Indexed OCR Text

Pages 101-120

- البقرة -
لو قلتَ: (مِنْ ذُرِّيَّتي إمامٌ)) لصَحَّ. وقال ابن عطية(١): ((وقيل هذا منه على
جهةِ الاستفهامِ عنهم أي: ومِنْ ذريتي يا ربِّ ماذا يكون؟ فيتعلَّقُ على هذا
بمحذوفٍ، ولو قَدَّره قبل ((مِنْ ذريتي)) لكانَ أَوْلِى لأنَّ ما في حَيِّز الاستفهامِ
لا یتقدَّم عليه.
وفي اشتقاق ((ذُرِّيَّة)) وتصريفها كلامٌ طويلٌ يَحْتاج الناظرُ فيه إلى تأمُّل.
اعلم أنَّ في ((ذرية)) ثلاثَ لغاتٍ: ضَمَّ الذالِ وكسرَها وفتحَها، وبالضمِّ قرأ
الجمهورُ، وبالفتحِ قرأ(٢) أبو جعفر المدني، وبالكسر قرأ زيد بن ثابت(٣).
فأمّا اشتقاقُها ففيه أربعةُ مذاهبَ، أحدُها: أنها مشتقةٌ من ذَرَوْتُ، الثاني: مِنْ
ذَرَيْتُ، الثالث: من ذَرَأَ اللهُ الخَلْقَ، الرابع: من الذرّ. وأَمَّا تصريفُها: فَذُرِّيَّة
بالضمّ إن كانَتْ من ذَرَوْتُ فيجوز فيها أَنْ يكونَ وزنها فُعُولَة، والأصلُ: ذُرُّوْوَة
فاجتمع واوان: الأولى زائدةٌ للمدِّ والثانيةُ لامُ الكلمةِ، فَقُلِبَتْ لامُ الكلمةِ ياءً
تخفيفاً فصار اللفظُ ذُرُّوْيَة، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وَسَبَقَتْ إحداهما بالسكون،
فَقُلِبَتِ الواوُ ياءٌ وَأُدْغِمَتْ في الياءِ التي هي منقلبةٌ من لامِ الكلمةِ، وَكُسِرَ
ما قبل الياءِ وهي الراءُ للتجانُسِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ وزنُها فُعَّيْلَة، والأصلُ:
ذُرِّيْوَة، فاجتمعَ ياءُ المدٍّ والواوُ التي هي لامُ الكلمةِ وسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ
فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدغمت فيها ياءُ المدِّ، وإن كانت من ذَرَيْتُ لغةً فِي ذَرَوْتُ
فيجوز فيها أيضاً أن يكون وزنُها فُعُولَة أو فُعِيلة كما تقدَّم، وإنْ كانَتْ فُعُولة
فالأصلُ ذُرُّوْيَةٍ فَفْعِل به ما تقدَّم من القلبِ والإِدغامِ ، وإنْ كانَتْ فُعَيْلَةَ فالأصلُ:
ذُرِّيَّةٍ، فَأُدْغِمَتِ الياءُ الزائدةُ في الياءِ التي [هي] لامٌّ. وإنْ كانَتْ من ذَرَأَ
(١) التفسير ٤١٢/١.
(٢) البحر ٣٧٧/١؛ الشواذ ٩ وضبط قراءته بالكسر.
(٣) زيد بن ثابت كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنصاري، أحد الذين جمعوا
القرآن، توفي سنة ٤٥. انظر: طبقات القراء ٢٩٦/١.
١٠١

- البقرة -
مهموزاً فوزنُها فُعِيْلة والأصلُ: ذُرِّيْئَة فَخُفَّفتِ الهمزةُ بأَنْ أَبْدِلَتْ ياءً كهمزةٍ
خطيئة والنسيء، ثم أُدْغِمَتِ الياءُ الزائدةُ في الياءِ المُبْدَلَةِ من الهمزةِ.
وإن كانَتْ من الذَّرِّ فيجوزُ في وزنها أربعةُ أوجه، أحدُها: فُعْلِيَّة وتَحْتمل
هذه الياءُ أَنْ تكونَ للَسَبِ وغَيَّروا الذالَ من الفتحِ إلى الضمِّ كما قالوا في
النَسَبِ إلى الدَّهْر: دُهْري وإلى السَّهْلِ: سُهْلي بضمِّ الدال والسين، وأَنْ
تكونَ لغيرِ النسَبِ فتكونُ كقُمْرِيَّة. الثاني: أن يكونَ: فُعِيْلَة كُمُرِّيقَة،
والأصلُ: ذُرِّيْرَةً، فَقُلِبَتِ الراءُ الأخيرةُ ياءً لتوالي الأمثال، كما قالوا تَسَرِّيْتُ
وتَظَّيْتُ فِي تَسَرَّرْتُ وَتَظَنِّنْتُ. الثالث: أن تكونَ فُعُّولة كَقُدُّوس وسُّوح،
والأصلُ: ذُرُّوْرَة، فَقُلِبَتِ الراءُ ياءً لِما تقدَّم، فصارَ ذُرُوْيَةٍ، فَاجْتَمَعَ واوٌ وياءٌ،
فجاء القلبُ والإِدغامُ كما تقدَّم. الرابع: أن تكونَ فُعْلُولة والأصل: ذُرُّوْرَةَ،
فَفُعِلَ بها ما تقدّم في الوجهِ الذي قبله.
وأمَّا ذِرِّيَّة بكسر الذال فإن كانت مِنْ ذَرَوْتُ فوزنُها فِعَّيْلَة، والأصل:
ذِرِّيْوَة، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءٌ وَأُدْغِمَتْ في الياءِ بعدَها، فإنْ كانَتْ من ذَرَيْتُ فوزنها
فِعَيْلة أيضاً، وإنْ كانَتْ من ذَرَأَ فوزنُها فِعَيْلة أيضاً كبِطَّيْخة، والأصل ذِرِّيْئَة
فَفُعِل فيها ما تقدَّم في المضمومةِ الدالِ، وإن كانَتْ من الذَّرِّ فتحتمل ثلاثة
أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ وزنُها فِعْلِيَّة نسبةً إلى الذرّ على غيرِ قياسٍ في
المضمومةِ. الثاني: أَنْ تكونَ فِعَّيْلَة، الثالث: أن تكونَ فِعْلِيلَة كحِلْتِيت(١)
والأصلُ فيهما: ذِرِيْرَةَ فَفُعِل فيهما ما تقدَّم من إبدالِ الراءِ الأخيرةِ يباءً
والإِدغامِ فيها.
وأمَّا ((ذَرِّيَّة)) بفتحِ الذال: فإن كانَتْ مِنْ ذَرَوْتُ أو ذَرَيْتُ فوزنُها: فَعَيْلَة
كسَكِّينة(٢)، والأصلُ: ذَرِّيْوَة أو ذَرِّيْيَة، أو فَعُولة والأصلُ: ذَرُّوْوَة أو ذَرُّوْيَة،
(١) الحلتيت: اسم نيات .
(٢) لعلها لغة في ((سكينة) وتسمى بها بعض بنات العرب كما في اللسان: سكن.
١٠٢

