Indexed OCR Text

Pages 201-220

- البقرة -
الواحدِ والجمع نحو: ((جُنُب))(١) و((شُلُل)) أنَّهم لو قَصَدوا الاشتراكَ لم يُثُنُّوه كما
لا يُثُّون جُنُباً وشُلُلا فلما ثَّوه وقالوا: ((فُلْكان)) عَلِمْنا أنهم لم يَقْصِدوا الاشتراكَ
الذي قصدوه في جُنُب وشُلُل، ونظيرُه: ناقةٌ هِجان(٢) ونوقٌ هِجان، ودِرْع
دِلاص(٣) ودُروع دِلاص، فالكسْرةُ في المفردِ كالكسرة في كتاب، وفي
الجمعِ كالكسرة في رجال، لأنهم قالوا في التثنيةِ هِجانان ودلاصان.
الثاني: مذهبُ الأخفش أنَّه اسمُ جمعٍ كصَحْب وَرَكْب (٤). الثالث: أنه
جَمْع فَلَك بفتحتين كأَسَد وأُسْد، واختار الشيخ(٥) أنه مشترك بين الواحد
والجمعِ ، وهو محجوجٌ بما تقدَّم من التثنيةِ، ولم يَذْكُر لاختيارِه وجهاً.
وإذا أُفْرِدَ ((فُلْك)) فهو مذكرٌ قال تعالى: ((في الفُلْك المشحون)) قالوا:
- ومنهم أبو البقاء(٦) _: ويجوزُ تأنيثُه مستدلِّين بقوله: ((والفُلْكِ التي تجري))
فوصَفَه بصفةِ التأنيثِ، ولا دليلَ في ذلك لاحتمالِ أنْ يُرادَ به الجمعُ، وحينئذٍ
فيوصفُ بما تُوصَفُ به المؤنثةُ الواحدةُ. وأصلُه: من الدوران ومنه: ((فَلَك
السماء)» لدورَانِ النجومِ فيه، وفَلْكَةُ المِغْزَل، وفَلَكَتِ الجاريةُ استدارُ نَهْدُها.
وجاءَ بصلةِ ((التي)) فعلاً مضارعاً ليدلَّ على التجدُّدِ والحدوثِ، وإسنادُ الجري
إليها مَجازٌ، وقوله ((في البحر)) توكيدٌ، إذ معلومٌ أنها لا تجري في غيرِهِ،
فهو كقوله: «يطير بجناحَيْه»(٧).
(١) قال صاحب الصحاح: ((جنب)): ورجل جنب من الجنابة سواء فرده وجمعه ومؤنثه.
(٢) الناقة الهجان: الكريمة البيضاء.
(٣) الدرع الدلاص: الملساء اللينة.
(٤) رَكْب وصَحْب اسما جمع لأنهما يخالفان أوزان الجموع بالنسبة لراكب وصاحب. ومذهب
الأخفش في معانيه ٣٤٢ أن الفلك واحد وجماعة.
(٥) البحر ٤٥٥/١.
(٦) لم يتحدث أبو البقاء في الإملاء عن تأنيثه وإنما قال: ((إنه يكون مفرداً وجمعاً» ٧٢/١.
(٧) الآية ٣٨ من الأنعام.
٢٠١

- البقرة -
قوله: ((بما يَنْفَعُ)) في ((ما)) قولان، أحدُهما: أنَّها موصولةٌ اسميةٌ، وعلى
هذا الباءُ للحال أي: تَجْري مصحوبةٌ بالأعيانِ التي تَنْفَعُ الناسَ. الثاني: أنها
حرفيةٌ، وعلى هذا تكونُ الباءُ للسببِ أي: تَجْرَي بسببِ نَفْعِ الناسِ فِي
التجارةِ وغيرِها.
قوله: ((مِن السماءِ مِنْ ماءٍ)): مِنْ الأولى معناها ابتداءُ الغايةِ أي: أَنْزَلَ من
جهةِ السماءِ، وأمّا الثانيةُ فتحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ، أحدَها: أَنْ تكونَ لبيانٍ الجنس
فإنّ المُنَزَّلَ من السماء ماءٌ وغيرُه. والثاني: أن تكونَ للتبعيضِ فإنّ المنزَّل مته
بعضٌ لا كلٌّ. والثالثُ: أن تكونَ هي وما بعدها بدلاً مِنْ قوله: ((من السماء))
بدلَ اشتمال بتكريرِ العاملِ ، وكلاهما أعني - مِنْ الأولى ومِنْ الثانية-متعلقان
بِأَنْزَلَ.
فإِنْ قيل: كيف تَعَلَّق حرفان متَّحدان بعاملٍ واحد؟ فالجوابُ أنَّ
الممنوعَ من ذلك أن يتَّحِدا معنىٍّ من غير عطفٍ ولا بدلٍ ، لا تقول: أخذت
من الدراهم من الدنانير. وأمَّ الآيَةُ فإن المحذورَ فيها مُنْتَفٍ، وذلك أنك إِنْ
جَعَلْتَ ((مِنْ)) الثانية)) للبيانِ أو للتبعيض فظاهرٌ لاختلافِ معناهما فإن الأولى
للابتداءِ، وإنْ جعلتها لابتداءِ الغايةِ فهي وما بعدها بدلٌ، والبدلُ يجوزُ ذلكَ
[فيه] كما تقدَّم. ويجوز أَنْ تتعلَّقَ ((مِنْ)) الأولى بمحذوفٍ على أنها حال:
إمّا من الموصولِ نفسِه وهو ((ما)) أو من ضميره المنصوبِ بأنزل أي: وما أنزله
الله حالَ كونِه كائناً من السماء.
قوله: فَأَحْيا به)) ◌َعَطَفَ ((أحيا)) على ((أنزل)) الذي هو صلةٌ بفاء التعقيبِ
دلالةً على سرعة النبات. و((به)) متعلق ((بأحيا، والباء يَجوز أن تكونَ للسبب
وأن تكونَ باء الآلة، وكلُّ هذا مجازٌ، فإنه متعالٍ عن ذلك، والضميرُ في ((به))
يعودُ على الموصول. ٪
[١/٦٢]
قوله: ((وبَثَّ فيها)) يجوزُ في ((بَثَّ)) وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على
٢٠٢

