Indexed OCR Text

Pages 221-240

- البقرة -
رؤيةً كذلك، أو يَحْشُرهم حشراً كذلك، أو يَجْزيهم جزاءً كذلك، أو يُريهم الإِراءةَ
مشبهةً كذلك ونحوُ هذا. والثاني: أن يكونَ موضعُها رفعاً(١) على انه خبرُ
مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ كذلك أو حَشْرُهم كذلك قاله أبو البقاء(٢). قال
الشيخ(٣): ((وهو ضعيفٌ لأنه يقتضي زيادةً الكافَ وحَذْفَ مبتدأ، وكلاهما على
خلاف الأصل)». والإِشارةُ بذلك إلى إراءَتِهم تلك الأهوال، والتقدير: مثلَ
إراءتهم الأهوال يُريهم اللهَ أعمالهم حسراتٍ، وقيل: الإشارة إلى تبرؤ
بعضِهم مِنْ بعضٍ.
والرؤيةُ هنا تحتملُ وَجْهَيْن، أحدُهما: أن تكونَ بصريةً، فتتعدّى لاثنين
بنقل الهمزة، أولُهُما الضميرُ والثاني ((أعمالَهم)) و((حسراتٍ)) على هذا حالٌ
من ((أعمالهم)). والثاني: أن تكون قلبية، فتتعدّى لثلاثة ثالثُها ((حسرات))
و ((عليهم)) يجوزُ فيه وجهان: أن يتعلَّق بـ ((حسراتٍ)) لأنَّ ((يَحْسَرِ)) يُعَدَّى
بعلى، ويكونَ ثمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: على تفريطهم. والثاني: أن تتعلّق
بمحذوفٍ لأنَّها صفةٌ لحَسَرات، فهي في محل نصبٍ لكونها صفةٌ لمنصوبٍ.
والكَرَّةُ: العَوْدَةُ، وفِعْلُها كَرِّ يَكُرُّ كَرَّاً، قال(٤):
أفيها كانَ حَتْفِي أَمْ سِواها
٨٠٩ - أَكُرُّ على الكتيبةِ لا أُبالي
والحسرةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ، وهو تألمُ القلب بانحساره عما يُؤْمِّلُهُ، واشتقاقُها:
إِمَّا من قولهم: بعيرٌ حَسِير، أي: منقطعُ القوةِ أو مِنَ الحَسْرِ وهو الكَشْفُ.
آ. (١٦٨) قوله تعالى: ﴿مَما في الأرض حلالاً طيباً﴾: ((خلالً)) فيه
خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أَن يكونَ مفعولاً بـ((كُلوا))، و((مِنْ)» على هذا فيها
(١) في الأصل: (رفع)) وهو سهو.
(٢) الإِملاء ٧٤/١.
(٣) البحر ٤٧٤/١.
(٤) البيت للعباس بن مرداس، وهو في الحماسة الشجرية ١٣٣/١؛ والانصاف ٢٩٦.
٢٢١

- البقرة -
وجهان، أحدُهما: أَنْ تَتعلَّق بكُلوا، ويكونُ معناها ابتداءَ الغايةِ. والثاني: أنْ
تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من («حلالاً)) وكانت في الأصلِ صفةً له فلمّا
قُدِّمت عليه انتصَبَت حالاً، ويكونُ معنى ((مِنْ)) التبعيض. الثاني: أن يكونَ
انتصابُ ((حلالاً)) على أنه نعت لمفعولٍ محذوفٍ، تقديرُه: شيئاً أو زرقاً حلالاً
ذكرَه مكي(١)، واستبعدَه ابنُ عطية(٢)، ولم يُبَيِّنْ وجهَ بُعْدِهِ، والذي يَظْهَرُ في
بُعْدِه أنَّ («حلالاً)) ليس صفةً خاصةً بالمأكولِ ، بل يُوصَفُ به المأكولُ وغيرُه،
وإذا لم تكن الصفةُ خاصةً لا يجُوزُ حَذْفُ الموصوفِ. الثالثُ: أَنْ ينتصِبَ
((حلالاً)) على أنه حالٌ مُن ((ما)) بمعنى الذي، أي: كُلوا من الذي في الأرض
حال كَونِه حلالاً. الرابع: أن ينتصِبَ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي :
أكلا حلالاً، ويكون مفعولُ ((كُلوا)) محذوفاً، و((ما في الأرض)) صفةٌ لذلك
المفعولِ المحذوفِ، ذكره أبو البقاء(٣)، وفيه من الردِّ ما تقدَّم على مكي،
ويجوزُ على هذا الوجهِ الرابع ألَّ يكونَ المفعولُ محذوفاً بل تكون ((مِنْ)) مزيدةٌ
على مذهب الأخفش تقديرُه: كُلوا ما في الأرض أكلا حلالاً. الخامس: أنْ
يكونَ حالاً من الضمير العائد على ((ما)) قاله ابنُ عطية (٤)، يعني بالضمير
الضميرَ المستكنَّ في الجارِّ والمجرورِ الواقعِ صلةٌ .
و ((طيباً)) فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أن يكونَ صفةً لحلالاً، أمَّا على
القول بأنَّ ((مِنْ)) للابتداءِ متعلِّقة بـ (كُلوا) فهو واضحٌ، وأمّا على القولِ بأنّ
((مِما في الأرض)) حالٌ من ((حلالاً))، فقال أبو البقاء (٥): ((ولكنَّ موضعَها بعد
(١) المشكل ٨٠/١.
(٢) التفسير ٤٧٧/١.
(٣) الاملاء ٧٤/١.
(٤) التفسير ٤٧٧/١ .
(٥) الاملاء ١ /٧٥.
٢٢٢

- البقرة -
الجارِّ والمجرور، لئلا يُفْصَلَ بالصفةِ بين الحالِ وذي الحالِ» وهذا الذي قاله
ليس بشيء فإنَّ الفصلَ بالصفةِ بين الحال وصاحِبها ليس بممنوع، تقول:
((جاءني زيدٌ الطويلُ راكباً)) بل لو قَدَّمْتَ الحالَ على الصفةِ فقلتَ: ((جاءني
زيدٌ راكباً الطويلُ)) كان في جوازه نظرٌ. الثاني: أن يكونَ صفةً لمصدرٍ
محذوفٍ أو حالاً من المصدرِ المَعْرفة المحذوفِ أي: أكلاً طيباً. الثالث: أن
يكونَ حالاً من الضميرِ في ((كُلوا)) تقديرُه: مستطيبين، قاله ابنُ عطية(١)، قال
[٦٤/أ] الشيخُ(٢): ((وهذا فاسدٌ في اللفظ / والمعنى، أمّا اللفظُ فلأنَّ ((الطِّب)) اسمُ
فاعل فكان ينبغي أن تُجْمَعَ لتطابق صاحبَها فيقال: طيبين، وليس ((طيب))
مصدراً فيقال: إنما لم يُجْمَع لذلك. وأما المعنى فإنَّ ((طيباً)) مغايرٌ لمعنى
((مستطيبين)) لأنَّ الطِّيب من صفاتِ المَأْكولِ والمستطيبَ من صفاتِ الآكلينَ،
تقول: طاب لزيدٍ الطعامُ، ولا تقولُ: ((طابَ زيدٌ الطعام)) بمعنى استطابه)).
والخَلالُ: المأذونُ فيه، ضدُّ الحرام الممنوع منه. [يُقال: ] حَلِّ يَجِلُ
بكسرِ العين في المضارعِ ، وهو القياسُ لأنه مضاعَفٌ غيرُ متعدٍّ، ويقال:
حلال وحِلَّ، كحرام وحَرَم، وهو في الأصل مصدرٌ، ويقالُ: ((حِلٌ بِلٌ)) على
سبيلِ الإِتباع كحَسَنْ بَسَنٌ (٣). وَحَلَّ بمكان كذا يحِلُّ بضمّ العَيْنِ وكسرِها،
وقرىء: (فَيَحِلَّ عليكم غضبي))(٤) بالوجهين.
قوله: ((خُطُواتٍ)) قرأ(٥) ابنُ عامر والكسائي وقنبل وخَفص: خُطُوات
بضم الخاء والطاء، وباقي السبعة بسكون الطاءِ، وقرأ أبو السَّمَّال ((خُطَوات))
(١) التفسير ١ /٤٧٧.
(٢) البحر ٤٧٨/١.
(٣) انظر: الأمثال لمؤرج السدوسي ٧٦.
(٤) الآية ٨١ من طه، قرأ الكسائي بالضم، والباقون بالكسر. السبعة ٤٢٢.
(٥) السبعة ١٧٣؛ والكشف ٢٧٣/١؛ والبحر ٣٧٩/١؛ والشواذ ١١.
٢٢٣