- البقرة -
فَعُعِل به ما تقدَّم في نَظيرِهِ، وإنْ كانَتْ مِنْ ذَرَأَ فوزنُها: إِمّا فَعَّيْلَة كسَكِّينة
والأصلُ: ذَرِّيْئَة، وإمّا فَعُولة كخَرُّوبة (١) والأصلُ: ذَرَّوْءَةً ففُعِل به ما تقدَّم في
نظيرِه. وإنْ كانَتْ من الذرّ ففي وَزْنِها أيضاً أربعةُ أوجهٍ أحدُها فَعْلِيَّة، والياءُ
أيضاً تَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ للنسَبِ ولم يَشِذُّوا فيه بتغيير كما شَذُّوا في الضم
والكسرِ وأَنْ لا يكون نحو: بَرْنِيَّة(٢)، الثاني: فَعُولة كَخَرُّوبة والأصلُ ذَرُّوْرَة،
الثالث: فَعِّيلة كسَكِّينة والأصلُ: ذَرِّيْرَة، الرابع: فَعْلُولة كبَكُولَةِ(٣) والأصلُ:
ذَرُّوْرَة أيضاً فَفُعِل به ما تقدَّم في نظيره، من إبدالِ الراءِ الأخيرةِ وإدغامٍ
ما قبلَها فيها وكُسِرَتِ الذالُ اتباعاً. وبهذا الضبطِ الذي فعلتُه أَّضح القولُ في
هذه اللفظةِ لغةً واشتقاقاً وتصريفاً، فإنَّ الناس قد استشكلوا هذه اللفظةً بالنسبةِ
لما ذكرْتُ، وغلِط أكثرهُم في تصريفِها بالنسبةِ إلى الأعمال التي قَدَّمْتُها
والحمد لله .
وأمَّا مَنْ بناها على فَعْلَة مثلَ جَفْنَة فإنها عنده من ذَرَيْتُ. وَالذُّرِّيَّةُ:
النَّسْلُ يقع على الذكور والإِناث والجمع الذّراري، وزعم بعضُهم أنها تقع
على الآباء كوقوعِها على الأبناء مستدلاً بقوله: ((وآيةٌ لهم أنَّا حَمَلْنا ذَرِّيَّتهم في
الفُلْكِ المشحون)) (٤) يعني نوحاً ومَنْ معه وسيأتي ذلك في موضِعِه.
قوله: ((قال لا ينال عهدي الظالمين)) الجمهورُ على نصبِ ((الظالمين))
مفعولاً و((عَهْدي)) فاعلٌ، أي: لا يَصِلُ عهدي إلى الظالمين فيدرِكَهم.
[١/٥٢] وقرأ(٥) قتادة والأعمش وأبورجاء /: ((والظالمون)) بالفاعلية، و((عهدي))
(١) خروبة: حصن مشرف على عكا. اللسان: خرب ..
(٢) البرني: ضرب من التمر.
(٣) الأصل: كبكو، والتصويب من أبي حيان في البحر، والبكيلة: الجاف من الأقط
ولم أقع على اللفظ: ((بكولة)).
(٤) الآية ٤١ من سورة يس.
(٥) الشواذ ٩؛ البحر ٣٧٧/١، ونسبها القرطبي إلى ابن مسعود وطلحة بن مصرف
١٠٨/٢.
١٠٣

- البقرة -
مفعولٌ به، والقراءتان ظاهرتان، إذ الفعلُ يَصِحُ نسبتُه إلى كلٍّ منهما فإنَّ مَنْ
نالَكَ فقد نِلْتَه. والّيْلُ: الإِدراك وهو العَطاءُ أيضاً، نال ينال نَّيْلً فهو نائل.
آ. (١٢٥) قوله تعالى: ﴿وإِذْ جَعَلْنا البيتَ﴾: ((إذ) عَطْفٌ على ((إذْ))
قبلَها، وقد تقدَّم الكلامُ فيها، و(جَعَلْنا)) يحتمل أن يكونَ بمعنى ((خَلَقَ))
و(وَضَعَ)) فيتعدَّى لواحدٍ وهو ((البَيْت))، ويكون ((مَثَابَةً)) نصباً على الحالِ ، وأن
يكونَ بمعنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين، فيكون ((مثابةً» هو المفعولُ الثاني.
والأصلُ في ((مَثَابة)) مَثْوَبة(١)، فَأُعِلَّ بالنقلِ والقلبِ، وهل هو مصدرٌ
أو اسمُ مكانٍ قولان؟ وهل الهاءُ فيه للمبالغةِ كعَلَّمة ونسَّابة لكثرةٍ مَنْ يُثُوب إليه
أي يرجع أو التأنيث المصدرِ كمقامة أو التأنيثِ البقعة؟ ثلاثةُ أقوال، وقد جاء
حَذْفُ هذه الهاءِ قال ورقة بن نوفل(٢):
٧١٢ - مَثَابُ لِأَقْنَاءِ القبائلِ كلِّها
تَخُبُّ إليها الْيَعْمَلاتُ الذَّوَامِلُ
وقال(٣):
ليس منه الدهرَ يَقْضُونِ الوَطَرْ
٧١٣ - جَعَلَ البيتَ مثاباً لِهُمُ
وهل معناه من ثابَ يَثُوب أي : رَجَع، أو من الثوابِ الذي هو الجزاء؟
قولان أظهرُهما أوَّلُهما. وقرأ(٤) الأعمش وطلحة: ((مَثَابَاتٍ)) جَمْعاً، ووجهُهِ أنه
مثابٌ لكلِّ واحدٍ من الناس.
(١) في الأصل: ((مَثْوُبة)) وهو سهو فالواو في الأصل مفتوحة ولذلك نقلت الفتحة إلى الثاء
الساكنة ثم قلبت الواو ألفاً لمجانسة الفتحة قبلها فأصبحت: مثابة. وانظر: معاني القرآن
للزجاج ١٨٦/١.
(٢) وينسب أيضاً لأبي طالب، وهو في اللسان: ثوب؛ والقرطبي ١١٠/٢. ومثاب: أي
الموضع الذي يثاب إليه أي يرجع، والخبب: نوع من الجري، واليعملات: النوق
السريعة. والذَّامِلة: السريعة .
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٨٠/١.
(٤) البحر ٣٨٠/١؛ والقرطبي ١١٠/٢؛ والشواذ ٩.
١٠٤

- البقرة -
قوله: ((للناسِ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلَّقُ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ
المثابة ومَحَلُّه النصبُ. والثاني: أنه متعلُّقٌ بجَعَلَ أي: لأجلِ الناسِ يعني
مناسگھم.
قوله: ((وأَمْنَاً)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه عَطْفُ على ((مَثَابة)) وفيه
التأويلاتُ المشهورةُ: إِمَّ المبالغةُ في جَعْلِه نفس المصدر، وإمَّا على حَذْفٍ
مضافٍ أي: ذا أَمْن، وإمَّا على وقوعِ المصدرِ موقعَ اسمِ الفاعل أي: آمِناً،
على سبيل المجاز كقوله: ((حَرَماً آمِناً)(١). والثاني: أنه معمولٌ لفعلٍ
محذوفٍ تقديره: وإذ جَعَلْنَا البيتَ مثابةً فاجْعَلوه آمِناً لا يعتدي فيه أحدٌ على
أحد. والمعنى: أن الله جَعَلَ البيتَ محترماً بحكمه، وربما يُؤَيَّد هذا بقراءَةٍ :
((اتَّخِذوا)) على الأمرِ فعلى هذا يكونُ ((وأَمْنَا)) وما عَمِل فيه من باب عطفٍ
الجملِ عُطِفَت جملةٌ أمريةٌ على خبريةٍ، وعلى الأول يكون من عطف
المفردات .
قوله: ((واتّخذوا)) قرأ(٢) نافعٌ وابنُ عامر: ((واتَّخذوا)) فعلًا ماضياً على
لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ. فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدُها: أنه معطوفٌ على ((جَعَلْنا)) المخفوض بـ ((إذ)) تقديراً فيكون الكلامُ
جملةً واحدةً. الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعٍ قوله: ((وإذ جَعَلْنا)» فيحتاجُ
إلى تقديرِ ((إذ)) أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين. الثالث: ذكره
أبو البقاء(٣) أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فئابوا واتخذوا.
وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها عَطْفٌ على ((اذكروا)) إذا
قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. والثاني:
(١) الآية ٦٧ من العنكبوت: ((أولم يروا أنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمنا)).
(٢) السبعة ١٦٩؛ والكشف ٢٦٣/١؛ والبحر ٣٨٠/١.
(٣) الإملاء ٦٢/١.
١٠٥
٠

