوله: ((لِما بين يدي)) لأنه كتابُ مُنَزَّلٌ، أو موسى لأنه هو صاحبُ التوراةِ، فَأَضْمَر للدلالةِ عليه بِذِكْرِ كتابِهِ. وقرأ إبراهيم النخعي: ((حَرُمٌ)) بوزنْ شَرُف وظَرُف، نَسَبَ الفعل إليه/ مجازاً للعلمِ أنَّ المُحَرِّم هو الله تعالى. [١/١٥٠] قوله: ((وجِثْكم)) هذه الجملةُ يُحْتمل أن تكونَ تأكيداً للأولى لتقدُّم معناها ولفظِها قبلَ ذلك. قال أبو البقاء: (٢) ((هذا تكريرٌ للتوكيد لأنه سَبَقَ هذا المعنى في الآية التي قبلَها)» ويُحْتَمَلِ أَنْ تكونَ للتأسيس لاختلافِ متعلَّقِها ومتعلَّقِ ما قبلَها. قال الشيخ : (٣) ((وجِثْتُكُم بآيةٍ من ربكم للتأسيس لا للتوكيد لقوله: ((قد جِئْكم))، وتكونُ هذه الآيةُ قولَهُ: ((إنَّ اللَّهَ ربي وربكم فاعبدوه)) لأنَّ هذا القولَ شاهِدٌ على صحةِ رسالتِهِ؛ إذ جميعُ الرسلِ كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجَعَلَ هذا القولَ آيَةً وعلامةً لأنه رسولٌ كسائِرِ الرسلِ حيث هَداه للنظرِ في أدلةِ العقلِ والاستدلالٍ، قاله الزمخشري (٤). آ. (٥١) وقرأ العامةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ربي وربُّكم﴾: بكسرِ الهمزةِ على الإِخبار المستأنفِ، وهذا ظاهِرٌ على قولِنا إنَّ ((جئتكم)) تأكيدٌ، أمّا إذا جَعَلْتَه تأسيساً وَجَعَلْتَ الآيةَ هي قولَه: ((إِنَّ اللَّهَ ربي وربُّكم)) بالمعنى الذي ذَكَرْتُه أولًا فلا يَصِحُّ الاستئنافُ، بل يكونُ الكسرُ على إضمارِ القولِ وذلك القولُ بدلٌ من الآية، كأنَّ التقدير: وجئتُكم بآيةٍ من ربّكم قَوْلِي إِنَّ اللّه، فقولي بدلٌ من ((آية))، و ((إِنَّ) وما في حَيِّزها معمولةٌ لقولي، ويكون قوله: ((فاتقوا الله وأطيعون)) اعتراضاً بين البدل والمبدلِ منه. (١) البحر ٤٦٨/٢. (٢) الإملاء ١٣٦/١. (٣) البحر ٤٦٩/٢. (٤) الكشاف ٤٣٢/١. ٢٠٥ - آل عمران وقُرىء (١) بفتح الهمزة وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من («آية)) كأنَّ التقديرَ: وجِئْتُكم بأنَّ الله ربي وربكم، أي: جِئْتُكم بالتوحيد، وقوله: ((فاتَّقوا الله وأَطيعون)) اعتراضٌ أيضاً. الثاني: أنَّ ذلك على إضمار لام · العلة، ولامُ العلة متعلقةً بما بعدَها من قوله: فاعبدوه)» والتقديرُ: فاعبدوه لأنّ الله ربي وربُّكم كقوله تعالى: ((لإيلاف قريش))(٢) إلى أن قال: ((فَلْيعبدوا)) إِذ التقديرُ: فليعبدوا لإيلاف قريش، وهذا عند سيبويه(٣) وأتباعه ممنوعٌ؛ لأنه متى كان المعمولُ أَنَّ وما في صلتِها امتنع تقديمُها على عاملِها، لا يُجيزونَ: ((أنَّ زيداً منطلقٌ عَرَفْتُ)) تزيد: ((عَرَفْتُ أنَّ زيداً منطلقٌ)) للقبحِ اللفظي، إذ تَصَدُّرُها لفظاً يقتضي كسرَها. الثالث: أن يكونَ ((أن الله)) على إسقاطٍ الخافض وهو ((على)) و(على)) يتعلَّق بآية نفسِها، والتقديرُ: وجِئْتُكُم بآيةٍ على أن الله، كأنه قيل: بعلامةٍ ودلالةٍ على توحيد الله تعالى، قاله ابن عطية (٤). وعلى هذا فالجملتان الأمريَّتان اعتراضُ أيضاً وفيه بُعْدٌ. وقوله: ((هذا صراط)) هذا إشارةٌ إلى التوحيدِ المَدْلُولِ عليه بقوله: ((إِنْ الله ربي وربكم)) أو إلى نفسٍ ((إنَّ الله)) باعتبار هذا اللفظِ هو الصراطَ المستقيم . آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿منهم﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يتعلَّقُ بأحسَّ، و(«مِنْ)» لابتداءِ الغاية، أي: ابتداءُ الإِحساسِ مِنْ جهتهم. والثاني. أنه متعلقُ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الكفر أي: الكفرُ حالَ كونِهِ صادراً منهم . (١) البحر ٤٦٩/٢؛ الكشاف ٤٣٢/١. (٢) الآية ١ من قريش. (٣): الكتاب ٤٦٣/١. (٤) لم أجد هذا القول في محرره. ٢٠٦ - آل عمران - والإِحساسُ: الإِدراكُ ببعضِ الحواسِّ الخمسِ وهي: الذوقُ والشمُّ واللمسُ والسمعُ والبصرُ، يقال: أَحْسَسْتُ الشيءَ وبالشَيءٍ، وحَسَسْتُه وحَسَسْتُ به، ويقال: حَسَيْتُ بإبدال سينه الثانيةِ ياءً، وَأَحَسْت بحذف أولٍ سینه، قال: (١) ١٣٠٧ - سِوى أنَّ العِتاقَ من المطايا أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ قال سيبويه: (٢) (وَمِمَّا شَذَّ من المضاعَفِ - يعني في الحذفِ - شبيهٌ بباب أقمت وليس بمتلئِبَ(٣)، وذلك قولهم: أَحَسْتُ وأَحَسْنَ، يريدون: أَحْسَسْتُ وَأَحْسَسْنَ، وكذلك يُفْعَل بكل بناءٍ بُنِي الفعلُ فيه ولا تَصِلُ إليه الحركةُ، فإذا قلت: لم أُحِسَّ لم تَحْذِفْ)). وقيل: الإِحساسُ: الوجودُ والرؤيةُ يقال: هل أَحْسَسْتَ صاحبكَ أي: وَجَدْتَه أو رأيته. قوله: ((مَنْ أَنْصَاري)) أنصار جمع نصير نحو: شَريف وأَشْراف. وقال قوم: هو جمع ((نَصْر)» المرادُ به المصدر، ويَحتاج إلى حَذْف مضاف أي: مَنْ أصحابُ نُصْرَتِي. و((إلى)) على بابها، وتتعلَّق بمحذوف، لأنها حالٌ تقديرُه: مَنْ أنصاري مضافِين إلى الله، كذا قَدَّره أبو البقاء(٤). وقال قوم: إنَّ ((إلى)) بمعنى مع أي: مع الله، قال الفراء: (٥) ((وهو وجْهٌ حسن)). وإنما يجوز أَنْ تَجْعَل ((إلى)) في موضع مع إذا ضَمَمْتَ الشيء إلى الشيء ما لم يكن معه (١) البيت لأبي زبيد، وهو في أمالي القالي ١٧٦/١؛ والسمط ٤٣٨؛ والمنصف ٨٤/٣؛ وأمالي الشجري ٣٨٨/١؛ وشواهد الكشاف ٤٢٩/٤؛ والعتاق: النجيبات من الإِبل، أحسن: أيقن، شوس: ج أشوس وهو الذي ينظر بمؤخر عينيه. (٢) الكتاب ٤٠٠/٢. (٣) أي ليس جارياً مطرداً. (٤) الإملاء ١٣٦/١. (٥) معاني القرآن ٢١٨/١. ٢٠٧ - آل عمران - كقولِ العرب: ((الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبل)) أي: مع الذود، بخلافِ قولك: ((قَدِمَ فلانٌ ومعه مال كثير)) فإنه لا يصلح أَنْ تقولَ: وإليه مال، وكذا تقول: ((قدم فلان مع أهله)) ولو قلت: ((إلى أهله)) لم يصح، وجَعَلوا من ذلك أيضاً قولَهُ: ((ولا تأكُّلوا أموالَهم إلى أموالكم))(١). وقد ردَّ أبو البقاء(٢) كونَها بمعنى ((مع)) فقال: ((وليس بشيء فإنَّ (إلى)) لا تصلُح أَنْ تكونَ بمعنى ((مع)) ولا قياسَ يَعْضُده». وقيل: ((إلى)) بمعنى اللام أي: مَنْ أنصاري لله، كقوله: ((يَهْدِي إلى الحق))(٣) أي: للحقِّ، كذا قَدَّره الفارسي. وقيل: بل ضَمِّن ((أنصاري)) معنى الإِضافةِ أي: مَنْ يُضيف نفسَه إلى الله في نصرتي، فيكون (إلى الله)) متعلقاً بنفسِ أنصاري، وقيل: متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حال من الياء في ((أنصاري)) أي: مَنْ أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجِئاً إليه، قاله الزمخشري (٤). قوله: ((الحوارُّون)) جمع حوارِيّ وهو الناصرُ، وهو مصروفٌ وإنْ ماثل مَفَاعل، لأنَّ ياءَ النسب فيه عارضةٌ، ومثله حَوالِيٍّ وهو المحتال، وهذان بخلافِ: فَمارِيّ(٥) وبَجْاتِيّ (٦)، فإنهما ممنوعانٍ من الصرفِ، والفرق أن الياءً في حوارِيّ وحواليّ عارضةٌ بخلافِها في : ((قَماريّ ويَخانِيّ)) فإنها موجودَةٌ قبل جَمْعِها في قولك: قُمْرِيّ وبُخْتِيّ. والحوارِيُّ: النّاصِرُ كما تقدَّم، وذلك أنَّ عيسى عليه السلام مَرَّ بقومٍ فاستنصَرَهم ودعاهم إلى الإِيمان فتبعوه وكانوا قَصَّارين للثيابِ، فَسُمَِّ كلُّ مَنْ (١) الآية ٢ من النساء. (٢) الإِملاء ١٣٦/١. (٣) الآية ٣٥ من يونس. (٤) الكشاف ٤٣٢/١. (٥) القمرية: ضرب من الحمام. (٦) البختية: الإِبل الخراسانية. ٢٠٨ - آل عمران - تَبْعَ نبياً ونَصَرَهُ: حواريًَّ تسميةً له / باسمِ أولئك تشبيهاً بهم وإن لم يكن [١٥٠/ب] قَصَّاراً، وفي الحديث عنه عليه السلام في الزبير: ((ابنُ عمتي وحواريّ من أمتي))(١) ومنه أيضاً: ((إنَّ لكل نبي حوارياً وحوارِيّ الزبير))(٢) هذا معنى كلام أبي عبيدة (٣) وغيرِه من أهل اللغة. وقيل: الحوارِيُّ هو صفوةُ الرجل وخالصتُه، واشتقاقُهُ من حُرْتُ الثوبَ أي: أَخْلَصْتُ بياضه بالغَسْلِ ومنه سُمِّيَ القَصَّارُ حواريّاً لتنظيفه الثيابَ، وفي التفسير: أنَّ أتباعَ عيسى عليه السلام كانوا قصَّارين، قال أبو عبيد: ((سُمِّيَ أصحاب عيسى حواريين للبياض وكانوا قصَّارين، قال الفرزدق: (٤) ١٣٠٨- فقلتُ: إنَّ الحواريَّاتِ مَعْطَبَةٌ إذا تَفَتَّلْنَ من تحتِ الجلابيبِ يعني النساء)). قلت: يَعني أنَّ النساءَ لبياضِهِنَّ وصفاءِ لونهنَّ لا سيما المترفِّهاتُ يقال لهنَّ الحواريات، ولذلك قال الزمخشري: (٥) ((والحوارِيُّ صفوَةُ الرجل وخالصتُه، ومنه قيل للنساء الحضريات: الحواريَّات لخلوصِ ألوانهن ونظافتهن، وأنشد لأبي جلدة اليشكري: (٦) ١٣٠٩ - فَقُلْ للحوارِيَّاتِ يبكِينَ غيرَنا ولا يَيْكِنا إلا الكلابُ النوابِحُ انتهى. ومنه سُمِّيَت الحُورِ حُوراً لبياضِهِنَّ ونظافَتِهِنَّ. والاشتقاقُ من (١) رواه في المسند ٤/٤ بلفظ قريب. (٢) رواه البخاري (الفتح) الجهاد ٥٢/٦؛ المسند ٨٩/١. (٣) مجاز القرآن ٩٥/١. (٤) ديوانه ٥٢٤/١ اللسان: حور. (٥) الكشاف ٤٣٢/١. (٦) معاني القرآن للزجاج ٤٢٣/١ وشواهد الكشاف ٣٥٨/٤. وأبو جلدة شاعر إسلامي انقلب على الحجّاج. انظر في أخباره: المؤتلف والمختلف ٧٩، والأغاني ٣١١/١١. ٢٠٩ - آل عمران - الحَوَر وهو تبييضُ الأثواب وغيرِها. وقال الضحاك: ((هم الْغَسَّالون، وهم بلغةٍ النَّبَط: هَواري بالهاء مكان الحاء»، قال ابن الأنباري: ((فمن قال بهذا القول قال: هذا حرفُ اشتركت فيه لغة العرب ولغة النبط، وهو قول مقاتل بن سليمان: إن الحواريين هم القصارون)). وقيل: هم المجاهدون كذا نقله ابن الأنباري(١) وأنشد. (٢) ١٣١٠- ونحنُ أناسٌ تملأ البيضَ هامُنَا ونحن الحوارِيُّونَ يومَ نُزاحِفُ جماجِمُنَا يومَ اللقاء تَراسُنا إلى الموت نَمْشِي ليس فينا تَجَانُفُ قال الواحدي: ((والمختارُ من هذه الأقوال عند أهل اللغة أن هذا الاسم لزِمهم للبياض)»، ثم ذكر ما ذكرْتُه عن أبي عبيد. وقال الراغب: (٣) ((حَوَّرْتُ الشيءَ بَّضْتُه ودَوَّرْتُه، ومنه: الخبز الحُوَّاري، والحواريون: أنصار عيسى، وقيل: اشتقاقُهم من حار يَخُور أي : رَجَع، قال تعالى: ((إنه ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ)(٤) أي: لن يرجِعَ، فكأنهم الراجعون إلى الله تعالى، يقال: حار يَحُورِ حَوْراً أي: رَجَعَ، وجار يخور حَوْراً إذا تَرَدَّد في مكانٍ، ومنه: حارَ الماءُ في الغَدير، وحار في أمره وتحيّر فيه وأصلُه: تَخَيْوَرِ، فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً فوزنه تَفَيْعَل لا تَفَعَّل، إذ لو كان تَفَعَّل لقيل: تَحَوَّر نحو: تَجَوَّزِ، ومنه قيل للعُود الذي عليه البكرة: مِحْوَر لتردُّده، ومَجارة : الأذنِ لظاهرِهِ المنقعر تُشبيهاً بمحارة الماء لترُّد الهواء بالصوت فیه کتردد الماء (١) الزاهر له ١٢١/١. (٢) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في زاد المسير لابن الجوزي ٤١٠/١؛ والزاهر ١٢١/١٠. والتراس: ج ترس وهو ما يتوقى به، والتجانف: التمايل. (٣) المفردات ١٣٤. (٤) الآية ١٤ من الانشقاق. ٢١٠ آل عمران - في المَحارة، والقومُ في حَوْر أي: في تردد إلى نقصان، ومنه: (( ((نَعُوذُ بِاللَّهِ من الحَوْر بعد الكَوْر))(١) وفيه تفسيران، أحدُهما: نعوذ بالله من التردد في الأمر بعد المُضَيِّ فيه، والثاني: نعوذُ بالله من نقصانٍ وترددٍ في الحال بعد الزيادة فيها. ويقال: حارَ بعد ماً كارَ، والمُحاورة: المُرادَّة في القول، وكذلك التحاورُ والحوار، ومنه: (وهو يُحاوره)(٢) ((والله يسمع تَحاوُرَكما))(٣) أي: ترادِّكما القولَ، ومنه أيضاً: كلَّمته فما رَجَع إلى حَوارٍ أو حَوِير أو مَحْوَرة وما يعيش بِحَوْر أي: بعقل يرجِع إليه، و((الحَوَرُ)): ظهورُ قليلِ بياضٍ في العينِ من السواد، وذلك نهايةُ الحسنِ في العَيْنِ يقال منه: أَحْوَرَتْ عينُه، والمذكرُ أحورُ، والمؤنثة حَوْراء، والجمعُ فيهما حُور، نحو: حُمْر في جمع أحمر وحمراء، وقيل: سُمِّيت الحُور حُوراً لذلك وقيل: اشتقاقهم من نقاء القلب وخُلوصه وصِدْقه، قاله أبو البقاء(٤)، وهو راجع للمعنى الأول من خُلوصِ البياضِ، فهو مجازٌ عن التنظيفِ من الآثامِ وما يَشُوب الدين. والياء في حَوارِيّ وحَواليّ ليست للنسب بل زائدةٌ كزيادتها في كرسيّ . وقرأ العامة: ((الحواريُّون)) بتشديد الياء في جميع القرآن، وقرأ الثقفي(٥) والنخعي بتخفيفها في جميع القرآن، قالوا: لأن التشديدَ ثقيلٌ، وكان قياس هذه القراءةِ أَنْ يقالَ فيها: الحوارُون، وذلك أنه تستثقل الضمة على الياء المكسور ما قبلها فَتُنْقَل ضمة الياء إلى ما قبلها فتسكُنُ الياءُ، فيلتقي ساكنان (١) رواه الترمذي (التحفة) الدعاء ٣٩٩/٩؛ المسند ٨٢/٥. (٢) الآية ٣٤ من الكهف. (٣) الآية ١ من المجادلة. (٤) الإملاء ١٣٦/١. (٥) شواذ القراءات ٢١، ونسبها إلى ابن عامر في رواية؛ البحر ٤٧١/٢. والثقفي: أبو بكر أحمد بن حماد البغدادي، حاذق في رواية قالون عن نافع، قرأ على البزاز، وأخذ عنه النقاش ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٥١/١. ٢١١ - آل عمران - فتحذفُ الياء لالتقاء الساكنين، وهذا نحوُ: جاء القاضُون، الأصل: القاضِيُون، فَفْعِل به مَا ذُكِرَ. قالوا: وإنما أُقِرَّتْ ضمةُ الياءِ عليها تنبيهاً على أن التشديد مرادٌ لأن التشديدَ يَحْتمل الضمة(١) كما ذهب، الأخفش في ((يستهزيون)) إذ أَبْدَل الهمزةَ ياءً مضمومةً، وإنما بَقِيَتِ الضمةُ تنبيهاً على الهمزةِ. آ. (٥٣) وقوله تعالى: ﴿مع الشاهدين﴾: حالٌ من مفعول ((اكتبنا)» وفي الكلامِ حذفٌ أي: مع الشاهدين لك بالوحدانية. آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرِ اللَّهُ﴾: من بابِ المقابلةِ، أي: لا يجوزُ أَنْ يُوصِفَ اللَّهُ بالمكر إلا لأجلِ ما ذُكر معه من لفظٍ آخرَ مسندٍ لِمَنْ يليقُ به، وهذا كما تقدَّم في الخداع(٢)، هكذا قيل، وقد جاء ذلك من غيرِ مقابلة في قولِهِ: (أفأَمِنُوا مكرَ اللّه، فلا يَأْمَنُ مَكْرَ الله))(٣). والمَكْرُ في اللغةِ أصلُهُ السَّتْرُ. يُقال: مَكَرِ اللَّيلُ: أي أَظْلَمَ وسَتّر بظلِمِته ما فيه، وقالوا: واشتقاقُه من المَكْر وهو شجر ملتفّ، تخيَّلوا فيه أنَّ المكرّ يلتفُّ بالممكورِ به ويشتمل عليه، وامرأةٌ ممكورةُ الخَلْقِ أي: ملتقَّةُ الجسم، وكذا مَمْكُورة البطن، ثم أُطْلِقَ المَكْرُ على الخُبْثِ والخِداعِ، ولذلك عَبِّر عنه [١٥١/ أ] بعضُ أهلِ اللغةِ بأنه السعيُ بالفساد/. قال الزجاج: ((هو مِنْ مَكَر الليلُ وَأَمْكَرَ أي أظلم)). وقد عَبَّر بعضُهم عنه فقال: هو صَرْفُ الغَيْرِ عَمَّا يَقْصِدِهِ بحيلةٍ ، وذلك ضربان: محمودٌ وهو أَنْ يُتَحَرَّى به فِعْلٌ جميلَ، وعلى ذلك قولُه: ((والله خيرُ الماكِرِين))، ومذمومٌ وهو أَنْ يُتَحَرَّى به فعلٌ قبيحٌ نحو: ((ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّىءُ إلا بأهلِهِ))(٤): (١) أي: يستطيع أن يقرِّها عليه من دون ثقل في النطق. (٢) انظر الآية ٩ من البقرة. (٣) الآية ٩٩ من الأعراف. (٤) الآية ٤٣ من قاطر. ٢١٢ - آل عمران - آ. (٥٥) قوله تعالى: ﴿إذ قال الله﴾: في ناصبهِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: قوله: ((وَمَكَرَ الله)) أي وَمَكَر اللَّهُ بهم في هذا الوَقتِ. الثاني: أنه ((خير الماكرين)). الثالث: اذكر مقدراً، فيكون مفعولاً به كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرةٍ . قوله: ((إِنِّي مُتَوَفِّك ورافِعُك)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّ الكلامَ على حالِه من غيرِ ادِّعاءِ تقديمٍ وتأخيرٍ فيه، بمعنى: إني مستوفي أجلِك ومؤخِّرُك وعاصِمُك مِنْ أَنْ يقتُلَكَ الكفار إلى أن تموتَ حَتْفَ أَنِفِكَ من غيرِ أَنْ تُقْتَلَ بأيدي الكفارِ ورافعُكَ إلى سمائي. والثاني: أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصلُ: رافعُك إليّ ومتوفيك لأنه رُفِع إلى السماء ثم يُتَوَفَّى بعد ذلك، والواوُ للجمعِ فلا فَرْقَ بين التقديمِ والتأخيرِ، قاله أبو البقاء(١) وبدأ به، ولا حاجةً إلى ذلك مع إمكانٍ إقرارٍ كلٍّ واحدٍ في مكانِهِ بما تقدَّم من المعنى، إلاّ أنَّ أبا البقاءِ حَمَلَ التوقَّ على الموتِ، وذلك إنما هو بعدَ رَفْعِهِ ونزولِهِ إلى الأرض وحكمِه بشريعةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وفي قوله ((واللَّهُ خيرُ الماكرين))(٢) إيقاعُ الظاهرِ موقعَ المضمرِ، إذ الأصلُ: ومكرُوا ومكرَ اللَّهُ وهو خير الماكرين. قوله: ((وجاعلُ الذين اتَّبعوك)) فيه قولان، أظهرُهُما: أنه خطابٌ لعيسى عليه السلام، والثاني: أنه خطابُ لنبينا صلى الله عليه وسلم، فيكونُ الوقفُ على قوله ((مِنَ الذين كفروا)) تاماً، والابتداءُ بما بعده، وجاز هذا الدلالةِ الحالِ عليه. و((فوق الذين كفروا)) ثاني مفعولَيْ جاعل لأنه بمعنى مُصَيِّر فقط. (١) الإملاء ١٣٧/١. (٢) هذه الإِشارة البلاغية تابعة للآية ٥٣، وهو الآن يتحدث عن الآية ٥٤ .. ٢١٣ ۔ آل عمران - و(إلى يوم)) متعلَّقُ بالجَعْلِ، يعني أنَّ هذا الجَعْلَ مستمرٌّ إلى ذلك اليوم، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالاستقرار المقدَّرِ في ((فوق)) أي: جَاعِلُهُم قاهرين لهم إلى يوم القيامة، يعني أنهم ظاهرون على اليهودِ وغيرِهم من الكفارِ بالغَلَّبَةِ فِي الدنيا، فأمَّا يَوْمُ القيامةِ فيحكُمُ اللَّهُ بينهم فيُدْخِل الطائعَ الجنةَ والعاصيَ النارَ، وليس المعنى على انقطاعِ ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا وانقضائِها، لأنَّ لهم استعلاءً آخرَ غيرَ هذا الاستعلاء. وقال الشيخ: (١). ((والظاهرُ أنَّ ((إلى)) تتعلقُ بمحذوفٍ، وهو العاملُ في ((فوق))، وهو المفعولُ الثاني لجاعل، إذ (جاعل)) هنا مُصَيِّر، فالمعنى كائنين فوقَهم إلى يوم القيامة، وهذا على أنَّ الفوقيةَ مجازٌ، وأمَّا إن كانت الفوقيةُ حقيقيةً وهي الفوقيةُ في الجنة فلا تتعلَّق (إلى)) بذلك المحذوفِ بل بما تقدَّم من ((متوفِّك)) أو من ((رافعك)) أو من ((مُطَهِّرك)) إذ يَصِحُّ تعلُّقه بكلِّ واحدٍ منها، أمَّ تعلّقُه برافِعُك، أو بِمُطَهِّرُك فظاهرٌ، وأمَّا بمتوَفَّك فعلى بعضِ الأقوال)) يعني ببعض الأقوال أنَّ التوفِّي يُراد به. قابِضُكَ من الأرضِ من غيرِ موتٍ، وهو قولُ جماعةٍ كالحسن وابنٍ زيد وابن جريج وغيرِهم، أو يرادُ به ما ذَكَرَهُ الزمخشري(٢)، وهو مستوفي أجلك، ومعناه: إني عاصمُكِ من أن يقتلَك الكفارُ ومؤخِّرُك إلى أَجَلٍ كتبتُه لك، ومميتُك حَتْفَ أَنفِكَ لا قتلًا بأيدي الكفار، وأمَّا على قولِ مَنْ يقول: إنه تُوُنِّي حقيقةً فلا يُتَصَوَّرُ تَعلَّقُه به لأن القائل بذلك لم يقل باستمرار الوفاة إلى يوم القيامة بل قائل يقول: إنه تُوُفِّي ثلاث ساعات، وآخرُ يقول: تَوْفي سَبع ساعات بقدر ما رُفع إلى سمائه حتى لا يلحقَه خوفٌ ولا ذُعْر في اليقظة، وعلى هذا الذي ذكره الشيخ يجوز أن تكون المسألة من الإِعمال، ويكون قد تنازع في هذا الجارِّ ثلاثةُ عوامل، وإذا ضَمَمْنا إليها كونَ الفوقية مجازاً تنازع (١) البحر ٤٧٤/٢. (٢) الكشاف ٤٣٢/١. ٢١٤ - آل عمران - فيه أربعةُ عواملَ، والظاهرُ أنه متعلُّقٌ بجاعل. وقد تقدَّم أن أبا عمرو يُسَكُّنُ ميم ((أَحْكُمُ)) ونحوِه قبلَ الباء. آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿فأمَّا الذين كَفَروا﴾: في محلِّ هذا الموصولِ قولان، أظهرُهما: أنه مرفوعٌ على الابتداءِ، والخبرُ الفاءُ وما في حَيِّزها، والثاني: أنه منصوبٌ بفعل مقدر، على أن المسألة من باب الاشتغال، إذ الفعلُ بعدَه قد عَمِلَ في ضميره، وهذا وجهٌ ضعيف، لأنَّ ((أمَّا)) لا يليها إلا المبتدأُ، وإذا لم يَلِها إلا المبتدأُ امتنعَ حَمْلُ الاسم بعدها على إضمارِ فعلٍ . ومَنْ جَوَّزَ ذلك تَمَحَّل بأنه يُضْمِرُ الفعلُ متأخراً عن الاسم، ولا يُضْمِرُه قبلَه، قال: لئلا يَلِيَ ((أَمِّ)) فعلّ وهي لا يَليها الأفعالُ البتة فيقدِّرُ في قولك: ((أمَّا زيداً فضَربتُه)»: أمَّا زيداً ضربْتُ فضربْتُه، وكذا هنا يُقَدِّرُ: فأمَّا الذين كفروا أعذِّب فأعذِّبهم، فيقدِّرُ العاملَ بعد الصلة، ولا يقدِّرُه قبل الموصولِ لِما ذكرت، وهذا ينبغي ألاّ يجوزَ لعدم الحاجة إليه مع ارتكاب وجهٍ ضعيفٍ جداً في أفصحٍ كلام، وقد قرأ بعض قراء الشواذ: ((وأمَّا ثمود فهديناهم))(١) بنصبٍ ((ثمود)) واستضعفها الناس. وفي قوله: ((ثم إليَّ مَرْجِعُكم)) إلى ((كنتم فيه تختلفون)» التفاتٌ من غيبة إلى خطاب، وذلك أنه قدَّم تعالى ذِكْرَ مَنْ كَذَّب بعيسى وافترى عليه وهم اليهود - لُعنوا -، وقَدَّم أيضاً ذِكْرَ مَنْ آمَنَ به وهم / الحواريون -رضي الله [١٥١/ب] عنهم - وقَضَى بعد ذلك بالإِخبار بأنه يجعلُ مُتَبعي عيسى فوق مخالفيه، فلو جاءَ النظمُ على هذا السياقِ من غيرِ التفاتٍ لكانَ: ثم إليَّ مَرْجِعُهم فَأَحْكُمُ بينهم فيما كانوا، ولكنه التفت إلى الخطاب لأنه أبلغُ في البِشارة وَأَزْجَرُ في النّذارة. (١) الآية ١٧ من فصلت، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق كما في القرطبي ٣٤٩/١٥؛ والشواذ ١٣٣. ٢١٥ - آل عمران - وفي ترتيبِ هذه الأخبار الأربعة - أعني مُتَوَفِيك ورافعُك ومُطَهِّرك وجاعلُ - هذا الترتيبَ معنَّى حسنٌ جداً، وذلك أنه تعالى بَشَّره أولاً بأنه متوفِيه ومتولِّي أمره فليس للكفار المتوعِّدين له بالقتل عليه سلطانٌ ولا سبيلٌ، ثم بَشِّرِه ثانياً بأنه رافعُه إليه أي: سمائِه محلٌّ أنبيائِهِ وملائكتِهِ ومحلٌّ عبادتِهِ ليسكنَ فيها ويعبُدَ ربَّه مع عابِدِيه، ثم ثالثاً بتطهيرِهِ من أَوْضارِ الكفرةِ وأذاهم وما رَموه بهِ، ثم رابعاً برفعة تابعيه على مَنْ خالفهم ليتمَّ بذلك سرورُه، ويكملَ فرحُهُ، وقَدَّم البِشَارَةَ بما يتعلَّقُ بنفسِهِ على البِشارة بما يتعلَّق بغيره؛ لأنَّ الإِنسانَ بنفسِهِ أَهُمُّ وبشأنها أَعْنى، ((قُوا أَنفُسَكم وأهليكم ناراً)(١) (ابدَأْ بِنَفْسِكَ ثم بِمَنْ تَعول))(٢). آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿وأمَّا الذين آمنوا﴾: الكلامُ فيه كالكلام في الموصول قبلَه، وقرأ حفص(٣) عن عاصم: ((فيوفِيهم)) بياء الغيْبة، والباقون بالنون، فقراءةُ حَفْص على الالتفاتِ من النّكلمِ إلى الغيبة تفتّاً في الفصاحة. وقراءةُ الباقين جاريةٌ على ما تقدَّم من اتِّساقِ النظم، ولكنْ جاءَ هناك بالمتكلِّم وحدَه وهنا بالمتكلِّم وحده المعظّمِ نفسَه اعتناءً بالمؤمنين ورفعاً مِنْ شأنِهم لَّمَّا كانوا معظّمين عنده. آ. (٥٨) قوله تعالى: ﴿ذلك نَتْلُوهِ﴾: يجوز أَنْ يكونَ «ذلك)) مبتدأً و((نتلوه) الخبرَ، و((من الآيات)) حالٌ أو خبرٌ بعدَ خبرِ، ويجوزُ أن يكونَ ((ذلك)» منصوباً بفعل مقدر يفسِّره ما بعدَه، فالمسألةُ من الاشتغال و((من الآيات)) حالٌ أو خبرُ مبتدأ مضمر أي: هُو من الآيات، ولكنَّ الأحسنَ الرفعُ بالابتداءِ، لأنه لا يُحْوج إلى إضمارٍ، وعندَهم: ((زيدٌ ضربتُه)) أحسنُ مِنْ («زيداً