- البقرة -
بفتحها، ونقل ابنُ عطيةٍ(١) وغيرُه عنه أنه قرأ ((خَطَوات)) بفتح الخاء والظاء، وقرأَ
عليّ وقتادة والأعمش بضمِّها والهمز.
فأمّا قراءةُ الجمهورِ والأولى من قراءَتَيْ أبي السَّمَّال فلأنَّ ((فَعْلَة)) الساكنةَ
العين السالمتها إذا كانت اسمأ جاز في جَمْعِها بالألف والتاءِ ثلاثةُ أوجهٍ
- وهي لغاتٌ مسموعةٌ عن العرب -: السكونُ وهو الأصلُ، والإِتباع، والفتحُ
في العَيْنِ تخفيفاً. وأمّا قراءةُ أَبي السَّمَّال التي نَقَلَها ابنُ عطية فهي جَمْعُ
خَطْوة بفتح الخاء، والفرقُ بين الخطوة بالضم والفتح : أنَّ المفتوحَ مصدرٌ،
دالةٌ على المَرَّة من خَطَا يَخْطُو إذا مَشَى، والمضمُومِ اسمٌ لِما بين القَدَمَيْن كأنه
اسمُ للمسافةِ، كالغُرْفَةِ اسمُ للشيءِ المُغْتَرَف، وقيل: إنهما لغتان بمعنى واحدٍ
ذكره أبو البقاء (٢).
وأمَّا قراءةُ عليّ ففيها تأويلان، أحدُهما : - وبه قال الأخفش(٣) - أنَّ
الهمزةَ أصلُ وأنه من الخطأ، و((خُطُؤات)) جمع ((خِطْأَة)) إِنْ سُمِعَ،
وإلَّ فتقديراً، وتفسيرُ مجاهدٍ إياه بالخطايا يؤيِّد هذا، ولكنْ يُحْتَمَلِ أَنْ يكونَ
مجاهِدٌ فَسَّرِه بالمرادفِ. والثاني: أنه قَلَبَ الهمزةَ عن الواوِ لأنَّها: جاورت
الضمةَ قبلَها فكأنَّها عليها، لأنَّ حركةَ الحرف بين يديه على الصحيحِ
لا عليه .
قوله: ((إِنَّه لكم)) قال أبو البقاء(٤): ((إنما كسر الهمزة لأنه أراد الإعلام
(١) التفسير ٤٧٨/١.
(٢) الاملاء ٧٥/١.
(٣) لم يشر إلى ذلك في كتابه ((معاني القرآن)».
(٤) الاملاء ١ / ٧٥.
٢٢٤

- البقرة -
بحالِه، وهو أبلغُ من الفتح، لأنه إذا فَتَح الهمزةَ صار التقديرُ: لا تَتَبِعوه لأنه
عدوٌّ لكم، واتِّباعُهُ ممنوعٌ وإن لم يكن عدواً لنا، ومثلُه (١).
٨١٠ - لبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ لك
كَسْرُ الهمزةِ أجودُ لدلالةِ الكسرِ على استحقاقه الحمدَ في كلِّ حالٍ
وكذلك التلبيةُ)) انتهى. يعني أن الكسرَ استئنافٌ فهو بعضُ إخبارٍ بذلك، وهذا
الذي قاله في وجهِ الكسرِ لا يتعيّنُ، لأنه يجوزُ أن يُرادَ التعليل مع كسرِ الهمزةِ
فإنهم نَصُّوا على أنَّ ((إنَّ) المكسورةَ تفيدُ العلةَ أيضاً، وقد ذكر ذلك في هذه
الآية بعينها فينبغي أن يقالَ: قراءةُ الكسرِ أَوْلَى لأنها محتملةٌ للإِخبارِ المُحْضِ
بحالِهِ وللعلِيَّةِ، وأمّا المفتوحةُ فهي نصِّ في العلِّيَّةِ، لأنَّ الكلامَ على تقديرِ لامِ
العلة .
آ. (١٦٩) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾: عطفٌ على قولِه ((بالسوءِ))
تقديرُه: ((وبأنْ تقولوا)) فيحتملُ موضعُها الجرَ والنصبَ بحسبِ قولي الخليلِ
وسيبويه(٢). و((الفحشاءُ)) مصدرٌ من الفُحْش، كالبأساء من البأسِ. والفُحْشُ
قُبْحُ المنظر، قال امرؤ القيس(٣):
إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلٍ
٨١١ ۔ وچید کجید الرِّئْمِ لیس بفاحِشٍ
وتُوُسُّع فيه حتى صارَ يُعَبَّرُ به عن كلِّ مستقبَحٍ معنَى كان أو عيناً.
(١) البيت لأبي نواس، وبعده:
والملك لا شريك لك
وهو في ديوانه ٦٢٣؛ واملاء العكبري ٧٥/١.
(٢) مذهب سيبويه النصب. الكتاب ١٧/١.
(٣) من معلقته، ديوانه ١٦ وشرح المعلقات للتبريزي ٩٢؛ والبحر ٤٧٧/١؛ والجيد:
العنق؛ والرئم: الظبي الأبيض: نَصَّته: رَفَعَتْه؛ والمعَطِّل: الذي لا حلي عليه.
٢٢٥