- البقرة -
(أنزل)) داخلٌ تحت حكم الصلة؛ لأنَّ قولَه ((فَأَحْيا)) عطفُ على ((أنزل)) فاتصل
به وصارا جميعاً كالشيءٍ الواحد، وكأنه قيل: ((وما أنزل في الأرض من ماءٍ
وبَثَّ فيها من كلِّ دابة لأنهم يَنْمُون بالخِصْبِ ويَعيشون بالحَيا(١). هذا نصُّ
الزمخشري(٢). والثاني: أنه عطفُ على ((أحيا)).
واستشكل (٣) الشيخُ عطفَه عليها، لأنَّها صلةٌ للموصول فلا بُدَّ من ضميرٍ
يَرْجِعُ من هذه الجملةِ وليسَ ثَمَّ ضميرٌ في اللفظِ لأنَّ ((فيها)» يعودُ على
الأرض، فبقي أن يكونَ محذوفاً تقديرُه: وبث به فيها، ولكن لا يجوزُ حذفُ
الضميرِ المجرور بحرفِ إلَّ بشروطٍ (٤): أن يكونَ الموصولُ مجروراً بمثلٍ
ذلك الحرفِ، وأن يتَّحدَ متعلَّقُما، وأَنْ لا يُحْصَرَ الضميرُ، وأَنْ يتعيّنَ للربطِ،
وألَّ يكونَ الجارَّ قائماً مقامَ مرفوعٍ، والموصولُ هنا غيرُ مجرورِ البتةَ،
ولمَّا استشكل هذا بما ذَكَرَ خَرَّج الآية على حَذْفِ موصولٍ اسمي، قال:
((وهو جائز شائع في كلامهم، وإنْ كان البصريون لايُجيزونه، وأنشدَ شاهداً
عليه(٥):
٧٨٩ - ما الذي دأبُه احتياطٌ وحَزْمٌ
وهواه أطاع يَسْتويانِ
أي: والذي أطاع، وقوله (٦):
٧٩٠ - أَمَنْ يهجو رسولَ الله منكم
ويمدَحُه ويَنْصُرِهِ سَواءُ
أي: ومَنْ ينصرُه.
(١) الحيا: المطر.
(٢) الكشاف ٣٢٥/١.
(٣) البحر ١ /٤٦٦.
(٤) انظر: المقتضب ٩٨/٣؛ ابن عقيل ١٤٦/١.
(٥) البيت لبعض طيء، وهو في المغني ٦٩٢؛ والبحر ٤٦٦/١.
(٦) البيت لحسان، وهو في ديوانه ١٨؛ وشواهد الكشاف ٣١٩/٤.
٢٠٣

- البقرة -
وقوله(١):
٧٩١ - فواللهِ ما نِلْتُمْ وما نِيلَ منكمُ بمعتدلٍ وَفْقٍ ولا متقارِبٍ
أي: ما الذي نلتم؛ وقوله تعالى: ((وقولوا آمنًّا بالذي أُنْزِل إلينا وأُنزِل
إليكم))(٢) أي: وبالذي أُنزل إليكم؛ ليطابقَ قوله: ((والكتابِ الذي نَزَّل على
رسوله، والكتابِ الذي أَنْزِلَ من قبلُ))(٣). ثم قال الشيخ: ((وقد يتمشّى التقديرُ
الأولُ))- يعني جوازّ الْحُذْفِ وإن لم يوجد شرطُه - قال: ((وقد جاءَ ذلك في
أشعارِهم؛ وأَنْشَدَ(٤).
٧٩٢ - وإنَّ لساني شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بها وهُوَّ على مَنْ صَبَّ اللـهُ عَلْقَمُ
٧٩٣ - لعلَّ الذي أَصْعَدْتِنِي أَنْ يُرُدَّني
أي: عَلْقم عليه، وقوله(٥):
إلى الأرض إن لم يَقْدِرِ الخيرَ قائِرُه
أي: أَصْعَلْتِنِي بِه.
قوله: ((من كلِّ دابة) يجوز في ((كل)) ثلاثةُ أوجهٍ؛ أحدها: أن يكونَ في
موضعِ المفعولِ به لبثَّ؛ وتكونُ ((مِنْ)) تبعيضيةً. الثاني: أن تكون ((مِنْ))
زائدةً على مذهب الأخفش(٦)، و((كلَّ دابة)) مفعول به. لـ ((بَثَّ)) أيضاً والثالث:
أن يكونَ في محلِّ نصب على الحالِ من مفعولِ ((بَثَّ)) المحذوفِ إذا قلنا إنَّ
(١) البيت لعبد الله بن رواحة، وهو في المغني ٧١٠؛ والبحر ٤٦٦/١؛ والهمع ٨٨/١؛
والدرر ٦٨/١.
(٢) الآية ٤٦ من العنكبوت.
(٣) الآية ١٣٦ من النساء.
(٤) تقدم برقم ٣٢٠.
(٥) البيت للفرزدق، ديوانه ٢٦٠/١؛ البحر ٤٦٦/١.
(٦) لم يشر الأخفش إلى زيادتها هنا في كتابه ((معاني القرآن)). انظر مذهبه في زيادتها: معاني
القرآن ٩٨/١.
٢٠٤

- البقرة -
ثَمَّ موصولاً محذوفاً تقديرُه: وما بثُّ حالَ كونِه كائناً من كلِّ دابة؛ وفي ((مِنْ))
حينئذ وجهان؛ أحدهما: أن تكونَ للبيان. والثاني: أن تكونَ للتبعيض.
وقال أبو البقاء(١): ((ومفعولُ ((بَثَّ)) محذوفٌ تقديرُه: وبثَّ فيها دوابٍّ من
كلِّ دابةٍ))، وظاهرُ هذا أنَّ ((من كل دابة)) صفةٌ لذلك المحذوفِ وهو تقديرٌ
لا طائل تحته.
والبَثُّ: نَشْرٌ وتفريق، قال(٢):
٧٩٤ -
وفي الأرضِ مَبْتُوتاًشجاٌ وعَقْرَبُ
ومضارعُه يَبُثُ بضمِّ العَيْنِ، وهو قياسُ المضاعفِ المتعدِّي، وقد جاء
الكسرُ في أَلَيْفاظ؛ قالوا: (نَمَّ الحديثَ يَنِمُّه)) بالوجهين(٣). والدابَّةُ: اسمٌ لكلِّ
حيوانٍ، وزعَم بعضُهم إخراجَ الطيرِ منه ورُدَّ عليه بقولٍ عَلْقمة (٤):
٧٩٥ - كأَنَّهمُ صابَتْ عليهم سَحابةٌ صواعِقُها لطيرِ هِنَّ دَبيبُ
وبقول الأعشى(٥):
دبيبَ قَطا البَطْحَاءِ في كلِّ مَنْهَلٍ
٠
٧٩٦ -
(١) الاملاء ٧٢/١.
(٢) البيت لبعض بني فقعس وصدره:
وهَلَا أعدُّوني لمثلي تفاقَدُوا
وهو في الحماسة ١٢٤/١؛ والبحر ٤٥٥/١؛ وكنى بالشجاع - الحية - والعقرب عن
الأعداء.
(٣) انظر: الصحاح: نم.
(٤) الديوان ٤٦؛ واللسان: صوب؛ والقرطبي ١٩٧/٢.
(٥) ديوانه ٣٥٣؛ والبحر ٤٥٥/١. وصدره:
نِيافُ كغصنِ البان ترتجُّ إنْ مَشَتْ
نياف: طويلة، والقطاة: طائر كالحمام، والبطحاء: مسيل الماء من الوادي.
٢٠٥