-٠
- البقرة -
أنها عطفُ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: ((مثابةً)) كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا،
ذكرّ هذين الوجهين المهدوي. الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا
اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ عليه السلام وأمَّتِهِ.
الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكره أبو البقاء(١).
قوله: ((مِنْ مَقَّامِ)) في ((مِنْ)) ثلاثة أوجه، أحدُها: أنها تبعيضيةٌ وهذا هو
الظاهرُ. الثاني: أنها بمعنى في. الثالث: أنها زائدةٌ على قولِ الأخفش(٢).
وليسا بشيء. والمَقامُ هنا مكانُ القيامِ، وهو يَصْلُح للزمانِ والمصدر أيضاً.
وأصلُه: ((مَقْوَم)) فأُعِلَّ بنَقْلِ حركةِ الواوِ إلى الساكنِ قبلَها وقَلْبِها ألفاً، وَيُعبِّرُ بِهِ
عن الجماعةِ مجازاً كما يُعَبَّر عنهم بالمجلسِ قال زهير(٣):
٧١٤ - وفيهمْ مَقاماتُ حِسانٌ وجوهُهمْ
وأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُها القولُ والفِعْلُ
قوله: ((مُصَلَّى)) مفعولُ ((اتَّخِذوا)»، وهو هنا اسمُ مكانٍ أيضاً، وجاءَ في
التفسير بمعنى قِبْلة. وقيل: هو مصدرٌ، فلا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: مكانَ
صلاة، وألفُه منقلبةٌ عن واوٍ، والأصلُ: ((مُصَلَّوَ) لأنَّ الصلاةَ من ذواتِ الواوِ
كما تقدَّم أولَ الكتابِ (٤).
قوله: ((وإسماعيلَ)) إسماعيل عَلَمُ أعجميٍّ وفيه لغتان: اللامُ والنونُ
وعليه قولُ الشاعر(٥):
٧١٥ - قال جواري الحَيِّ لمَّا جِينا هذا وربِّ البيتِ إسماعينا
(١) الإملاء ١/ ٦٢.
(٢) لم يشر إلى زيادتها في معاني القرآن هنا، وانظر مذهبه في زيادة ((من)) ص ٩٨.
(٣) ديوانه ١١٣؛ والقرطبي ١١٢/٢.
(٤) انظر إعرابه للآية ٣ من البقرة.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٧٣/١. وثمة رواية ثانية للبيت تقدمت برقم ١٦٨ .
١٠٦

- البقرة -
ويجمع على: سَماعِلة وسَماعيل وأساميع. ومن أَغْرَبِ ما نُقِلَ في
التسمية به أنَّ إبراهيمَ عليه السلام لمَّا دعا الله أَنْ يرزقَه ولداً كان يقول: اسْمَعْ
إيل اسْمَعْ إيل، وإيل هو الله تعالى فَسَمَّى ولدُه بذلك.
قوله: ((أَنْ طَهِّرًا)) يَجوزُ في ((أَنْ)) وَجْهان، أحدُهما أنَّها تفسيريةٌ لجملةٍ
قوله: ((عَهِدْنا)) فإنَّه يتضمَّنُ معنى القولِ لأَنَّه بمعنى أَمَرْنا أو وَصَّيْنا فهي بمنزلةٍ
((أي)) التي للتفسيرِ، وشرطُ (أَنْ)) التفسيريةِ أَنْ تَقَعَ بعدما هو بمعنى القولِ
لا حروفِه. وقال أبو البقاء(١): ((والمفسِّرةُ تقعُ بعد القولِ وما كان في معناه.
وقد غَلِطَ في ذلك، وعلى هذا فلا محلَّ لها من الإِعرابِ. والثاني: أن تكونَ
مصدريةً وخَرَجَتْ عن نظائرِها في جوازٍ وَصْلِها بالجملةِ الأمرِيَّة قالوا: ((كتبْتُ
إليه بأَنْ قُمْ)) وفيها بحثٌ ليس هذا موضعَه، والأصلُ: بأَنْ طَهِّرا، ثم حُذِفَتِ
الباءُ فَيَجِيءُ فيها الخلافُ المشهورُ من كونِها في محلِّ نصبٍ أو خفضٍ .
و ((بيتي)) مفعولٌ به أُضيف إليه تعالى تشريفاً. والطائفُ اسم فاعلٍ من ◌ّاف
يَطُوف، ويقال: أَطَاف رباعياً، قال(٢):
٧١٦ - أَطَافَتْ بِهِ جَيْلانُ عند قِطاعِه
وهذا من باب فَعَل وأَفْعَل بمعنىَّ. والعُكوفُ لغةً: اللزومُ والَّلْبثُ،
قال(٣):
عليه الطيرُ ترقبُه ◌ُكوفا
٧١٧ _
(١) الإِملاء ١ / ٦٢.
(٢) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ٥٨ وعجزه:
تَرَدَّدُ فيه العينُ حتى تَحَيَّرا
وعند قطاعه: عند انصرافه.
(٣) البيت للمرار الأسدي وصدره:
أنا ابن التارك البكريّ بشر
وهو في الكتاب ٩٣/١؛ وابن يعيش ٧٢/٣؛ والخزانة ١٩٣/٢.
١٠٧