- البقرة -
آ. (١٧٠) قوله تعالى: ﴿وإذا قيلَ لهم﴾: الضمير في ((لهم)) فيه
أربعةُ أقوال، أحدُها؛ أنه يعود على ((مَنْ)) في قولِهِ: ((مَنْ يَتَّخِذُ))(١) وهذا
بعيدٌ(٢). الثاني: أنه يعودُ على العرب الكفّار لأنَّ هذا حالُهم. الثالث: أنه
يعودُ على اليهودِ لأَنَّهم أشدُّ الناس اتِّباعاً لأسلافِهِم. الرابعُ: أنه يعودُ على
الناسِ في قولِهِ: (يا أيها الناسُ))(٣)، قاله الطبري (٤)، وهو ظاهرٌ، إلَّ أَنَّ ذلك
يكونُ من بابِ الالتفات من الخطابِ إلى الغَيْبَةِ، وحكمتُه أنهم أُبْرِزوا في
صورةِ الغائبِ الذي يُتَعَجَّبُ مِنْ فِعْلِهِ، حيث دُعِيَ إلى شريعةِ اللَّهِ والنُورِ
والهدى فأجابَ باتِّباع شريعةِ أبيه.
قوله: ((بل نَتَّعُ)) بل هنا عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملةٍ محذوفةٍ قبلها
تقديرُه: لا نَتَّبِعُ ما أنزل اللَّهُ بل نَتَّبِعُ كذا، ولا يجوزُ أنْ تكونَ معطوفةً على
قوله: ((اتَّبِعُوا)) الفسادِهِ. وقال أبو البقاء (٥): ((بل)) هنا للإضراب عن الأول،
أي: لا نَتَّبِعُ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وليس بخروجٍ من قصةٍ إلى قصةٍ يعني بذلك أنه
إضرابُ إبطالٍ لا إضرابُ انتقالٍ، وعلى هذا فيقالُ: كلُّ إضرابٍ في القرآنِ
فالمرادُ(٦) به الانتقالُ من قصةٍ إلى قصةٍ إلَّ في هذه الآية، وإلاّ في قولهِ ((أم
يقولونَ افتراه، بل هو الحق))(٧) فإنه محتمل للأمرين فإن اعتبرْتَ قوله: ((أم
يقولون افتراه)) كان إضرابَ انتقالٍ، وإن اعتبرْتَ (افتراه)» وحدَه كان إضرابَ
إبطالٍ .
(١) الآية ١٦٥ من البقرة.
(٢) وجهُ بُعْده كثرة الفواصلِ بين الآيتين.
(٣) الآية ١٦٨ من البقرة.
(٤) تفسير الطبري ٣٠٤/٣:
(٥) الإملاء ١ /٧٥.
(٦) الفاء هنا زائدة.
(٧) الآية ٣ من السجدة
٢٢٦

- البقرة -
قوله: ((أَلْفَيْنَا)) في ((ألفى)) هنا قولان، أحدُهما: أنها متعدِّيةٌ إلى مفعولٍ
واحدٍ، لأنها بمعنى ((وَجَدَ، التي بمعنى أصابَ، فعلى هذا يكونُ ((عليه)) متعلِّقاً
بقولِهِ ((أَلْفِينَ)). والثاني: أنها متعدِّية إلى اثنين، أولُهما ((آباءنا) والثاني:
(عليه))؛ فَقُدِّمَ على الأولِ. وقال أبو البقاء (١): ((هي محتملةٌ للأمرين، أعني
كونَها متعديةٌ لواحدٍ أو لاثنين» قال أبو البقاء: ((ولامُ أَلْفَيْنَا واوً لأنَّ الأصلَ
فيما جُهِلَ من اللاماتِ أنْ يكونَ واواً)) يعني فإنَّه أوسعُ وأكثرُ فالردُّ إليه أَوْلَى.
قوله: ((أَوَلَوْ)) الهمزةُ للإنكار، وأمَّا الواو ففيها قولان، أحدُهما : - وإليه
ذهب الزمخشري(٢) - أنها واوُ الحالِ، والثاني - وإليه ذهب أبو البقاء(٣)
وابن عطية (٤) - أنها للعطفِ. وقد تقدَّم الخلافُ في هذه الهمزةِ الواقعةِ قبل
الواوِ والفاءِ وثُمَّ : هل بعدَها جملةٌ مقدرةٌ؟ وهو رأيُ الزمخشري(٥)، ولذلك
قَدَّرَه هنا: أيتَّبِعُونَهم ولو كانَ آبَاؤُهُم لا يَعْقِلُون شيئاً من الدين ولا يهتدون
للصواب، أو النيةُ بها التأخيرُ عن حرفِ العطف؟ وقد جَمَعَ الشيخ (٦) بين قولِ
الزمخشري وقول ابن عطية (٧) فقال: ((والجمعُ بينهما أنَّ هذه الجملةَ
المصحوبةَ بـ (لو)) في مثلِ هذا السياقِ جملةٌ شرطيةٌ، فإذا قال: ((اضربْ زيداً
ولو أَحْسَنَ إليك)» فالمعنى: وإِنْ أَحْسَنَ إليكَ، وكذلك: ((أَعْطوا السائلَ ولو جاءَ
على فرسٍ))(٨) (رُدُّوا السائلَ ولو بشقِّ تمرةٍ)(٩) المعنى فيهما: ((وإنْ))، وتجيء
(١) الإملاء ٧٥/١.
(٢) الكشاف ٣٢٨/١.
(٣) الإملاء ٧٥/١.
(٤) التفسير ٤٨٠/١.
(٥) الكشاف ٣٢٨/١.
(٦) البحر ١ /٤٨١.
(٧) أي إن الأول قال: إن الواو في ((أولو)) الحال، وإن الثاني قال: إنها للعطف.
(٨) رواه أبو داود: الزكاة ٣٠٦/٢؛ ابن حنبل ٢٠١/١.
(٩) رواه البخاري: بلفظ قريب (الفتح) ٢٨٣/٣؛ ابن حنبل ٣٨٨/١.
٢٢٧

- البقرة -
(لو)) هنا تنبيهاً على أنَّ ما بعدها لم يكن يناسبُ ما قبلها، لكنها جاءت
الاستقصاء الأحوال التي يقع فيها الفعلُ، ولتدلُّ على أن المرادَ بذلك وجودُ
الفعلِ في كل حالٍ، حتى في هذه الحالِ التي لا تناسبُ الفعلَ، ولذلك
لا يجوزُ: ((اضربْ زيداً ولو أساء إليكَ)) ولا: ((أَعْطُوا السائل ولو كان محتاجاً)»،
فإذا تقرَّر هذا فالواوُ في ((ولو)) في الأمثلةِ التي ذكرناها عاطفةً على حالٍ
مقدرةٍ، والمعطوف على الحالِ حالٌ، فَصَحَّ أن يقالَ إنها للحالِ من حيثُ
عطفُها جملةً حاليةً على حالٍ مقدرةٍ، وصَحَّ أَنْ يُقال إنها للعطف من حيث
ذلك العطفُ، والمعنى - والله أعلمُ - أنها إنكارُ اتَّبَاعِ آبَائِهِم في كلِّ حالٍ
حتى في الحالة التي تناسِبُ أنْ يَتْبِعُوهُمْ فيها وهي تَلَبُّسهم بعدمِ العَقْلِ.
والهدايةِ، ولذلك لا يجوزُ حذف هذه الواوِالداخلةِ على ((لو)) إذا كانت تنبيهاً
على أنَّ ما بعدها لم يكن مناسباً ما قبلها، وإنْ كانتِ الجملةُ الحاليةُ فيها
ضميرٌ عائدٌ على ذي الحالِ ، لأنَّ مجيئَها عاريةً من هذه الواو مؤذنٌ بتقييدٍ
الجملةِ السابقةِ بهذه الحال. فهو يُنافي استغراقَ الأحوال، حتى هذه الحالُ ،
فهما معنيانٍ مختلفانٍ، ولذلك ظهر الفرقُ بين: ((أَكْرِمْ زَيْداً لوجَفَاك)) وبين
(أُكْرِمْ زيداً ولو جَفَاك)) انتهى. وهو كلامٌ حَسَنْ / وجوابُ (لو) محذوفٌ [٦٤/ب]
تقديرُه: لاَتَّبعوهم، وقدَّره أبو البقاء (١): ((أفكانوا يَتَّبِعونهم)) وهو تفسيرُ معنّى،
لأن (لو)) لا تُجاب بهمزةِ الاستفهام.
قوله: ((شيئاً) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ به، فَيَعُمُّ جميعَ
المعقولاتِ لأنها نكرةٌ في سياقِ النفي، ولا يجوزُ أن يكونَ المرادُ نَفيَ الوحدةِ
فيكونَ المعنى: لا يعقلون شيئاً بل أشياء. والثاني: أن ينتصبَ على
المصدريةِ، أي: لا يَعْقِلُون شيئاً من العقلِ، وقَدَّمَ نفيَ العقلِ على نفيٍ
الهدايةِ؛ لأنه تصدرُ عنه جميعُ التصرفاتِ .
(١) الإملاء ١ /٧٥.
٢٢٨
۔۔۔