- البقرة ـ
وبقوله: ((واللهُ خَلقَ كلَّ دابَةٍ))(١)، ثم فَصَّل بَمَنْ يمشي على رِجْلين
وهو الإِنسانُ والطير ..
قوله: ((وتَصْرِيفِ الرياح)) (تصريف)) مصدر صَرَّف وهو الردُّ والتقليبُ،
ويجوز أن يكونَ مضافاً للفاعل، والمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: وتصريفِ الرياحِ
السحابَ، فإنها تسوقُ السحابَ، وأن يكونَ مضافاً للمفعولِ، والفاعلُ
محذوفٌ أي: وتصريفِ اللهِ الريحَ. والرياحُ: جمعُ ريح جمعَ تكسير، وياءُ
الريحِ والرياحِ عن واوٍ؛ والأصلُ: رِوْح، لأنه من راح يروح، وإنما قُلِبَتْ في
((ريح)) لسكونها وانكسار ما قبلها، وفي ((ريّح)) لأنها عينٌ في جمعٍ بعد كسرةٍ
وبعدها ألفٌ وهي ساكنةٌ في المفردِ، وهو إبدالٌ مطردٌ، ولذلك لمّا زال موجبُ
قَلْبِهَا رَجَعَتْ إلى أصلِها فقالوا: أَرْواح قال(٢):
فلم يَبْقَ إلَّ آلُ خَيْمِ مُنْصَدٍ
٧٩٧ - أَرَبَّتْ بها الأرواحُ كلَّ عَشِيَّةٍ
ومثلُه(٣).
أَحَبُّ إليَّ من قصرٍ مُنِيفٍ
٧٩٨ - لَبَيْتٌ تَخْفُقُ الأرواحُ فيه
وقَدْ لَحَنَ عمارةُ بن عقيل بن بلال فقال ((الأرياح)) في شعرِه، فقال له
أبو حاتم: ((إن الأرياح لا تجوزُ)) فقال له عمارة: ألا تسمع قولهم: رياح. فقال
أبو حاتم: هذا خلافُ ذلك، فقال: صَدَقْتَ وَرَجَعَ. قال الشيخ(٤): ((وفي
محفوظي قديماً أنَّ ((الأرياح)) جاء في شِعْر بعضِ فصحاءِ العرب المستشهدِ
(١) الآية ٤٥ من النور.
(٢) البيت لزهير وهو في ديوانه ٢١٩؛ والبحر ٤٥٥/١. وأربَّتْ: أقامت، والآل: ج آلة:
عود في الخيمة، والخيم: ج خيمة، والمنضد: بعضه فوق بعض.
(٣) البيت لميسون بنت بحدل، وهو في الحماسة الشجرية ٥٧٣/٢؛ وشواهد الكشاف
٤ /٤٥٦.
(٤). البحر ٤٥٥/١.
٢٠٦

- البقرة -
بكلامِهِم كأنهم بَنَوْه على المفردِ وإن كانت علةُ القلبِ مفقودةً في الجمع، كما
قالوا: عيد وأعياد، والأصلُ: أَعْواد لأنه من عاد يَعُود، لكنه لمَّا تُرِك(١) البدلُ
جُعِلَ كالحرفِ الأصليِّ)). قلت: ويؤيِّد ما قاله الشيخُ أن التزامهم الياء في
الأرباح لأجلِ اللَّبسِ بينه وبين أَرْواحِ جمعِ رُوح، كما قالوا: التّزِمَت الياءُ في
أعياد فرقاً بينه وبين أَعْواد جمع عُود الحطبِ، ولذلك قالوا في التصغير عُيَيْد
دون ◌ُوَيْد، وعَلَّلوه باللَّبْسِ المذكورِ.
قال ابنُ عطية(٢): ((وجاءَتْ في القرآنِ مجموعةٌ مع الرحمةِ مفردة مع
العذابِ إلا في قوله: ((وجَرَيْنَ بهم بريحٍ طيبةٍ))(٣) وهذا أَغْلَبُ وقوعِها في
الكلامِ، وفي الحديث: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تَجْعَلْها ريحاً»(٤) لأنَّ ريحَ
العذاب شديدةٌ ملتئمةُ الأجزاءِ كأنّها جسمٌ واحدٌ، وريحُ الرحمةِ ليُّنةٌ متقطعةٌ،
وإنما أُفرِدَتْ مع الفُلْك - يعني في يونس - لأنها لإِجراء السفن وهي واحدةٌ
متصلةٌ؛ ثم وُصِفَتْ بالطيِّية فزالَ الاشتراك بينها وبين ريح العذاب)). انتهى
وهذا الذي قالَه يَرُدُّه اختلافُ القراءِ في أحدَ عشر موضعاً يأتي تفصيلُها.
وإنما الذي يقال: إنَّ الجمعَ لم يأتِ مع العذابِ أصلاً؛ وأمَّا المفردُ فجاءً
فيهما، ولذلك اختصَّها عليه السلام في دعائِه بصيغةِ الجمعِ .
وقرأ هنا ((الريح)) بالإِفراد(٥) حمزةُ والكسائي، والباقون بالجمع،
(١) في البحر: ((لزم)) وهي أوضح، أي: لما لزم إبدال الواو ياء في تصاريف الكلمة جعل هذا
البدل بمنزلة الحرف الأصلي من الكلمة وكأن الكلمة كانت أصلاً من ياء، وقد تُخَرَّج
عبارة المؤلف هنا على أن إبدال الياء واواً عوداً إلى الأصل قد تُرِك فجُعِلت الياء كالحرف
الأصلي فبقيت على حالها في تصاريف الكلمة .
(٢) التفسير ٤٦٩/١.
(٣) الآية ٢٢ من يونس.
(٤) مسند الشافعي: باب الاستسقاء ١٧٥ .
(٥) السبعة ١٧٢؛ الكشف ٢٧٠/١؛ البحر ٤٦٧/١.
٢٠٧

- البقرة -
فالجمعُ لاختلافِ أنواعِها: جَنوباً ودَبوراً وصَبا وغيرَ ذلك، وإفرادُها على إرادة
الجنس .
والسحابُ: اسمُ جنسٍ واحدَتُه سَحابةً، سُمِّي بذلك لانسحابه،كما قيل
له: حَبِيٌّ لأنه يَحْبُو، ذكر ذلك أبو علي، وباعتبار كونِه اسمٌ جنسَ وَصَفَه
بوصفِ الواحدِ المذكّر في قوله: ((المُسَخَّر)) كقوله: ((أعجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر))(١)
ولمّا اعتبر معناه تارةً أُخرى وَصَفَه بما يوصَفُ به الجمعُ في قوله: ((سحاباً
ثقالاً))(٢)، ويجوز أن يوصفَ بما تُوصفُ به المؤنثةُ الواحدةُ كقوله: ((أعجازُ
نخلٍ خاوية)) /(٣) وهكذا كلُّ اسم جنس فيه لغتان: التذكيرُ باعتبارِ اللفظِ، [٦٢/ب]
والتأنيثُ باعتبار المعنى.
والتسخيرُ: التذليلُ وجَعْلُ الشيءِ داخلًا تحت الطَّوْعِ. وقال
الراغب(٤): ((هو القَهْرُ على الفعلِ وهو أبلغُ من الإِكراه)).
قوله: ((بينَ السماء)) في ((بين)» قولان، أحدهما: أنه منصوبٌ بقوله:
(المُسخّرِ))؛ فيكونُ ظرفاً للتسخير. والثاني: أن يكونَ حالاً من الضمير
المستِر في اسمِ المفعولِ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائناً بين السماءِ
و ((لآياتٍ)) اسمُ إِنَّ والجارُّ خبرٌ مقدمٌ، ودَخَلَتِ اللامُ على الاسمِ لتأخّرِهِ عِنْ
الخبر، ولو كان موضعَه لما جازّ ذلك فيه(٥).
وقوله: ((لقومٍ)) في محلّ نصبٍ لأنَّه صفةٌ لآيات، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ . وقولُه
(يَعْقِلون)» الجملةُ في محلٌّ جرِ لأنها صفةٌ لقومٍ.
(١) الآية ٢٠ من القمر.
(٢) الآية ٥٧ من الأعراف.
(٣) الآية ٧ من الحاقة.
(٤) المفردات ٢٣٢ .
(٥) وذلك لما يلزم منه من اجتماع حرفي تأكيد وهو ممنوع.
٢٠٨