- البقرة ــ
وقال (١):
٧١٨ - عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُون الفَنْرَجا
ويقال: عَكَفَ يَعْكُفَ ويعكِف، بالفتحِ في الماضي والضمِّ والكسرِ في
المضارع، وقد قُرِىء(٢) بهما. و((السجودُ)) يجوز فيه وجهان، أحدُهُما: أنه
جمع ساجِد نحو: قاعِد وقُعود، وراقِد ورُقُود، وهو مناسبٌ لِما قبله. والثاني:
أنه مصدرٌ نحو: الدُّخول والقُعُود، فعلى هذا لا بُدُّ من حَذْفِ مضافٍ أي:
ذوي السجودِ ذكره أبو البقاء(٣).
وعَطَفَ أحد الوصفينِ على الآخر في قوله: الطائفين والعاكفين لتباينٍ
ما بينهما، ولم يَعْطِفْ إحدى الصفتينِ على الأخرى في قوله: الرُّكَّعِ السجودِ،
لأنَّ المرادَ بهما شيءٌ واحدٌ وهو الصلاةُ إذ لو عَطَفَ لَتُؤُهِّم أنَّ كلَّ واحدٍ منهما
عبادةٌ على حِيالها، وجَمَعَ صفتين جَمْع سلامة وأُخْرَبَيْنِ جمع تكسيرٍ لأجلِ
المقابلةِ وهو نوعٌ من الفَصاحةِ، وأخَّر صيغةَ فُعول على فُعَّلَ لأنها فاصلة (٤).
آ. (١٢٦) قوله تعالى: ﴿اجْعَلْ هذا بلداً آمِناً﴾: الجَعْلُ هنا بمعنى
التصيير فيتعدَّى لاثنين فـ ((هذا)) مفعولٌ أولُ و ((بلداً)) مفعولٌ ثانٍ، والمعنى:
اجْعَلْ هذا البلدَ أو هذا المكانَ. و((آمنً) صفةٌ أي ذا أَمْن نحو: ((عيشةُ راضيةٌ))
أو آمِناً مَنْ فِيه نحو: ليلةٌ نائمٌ. / والبلدُ معروفٌ وفي تسميته قولان، أحدُهما: [٥٢/ب]
أنه مأخوذُ من البَلْدِ. والبَلْدُ في الأصل: الصَّدْر يقال: وضَعَتِ الناقةُ بَلْدَتها إذا
(١) البيت للعجاج وقبله :
۔۔
فَهُنَّ يَعْكُفْنَ به إذا حَجا
وهو في ديوانه ٢٤/٢؛ والقرطبي ١١٤/٢، والفنرج: رقصة للعجم.
(٢) قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية بالكسر، والباقون بالضم، وذلك في آية الأعراف
١٣٨ ((على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم)). انظر: السبعة ٢٩٢.
(٣) الإِملاء ٦٢/١.
(٤) جمعا السلامة الطائفين والعاكفين، وفُعول سجود، وفُعَّل رُكَّع.
١٠٨

- البقرة -
بَرَكَتْ أي : صدرَها، والبَلَدُ صدرُ القُرى فسُمِّي بذلك. والثاني: أنَّ البلدَ في
الأصل الأثَرُ ومنه: رجلٌ بَليد لتأثير الجهل فيه، وقيل لِبَرْكَةِ البعيرِ ((بَلْدَة»
التأثيرِها في الأرض إذا بَرَك قال(١):
قليلٌ بها الأصواتُ إلَّ بُغامُها
٧١٩ - أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فوق بلْدةٍ
قوله: ((مَنْ آمَنَ)) بدلُ بعضٍ من كل وهو ((أهلَه)) ولذلك عادَ فيه ضميرٌ
على المُبْدَلِ منه، و((مِنْ)) في ((مِن الثمرات)) للتبعيضِ . وقيل: للبيانِ، وليس
بشيءٍ إذ لم يتقدَّمْ مُبْهَمٌ يبَّنُ بها.
قولُه: ((وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُه)) يجوزُ في ((مَنْ)) ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ
موصولةً، وفي محلٌّها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنَّها في محلّ نصبٍ بفعلٍ
محذوفٍ تقديرُه، قال اللـهُ وأرزقُ مَنْ كَفَرَ، ويكونُ ((فأمتِّعُه)) معطوفاً على هذا
الفعلِ المقدَّرِ. والثاني من الوجهين: أن يكونَ في محلُّ رفعٍ بالابتداء
و ((فأمتِّعُه)) الخبرَ، دَخَلَت الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً له بالشرطِ، وسيأتي أنَّ أبا البقاء
يمنعُ هذا والردُّ عليه. الثاني من الثلاثةِ الأوجهِ (٢): أن تكونَ نكرةً موصوفةً
ذكرَه أبو البقاء(٣)، والحكمُ فيها ما تقدَّم من كونها في محلِّ نصبٍ أو رفع.
الثالث: أن تكونَ شرطيةً ومحلَّها الرفعُ على الابتداءِ فقط، و ((فأمتِعُه)) جوابُ
الشرط .
ولا يجوزُ في ((مَنْ)) في جميع وجوهِها أَنْ تكونَ منصوبةً على الاشتغال،
أمَّا إذا كانَتْ شرطاً فظاهرٌ لأنَّ الشرطيةَ إنما يفسِّر عاملَها فعلُ الشرطِ لا الجزاءُ،
وفعلُ الشرطِ هنا غيرُ ناصبِ لضميرِها بل رافعُه، وأمَّا إذا كانت موصولةً فلأنَّ
(١) تقدم برقم ٥٧٨.
(٢) تعريف ((الثلاثة)) هنا على لغة ضعيفة، والصحيح تعريف المضاف إليه لأن الإِضافة هنا
محضة ويمتنع فيها تعريف المضاف بأل.
(٣) الإملاء ١/ ٦٢.
١٠٩
،

- البقرة :
الخبرَ الذي هو ((فأمتِّعهِ)) شبيهٌ بالجَزاء ولذلك دَخَلْه الفاءُ، فكما أن الجزاءَ
لا يفسِّر عاملاً فما أشبهَه أَوْلِى بذلك، وكذا إذا كانَتْ موصوفةً فإنَّ الصفةَ
لا تُفَسِّرُ. وقال أبو البقاءُ(١): ((لا يجوزُ أن تكونَ ((مَنْ)) مبتدأ و «فأمتِّعُه)) الخبرَ،
لأنَّ ((الذي)) لا تدخُل الفاءُ في خبرها إلا إذا كان الخبرُ مُسْتَحِقّاً بالصلةِ نحو:
الذي يأتيني فله درهمٌ، والكفرُ لا يَسْتَحِقُّ به التمتُّعُ، فإنْ جَعَلْتَ الفَاءَ زائدةً
على قولِ الأخفش جازَ، أو [جعلت](٢) الخبرَ محذوفاً و ((فأمتِّعُه)) دليلاً عليه
جاز، تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقُه فَأمتِّعه. ويجوز أَنْ تكونَ ((مَنْ)) شرطيةً والفاءُ
جوابَها. وقيل: الجوابُ محذوفٌ تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقْ، و((مَنْ)) على هذا
رفعٌ بالابتداءِ، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ منصوبةً لأن أداةَ الشرطِ لا يَعْمل فيها جوابُها
بل فعلُ الشرطِ)). انتهى.
أمَّا قولُه: ((لأنَّ الكفرَ لا يَسْتَحِقُّ به التمتّعُ)) فليس بِمُسَلَّم، بل التمتّعُ
القليلُ والمصيرُ إلى النّار مُسْتَحِقَّان بالكفرِ، وأيضاً فإنَّ التمتعَ وإنْ سَلَّمْنا أنَّه
ليس مُسْتَحِقاً بالكفر، ولكن قد عُطِفَ عليه ما هو مُسْتَحِقٌ به وهو المصيرُ إِلى
النار فناسَبَ ذلك أنْ يَقَعا جميعاً خبراً، وأيضاً فقد ناقَض كلامَه لأنه جُوَّز فيها
أن تكونَ شرطيةً، وهل الجزاءُ إِلا مُسْتَحِقٌّ بالشرط ومُتَرَّتِّبُ عليه فكذلك الخبرُ
المُشَبَّهُ به. وأما تجويزُهُ زيادةَ الفاءِ وحَذْفَ الخبر أو جواب الشرطِ فأوجهٌ بعيدة
لا حاجةَ إليها. وقرىء(٣): أُمْتِعُه مخففاً من أَمْتَع يُمْتِعُ وهي قراءةُ ابنِ عامر،
وفَأُمْتِعْه بسكون العينِ وفيها وجهان، أحدُهما: أنه تخفيفُ كقوله (٤).
٧٢٠ - فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ
(١) الإملاء ٦٢/١:
(٢) زيادة للبيان من الإملاء.
(٣) السبعة ١٧٠؛ الكشف ٢٦٥/١؛ البحر ٣٨٤/١.
(٤) تقدم برقم ٤٧٠.
١١٠