- البقرة -
آ. (١٧١) قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الذين كفروا﴾: اختلفَ الناسُ في
هذه الآيةِ اختلافاً كثيراً واضطربوا اضطراباً شديداً، وأنا بعونِ اللَّهِ قد لَخَّصْتُ
أقوالَهم مهذبةٌ، ولا سبيلَ إلى معرفةِ الإِعرابِ إلَّا بعد معرفةِ المعنى المذكورِ
في هذه الآيةِ .
وقد اختلفُوا في ذلك: فمنهم مَنْ قال: معناها أنَّ المَثَلَ مضروبٌ بتشبيهِ
الكافِرِ بالناعِقِ. ومنهم مَنْ قالَ: هو مضروبٌ بتشبيهِ الكافر بالمنعوق(١) به.
ومنهم مَنْ قال: هو مضروبٌ بتشبيهِ داعي الكافرِ بالناعقِ، ومنهم مَنْ قال:
هو مضروبٌ بتشبيهِ الداعي والكافرِ بالناعقِ والمنعوقِ به. فهذه أربعةُ أقوالٍ .
فعلى القولِ الأولِ: يكون التقديرُ: ((وَمَثَلُ الذين كفروا في قلةِ فَهْمِهِمْ
كمثلِ الرعاةِ يُكُلِّمون الْبُهْمَ، والبُهْمُ لا تَعْقِلُ شيئاً». وقيلَ: يكون التقديرُ:
ومثلُ الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقَه دُعَاءَهم كمَثَلِ الناعِقِ بغنمِهِ
لا ينتفعُ من نعيقِهِ بشيءٍ، غيرَ أنَّه في عَناءٍ، وكذلك الكافرُ ليس له من دعائِهِ
الآلهةَ إلا العَناءُ.
قال الزمخشري(٢) _ وقد ذكر هذا القولَ -: ((إلاَّ أَنَّ قولَه ((إلا دعاءً
ونداءً) لا يساعدُ عليه لأنَّ الأصنامَ لا تَسْمَعُ شيئاً)). قال الشيخ(٣): ((ولَحَظَ
الزمخشري في هذا القولِ تمامَ التشبيهِ من كلِّ جهةٍ، فكما أن المنعوقَ به
لا يسمع إلا دعاءً ونداءً فكذلك مدعُوُّ الكافرِ من الصنمِ، والصنَّمُ لا يسمع،
فَضَعُفَ عنده هذا القولُ)) قال: ((ونحن نقول: التشبيهُ وَقَعَ في مُطْلَقِ الدعاءِ
(١) الأصل: ((المنعوق به)) وسقطت الباء سهواً، والتصحيح من البحر ٤٨١/١ حيث إن
المؤلف ينقل عنه .
(٢) الكشاف ٣٢٨/١.
(٣) البحر ٤٨١/١.
٢٢٩

- البقرة -
لا في خصوصياتِ المدعوِّ، فتشبيه الكافرُ في دعائه الصنمَ بالناعِقِ بالبهيمةِ
لا في خصوصیات المنعوق به».
وقيل في هذا القولِ : - أعني قولَ مَنْ قال التقديرُ: وَمَثَلُ الذين كفروا
في دعائِهِم آلهتّهم - إن الناعق هنا ليس المرادُ به الناعقَ بالبهائِمِ ، وإنما المرادُ
به الصائحُ في جوفِ الجبلِ فيجيبُه الصَّدى، فالمعنى: بما لا يَسْمَعُ مِنه
الناعقُ إلا دعاءَ نفسِهِ ونداءها، فعلى هذا القولِ يكونُ فاعلُ ((يسمع)) ضميراً
عائداً على الذي يَنْعِقُ، ويكونُ العائدُ على ((ما)» الرابطُ للصلةِ بالموصولِ
محذوفاً لفهمِ المعنى، تقديرهُ: بما لا يَسْمَعُ منه، وليس فيه شرطُ جواٍ
الحذفِ فإنَّه جُرَّ بحرفٍ غيرِ ماجُرَّ به الموصولُ، وأيضاً فقد اختَلَفَ
متعلَّقاهما، إلا أنه قد ◌َرَدَ ذلك في كلامهم. وأمّا على القولين الأوَّلَيْنِ فيكون
فاعلُ ((يَسْمَعُ)) ضميراً يعود على ((ما)) الموصولةِ، وهو المنعوقُ به. وقيل:
المرادُ بالذين كفروا المتبوعون(١) لا التابعون، والمعنى: مَثَلُ الذين كفروا في
دعائِهم أتباعَهم، وكونِ أتباعِهم لا يحصُلُ لهم منهم إلا الخَيْبَةُ؛ كَمَثَلِ النّاعِقِ
بالغنم. فعلى هذه الأقوالِ كلِّها يكونُ ((مثل)) مبتدأً و((كمثلِ)) خبرَه، وليس في
الكلام حذفٌ إلا جهةُ التشبيهِ.
وعلى القولِ الثاني من الأقوالِ الأربعةِ المتقدمةِ فقيل: معناه: وَمَثَلُ
الذين كفروا في دعائِهم إلى الله تعالى وَعَدَمِ سماعِهِم إياه كَمَثَلِ بهائِمِ الذي
يَنْعِقُ، فهو على حذفِ قيدٍ في الأولِ وحَذْفِ مضافٍ في الثاني. وقيل
التقديرُ: وَمَثَلُ الذين كفروا في عَدَمِ فَهْمِهِم عن اللَّهِ ورسولِهِ كَمَثَلِ المنعوقِ
به من البهائِمِ التي لا تَفْقَهُ من الأمرِ والنهي غيرَ الصوتِ، فيُرادُ بالذي يَنْعِقُ
الذي يُنْعَقُ به ويكونُ هذا من القلبُ، وقال قائلُ هذا: كما تقولون: ((دَخَلَ
(١) الأصل: ((المتبوعين لا التابعين)) وهو سهو.
٢٣٠