- البقرة -
آ. (١٦٥) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾: ((مَنْ)) في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ
وخبرُه الجارُّ قبلَه، ويجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أن تكون موصولةً. والثاني :
أن تكونَ موصوفةً، فعلى الأولِ لا محلَّ للجملةِ بعدها، وعلى الثاني محلّها
الرفعُ، أي: فريقٌ أو شخصٌ مَتَّخِذُ، وأَفْرَدَ الضميرَ في ((يَتَّخذ)) حَمْلاً على لفظِ
((مَنْ)).
قوله: ((مِنْ دونِ اللَّهِ)) متعلِّقٌ بيتَّخذ. والمرادُ بدون هنا: غَيْرِ، وأصلُها أن
تكونَ ظرفَ مكانٍ نادرةَ التصرُّف؛ وإنما أَفْهَمَتْ معنى ((غير)) مجازاً؛ وذلك أنك
إذا قلت: ((اتخذتُ من دونك صديقاً) أصلُه: اتَّخَذْتُ من جهةٍ ومكانٍ دونَ
جهتِك ومكانِك صديقاً، فهو ظرفٌ مجازيٍّ. وإذا كان المكانُ المتَّخَذُ منه
الصديقُ مكانَك وجهتُك منحطةً عنه ودونه لزم أن يكونَ غيراً لأنه ليس إياه، ثم حُذِفَ
المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه مع كونه غيراً فصارت دلالته على الغيريَّة بهذا
الطريقِ لا بطريقِ الوَضْع لغةً، وقد تقدَّم تقريرُ شيءٍ من هذا أول السورةِ.
و((يَتَّخِذُ)) يَفْتَعِلُ من الأخْذِ، وهي متعدِّيَةٌ إلى واحد وهو: ((أَنْداداً)). وقد تقدَّم
الكلامُ على ((أنداداً) أيضاً واشتقاقه(١).
قوله: ((يُحِبُّونهم)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ في
محلِّ رفعٍ صفةً لـ (مَنْ)) في أحدٍ وجهَيْها، والضميرُ المرفوعُ يعودُ عليها باعتبارٍ
المعنى بعد اعتبارِ اللفظِ في ((يَتَّخِذُ)). والثاني: أن تكونَ في محلٌّ نصبٍ صفةً
لأنداداً، والضميرُ المنصوبُ يعودُ عليهم، والمرادُ بهم الأصنامُ، وإنما جمعَ
العقلاءَ لمعاملتهم لهم معاملةً العقلاءِ، أو يكونُ المرادُ بهم مَنْ عُبِد من دونٍ
الله عقلاءَ وغيرهم، ثم غَلَّبَ العقلاءَ على غيرِهم. الثالث: أن تكونَ في محلٌ
نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في ((يَتَّخِذ))، والضميرُ المرفوعُ عائدٌ على ما عاد
عليه الضميرُ في ((يَتَّخِذُ))، وجُمِعَ حَمْلاً على المعنى كما تقدَّم.
(١) انظر: الآية ٢٢ من البقرة.
٢٠٩

- البقرة -
قوله: ((كحُبِّ اللهِ)) الكافُ في مجِلِّ نصبٍ: إِمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ
أي: يُحِبُونهم حباً كحُبِّ اللَّهِ، وإمَّ على الحالِ من المصدرِ المعرَّفِ
كما تقدَّمَ تقريرُه غيرَ مرةٍ. والحُبُّ: إرادةُ ما تراه وتظنه خيراً، وأصلهُ من حَبَيْتُ
فلاناً: أصبْتُ حبة قلبِهِ نحو: كَبِدْتُه. وأَحْبَبْتُه: جَعَلْتُ قلبي مُعَرِّضاً بأن يحبّه،
لكن أكثر الاستعمالِ أن يُقال: أَحْبَيْتُه فهو محبوب، ومُحَبّ قليلٌ كقوله(١):
٧٩٩ - ولقد نَزَلْتِ فلا تظنِّي غيرَه مني بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
والحُبُّ في الأصلِ مصدرُ حَبَّه، وكان قياسُه فتحَ الحاءِ، ومضارِعُه
يَحُبُّ بالضم وهو قياسُ فِعْل المضعَّف وشَذَّ كسرُه، ومحبوب أكثر من مُحَبّ،
ومُحِبّ أكثر من حابٌ، وقد جُمِع الحبُّ لاختلافِ أنواعِه، وقال(٢):
٨٠٠ - ثلاثَةُ أحبابٍ فَحُبُّ علاقةٍ
وحُبُّ تِمِلَّقٍ وحُبُّ هِو القتلُ
:
والحُبُّ مصدرٌ مضافٌ لمنصوبه والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كحبِّهم الله
أو كحبِّ المؤمنين الله، بمعنى أنهم سَوَّوا بين الحُبَّين: حبِّ الأندادِ وحُبِّ
اللهِ .
-- --
وقال ابن عطية(٣): ((حُبّ)) مصدرٌ مضافٌ للمفعول في اللفظ، وهو في
التقدير مضافٌ للفاعلِ المضمرِ تقديرُه: كحيِّكم اللَّهَ أو كَحبِّهم اللَّهَ
حَسْبَ ما قَدَّر كلَّ وجهٍ منها فرقةٌ)). انتهى، وقوله ((للفاعل المضمر)) يريد أنٌّ
ذلك الفاعلَ مِنْ جنس الضمائر وهو: ((كُمْ)) أو ((هِمْ))، أو يكونُ يُسَمِّي الحَذْفَ
(١) البيت لعنترة، وهو في ديوانه ١٨٧؛ والمحتسب ٧٨/١؛ وشرح المعلقات للتبريزي
٣٢٥؛ والخصائص ٢١٦/٢؛ وأوضح المسالك ٢٢٤/١؛ والهمع ٢٥٢/١؛، والدرر
١٣٤/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في إعراب ثلاثين سورة ٨١؛ البحر ٤٥٦/١.
(٣) التفسير ٤٧٣/١.
٢١٠