- البقرة -
والثاني: أنَّ الفاءَ زائدةٌ وهو جوابُ الشرط فلذلك جُزِمَ بالسكونِ .
وقرأ(١) ابنُ عباس ومجاهد ((فَأَمْتِعْه ثم اضْطَرَّه)) على صيغةِ الأمر فيهما،
ووجهُها أَنْ يكونَ الضميرُ في ((قال)) لإِبراهيم، يعني سألَ ربَّه ذلك، و((مَنْ))
على هذه القراءة يجوز أن تكونَ مبتدأ وأن تكونَ منصوبةً على الاشتغال
بإضمارٍ فعلٍ سواءً جَعَلْتَها موصولةً أو شرطيةً، إلا أنك إذا جَعَلْتَها شرطيةً
قَدَّرْتَ الناصبَ لها متأخراً عنها لأنَّ أداة الشرط لها صدرُ الكلامِ.
وقال الزمخشري (٢): ((ومَنْ كفرَ) عَطْفٌ على ((مَنْ آَمَنَ)) كما عَطَفَ
((ومِنْ ذريتي)) على الكافِ في ((جاعِلُك)). قال الشيخ(٣): أمَّا عطفُ ((مَنْ كَفَرِ))
على ((من آمَنَ)) فلا يَصِحُّ لأنه يتنافى تركيبُ الكلامِ، لأنه يصيرُ المعنى: قال
إبراهيم: وارزُقْ مَنْ كَفَرَ لأنه لا يكونُ معطوفاً عليه حتى يُشْرِكَه في العامل،
و ((من آمن)) العامل فيه فعلُ الأمر وهو العاملُ في ((ومَنْ كفر)»، وإذا قَدَّرْتَه أمراً
تنافى مع قوله ((فَأُمَتِّعه)) لأنَّ ظاهرَ هذا إخبارٌ من اللهِ بنسبةِ التمتع
وإلجائِهم إليه تعالى وأنَّ كلّ من الفعلين تضمّن ضميراً(٤)، وذلك
لا يجوزُ إلا على بُعْدٍ بأن يكون بعد الفاء قولٌ محذوفٌ فیه ضميرٌ لله تعالی
أي: قال إبراهيم وارزُقْ مَنْ كفر، فقال الله أمتِّعُه قليلاً ثم اضطرُّه، ثم ناقَضَ
الزمخشري قوله هذا أنه عَطَفَ على ((مَنْ)) كما عَطَفَ ((ومِنْ ذَرِّيتي)) على الكاف
في ((جاعِلك)) فقال: ((فإنْ قُلْتَ لِمَ خَصَّ إبراهيمُ المؤمنينَ حتى رَدَّ عليه؟
قلت: قاسَ الرزقَ على الإِمامةَ فَعَرَف الفرْقَ بينهما بأنَّ الإِمامَة لا تكون
للظالِمِ، وأمَّا الرزقُ فربما يكون استدراجاً، والمعنى: قال وأرزقُ مَنْ كفر
(١) ابن عطية ٤١٩/١؛ البحر ٣٨٤/١؛ الشواذ ٩.
(٢) الكشاف ٣١٠/١.
(٣) البحر ٣٨٥/٢.
(٤) عبارة البحر: ((ضمير الله تعالى)).
١١١٠

- البقرة -
فأمِّعه)) فظاهرُ قولِه ((والمعنى قال)) أنَّ الضمير في ((قال)) لله تعالى، وأنَّ ((مَنْ
كَفَّرَ)) منصوبٌ بالفعلِ المضارعِ المسندِ إلى ضميرِ المتكلُّم)).
و ((قليلاً)) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو زمانٍ، وقد تقدَّم له نظائرُ واختيار
سيبويه(١) فيه. وقرأ الجمهور: ((أضطَرُّه)) خبراً. وقرأ يحيى بن وثاب(١):
((إضطُّه)) بكسرِ الهمزةِ، ووجهُها كسرُ حرفِ المضارعةِ كقولهم في أخال:
إخالُ. وقرأ ابن مُحَيْصِنَ: ((أَطُُّّه) بإدغامِ الضادِ في الطاءِ نحو: اطّجع في
اضطجع، وهي مرذولةٌ لأن الضادَ من الحروفِ الخمسةِ التي يُدْغَمُ فيها
ولا تُدْغَم هي في غيرها وهي حُروف: ضم شغر نحو: الطّجع في اضطجع
[قاله الزمخشري(٣)، وفيه نظرٌ، فإن هذه الحروف قد أدغمت في غيرها،
أدغم أبو عمرو الداني اللام في ((يغفر لكم)) (٤)، والضاد في الشين: ((لبعض
شأنهم)(٥)، والشين في السين: ((العرش سبيلا)(٦)، وأدغم الكسائي الفاء في
الباء: ((نخسف بهم))(٧)، وحكى سيبويه(٨) أن ((مُضَّجعاً)) أكثر فدل على أن
(مُطَّجعاً كثير](٩). وقرأ يزيد(١٠) بن أبي حبيب: ((أضطَُّّه)) بضم الطاء كأنه
للإِتباع. وقرأ أُبَيّ: ((فَنُمَتِّعُه ثم نَضْطَرُّه) بالنون.
(١) انظر الورقة ٣٩ أ؛ الآية ٨٨ من البقرة، واختيار سيبويه النصب على الحال.
(٢) الشواذ ٩؛ البحر ٣٨٦/١، ونسبها ابن عطية ٤١٨/١ إلى ابن عامر.
(٣) الكشاف ٣١١/١، وانظر مذاهب القراء في الإدغام: السبعة ٢٢؛ والبحر ٣٨٦/١.
(٤) الآية ٤ من نوح. وقوله الداني لعله سهو والصواب ابن العلاء.
(٥). الآية ٦٢ من النور.
(٦) الآية ٤٢ من الإِسراء.
(٧) الآية ٩ من سبأ.
(٨) الكتاب ٤٢٢/٢.
(٩) ما بين معقوفين غير واضح في مصورة الأصل، وأثبتناه من النسخ الأخرى.
(١٠) يزيد بن سويد مفتي مصر، كان حافظاً للحديث توفي سنة ١٢٨، انظر: تاريخ الإِسلام
للذهبي ١٨٤/٥؛ والأعلام ٢٣٦/٩.
١١٢