ضربته))، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((ذلكَ)) خبرَ مبتدأ مضمر، يعني: الأمر ذلك، و «نْلوه)» على (١) الآية ٦ من التجريم. (٢) رواه ابن حنبل ٩٤/٢ (٣) السبعة ٢٠٦؛ الكشف ٣٤٥/١. ٢١٦ - آل عمران - هذا حالٌ من اسمِ الإِشارة، و((من الآيات)) حالٌ من مفعولِ ((نَتْلوه)) ويجوزُ أَنْ يكونَ «ذلك)) موصولاً بمعنى الذي، و («نْلوه)» صلةٌ وعائدٌ، وهو مبتدأٌ خبرُه الجارُّ بعده، أي: الذي نتلوه عليك كائنٌ من الآيات أي: المعجزاتُ الدالّةُ على نُبُوَّتِك، جَوَّز ذلك الزجاج(١) وتَبِعه الزمخشري(٢)، وهذا مذهبُ الكوفيين، وأمَّا البصريُّون فلا يُجيزون أن يكونَ اسمٌ من أسماء الإشارة موصولاً إلا (ذا)) خاصةً بشروط تقدَّم ذكْرُها، ويجوز أن يكونَ ((ذلك)) مبتدأً، و((من الآيات)) خبره، و((نتلوه)) جملةٌ في موضعِ نصبٍ على الحال، ويجوز أن يكونَ ((ذلك)) مبتدأُ و((من الآيات)) خبرَه، و((نتلوه)) جملةً في موضع نصب على الحال، والعاملُ معنى اسمِ الإِشارة. و((مِنْ)) فيها وجهان، أظهرهما: أنها تبعيضية؛ لأن المتلوّ عليه عليه السلام من قصة عيسى بعضُ معجزاتِه وبعضُ القرآن، وهذا وجه واضح. والثاني: أنها لبيانِ الجنسِ ، وإليه ذهب ابنُ عطية(٣) وبه بَدَأ، قال الشيخ(٤): ((ولا يتأَتَّى ذلك هنا من جهةِ المعنى إلا بمجازٍ، لأنَّ تقديرَ ((مِنْ)) البيانية بالموصول ليس بظاهر، إذ لو قلت: ((ذلك نتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم)) لاحتجْتَ إلى تأويلٍ ، وهو أَنْ يُجْعَلَ بعضُ الآيات والذكرِ آياتٍ وذكراً وهو مجازٌ. والحكيمُ صيغةُ مبالَغَةٍ مُحَوَّلٌ من فاعل كضريب من ضارب، ووُصِف الكتاب بذلك مجازاً، لأن هذه الصفة في الحقيقة لمُنْزِلِهِ والمتكلم به فَوُصِفَ بصفةٍ مَنْ هومن سببِهِ وهو الباري تبارك تعالى، أو لأنه ناطقٌ بالحكمةِ أو لأنه أَحْكَمُ في نظمه، وجَوَّزوا أن يكونَ بمعنى مُفْعِل أي: مُحْكِم لقوله تعالى: (١) معاني القرآن ٤٢٧/١. (٢) الكشاف ٤٣٣/١. (٣) المحرر ١٠٧/٣. (٤) البحر ٤٧٦/٢. ٢١٧ - آل عمران - ((كتابٌ أُحكمت آياته)) إِلَّ أنَّ فَعِيلاً بمعنى مُفْعِل قليلٌ قد جاءَتْ منْه أُلَيْفَاظُ قالوا: عَقَدْتُ العَسَلَ فهو عَقِيد ومُعْقَد، واحتبسْتُ الفرسَ في سبيلِ الله فهو حَبِيس ومُحْبَس. وفي قوله ((نتلوه)) التفاتٌ من غَيْبَة إلى تكلُّم، لأنه قد تقدَّمه اسمٌ ظاهرٌ، وهو قولُه: ((والله لا يُحبُّ الظالمين)) كذا قاله الشيخ(١)، وفيه نظرٌ، إذ يُحْتَمْل أن يكونَ ((والله لا يجب الظالمين)) جيء بها اعتراضاً بين أبعاضٍ هذه القصة .. وقوله: (نَتْلُوه)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه وإنْ كان مضارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنى أي: ذلكَ الذي قَدَّمْناه من قصةِ عيسى وما جَرَى له تَلَوْناه عليك كقوله: (واتَّبعوا ما تَتْلو الشياطين))(٢)، والثاني: على بابِه لأنَّ الكلامَ بعدُ لم يَتِمَّ، ولم يفرغ من قصة عيسى عليه السلام إذ بقي منها بقية .. آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَل عيسى﴾: جملةٌ مستأنفةٌ لا تعلُقَ لِها بما قبلها تعلُّقاً صناعياً بل معنوياً، وزعم بعضُهم أنَّها جوابٌ لقسم، وذلك القسمُ هو قولُه: ((والذِّكرِ الحكيمِ)) كأنه قيل: أَقْسم بالذكرِ الحكيم إِنَّ مِثلَ عيسى، فيكونُ الكلامُ قَد تَمَّ عند قوله: ((من الآيات)» ثم استأنف قسماً، فالواوُ حرفُ جر لا حرفُ عطف، وهذا بعيدٌ أو ممتنعٌ، إذ فيه تفكيكٌ لنظمِ القرآن وإذهابٌ لرونقه وفصاحته. قوله: ((خَلَقه من تراب)» في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها مفسرةٌ لوجهِ التشبيه بين المَثَلين، فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من