- البقرة -
إضماراً وهو اصطلاحٌ شائعُ، ولا يريد أن الفاعلَ مضمرٌ في المصدرِ
كما يُضْمَرُ في الأفعالِ لأنَّ هذا قولٌ ضعيفٌ لبعضِهم، مردودٌ بأنَّ المصدرَ اسمُ
جنسٍ؛ واسمُ الجنسِ لا يُضْمَرُ فيه لجمودِه.
وقال الزمخشري(١): ((كحُبِّ اللهِ: كتعظيمِ اللهِ، والخُضوعُ له، أي :
كما يُحَبُّ اللهُ، على أنَّه مصدرٌ مبنيٌّ من المفعولِ، وإنما استُغْنِيَ عن ذِكْرِ
مَنْ يُحِبُّه لأنه غيرُ ملتبسٍ)). انتهى. أمّا جَعْلُه المصدرَ من المبني للمفعول فهو
أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ: أعني الجوازَ مطلقاً. والثاني: المنعُ مطلقاً وهو
الصحيحُ. والثالث: التفصيلُ بين الأفعالِ التي لم تُسْتَعْمَلْ إلا مبنيةً للمفعولِ
فيجوزُ نحو: عَجِبْتُ من جنونِ زيدٍ بالعلمِ ، ومنه الآيةُ الكريمةُ فإنَّ الغالِبَ في
(حُبّ)) أن يُبْنِى للمفعولِ، وبَيْنَ غيرها فلا يجوزُ، واستدلَّ مَنْ أجازه مطلقاً
بقول عائشة: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قَتْلِ الأبتر
وذو الطُّفْيَتَيْنِ)»(٢) برفعِ ((ذو)) عطفاً على محلّ ((الأبتر)) لأنه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه
تقديراً أي: أن يُقْتَلَ الأبترُ. ولتقريرِ هذه الأقوالِ موضعٌ غيرُ هذا.
وقد رَدَّ الزجاجُ(٣) تقديرَ مَنْ قَدَّر فاعل المصدرِ المؤمنين أو ضميرهم،
وقال: ((ليس بشيء))، والدليلُ على نقضه قولُه بعدُ: ((والذين آمنوا أشدُّ حُبّأَ
لله))، ورجّحَ أن يكونَ فاعلُ المصدرِ ضميرَ المَتَّخِذين، أي: يُحِبُّون الأصنامَ
كما يُحِبُّون الله، لأنهم أَشْرَكوها مع الله تعالى فَسَوَّوا بين الله وبين أوثانِهم في
المحبَّةِ)). وهذا الذي قاله الزجّاجُ من الدليلِ واضحٌّ؛ لأنَّ التسوية بين مَحَبَّةٍ
(١) الكشاف ٣٢٦/١.
(٢) رواية البخاري: ((اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر)) بدء الخلق الفتح ٣٤٧/٦؛ مسلم
باب قتل الحيات ١٧٥٢/٤؛ ابن حنبل ١٢١/٢ وما ذكر في الحديث نوعان من
الحيات .
(٣) معاني القرآن ٢٢١/١.
٢١١

- البقرة-
الكفار لأوثانهم وبين محبة المؤمنين الله ينافي قوله: ((والذين آمنوا أشدُّ حباً لله))
فإِنَّ فيه نفيّ المساواةِ .
وقرأ أبو رجاء(١): ((يَحُبُّونهم)) من ((حَبَّ)) ثلاثياً، و((أَحَبَّ)) أكثرُ، وفي
المثل: ((مَنْ حَبَّ طَبَّ))(٢).
قولُه: ((أشدُّ حباً لله)) المفضلُ عليه محذوفٌ، وهم المتخذون الأنداد،
أي: أشدُّ حباً لله من المتخذين الأنداد لأوثانِهم. وقال أبو البقاء(٣): (ما يتعلَّقُ
به ((أشدّ)) محذوفٌ تقديرُه: ((أشدُّ حباً لله مِنْ حُبُّ هؤلاء للأندادِ)) والمعنى: أنَّ
المؤمنين يُحِبُّون الله أكثرَ مِنْ محبَّةِ هؤلاء أوثَانَهم. ويُحْتَمِلُ أن يكونَ المعنى أنَّ
المؤمنين يُحِبُّون الله تعالى أكثر مِمَّا يُحِبُّه هؤلاء المتَّخِذون؛ لأنهم لم يَشْرَكوا
معه غيره. وأتى بأشدَّ متوصِّلاً بها إلى أَفْعَل التفضيل من مادة الحب لأن
((حُبَّ)) مبنيٌّ للمفعولِ والمبنيُّ للمفعولِ لا يُتْعَجِّبُ منه ولا يُبْنَى منه أفعل
للتفضيل، فلذلك أتى بما يَجُوز ذلك فيه. فأمَّا قولُهم: ((ما أحبَّه إلي)) فشاذٌ
على خلافٍ في ذلك بين النحويين. و((حباً)) تمييزٌ منقولٌ من المبتدأ تقديرُه:
حُبُّهم للهِ أشَدُّ .
قوله: ((ولو يرى الذين)» جوابُ لو محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديره،
ولا يَظْهَرُ ذلك إلا بعد ذِكْرِ القراءات (٤) الواردة في ألفاظِ هذه الآيةِ الكريمة:
قرأ ابنُ عامر ونافع: ((ولو ترى)) بتاءِ الخطابِ، ((أن القوة)) و((أن الله
بفتحِهما، وقرأ ابنُ عامر: ((إذ يُرَوْن)) بضم الياء، والباقون بفتحِهما. وقرأ
ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون(٥): ((ولو يرى)) بياء الغيبة، ((أنَّ القوة)) و ((أنَّ الله))
(١) البحر ٤٧٠/١.
(٢) مجمع الأمثال ٣٣٥/٢؛ والطب: الحذق، معناه: من أحب فطن واحتال لمن يحب.
(٣) الاملاء ٧٣/١.
(٤) السبعة ١٧٣؛ والكشف ٢٧١/١؛ وابن عطية ٤٧٤/١؛ والبحر ٤٧١/١.
(٥) أي: عاصم وحمزة والكسائي.
٢١٢

- البقرة -
بفتحِهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة (١) ويعقوب وأبو جعفر: ((ولو تَرَى))
بالخطاب، ((إن القوة)) و((إن الله)) بكسرهما، وقرأت طائفةٌ: ((ولويرى)) بياء
الغيبة، ((إن القوة)) و((إن الله)) بكسرهما. إذا تقرّر ذلك فقد اختلفوا في تقديرٍ
جواب لو، فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قوله: ((أن القوة)) ومنهم مَنْ قدَّره بعد قوله:
[٦٣/أ] ((وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ» / وهو قولُ أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمَّا مَنْ
قَدَّره قبل ((أنَّ القوةَ)) فيكونُ ((أنَّ القوةَ)) معمولاً لذلك الجواب. وتقديرُه على
قراءةِ ترى - بالخطاب - وفتح أنَّ وأنَّ: لعلِمْتَ أيها السامعُ أنَّ القوةَ اللّه
جميعاً، والمرادُ بهذا الخطابِ: إمّا النبيُّ عليه السلام وإمّا كلِّ سامعٍ. وعلى
قراءةِ الكسرِ في ((إِنّ)) يكونُ التقديرُ: لقلت إنَّ القوةَ الله جميعاً، والخلافُ في
المرادِ بالخطاب كما تقدَّم، أو يكونُ التقديرُ: لاستعظَمت حالَهم، وإنما
كُسِرَتْ ((إِنَّ)) لأنَّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قَدِمْتَ على زيد لأحْسنَ
إليك إنَّه مكرمٌ للضِّيفان، فقولك: ((إنه مكرِمٌ للضِّيفان)) عِلَّةٌ لقولِك ((أَحْسَنَ
إليك)».
وقال ابنُ عطية (٢): ((تقديرُه: ولو ترى الذين ظَلَموا في حال رؤيتهم
العذابَ وفزعهم منه واستعظامِهم له لأقُرُّوا أنَّ القوةَ الله جميعاً)) وناقشه الشيخ(٣)
فقال: ((كان ينبغي أن يقولَ: في وقتِ رؤيتهم العذابَ فيأتي بمرادف «إذ)) وهو
الوقتُ لا الحالُ، وأيضاً فتقديرُه لجوابِ (لو)) غيرُ مُرَّتَّبٍ على ما يلي ((لو))، لأنَّ
رؤية السامعِ أو النبي عليه السلام الظالمينَ في وقتِ رؤيتهم لا يترتَّبُ عليها
إقرارُهم بأنّ القوة الله جميعاً، وهو نظيرُ قولك: ((يا زيدُ لوترى عَمْراً في وقتٍ
ضَرْبِهِ لأقَرَّ أنَّ الله قادِرٌ عليه)) فإقرارُه بقدرة الله ليست مترتبةً على رؤيةِ زيد))
(١) شيبة بن نصاح، مولى أم سلمة، عرض على عبدالله بن عباس. وعرض عليه نافع
وأبو عمرو. توفي سنة ١٣٠. انظر: طبقات القراء ٣٢٩/١.
(٢) التفسير ٤٧٣/١.
(٣) البحر ١ /٤٧١.
٢١٣

- البقرة -
انتهى. وتقديرُه على قراءةِ ((يرى)) بالغيبة: لعلموا أنَّ القوةَ، إنْ كان فاعل
(يرى)) ((الذين ظلموا»، وإن كان ضميراً يعودُ على السامعِ فُيُقَدَّرُ: لَعَلِمْ أَنَّ
القوة .
وأمَّا مَنْ قَدَّره بعدَ قوله: شديدُ العذاب فتقديرُه على قراءة ((ترى))
بالخطابِ: لاستعظَمْتَ ما حلّ بهم، ويكونُ فتحُ ((أنَّ) على أنه مفعولٌ من
أجلِه، أي: لأنَّ القوةً لله جميعاً، وكَسْرُها على معنى التعليلِ نحو: ((أكرِمْ
زيداً إنه عالم، وأَهِنْ عمراً إنَّه جاهلٌ))، أو تكونُ جملةً معترضةً بين ((لو))
وجوابِها المحذوفِ. وتقديرُه على قراءة ((ولو يرى)) بالغيبة إن كان فاعلُ («یری)»
ضميرَ السامعِ: لاستَعظَمَ ذلك، وإنْ كان فاعلُه ((الذين)) كان التقديرُ:
لاستعظَموا ما حَلَّ بهم، ويكونُ فتحُ ((أنَّ)) على أنها معمولةٌ ليرى، على أن
يكونَ الفاعلُ («الذين ظلموا»، والرؤيةُ هنا تحتِمِلُ أن تكونَ من رؤيةِ القلبِ
فتسدَّ ((أنَّ)) مسدَّ مفعولهما، وأن تكونَ من رؤية البصرِ فتكونَ في موضعِ
مفعولٍ واحدٍ.
وأمَّا قراءةُ (يرى الذين)) بالغَيبة وكسرِ ((إِنَّ) و((إنَّ) فيكونُ الجوابُ قولاً
محذوفاً وكُسِرتَا لوقوعِهما بعد القولِ، فتقديرُه على كونِ الفاعلِ ضَمَيْرَ
الرأي: لقال إنَّ القوةَ؛ وعلى كونه ((الذين)): لقالوا، ويكونُ مفعولُ ((يرى)»
محذوفاً أي: لويرى حالهم. ويُحتمل أن يكونَ الجوابُ: لاستَعْظَم
أو لاستَعْظَموا على حَسَبِ القولين، وإنما كُسِرتا استئنافاً، وحذْفُ جوابٍ (لو))
شائعٌ مستفيضٌ، وكثُرِ حَذْفهُ في القرآن. وفائدةُ حَذْفِه استعظامُهِ وذهابُ
النفسِ كلَّ مذهبٍ فيهٍ بخلافِ ما لوذُكِر، فإِنَّ السامعَ يقصُر هَمَّه عليه، وقد
وَرَدَ في أشعارهم ونثرِهُم حَذْفُه كثيراً. قال امرؤ القيس(١):
(١) ديوانه ٢٤٢؛ ابن يعيش ٧/٩؛ الخزانة ٢٢٧/٤.
٢١٤

- البقرة -
سِواك ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
٨٠١ - وجَدِّكَ لو شيءُ أتانا رسولُه
وقال النابغة(١):
٨٠٢ - فما كان بين الخيرِ لو جاءَ سالماً أبو حُجُرٍ إلَّ ليالٍ قلائِلُ
ودَخَلَتْ (إذ)) وهي ظرفُ زمانٍ ماضٍ في أثناءِ هذه المستقبلات تقريباً
للأمر، وتصحيحاً لوقوعِه، كما وَقَعَتْ صيغة المضيِّ موقعَ المستقبل لذلك
كقولهِ: ((ونادى أصحابُ الجنة))(٢) ((ونادى أصحابُ النار))(٣)، وكما قال
الأشتر (٤):
ولَقِيْتُ أضيافي بوجهِ عَبُوسٍ
٨٠٣ _ بَقَّيْتُ وَفْرِي وانحرَفْتُ عن العُلَى
لم تخلُ يوماً من نهاب نفوسٍ
إِنْ لم أشُنَّ على ابن حربٍ غارةً
فأوقع (بَقَّيْتُ)) و((انحَرَفْتُ)) - وهما بصيغة المضيِّ - موقِعَ المستقبلِ
التعليقهما على مستقبلٍ وهو قولُه: ((إنْ لم أشُنَّ)). وقيل: أَوْقَعَ ((إذ)) موقع ((إذا))
وقيل: زمن الآخرة متصلٌ بزمن الدنيا، فقامَ أحدُهما مقامَ الآخر لأنَّ المجاور
للشيءٍ يقوم مقامه، وهكذا كلُّ موضعٍ وَقَع مثلَ هذا، وهو في القرآن كثيرٌ.
وقراءةُ ابنِ عامر ((يُرَوْنَ العذابِ))(٥) مبنياً للمفعول مَنْ أَرَيْتُ المنقولةِ من
رَأَيْتُ بمعنى أبصرتُ فتعدَّتْ لاثنين، أولُهما قامَ مَقَامَ الفاعِل وهو الواو، والثاني
هو «العذابُ))، وقراءةُ الباقين واضحةٌ.
(١) تقدم برقم ٧٤٦.
(٢) الآية ٤٤ من الأعراف.
(٣) الآية ٥٠ من الأعراف.
(٤) الأشتر النخعي، وهو في الحماسة ٩٣/١؛ وابن عطية ١ /٤٧٥؛ وشواهد الكشاف
٤٢٩/٤ والوفر: المال؛ وابن حرب: معاوية؛ وكان الأشتر مع علي.
(٥) الأصل: يرى العذاب وهو سهو.
٢١٥