- البقرة -
واضْطَرِّ افتعَل من الضُرُّ، وأصلُه: اضْتَرَّ فأُبدلت التاءُ طاءً لأن تاء
الافتعال تُبْدل طاءً بعد حروفِ الإِطباق وهو متعدٍّ، وعليه جاء التنزيل،
وقال(١):
٧٢١ - اضطَرِّكَ الحِرْزُ مِنْ سَلْمى إلى أَجْأٍ
والاضطرارُ: الإِلجاءُ والإِلزازُ إلى الأمرِ المكروهِ.
قوله: ((وبئس المصيرُ)) ((المصيرُ)) فاعل والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ
أي: النارُ. ومصير: مَفْعِل من صار يصير، وهو صالحٌ للزمانِ والمكانِ،
وأمَّا المصدرُ فقياسُه الفتحُ لأنَّ ماكُسِر عينُ مضارِعِه فقياسُ ظرفِّه الكسرُ
[٥٣/أ] ومصدرُه الفتحُ /. ولكن النحويين اختلفوا فيما كانَتْ عينُه ياءً على ثلاثةِ
مذاهبَ، أحدها: أنه كالصحيحِ وقد تقدَّم. والثاني: أنه مُخَّرٌ فيه. والثالث:
أن يُتبع المسموعُ فما سُمِعَ بالكسرِ أو الفتح لا يتَعَدَّى، فإنْ كان («المصيرُ)) في
الآية اسمَ مكانٍ فهو قياسي اتفاقاً، والتقدير: وبِشْسَ المصيرُ النارُ كما تقدَّم،
وإن كان مصدراً على رأي مَنْ أجازه فالتقدير: وِْسَ الصيرورةُ صَيْرورتُهم إلى
النار.
آ. (١٢٧) قوله تعالى: ﴿وإذْ يَرْفَع): ((إذ)) عطفٌ على ((إذ) قبلها
فالكلامُ فيهما واحِدٌ، و((يرفعُ)) في معنى رفَعَ ماضياً، لأنَّها من الأدواتِ
المخلِّصةِ المضارعَ للمُضِيّ. وقال الزمخشري (٢): ((هي حكايةُ حالٍ ماضية)»
قال الشيخ(٣): ((وفيه نظرٌ)). والقواعدُ: جمع قاعدة وهي الأساس والأصل
لما فوقُ، وهي صفةٌ غالبة ومعناها الثابتة، ومنه («قَعَّدك الله)) أي: أسأل الله
(١) لم أهتد إلى تمامه، وهو في اللسان: أجا، والبحر ٣٧٣/١، واحترز من كذا: تَوَقِّى منه،
وسلمی واجا: جبلان.
(٢) الكشاف ٣١١/١.
(٣) البحر ٣٨٧/١.
١١٣

- القرة -
تَثْبيتك، ومعنى رَفْعِها البناءُ عليها، لأنه إذا بُني عليها نُقِلَتْ من هيئة
الانخفاض إلى الارتفاع. وأمّا القواعدُ من النساء فمفردُها ((قاعِد)» من
غير تاءٍ لأنَّ المذكر لاحظَّ له فيها إذهي من: قَعَدَتْ عن الزوج. ولم يقل
((قواعد البيت)) بالإِضافة لِما في البيان بعد الإبهام من تفخيمِ شَأْنِ المبَيِّن.
قوله: ((من البيتٍ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلِّقٌ بـ ((يرفع)) ومعناها
ابتداءُ الغايةِ. والثاني: أنَّها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من ((القواعدِ)) فيتعلَّقُ
بمحذوفٍ تقديرُه: كائنةً من البيت، ويكون معنى ((مِنْ)» التبعيضَ.
قوله: ((وإسماعيلُ)) فيه قولان، أحدُهما ـــ وهو الظاهرُ - أَنَّه عطفٌ على
(إبراهيم) فيكونُ فاعلاً مشاركاً له في الرفعِ ، ويكونُ قولُه: ((ربَّنا تقبّلْ مِنَّ)) في
محلِّ نَصْب بإضمار القُولِ ، ذلك القولُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ منهما
أي: يَرْفَعان يقولان: ربّنَا تقبّلْ، ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله(١) بإظهار فعلٍ
القول، قرأ: ((يقولان ربَّنا تقبّلْ)) أي: قائِلين ذلك، ويجوز ألَّ يكون هذا
القولُ حالاً بل هو جملةٌ معطوفةٌ على ما قبلها، ويكونُ هو العاملَ في ((إذْ))
قبله، والتقديرُ: يقولان ربَّنا تقبَّلْ إذ يرفعان أي: وقتَ رَفْعِهما.
والثاني: الواوُ واو الحالِ، و((إسماعيلُ)) مبتدأُ وخبرهُ قولٌ محذوفٌ
هو العاملُ في قوله: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ)) فيكونُ ((إبراهيم)) هو الرافعَ، و (إسماعيلٌ))
هو الداعيّ فقط، قالوا: لأنَّ إسماعيلَ كان حينئذٍ طفلاً صغيراً، وَرَوْوه عن
علي عليه السلام. والتقديرُ: وإذ يرفع إبراهيمُ حالَ كونِ إسماعيل يقول: ربَّا
تقبّلْ منا. وفي المجيء بلفظِ الربِّ تنبية بذِكْرِ هذه الصفةِ على التربيةِ
والإصلاح. وتقبَّلْ بمعنى اقبَلْ، فتفعَّلْ هنا بمعنى المجرَّد. وتقدَّم الكلام
على نحوِ ((إنك أنتَ السميعُ)) من كون ((أنت)) يجوزُ فيه التأكيدُ والابتداءُ
(١) البحر ٣٨٨/١، ابن عطية ٤٢١/١.
١١٤

- البقرة -
والفصلُ، وتقدَّمت صفةُ السمع وإن كان سؤالُ التقُّلِ متأخراً عن العمل
للمجاوَرَةِ، كقوله: ((يوم تَبْيَضُ وجوهُ وتَسْوَدُّ وجوهٌ، فأمَّا الذين اسْوَدَّت))(١)
وتأخَّرت صفةُ العِلْمِ لأنَّها فاصلةٌ، ولأنَّها تَشْمَل المسموعاتِ وغيرها.
قوله: ((مُسْلِمَيْن)) مفعولٌ ثان للجَعْلِ لأَنَّه بمعنى التصيير، والمفعولُ
الأولُ هو ((نا)) وقرأ ابن عباس(٢) ((مسلمين)) بصيغة الجمع، وفي ذلك تأويلان
أحدُهما: أنهما أَجْرَيَا التثنية مُجْرَى الجمعِ، وبه استدلَّ مَنْ يَجْعَلُ التثنيةَ
جمعاً. والثاني: أنهما أرادا أنفسهما وأهلَهما كهاجر.
قوله ((لك)) فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّق بِمُسْلِمَيْن، لأنه بمعنى
نُخْلِصُ لك أوجهَنَا نحو: ((أسلمتُ وجهيَ الله)) فيكونَ المفعولُ محذوفاً لفَهْمٍ
المعنى. والثاني: أنه نعتٌ لِمُسْلِمَيْن، أي: مُسْلِمَيْن مستقرَّيْنِ لك أي:
مستسلمَيْن، والأولُ أقوى معنىِّ.
قوله: ((ومِنْ ذَرِّيَّتنا أمةً مسلمةً)) فيه قولان، أحدهما - وهو الظاهر - أنَّ
((مِنْ ذريتنا)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولٌ أولُ، و«أمة مسلمة)) مفعولٌ
ثان تقديرُه: واجْعَلْ فريقاً من ذريتنا أمةً مسلمةً. وفي ((من)) حينئذ ثلاثة
أقوالٍ، أحدُها: أنها للتبعيض، والثاني - أجازه الزمخشري _(٣) أن تكونَ
للتبيين، قال: كقوله: ((وَعَدَ الله الذين آمنوا(٤) منكم)). الثالث: أن تكون لابتداءٍ
غايةِ الجَعْلِ، قاله أبو البقاء(٥).
الثاني من القولَيْن: أن يكونَ ((أمَّةً)) هو المفعولَ الأولَ، و((مِنْ ذريتنا)»
(١) الآية ١٠٦ من آل عمران.
(٢) وعوف الأعرابي. انظر البحر ٣٨٨/١؛ ابن عطية ٤٢/١.
(٣) الكشاف ٣١١/١.
(٤) الآية ٥٥ من النور.
(٥) الإملاء ٦٣/١.
١١٥