آدمَ عليه السلام و ((قد)) معه مقدرةٌ، والعاملُ فيها معنى التشبيه، والهاءُ في ((خَلَقه)) عائدةٌ على آدم، ولا تعودُ على عيسى لفسادٍ (١) البحر ٤٧٦/٢. (٢) الآية ١٠٢ من البقرة ٢١٨٠ - آل عمران - المعنى، وقال ابن عطية (١): ((ولا يجوزُ أن يكون ((خلقه)) صلةً لآدم ولا حالاً منه، / قال الزجاج(٢): ((إذ الماضي لا يكونُ حالاً أنت فيها، بل هو كلامٌ [١٥٢/أ] مقطوعٌ منه مُضَمِّنٌ تفسيرَ الشأن)) قال الشيخ(٣): ((وفيه نظرٌ))، ولم يُبَيِّنْ وجهَ النظرِ، والظاهرُ من هذا النظرِ أنَّ الاعتراضَ وهو قولُه: ((لا يكون حالاً أنت فيها)) غيرُ لازم، إذ تقديرُ ((قد)) معه يقرِّبُه من الحال، وقد يَظْهَرُ الجواب عَمَّا قاله الزجاج من قول الزمخشري(٤): ((إنَّ المعنى: قَدَّره جسداً من طين ثم قال له: كن، أي أَنْشَأه بشراً). قال الشيخ(٥): ((ولو كان الخَلْقُ بمعنى الإِنشاء لا بمعنى التقديرِ لم يأتِ بقوله ((كن)) لأنَّ ما خُلِقَ لا يقال له: كُنْ، ولا يُنْشَأُ إلا إنْ كان معنى ((ثم قال له كن)) عبارةً عن نَفْحِ الروح فيه. «قلت: قد تعرَّض الواحدي لهذه المسألة فَأَتْقَنها فقال: ((وهذا - يعني قوله خلقه من تراب - ليس بصلةٍ لآدم ولا صفةٍ، لأنَّ الصلة للمبهمات والصفةً للنكرات ولكنه خبرٌ مستأنفُ على جهةِ التفسير لحالٍ آدَمَ عليه السلام)) قال: ((قال الزجاج(٦) ((وهذا كما تقولُ في الكلام: ((مَثَلُك كمثلِ زيد)» تريد أنك تُشْبهه في فِعْلٍ ثم تخبرُ بقصة زيد، فتقول: فعل كذا وكذا)». وقوله: ((كن فيكون)) اختلفوا في المقول له: كن، فالأكثرون على أنه آدم عليه السلام، وعلى هذا يقعُ الإشكال في لفظ الآية، لأنه إنما يقول له: (كن)) قبل أن يخلقَه لابعده، وههنا يقولُ: ((خَلَقه)) ثم قال له: كن، (١) المحرر ١٠٩/٣. (٢) معاني القرآن ٤٢٨/١. (٣) البحر ٤٧٨/٢. (٤) الكشاف ٤٣٣/١، والحديث الآن عن معنى ((خلقه)) وليس فيه إشارة لموضوع الصناعة النحوية في كلام الزجاج. (٥) البحر ٤٧٨/٢. (٦) معاني القرآن ٤٢٨/١. ٢١٩ _ آل عمران : - والجوابُ: أنَّ الله تعالى أخبرنا أولاً أنه خَلَقَ آدَمَ مِنْ غيرِ ذَكَرٍ ولا أنثى، ثم ابتدأَ خبراً آخرَ، أرادَ أَنْ يُخْبِرَنا به فقال: إني مخبرُكم أيضاً بعد خبري الأول أني قلت له: ((كن)) فكان، فجاء بثم لمعنى الخبرِ الذي تقدَّم والخبرِ الذي تأخر في الذكر، لأنَّ الخَلْقَ تقدَّم على قولِه ((كن))، وهذا كما تقول: ((أُخْبِرُك أني أُعطيك اليوم ألفاً، ثم أخبرك أني أعطيتك أمسِ قبلَه ألفاً)) فأمس متقدُّمَ على اليوم، وإنما جاء بثم لأنَّ خبرَ اليوم متقدِّمُ خبرَ أمسٍ، وجاءَ خبرُ أمس بعد مُضِيٍّ خبر اليوم، ومثله قوله: ((خَلَقَكم من نفسٍٍ واحدةً ثم جَعَل منها زوجَها)(١) وقد خَلَقها بعد خَلْق زوجها، ولكن هذا على الخبر دون الخَلْقِ، لأنَّ التأويلَ: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حواء قد خُلقت من ضلعه، ثم أُخبركم أني خَلَقْت زوجها منها، ومثلُ هذا مِمَّا جاء في الشعر قوله(٢): ١٣١١ - إنّ مَنْ سَاد ثم ساد أبوه ثم قد سادَ قبل ذلك جَدُّهُ ومعلومٌ أنَّ الأبَ متقدِّمٌ له والجَدَّ متقدمٌ للأب، فالترتيبُ يعودُ إلى الخبر لا إلى الوجودِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ المرادُ أنه خلقه قالباً من ترابٍ ثم قال له: كُنْ بَشَرَأَ فيصِحُّ النَّظْمُ. وقال بعضُهم: المقولُ له كن: عيسى، ولا إشكالَ على هذا. وقوله: ((فيكونُ)) يجوز أَنْ يكونَ على بابِه مِنْ كونه مستقبلاً، والمعنى: فيكونُ كما يأمرُ الله فيكونُ حكايةً للحال التي يكونُ عليها آدم، ويجوز أن (١) الآية ٦ من الزمر. (٢) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه ٤٩٣؛ ورصف المباني ١٧٤؛ والهمع ١٣١/٢؛ والدرر ١٧٣/٢. .. ٢٢٠