- البقرة:ــ
وقال الراغبُ(١): (قوله)): ((أنَّ القوة)) بدلٌ من ((الذين)) قال:
((وهو ضعيفٌ)) قال الشيخ(٢): ((ويصيرُ المعنى: ولو تَرى قوةَ الله وقدرَتَّه على
الذين ظلموا)). وقال في ((المنتخب))(٣): ((قراءةُ الياء عند بعضهم أَوْلَى من
قراءة التاء))، قال: ((لأنَّ النبيَّ عليه السلام والمؤمنين قد عَلِموا قَدْرَ ما يُشَاهِدُه
الكفارُ، وأمّا الكفارُ فلم يَعْلَمُوه فوجَبَ إسنادُ الفعلِ إليهم)» وهذا ليس بشيءٍ
فإنَّ القراءَتَيْنِ متواتِرتانٍ.
قوله: ((جميعاً) حالٌ من الضمير المستكنُّ في الجارِّ والمجرور الواقع
خبراً، لأنَّ تقديره: ((أنَّ القوةَ كائنةٌ لله جميعاً))، ولا جائزٌ أن يكونَ حالاً من
القوة، فإنَّ العامل في الحال هو العاملُ في صاحبِها، و((أنَّ) لا تعملُ فِي
الحال، وهو مُشْكلٌ، فإنَّهم أجازوا في ((ليت)) أن تعمل في الحال، وكذا
((كأنَّ)) لِما فيها من معنى الفعل - وهو التمني والتشبيه - فكان ينبغي أن يجوز
ذلك في ((أنَّ) لِما فيها من معنى التأكيد. و((جميع)) في الأصل: فَعِيل من
الجَمْعِ، وكأنه اسمُ جِمعٍ، فلذلك يُتْبَع تارةً بالمفرد، قال تعالى: ((نحن
جميعٌ منتَصِر))(٤)، وتارةً بالجمعِ، قال تعالى: ((جميعٌ لدينا مُحْضَرون))(٥)،
ويَنْتَصِبُ حالاً، ويؤكد به بمعنى ((كل))، ويَدُلُّ على الشمول كدلالةِ ((كل))،
ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان، تقول: ((جاء القومُ جميعُهم)) لا يلزم أَنْ
يكونَ مجيئُهم في زمنٍ واحدٍ، وقد تقدَّم ذلك في الفرق بينها وبين ((جاؤوا
معاً)).
(١) انظر: البحر ٤٧٣/١.
(٢) البحر ٤٧٣/١.
(٣) لعله للحسن بن صافي ملك النحاة المتوفى سنة ٥٦٨ (كشف الظنون ١٨٤٩/٢)
أو لفخرالدين الرازي المتوفي سنة ٦٠٦ (ذيل الكشف ٥٦٩/٤).
(٤) الآية ٤٤ من القمر.
(٥) الآية ٣٢ من يس.
٢١٦

- البقرة -
آ. (١٦٦): قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأ﴾: في ((إذْ)) ثلاثة أوجهٍ، أحدُها:
أنَّها بدلٌ من ((إذ يَرَوْن)). الثاني: أنها منصوبةٌ بقولِه ((شديدُ العذاب)) الثالث:
- وهو أضعفها - أنها معمولةٌ لاذكر مقدراً. و((تَبَرَّأ)) في محلِّ خفضٍ بإضافةٍ
الظرفِ إليه. والتبرُّؤُ: الخلوصُ والانفصال، ومنه: بَرِئْتُ من الدَّيْن، وقد تَقدَّم
تحقيقُ ذلك عند قوله: ((إلى بارئكم))(١). والجمهورُ على تقديم ((اتُّبِعوا)) مبنياً
للمفعول على ((اتَبعوا)) مبنياً للفاعل. وقرأ مجاهد(٢) بالعكس،
وهما واضحتان، إلَّ أنَّ قراءة الجمهورِ واردةٌ في القرآنِ أكثرَ.
قوله: ورأوا العذابَ)) في هذه الجملة وجهانٍ، أظهرهُما: أنها عطفٌ
على ما قبلها، فتكونُ داخلةً في حَيِّز الظرف، تقديره: ((إذ تبرّأ الذين اتَّبِعوا،
وإذْ رَأَوا)). والثاني: أن الواو للحالِ والجملةُ بعدها حاليةٌ، و((قد)) معها
مضمرةٌ، والعاملُ في هذه الحالِ: ((تَبَرَّأ)) أي: تبرَّؤوا في حالِ رؤيتهم
العذاب .
قوله: ((وَتَقَطَّعَتْ)) يجوزُ أن تكونَ الواوُ للعطفِ وأَنْ تكونَ للحالِ ، وإذا
كانت للعطفِ فهل عَطَفَتْ ((تَقَطَّعَتْ)) على ((تَبِرَّأ))، ويكون قوله: ((ورأوا)) حالاً ،
وهو اختيار الزمخشري(٣)، أو عَطَفَتْ على ((رأوا)»؟ وإذا كانت للحال فهل هي
حالٌ ثانية للذين، أو حالٌ للضميرِ في ((رَأوا)»؟ وتكونُ حالاً متداخلةً إذا جَعَلْنا
((ورأوا)) حالاً .
والباءُ في ((بهم)) فيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُهُما: أنَّها للحالِ أي: تَقَطَّعَتْ
موصولةً بهم الأسبابُ نحو: ((خَرَجَ بثيابه)). الثاني: أن تكونَ للتعديةِ، أي:
(١) الآية ٥٤ من البقرة.
(٢) البحر ٤٧٣/١؛ ابن عطية ١ /٤٧٥.
(٣) الكشاف ٣٢٧/١.
٢١٧

- البقرة -
قَطَّعَتْهُمِ الأسبابُ كما تقولُ: تَفَرَّقَتْ بهم الطرقُ ((أي: فَرَّقَتْهم. الثالث: أن
تكون للسببية، أي: تُقَطَّعتْ بسببِ كفرِهم الأسبابُ التي كانوا يَرْجُون بها
النجاة. الرابع: أن تكونَ بمعنى ((عن))، أي: تَقَطَّعت عنهم.
والأسبابُ: الوَصْلاتُ بينهم، وهي مجازٌ، فإن السبب في الأصل الحَبْلُ
ثم أُطلقَ على كلِّ مَا يُتَوصِّل به إلى شيء: عيناً كان أو معنىٌّ، وقد تُطْلَقُ
الأسبابُ على الحوادثِ، قال زهير(١):
٨٠٤ ـ ومَنْ هابَ أسبابَ المنايا يَنْنَه
ولو نالَ أسبابَ السماءِ بِسُلَّمِ
وقد وُجِد هنا نوعٌ من أنواعِ البديع هو الترصيعُ /، وهو عبارةً عن [٦٣/ب]
تَسْجِيع الكلامِ، وهوهنا في موضعَيْن، أحدُهما ((اتُّبِعوا من الذين اتّبعوا))
ولذلك حَذَفَ عائدَ الموصولِ الأولِ فلم يَقُلْ: من الذين التَّبعوهم لفوات ذلك
والثاني: ((وَرَأَوا العذابِ وتقطّعَت بهم الأسبابُ)) وهو كثيرٌ في القرآنِ ((وَلَسْتُمْ
بآخذيه إلا أَنْ تُغْمِضُوا فيه))(٢).
أ. (١٦٧) قوله تعالى ﴿فَتَتبرَّأُ منهم﴾: منصوبٌ بعد الفاء بِأَنْ مضمرةً
في جواب التمني الذي أُشْرِبته ((لو))، ولذلك أُجيبت بجواب ((ليت)) الذي في
قوله: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز))(٣)، وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمني فهل هي
الامتناعیةُ المفتقرةُ إلی جوابٍ أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ؟ الصحیحُ أنها تحتاجُ
إلى جوابٍ، وهو مقدَّرٌ في الآيةِ تقديرُه: لتبرَّأنا ونحو ذلك. وقيل: ((لو)) في
هذه الآيةِ ونظائرها لِما كان سَيَقَعُ لوقوع غيره، وليس فيها معنى التمني،
(١) ديوانه ٣٠.
:
(٢) الآية ٢٦٧ من البقرة، وعنى بذلك أنكم لا تفهمون هذا النوع إلا بأن تبحثوا عن مظانه.
(٣) الآية ٧٣ من النساء.
٢١٨