- البقرة بـ
حالٌ منها؛ لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها انتصَبَ حالاً، و((مُسْلِمَةً))
هو المفعولُ الثاني، والأصل: ((واجعَلْ أمةً من ذريتنا مسلمةً))، فالواو داخلةٌ في
الأصلِ على (أمة)) وإنما فَصَلَ بينهما بقولِه: ((مِنْ ذَرِّيَّتنا) وهو جائزٌ لأنَّه من
جملةِ الكلامِ المعطوفِ، وفي إجازتِه ذلك نظرٌ، فإنَّ النحويين كأبي علي
وغيره منعوا الفصلَ بالظرفِ بين حرفِ العطفِ إذا کان علی حرفٍ واحدٍ وبین
المعطوفِ، وجَعَلوا قولَه (١):
٧٢٢ - يوماً تَراهاً كثِبْه أَرْدِيَةِ الـ ـعَصْبِ ويوماً أَدِيمَها نَغِلًا
ضرورةً فالفصلُ بالحالِ أبعدُ، وصار ما أجازه نظيرَ قولِك: ((ضَرَبَ
الرجلَ ومتجردةً المرأةَ زيدٌ)) وهذا غيرُ فصيحٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ ((اجَعَلْ))
المقدرةُ بمعنى اخلُقْ وأوجِدْ، فيتعدَّى لواحدٍ ويتعلَّقَ ((من ذريتنا)) به، ويكونُ
((أمَ)) مفعولاً به؛ لأنه إنْ كان مِنْ عطفِ المفردات لَزِمَ التشريكُ في العامِلِ
الأولِ والعاملُ الأولُ ليس معناه ((اخلُقْ)) إنما معناه صيِّر، وإن كان من عطفٍ
الجملِ فلا يُحْذَفُ إلا ما دَلَّ عليه المنطوقُ، والمنطوقُ ليس بمعنى الخَلْقَ
فكذلك المحذوفُ، ألا تراهم مَنَعوا في قولِه: ((هو الذي يُصَلِّي عليكم
وملائكته))(٢) أن يكونَ التقديرُ: وملائكته يُصَلُّون لاختلافِ مدلول الصلاتين،
وتأوَّلوا ذلك على قَدْرٍ مشتركٍ بينهما، وقوله ((لكَ)» فيه الوجهان المتقدمان بعد
((مسلِمَیْنِ)).
قوله: ((وأَرِنا مناسِكَنا» الظاهرُ أن الرؤيةَ هنا بَصَرِيَّة، فرأى في الأصلِ :-
يتعدَّى لواحدٍ، فلمّا دَخَلَتْ همزةُ النقلِ أَكْسبتها مفعولاً ثانياً، فـ ((نا)) مفعولٌ
أولُ، و((مناسِكَنا)) مفعولٌ ثانٍ. وأجاز الزمخشري (٣) أن تكون منقولةً من ((رأى)»
(١) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٢٣٣؛ والخصائص ٣٩٥/٢؛ واللسان: نغل. والبيت في
وصف نبات الأرض. نَغِل وجه الأرض: إذا تهشم من الجُدوبة.
(٢) الآية ٤٣ من الأحزاب.
(٣) الكشاف ٣١١/١.
١١٦

- البقرة -
بمعنى عَرَفَ فتتعدَّى أيضاً لاثنينٍ كما تقدَّم، وأجاز قومٌ فيما حكاه ابن عطية(١)
أنها هنا قلبيَّةٌ، والقلبيةُ قبلَ النقلِ تتعدّى لاثنين، كقوله(٢):
٧٢٣ - وإنَّا لَقومٌ ما نرى القَتْلَ سُبَّةً
إذا ما رَأَتْه عامرٌ وَسَلُولُ
وقال الكميت(٣):
٧٢٤ - بأيِّ كتابٍ أم بأيَّةِ سُنَّةٍ ترى حُبَّهم عاراً عليَّ وَتَحسِبُ
وقال ابن عطية (٤): ((ويلزَمُ قائلَه أَنْ يتعدَّى الفعلُ منه إلى ثلاثةٍ،
وينفصلُ عنه بأنّه يوجدُ مُعَدَّى بالهمزةِ من رؤيةِ القلب كغيرِ المُعَدَّى وأنشد قولَ
حطائط بن يعفر(٥):
٧٢٥ - أَريني جواداً مات هَزْلاً لَأَنني
أرى ما تَرَيْنَ أَوْ بخيلاً مُخَلَّدا
يعني: أنه قد تَعدَّت ((عَلِم)) القلبيةُ إلى اثنين سواءً كانت مجردةً من
الهمزةِ أم لا، وحينئذٍ يُشْبه أن يكونَ ما جاء فيه فَعِل وَفْعل بمعنىٍّ وهو غريبٌ،
ولكنَّ جَعْلَه بيتَ حطائط من رؤيةِ القلبِ ممنوعٌ بل معناه من رؤيةِ البصرِ،
ألا ترى أن قولَه «جواداً ماتَ)) من متعلَّقات البصر، فَيَحْتَاجُ في إثباتِ تعدِّي
(أعلَم)) القلبية إلى اثنين إلى دليلٍ. وقال بعضهم(٦): ((هي هنا بَصَرِيَّةٌ قلبيةٌ
(١) التفسير ٤٢٢/١.
(٢) البيت للسموءل، وهو في الحماسة ٨٠/١؛ والبحر ٣٩٠/١.
(٣) المحتسب ١٧٣/١؛ والتصريح ٢٥٩/١؛ والعيني ٤١٣/٢؛ الخزانة ٥/٤؛ والهمع
١٥٢/١؛ والدرر ١٣٤/١.
(٤) التفسير ٤٢٢/١.
(٥) وينسب أيضاً لحاتم - ديوانه ١٠٩٥ - ومعن بن أوس، وهو في مجاز القرآن ٥٥/١؛
وتفسير الطبري ٧٨/٣؛ وابن عطية ٤٢٢/١؛ وابن يعيش ٧٨/٨؛ واللسان: علل؛
والتصريح ١١١/١؛ والخزانة ١٩٥/١. والرواية المشهورة: (لعلني)) بدلاً من ((لأنني)).
(٦) انظر: البحر ٣٩٠/١.
١١٧