- البقرة -
الخاتَمُ في يدي والخِفُّ في رِجْلِي)». وإلى هذا التفسير ذهب الفراءُ(١)
وأبو عبيدة(٢) وجماعةٌ، إلا أن القلبَ لا يقعُ على الصحيح إلا في ضرورةٍ
أو ندورٍ.
وأمَّا على القولِ الثالثِ فتقديرُهُ: وَمَثَلُ داعي الذين كفروا كمثلِ الناعِقِ
بغنمِهِ، في كونِ الكافرِ لا يَفْهَمُ مِمَّ يخاطِبُ به داعيه إلا دَوِيَّ الصوتِ دونَ
إلقاء فكرٍ وذهنٍ، كما أنَّ البهيمَةَ كذلك، فالكلامُ على حَذْفِ مضافٍ من
الأول. قال الزمخشري (٣): ((ويجوز أن يُرادَ بـ «ما لا يَسْمَعُ)) الأصَمُّ الأصلح (٤)
الذي لاَ يَسْمَعُ من كلامِ الرافعِ صوتَه بكلامِهِ إلا النداءَ والصوتَ لا غيرُ من
غير فَهْمٍ للحروفِ)) وهذا منه جنوحٌ إلى جوازٍ إطلاقِ ((م)) على العقلاءِ،
أو لَمَّا تَزَّل هذا منزلةً مَنْ لا يَسْمَعُ مِنَ البهائِمِ أَوَقَعَ عليه ((ما)).
وأمَّا على القولِ الرابعِ - وهو اختيار سيبويه(٥) في هذه الآية - وتقديرهُ
عندَه: ((مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومثلُ الذين كفروا كمثلِ الناعقِ والمنعوقِ به)) واختلفَ
الناسُ فِي فَهْمِ كلامٍ سيبويه، فقائلٌ: هو تفسير معنَّى، وقيل: تفسيرُ إعرابٍ،
فيكونُ في الكلامِ حَذْفَان: حَذْفٌ من الأولِ وهو حَذْفُ ((داعيهم)) وقد أثبتَ
نظيرَه في الثاني، وحَذْفٌ من الثاني وهو حَذْفُ المنعوقِ، وقد أثبت نظيرَه في
الأول، فشبَّه داعيَ الكفارِ براعي الغنم في مخاطيتِهِ مَنْ لا يَفْهَمُ عنه، وَشَبَّه
الكفارَ بالغَنَمِ في كونِهِم لا يسمعونَ مِمَّا دُعُوا إليه إلَّ أصواتاً لا يَعْرِفون
ما وراءها. وفي هذا الوَجْهِ حَذْفٌ كثيرٌ، إذ فيه حَذْفُ معطوفَيْنِ إِذ التقديرُ
(١) معاني القرآن ٩٩/١.
(٢) المجاز ٦٣/١.
(٣) الكشاف ٣٢٨/١.
(٤) الأصلح : الأصم.
(٥) الكتاب ١٠٨/١.
٢٣١

- البقرة -
الصناعي: وَمَثَلُ الذينَ كفروا وداعيهم كَمَثْلِ الذي يَنْعِقُ بالمنعوقِ به. وقد
ذَهَبَ إليه جماعةٌ منهم أبو بكر ابنُ طاهر(١)، وابن خروف (٢) والشلوبين، قالوا:
العربُ تستحسنُ هذا، وهو من بديعِ كلامِها، ومثلُه قولُه: ((وَدْخِلْ يَدَكَ في
جَيْبِك تَخْرُجْ بيضاء))(٣) تقديرُهُ: وَأَدْخِلْ يَدَكَ في جيبكَ تَدْخُلْ، وَأَخْرِجْهَا
تَخْرُجْ)) فَحَذَف ((تَدْخُلْ) لدلالةِ (تَخْرُجْ) وَحَذَفَ ((وَأَخْرِجْهَا)) لدلالةِ: ((وَأَدْخِلْ))،
قالوا: ومثلُهُ قولُه: (٤)
٨١٢ - وإني لَتَعْروني لذكراكِ فَتْرَةً كما انْتَفَضَ الْعُصْفُورَ بَلَّلَهُ القَطْرُ
لم يُرِدْ أن يُشَبِّ فَتَرَتَه بانتفاضِ العصفورِ حين بَلَّلهُ القَطْرُ لأَنّهما ضِدَّانِ،
إذ هما حركةٌ وسكونٌ، ولكنَّ تقديرَه: إني إذا ذكرتُكِ عَراني انتفاضٌ ثم
أفترُ، كما أنَّ العصفورَ إذا بلَّلِه القطرُ عراهُ فترةٌ ثم يَنْتَفِضُ، غيرَ أَنَّ وجَيبَ قلبِهِ
واضطرابَه قبل (٥) الفترة، وفترةَ العصفورِ قبل انتفاضه.
وهذه الأقوالُ كلُّها إنما هي على القولِ بتشبيهِ مفردٍ بمفردٍ ومقابلةٍ جزءٍ
من الكلامِ السابقِ بجزءٍ من الكلامِ المشبّهِ به، أمَّا إذا كانَ التشبيهُ من بابٍ
تشبيهِ جملةٍ بجملةٍ فلا يُنْظَرُ في ذلك إلى مقابلةِ الألفاظِ المفردةِ، بل يُنْظَرُ إِلَى
المعنى، وإلى هذا نَجَا أبو القاسم الراغبُ. قال الراغب(٦): «فلما شَبَّه قصةً
(١) محمد بن أحمد، له: تعليق على كتاب سيبويه، والإِيضاح، توفي سنة ٥٨٠. انظر:
البلغة ٢٠٦؛ البغية ٢٨/١.
(٢) علي بن محمد الأشبيلي، أخذ عن ابن ملكون، له: شرح الكتاب وشرح الجمل، توفي
سنة ٦٠٩. انظر: البلغة ١٦٤، البغية ٢٠٣/٢.
(٣) الآية ١٢ من النمل.
(٤) تقدم برقم ٣٩٧ .
(٥) قوله ((قبله)) هو خبر ((أن)).
(٦) انظر: البحر ٤٨٣/١.
٢٣٢

- البقرة -
الكافرين في إعراضِهم عن الدَّاعي لهم إلى الحقِّ بقصةِ الناعقِ قدَّم ذكر
الناعقِ لينبني عليه ما يكونُ منه ومن المنعوقِ به)).
والكاف ليست بزائدةٍ خلافاً لبعضهم؛ لأنَّ الصفةً ليست عينَ الصفةِ
الأخرى فلا بُدَّ من الكافِ، حتى إنه لو جاءَ الكلامُ دونَ الكافِ اعتقدنا وجودَها
تقديراً تصحيحاً للمعنى.
وقد تلخّصَ مِمَّا تقدَّم أنَّ (مثلُ الذين)) مبتدأُ، و((كمثل الذي)) خبرُه: إمّا
مِنْ غيرِ اعتقادِ حذفٍ، أو على حَذْفِ مضافٍ من الأولِ، أي: مَثَلُ داعي
الذينَ، أو من الثاني، أي: كمثلِ بهائِمِ الذي، أو على حَذْفَيْنِ: حَذَفَ من
الأول ما أثبتَ نظيرَه في الثاني، ومِن الثاني ما أثبتَ نظيرَه في الأولِ كما تقدِّم
تحريرُ ذلك كله. وهذا نهايةُ القولِ في هذه الآيةِ الكريمةِ.
والنَّعِيقُ: دعاءُ الراعي وتصويتُهُ بالغنم، قال: (١)
٨١٣ - فانْعَقْ بضَأْنِك يا جريرُ فإنَّما مَنَّكَ نفسُك في الخَلاءِ ضَلالا
يقال: نَعَقَ بفتح العين ينعِق بكسرها، والمصدرُ: النَّعيقُ والنُّعاقُ
والنَّعْقُ، وأمّا (نَغَقَ الغرابُ)) فبالمعجمة، وقيل: بالمهملةِ أيضاً في الغرابِ
[١/٦٥] وهو غريبٌ /.
قوله: ((إلا دعاءً)) هذا استثناءً مفرَّعٌ لأنَّ قبلَهُ ((يَسْمَعُ)) ولم يأخُذْ مفعولَه.
وزعم بعضُهم أنَّ ((إلَّ)) زائدةً، فليسَ من الاستثناء في شيء. وهذا قولٌ
مردودٌ، وإن كان الأصمعيُّ قد قال بزيادةِ ((إلّ) في قولهِ: (٢)
(١) البيت للأخطل وهو في ديوانه ١١٦؛ والبحر ٤٧٧/١؛ وشواهد الكشاف ٤٧٧/٤ .
(٢) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ١٤١٩؛ والكتاب ٤٢٨/١؛ والمحتسب ٣٢٩/١؛
وأمالي الشجري ١٢٤/٢؛ والانصاف ١٥٦؛ وابن يعيش ١٠٦/٧؛ والهمع ١٢٠/١؛
والدرر ٨٨/١؛ والحراجيج: النوق الهزيلة؛ ومناخة: من أناخها إذا أبركها، والخسف:
الجوع.
٢٣٣

- البقرة
٨١٤ - حَرَاجِيجُ لا تَنْفَكُ إلا مُنَاخَةً على الخَسْفِ أونَرْمِي بها بلدا قَفْرَا
فقد ردَّ الناسُ عليه، ولم يقبلوا قوله. وفي البيت كلامٌ تقدَّم(١).
!
وأوردَ بعضهم (٢) هنا سؤالاً معنوياً: وهو قولهُ: ((لا يَسْمَعُ إلا دعاءً ونداءً)»
ليس المسموعُ إلا الدعاءَ والنداءَ فكيف ذَمَّهم بأنهم لا يَسْمَعُون إلا الدعاء،
وكأنَّه قيل: لا يَسْمَعُون إلا المسموعَ، وهذا لا يَجُوز؟ فالجوابُ أَنَّ في الكلام
إيجازاً، وإنما المعنى: لا تَفْهَمُ معانيَ ما يقال لهم، كما لا تُمَيِّز البهائِمُ بين
معاني الألفاظِ التي يُصَوَّتُ بها، وإنما تَفْهَمُ شيئاً يسيراً قد أَدْرَكَتْه بطولٍ
الممارسةِ وكثرةِ المعاودةِ، فكأنه قيل: ليس لهم إلا سماعُ النداء دون إدراكِ المعاني
والأغراضِ . وهذا السؤالُ من أصلِهِ ليس بشيءٍ، ولولا أنَّ الشيخَ ذكره
لم أُذکرُهُ.
وهنا سؤالٌ آخرُ: وهو هل هذا من بابِ التكرارِ لمَّا اختلفَ اللفظُ، فإنَّ
الدعاءَ والنداءَ واحدٌ؟ والجوابُ أنه ليس كذلك، فإنَّ الدعاءَ طلبُ الفعلِ
والنداء إجابةُ الصوتِ. ذكر ذلك عليُّ بن عيسى(٣).
آ. (١٧٢) قوله تعالى: ﴿كُلوا من طيباتٍ﴾: مفعولُ: ((كُلُوا))
محذوفٌ، أي: كُلوا رِزْقَكم. وفي (مِنْ)) حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ
الابتداءِ الغايةِ فتتعلَّقَ بـ ((كلوا)). والثاني: أَنْ تكونَ تبعيضيّة فتتعلَّق بمحذوفٍ
إذ هي حالٌ من ذلك المفعولِ المقدَّرِ، أي: كُلوا رزقَكم حالَ كونِهِ بعضَ
طيباتِ ما زرقناكم. ويجوزُ في رأيِ الأخفش أن تكونَ ((مِنْ)) زائدةٌ فِي
(١) لم يتقدم شيء من هذا القبيل.
(٢) الذي أورده هو أبو حيان كما سيأتي. البحر ٤٨٣/١.
(٣) أبو الحسن الرماني، أخذ عن ابن السراج، له: شرح الكتاب ومعاني الحروف وشرح
الأصول. توفي سنة ٣٨٤. انظر: الإنباه ٢٩٤/٢؛ البلغة ١٥٩؛ البغية ١٧٠/٢.
٢٣٤

- البقرة -
المفعولِ به، أي: كلوا طيباتِ ما رزقناكم. و((إِنْ كُنْتُمْ)) شرطٌ وجوابُهُ
محذوفٌ، أي: فاشكروا له. وقولُ مَنْ قال مِنَ الكوفيين إنَّها بمعنى ((إذ))
ضعيفٌ. و((إياه) مفعولٌ مقدَّمٌ ليُفيدَ الاختصاصَ، أو لكونٍ عامِلِه رأسَ آيَةٍ،
وانفصالُهُ واجبٌ، ولأنه متى تأخّر وَجَب اتَّصالُه إلا في ضرورةٍ كقولِهِ: (١)
٨١٥ - إليك حتى بَلَغَتْ إِيًّا كا
وفي قولِهِ: ((واشكروا للَّهِ)) التفاتُ من ضميرِ المتكلّم إلى الغَيْبَةِ، إذ
لو جَرَى على الأسلوبِ الأولِ لقال: ((واشكرونا)).
آ. (١٧٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّا حَرَّم عليكم الميئَةَ﴾: الجمهور قرؤوا
(حَرَّم)) مشدَّد مبنياً للفاعِلِ، (الميتة)) نصباً، على أنَّ (ما)) كافةٌ مهيِّئَةٌ لإِنَّ في
الدخولِ على هذه الجملَةِ الفعليةِ، وفاعلُ ((حَرَّم)) ضَمِيرُ اللَّهِ تعالى.
و ((الميتةَ)) مفعولٌ به. وابنُ أبي عبلة (٢) برفع الميتة وما بعدَها. وتخريجُ هذه
القراءةِ سهلٌ، وهو أن تكونَ (ما)) موصولةٌ، و((حَرَّمَ)) صلتها، والفاعلُ ضميرُ
اللَّهِ تعالى، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ، تقديرُهُ: حَرَّمه، والموصولُ
وصلتُه في محلِّ نصبٍ اسمُ ((إِنَّ)) و((الميتةُ)) خبرُها.
وقرأ أبو جعفر (٣): (حُرِّم)) مبنياً للمفعولِ، فتحتملُ ((ما)) في هذه القراءةِ
وجهين، أحدُهما: أن تكونَ ((ما)) مهيِّئَةً، و((الميتةُ)) مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
والثاني: أن تكون موصولةً، فمفعولُ ((حَرَّمَ)) القائم مقامَ الفاعلِ ضميرٌ مستكنٌ
يعود على ((ما)) الموصولةِ، و((الميتةُ)) خبرُ ((إنَّ)).
(١) البيت لحميد الأرقط وهو في الكتاب ٣٨٣/١؛ والخصائص ٣٠٧/١؛ وأمالي الشجري
٤٠/١؛ والإنصاف ٦٩٩؛ وابن يعيش ١٠٢/٣.
(٢) البحر ٤٨٦/١؛ القرطبي ٢١٦/٢؛ الشواذ ١١.
(٣) نسبها ابن عطية ٤٨٣/١ إلى أبي عبدالرحمن السلمي.
٢٣٥

- البقرة ــ
وقرأ أبو عبدِ الرحمن(١) السُّلَّمي: ((حَرُمَ)) بضمِّ الراء مخففةً، و ((الميتةُ))
رفعاً و((ما) تحتملُ الوجهين أيضاً، فتكونُ مهيئةً، و((الميتةُ)) فاعلٌ بِحَرُم،
أو موصولةً، والفاعلُ ضميرٌ يعودُ على ((ما)»، وهي اسمُ ((إنَّ))، و ((الميتةُ))
خبرُها.
والجمهورُ على تخفيفِ ((المَيْتَة)) في جميع القرآنِ، وأبو جَعْفَرِ بالتشديدِ
وهو الأصل، وهذا كما تقدَّم في أنَّ ((المَيْت)) مخفَّفٌ من ((الميِّت)) وأن أصلَه:
مَيْوِت، وهما لغتان، وسيأتي تحقيقُ ذلك عند قولِهِ ((يُخْرِجُ الحيَّ من
الميتِ))(٢) في آلِ عمران. ويُحْكَى عن قدماءِ النحاة أن ((المَيْت)) بالتخفيف
مَنْ فارقَتْ روحُهُ جسدَه، وبالتشديد مَنْ عايَنَ أسبابَ الموتِ ولم يَمُتْ.
وحكى ابنُ عطية(٣) عن أبي حاتم أنَّ ما قد ماتَ يُقالان فيه(٤)، وما لم يَمُتْ
بعدُ لا يقال فيه بالتخفيفِ، ثم قال: ((ولم يَقْرَأْ أحدٌ بتخفيفِ ما لم يَمُتْ إِلا
ما رَوَى البزي عن ابن كثير: ((وما هو بميت))(٥). وأمَّا قولُه: (٦)
٨١٦ - إذا ما ماتَ مَيْتٌ من تميمٍ فَسَرَّكَ أن يعيشَ فَجِىءٌ بِزادٍ
[فقد حُمِل على مَنْ شَارَفَ الموتَ، وحَمْلُه على الميتِ حقيقةً أبلغُ في
الهجاء](٧).
۔۔
(١) عبد الله بن حبيب الكوفي التابعي، روى عنه يحيى بن وثاب وعطاء، توفي سنة ١٩٤،
انظر: طبقات ابن سعد ١٧٢/٦؛ طبقات ابن الجزري ٤١٣/١.
(٢) الآية ٢٧ من آل عمران.
(٣) التفسير ٤٨٢/١.
(٤) أي بالتخفيف والتشديد.
(٥) الآية ١٧ من إبراهيم.
(٦) البيت لأبي المهوس الأسدي أو يزيد بن عمرو، وهو في أدب الكاتب ١٢؛ والقرطبي
٢١٧/٢؛ وابن عطية ٤٨٣/١؛ واللسان: لفف.
(٧) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل بسبب التصوير.
٢٣٦

- البقرة -
وأصل ((مَيِّتة)»: مَيْوِتَة، فَأُعِلَّتْ بقَلْبِ الواوِ ياءً وإدغامِ الياءِ فيها، وقال
الكوفيون(١): أصلُه: مَوِيت، ووزنُه فَعيل.
واللحمُ معروفٌ، وجمعه لُحوم ولُحْمان، يُقال: لَحُمَ الرجلُ بالضم
لحامةً فهو لَحِيم، أي: غَلُظَ، ولَحِمَ بالكسر يَلْحَم بالفتح فهو لَحِم: اشتاق
إلى اللَّحْم وألحمَ الناسُ فهو لاحِمٌ، أي: أَطْعَمَهم اللحمَ، وأَلْحَمَ كَثُر عنده
للحمُ.
والخنزير حيوانٌ معروفٌ، وفي نونِه قولان؛ أصخُهما أنَّها أصليةٌ ووزنُه
فِعْليل كغِرْبيب(٢). والثاني: أنها زائدةٌ اشتقُوه من خَزَر العَيْنِ أي: ضيقها لأنه
كذلك يُنْظُر. وقيل: الخَزَرُ النظرُ بمؤخّرِ العَيْنِ، يقال: هو أَخْزَرُ بَيِّنُ الخَزْرِ.
-
قوله: ((وما أُهِلَّ به)) ((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي، ومَحَلُّهما: إمَّا النصبُ
وإمَّا الرفعُ عطفاً على ((الميّتة))، والرفعُ: إمَّا على خبر إنَّ، وإمَّا على الفاعلية
على حَسَبِ ما تقدَّم من القراءاتِ. و((أُهِلَّ)) مبنيّ للمفعولِ، والقائمُ مقامَ
الفاعلِ هو الجارُّ والمجرورُ في (به))، والضميرُ يعودُ على ((ما)»، والباءُ بمعنى
((في)). ولا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: في ذَبْحِه، لأنَّ المعنى وما صَحَّ في
ذَبْحِه لغَيْرِ اللهِ. والإِهلالُ: مصدرُ أَهَلَّ أي: صَرَخَ ورفَع صوتُه ومنه: الهلال
لأنه يُصرَخُ عند رؤيته، واستهَلَّ الصبيُّ (٣). قال ابن أحمر (٤):
٨١٧ - يُهِلُّ بالغَرْقَدِ رُكْبَانُها كما يُهِلُّ الراكبُ المُعْتَمِرُ
(١) انظر: الانصاف ٧٩٥.
(٢) الغريب: شديد السواد.
(٣) قال أبو حيان ٤٧٨/١: ((وهو صياحه عند ولادته)).
(٤) اللسان: عمر.
٢٣٧