- البقرة -
والفعلُ منصوبٌ بـ ((أَنْ)) مضمرةً على تأويلِ عَطْفِ اسم على اسم وهو («كَرَّةً))
والتقديرُ: لو أنَّ لنا كرةً فتبرُّؤاً فهو من باب قوله(١):
٨٠٥ - لَلُبْسُ عباءةٍ وَتَقَرَّ عيني
ويكونُ جواب لو محذوفاً أيضاً كما تقدَّم. وقال أبو البقاء (٢): ((فنتبرأ)»
منصوبٌ بإضمار أنْ تقديرُه: لو أنّ لنا أن نرجِع فنتبرأ)) فَحَلَّ ((كرة)) إلى قوله
(أَنْ نَرْجِعَ)) لأنه بمعناه وهو قريبٌ، إلَّ أنَّ النَّحْويين يُؤَوِّلون الفعلَ المنصوبَ
بمصدرٍ لَيَعْطِفُوهُ على الاسم قبلَه، ويتركون الاسمَ على حالِه، وذلك لأنه قد
يكونُ اسماً صريحاً غير مصدرٍ نحو: ((لولا زيدٌ ويخرج لأكرمتُك)) فلا يتأتّى
تأويله بحرف مصدري وفعلٍ. والقائل بأنّ (لو)) التي للتمني لا جوابَ لها
استدلَّ بقول الشاعر(٣):
٨٠٦ - فلو نّبْشُ المقابرِ عن كُلَيْبِ
فَتُخْبَرِ بالذَّنائِبِ أَيُّ زُورِ
وهذا لا يَصِحُّ فإنَّ جوابَها في البيتِ بعدَه وهو قولُه:
٨٠٧ - بيومِ الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عيناً وكيف لقاءُ مَنْ تحتَ القبورِ
واستدلَّ هذا القائلُ أيضاً بأنَّ ((أنَّ)) تُفْتَحُ بعد ((لو)) كما تُفْتَحُ بعدَ ليت في
قوله(٤) :
٨٠٨ - يا ليتَ أَنَّا ضَمَّنا سَفِينَةً حتّى يعودَ البحرُ كَيَُّونَهْ
وههنا فائدةٌ ينبغي أن يُنتبه لها وهي : أنَّ النحاة قالوا: ((كلُّ موضعٍ نُصِبَ
(١) تقدم برقم ٧٠١.
(٢) الإملاء ٧٤/١.
(٣) البيت لمهلهل بن ربيعة، وهو في الأصمعيات ١٥٤؛ والبحر ٣٧٤/١؛ والأشموني
٣٢/٤. والذنائب: موضع وبها قبر كليب؛ وزير النساء: صاحب النساء. وقد وردت
(زير)) في رواية ثانية بدل ((زور)) رواية المؤلف.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: كون؛ والانصاف ٧٩٧ برواية: يعود الوصل؛
والبحر ٣٧٤/١؛ والكيلونة: مصدر كان يكون.
٢١٩

- البقرة -
فيه المضارِعُ بإضمارٍ أَنْ بعد الفاء إذا سَقَطَتِ الفاءُ جُزِم إلا في النفي))، [و]
ينبغي أَنْ يُزادَ هذا الموضعُ أيضاً فيُقال: وإلا في جوابِ التمني بـ((لو)»، فإنّهِ
يُنْصِبُ المضارع فيه بإضمار ((أَنْ)) بعدَ الفاء الواقعةِ جواباً له، ومع ذلك
لوسَقَطَت هذه الفاءُ لم يُجْزَمْ. قال الشيخ(١): ((والسببُ في ذلك أنها (٢)
محمولةً على حرف التمني وهوليْت، والجزمُ في جوابٍ ليت إنما هو لتضَمُّنِها
معنى الشرط أو لدلالتها على كونه محذوفاً على اختلافِ القولين فصارت ((لو))
فرع الفرع، فَضَعُفَ ذلك فيها.
قوله: ((كما)) الكافُ موضعُها نصبٌ: إمّا على كونِها نعتَ مصدرٍ
محذوفٍ، أي: تبرُّؤْاً مثلَ تبرئتهم، وإمّا على الحالِ من ضمير المصدر
المُعرَّفِ المحذوفِ أي: نتبَّرؤه - أي التبرؤ - مشابهاً لتبرئتهم، كما تقدُّم
تقريره غيرَ مرةٍ. وقال ابنُ عطية (٣): ((الكافُ في قوله ((كما)) في موضعِ نصبٍ
على النعت: إمَّا لمصدرٍ أو لحالٍ تقديرُه: متبرئين (٤) كما)). قال الشيخ(٥):
((وأمّاً قولُه ((لحال تقديرُه متبرئين كما)) فغيرُ واضحٍ، لأنَّ ((ما)) مصدريةٌ فِصارَتٍ
الكافُ الداخلةُ عليها من صفاتِ الأفعال، ومتبرئين من صفاتِ الأعيانِ فكيف
يُوصف بصفاتِ الأفعالِ)) قال: ((وأيضاً لا حاجةً لتقدير هذه الحال؛ لأنها إذ ذاك
تكونُ حالاً مؤكدةً، وهى خلافُ الأصلِ، وأيضاً فالمؤكَّد ينافيه الحذفُ لأنَّ
التأكيدَ يُقَوِّيه فالحَذْفُ بِنَاقِضُه)).
قوله: ((كذلك يُرِيّهم)» في هذه الكافِ قولان، أحدهما: أنَّ موضعَها
نصبُ: إِمَّا نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المصدرِ المعرَّفِ، أي: يُريهم
(١) البحر ٤٧٤/١، وطبعت هذه الصفحة في البحر خطأ برقم: ٣٧٤.
(٢) أقحمت ((أنْ)) قبل قوله ((أنها)) في الأصل.
(٣) التفسير ٤٧٦/١.
(٤) في مطبوعة ابن عطية: ((منتبذين)).
(٥) البحر ٤٧٤/١.
٢٢٠