- البقرة -
معاً لأنّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلا بأمورٍ منها ما هو معلومٌ ومنها ما هو مُبْصَر)»، ويلزَمُه
على هذا الجمعُ بين الحقيقةِ والمجاز أو استعمالُ المشتركِ في معنينيه معاً.
وقرأ الجمهور (١): ((أَرِنَا)) بإشباعٍ كسرِ الراءِ هنا وفي النساء(٢) وفي
الأعرافِ(٣): ((أَرِنِي أَنظرْ)، وفي فُصّلت: ((أرِنا اللذَيْن)) (٤)، وقرأ ابن كثير
بالإِسكان في الجميعِ ووافقه في فصلت ابنُ عامر وأبو بكر عن عاصم ٪، [٥٣/ب]
واختُلِف عن أبي عمرو فروى عنه السوسي موافقةَ ابنِ كثير في الجميع،
وروى عنه الدوري(٥) اختلاسَ الكسرِ فيها. أمَّا الكسرُ فهو الأصلُ، وأمَّا
الاختلاسُ فَحَسَنٌ مشهور، وأما الإِسكان فللتخفيفِ، شَبَّهوا المتصلَ
بالمنفصلِ فسكّنوا كسره، كما قالوا في فَخِذ: فَخْذَ وكتِف: كُنْف.
وقد غَلَّط قومٌ راويَ هذه القراءةِ وقالوا: صار كسرُ الراءِ دليلاً على
الهمزةِ المحذوفةِ فإِنَّ أَصلَه: ((أَرْءِنا) ثم نُقِل، قاله الزمخشري(٦) تابعاً لغيره.
قال الفارسي: ((التغليطُ ليس بشيءٍ لأنَّها قراءةٌ متواترةٌ، وأمّا كسرةُ الراءِ
فصارَتْ كالأصلِ لأنَّ الهمزةَ مرفوضةُ الاستعمالِ)) وقال أيضاً: ((ألا تراهم
أَدْغموا في ((لكنَّا هو الله ربي)»(٧)، والأصل: ((لكنْ أنا)) ((نَقَلوا الحركةَ وحذفوا:
ثم أدغموا، فذهابُ الحركةِ في ((أَرِنا)) ليس بدونِ ذهابِها في الإِدغامِ ، وأيضاً
فقد سُمِع الإِسكانُ في هذا الحرفِ نَصَّأَ عن العرب قال(٨):
(١) انظر: السبعة ١٧٠؛ القرطبي ١٢٧/٢.
(٢) الآية ١٥٣ من النساء: ((فقالوا: أرِنا الله جَهْرَةً)).
(٣) الآية ١٤٣ من الأعرافَ.
(٤) الآية ٢٩ من فصلت: ((أرِنا اللَّذَيْنِ أضلَّانا مِن الجنَّ والإِنس)).
(٥) حفص بن عمر الأزدي، أول من جمع القراءات، قرأ على إسماعيل بن جعفر، توفي
سنة ٢٤٦. انظر: طبقات القراء ٢٥٥/١.
(٦)) الكشاف ٣١١/١.
(٧)) الآية ٣٨ من الكهف.
(٨)) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ١٢٨/٢.
١١٨ .
.

- البقرة -
٧٢٦ - أَرْنا إدواةَ عِبْدِ الله نَمْلَؤُها من ماءِ زمزمَ إن القومَ قد ظَمِئوا
وأصل أَرِنَا: أَرْءِنا، فَنُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى الراء وخُذِفَتْ هي، وقد
تقدّم الكلامُ بأشبع مِنْ هذا عند قوله: ((حتى نرى الله))(١).
والمناسِكُ واحدُها: مَنْسَك بفتح العين وكسرِها، وقد قرىء(٢) بهما
والمفتوحُ هو المقيسُ لانضمامِ عينِ مضارعه. والمنسَكُ: موضعُ النسُك وهو
العبادة .
قوله: ((فيهم)) في هذا الضميرِ قولان، أحدُهما: أنه عائدٌ على معنى
الأمة، إذ لو عادَ على لفظِها لقال: ((فيها)) قاله أبو البقاء(٣)، والثاني: أنه يعودُ
على الذريةِ بالتأويلِ المتقدِّم، وقيل: يعودُ على أهل مكة، ويؤيده: (هو
الذي بَعَثَ في الأمّين رسولاً منهم)) (٤).
آ. (١٢٩) قوله تعالى: ﴿مِنْهم﴾: في محلِّ نصبٍ لأنه صفةٌ لرسولاً
فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: رسولاً كائناً منهم .
قوله: ((يَتْلو)) في محلٌّ هذه الجملة ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها في محلٌ
نصبٍ صفةً ثانيةً لرسولاً، وجاء هذا على الترتيبِ الأحْسَنِ إذ تقدَّم ما هو شبيهٌ
بالمفردِ وهو المجرورُ على الجملةِ. والثاني: أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ
من ((رسولا)) لأنه لَمَّا وُصِفَ تخصَّصَ. الثالث: أنها حالٌ من الضميرِ في
(مِنْهم)) والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به ((منهم)) لوقوعِه صفةً.
وتقدَّم قولُه ((العزيزُ)) لأنها صفةُ ذاتٍ وتأخّر ((الحكيمُ)) لأنها صفةُ فِعْل.
(١) الآية ٥٥ من البقرة.
(٢) وذلك في الآية ٣٤ من الحج: ((ولكل أمةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً)، حيث قرأ حمزة والكسائي
بالكسر والباقون بالفتح. السبعة ٤٣٦.
(٣) الإملاء ٦٣/١.
(٤) الآية ٢ من سورة الجمعة.
١١٩

- البقرة -
ويقال: عَزَّ يَعُزَّ، ويَعَزُّ، ويَعِزُّ، ولكنْ باختلافِ معنىٍّ، فالمضمومُ بمعنى غَلَبَ
ومنه: ((وَزَّني في الخطاب))(١) والمفتوحُ بمعنى الشدةِ، ومنه: عَزَّ لحُمُ الناقة
أي: اشتدَّ، وعَزَّ عليَّ هذا الأمرُ، والمكسورُ بمعنى النَّاسَةِ وقلةِ النظير.
آ. (١٣٠) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ)): ((مَنْ)) اسمُ استفهامٍ بمعنى
الإِنكار فهو نفيٌّ في المعنى، ولذلك جاءَتْ بعده ((إلَّ)) التي للإِيجابِ، ومحلُّه
رفعٌ بالابتداءِ، و((يَرْغَبُ)) خبرُه، وفيه ضميرٌ يعودُ عليه، والرغبةُ أصلُها
الطلبُ، فإنْ تَعَدَّت بـ (في)) كانَتْ بمعنى الإِيثارِ له والاختيارِ نحو: رَغِبْت في
كذا، وإن تَعَدَّت بـ (عن)» كانت بمعنى الزَّهادة نحو: رَغِبْت عنك.
قوله: ))إِلَّ مَنْ سَفِه)) في ((مَنْ)) وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ
على البدلِ من الضميرِ في ((يَرْغَبُ)) وهو المختارُ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجبٍ،
والكوفيون يَجْعَلون هذا من بابِ العطفِ، فإذا قلتَ: ما قام القومُ إلا زيدٌ،
فـ ((إِلَ) عندهم حرفُ عطفٍ وزيدٌ معطوفٌ على القوم، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في
كتبِ النحو. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الاستثناء و ((مَنْ)) يُحتمل أن
تكونَ موصولةً وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً، فالجملةُ بعدَها لا محلّ لها على
الأولِ، ومحلُّها الرفعُ أَو النصبُ على الثاني .
قوله: ((نفسَه)) في نصبِه سبعةُ أوجهٍ، أحدُها : - وهو المختارُ - أَنْ
يكونَ مفعولاً به؛ لأنَّ ثعلباً والمبرد حكيا أنَّ سَفِه بكسر [الفاء] يتعدّى بنفسه
كما يتعدَّى سَفَّه بفتح الفاء والتشديد، وحُكي عن أبي الخطاب(٢) أنها لغةٌ،
وهو اختیارُ الزمخشري(٣) فإنه قال: «سَفِهنفسه: امتَهَنَها واستخفّ بها»، ثم ذكر
(١) الآية ٢٣ من سورة صل.
(٢) عبد الحميد بن عبدالمجيد الأخفش الأكبر، أخذ عنه سيبويه والكسائي، توفي سنة ١٧٧ .
انظر: الإنباه ١٥٧/٢؛ البلغة ١١٩؛ والبغية ٧٤/٢.
(٣) الكشاف ٣١٢/١.
١٢٠