- البقرة -
قال النابغة (١):
بَهِجٌ متى يَرَها يَهِلُّ وَيَسْجُدُ
٨١٨ - أو دُرَّةٌ صَدَفَّةٌ غَوَّاصُها
وقال(٢):
وترى الذئبَ لها يَسْتَهِلُّ
٨١٩ - تَضْحَكُ الضَّبْعُ لقتلى هُذَيْلٍ
قوله: ((فَمَنِ اضْطُرَّ) في ((مَنْ)) وجهان، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً.
والثاني: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي، فعلى الأولِ يكونُ ((اضطُّ) في
محلِّ جَزْم بها.
وقوله: ((فلا إثمّ)) جوابُ الشرطِ، والفَاءُ فيه لازمةٌ. وعلى الثاني: لا محلّ
لقوله: ((اضطُرَّ)) من الإِعرابِ لوقوعهِ صلةً، ودخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً
للموصولِ بالشرطِ. ومحلَّ ((فلا إثمَ عليه)) الجزمُ على الأولِ والرفعُ على
الثاني .
والجمهورُ على ((اضْطُرِّ) بضمِّ الطاءِ وهي أصلُها، وقرأ أبو جعفر(٣)
بكسرها لأنَّ الأصل: ((اضْطُرِرَ)) بكسرِ الراءِ الأولى، فلمّا أُدْغِمَتِ الراءُ فِي
الراءِ نُقِلَت حركتُها إلى الطاءِ بعد سَلْبِها حَرَكَتَها. وقرأ ابن محيصنَ: ((اطُرِّ)
بإدغام الضادِ في الطاء. وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألةِ بأشبعَ مِنْ هذا عِنْد
قوله: ((ثم أضطُرُّه إلى عذابِ النار))(٤).
وقرأ(٥) أبو عمرو وعاصمٌ وحمزةُ بكسرِ نون ((مَنْ)) على أصلِ التقاءِ
(١) ديوانه ٣٢؛ والقرطبي ٢٢٤/٢.
(٢) البيت لتأبط شرا أو ابن أخته، وهو في الحماسة ٤٠٣/١؛ والبحر ٤٧٨/١؛ واللسان:
ضحك؛ والبيت من المديد.
(٣) البحر ٤٩٠/١؛ ابن عطية ١ /٤٨٦؛ الشواذ لابن خالويه ١١.
(٤) الآية ١٢٦ من البقرة .
(٥) السبعة ١٧٤؛ والكشف ٢٧٤/١ .
٢٣٨

- البقرة -
الساكنين، وضَمَّها الباقون إتباعاً لضمُّ الثالث. وليس هذا الخلافُ مقصوراً
على هذه الكلمةِ، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين، وضُمَّ الثالثُ ضَمَّاً لازماً
نحو: ((ولقدِ اسْتُهْزِىءَ)) (١) ((قلِ ادْعُوا))(٢) قالتِ اخْرُجْ(٣) جرى الخلافُ
المذكورُ. إلَّا أَنَّ أبا عمروٍ خرجَ عن أصلِه في ((أو))(٤) و ((قل)»(٥) فضمَّهما،
وابنَ ذكوان خرجَ عن أصلِه فكسر التنوين خاصة نحو: ((مَحْظوراً انظُرْ))(٦)،
واختلف عنه في: ((برحمةٍ ادخلوا))(٧)، و((خبيثةٍ اجْتْثَتْ))(٨)، وسيأتي بيان
الحكمةِ في ذلك(٩) عند ذكره إنْ شاء الله تعالى.
قوله: ((غيرَ باغٍ)) نصبٌ على الحالِ، واختُلِفَ في صاحبها، فالظاهر
أنه هو الضميرُ المستترفي ((اضطُرَّ»، وجَعَلَه القاضي (١٠) وأبو بكر الرازي(١١) من
فاعل فعلٍ محذوفٍ بعد قوله: ((اضطُرَّ)، قالا: تقديرُه: فَمَنِ اضطُرِّ فأكلَ غيرَ
باغ، كأنهما قصدا بذلك أن يَجْعلاء قيداً في الأكلِ لا في الاضطرارِ. قال
الشيخ(١٢) (ولا يتعيَّن ما قالاه، إذ يُحْتَمِلُ أَنْ يكونَ هذا المقدَّرُ بعد قوله: ((غيرَ
(١) الآية ١٠ من الأنعام.
(٢) الآية ١١٠ من الإِسراء.
(٣) الآية ٣١ من يوسف.
(٤) الآية ٣ من المزمل: ((أو انقُصْ منه قليلاً)).
(٥) الآية ١١٠ من الإسراء ((قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن)).
(٦) الآيتان ٢٠ - ٢١ من الإِسراء.
(٧) الآية ٤٩ من الأعراف.
(٨) الآية ٢٦ من إبراهيم.
(٩) انظر في أحكام التقاء الساكنين القرآنية: السبعة ١٧٤؛ الكشف ٢٧٤/١.
(١٠) لعله يعني به ابن عطية ولكنني لم أجد هذا القول في تفسيره، أو يعني به أبا بكرابن
الأنباري الذي يُعْرف بالقاضي أيضاً وله كتاب في إعراب القرآن وقد تقدمت ترجمته.
(١١) لم أقف على ترجمته.
(١٢) البحر ٤٩٠/١.
٢٣٩

- البقرة -
باغٍ ولا عادٍ)» بل هو الظاهرُ والْأُولى، لأنَّ في تقديره قبل ((غيرَ باغ)) فصلاً بين
ما ظاهرُه الاتصالُ بما بعده، وليس ذلك في تقديره بعد قوله: ((غيرَ باغ)).
:
و((عادٍ) اسمُ فاعلٍ من عدا يَعْدُو إذا تجاوزَ حَدَّه، والأصلُ: عادِوٌ،
فَقُلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها كغازٍ من الغَزْو. وهذا هو الصحيحُ، وفيه قولٌ
ثانٍ: أنه مقلوبُ من عادَ يعودُ فهو عائدٌ، فَقُدِّمَتِ اللامُ على العينِ فصارٍ
اللفظُ: عادِو، فأُعِلَّ بما تقدَّم، ووزنُه: فالع، كقولهم: شاكٍ في شائِك من الشوكة،
وهارٍ والأصل هائر، لأنه من هار يَهُور، قال أبو البقاء (١): ((ولو جاء في غيرِ
القرآن منصوباً عطفاً على موضعٍ ((غير)) جاز)) يعني فكان يقال: ولا عادياً.
وقد اختلف القُرَّاء في حركةِ التقاء الساكنين مِنْ نحو: ((فَمَنِ اضْطُرِّ)
وبابِه(٢)، فأبو عمرو وحمزة وعاصم على كسرِ الأولِ منهما، والباقون على
الضم إلا ما يُسْتثنى لبعضهم. وضابطُ محلِّ اختلافهم: كلُّ ساكنين التقيا من
كلمتين ثالثُ ثانيهما مضمومٌ ضمةً لازمةً، نحو: ((فَمَنِ اضطُرَّ) ((أو انقُصْ مِنه
قليلاً))(٣) ((قالتِ اخرُجُ عليهن)) (٤) ((قل ادعوا الله))(٥) ((ان اعبدوا))(٦) (ولقد
(١) الاملاء ٧٦/١.
(٢) كان المؤلف قد ذكر هذا الحكم قبل قوله ((غير باغ)) ثم عاد فذكره هنا، وهذا يحتمل
امرین :
(أ) إنه عندما راجع نسخته ووصل إلى قوله تعالى ((غير باغ)) ولم ير حديثاً عن
مسألة التقاء الساكنين فسجل ما عنده، ولم يفطن أنه قد تحدث عنها بعد قوله تعالى ((غير
باغ)) بسطور، وقد قررنا ذلك لأنه ذكر الحكم أولاً على الهامش ووضع إشارة له.
(ب) إنه يريد أن يضع ضابطاً لذلك كما هو ملاحظ في التسجيل الثاني.
(٣) الآية ٣ من المزمل.
(٤) الآية ٣١ من يوسف
(٥) الآية ١١٠ من الإِسراء.
(٦) الآية ١١٧ من المائدة.
٢٤٠