Indexed OCR Text
Pages 81-100
١ - المناقشات العامة : ( أ ) ذكرنا أن الرجلين يسيران في اتجاه التمسك بأصول الصناعة والتشدد في تطبيق أشكالها، ولكن هذا لا يُحَتَّم التوافق في النتائج لأن المادة التي يعملان في إطارها تقبل الحوار والأخذ والرد، وتاريخها مفعم بالمناظرات والمناقشات التي كانت تجري بين أعلامها، فما رآه فريق في قاعدةٍ ما قد يفهمه فريق آخر على غير فهم، وما اتخذه جماعة من تطبيقات قد يرى آخرون فيه شيئاً يغايرها، وذلك شأن المادة تبتدعها العقلية البشرية بما تتميز به من مرونة وحرية. ومن هذا المنطلق قد نجد السمين يعترض سبيل أبي حيان مصححاً له وجهته أو مخالفاً له في الاجتهاد. ومن ذلك أن أبا حيان يرفض أن يتعلق الجار والمجرور ((في الدنيا)) بـ ((الآيات)) من قوله تعالى: ﴿يُبِّن الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾(١) بحجة أن ((الآيات)) لا تعمل شيئاً البتة، ولا يتعلق بها ظرف ولا مجرور. ويتعقب عليه المؤلف هذا الحكم بقوله: ((وهذا من الشيخ فيه نظر، فإن الظروفَ تتعلَّق بروائح الأفعال، ولا شك أن معنى الآيات العلامات الظاهرة فيتعلَّق بها الظرف على هذا))(٢). ويرى أبو حيان أن ((مِنْ)) للتبعيض في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لن تُغْنِي عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾(٣) وأعرب ((شيئاً) مفعولاً، و ((مِنْ)) حال من ((شيئاً))، فيردُّ عليه ذلك بقوله ((وهذا ينبغي أن لا يجوز البتة لأن (مِنْ)) التبعيضة تُؤَوَّل بلفظ ((بعض)) مضافة لما جَرَّتْه ((مِنْ))، ألا ترى أنك إذا قلت: ((أخذت من الدراهم)» معناه: بعض الدراهم، وهنا لا يُتصوَّر ذلك أصلاً)) (٤). (١) البقرة آية ٢٢٠. (٢) الورقة ٨٥ ب. (٣) آل عمران آية ١٠. (٤) الورقة ١٢٦ ب. ٨١ ويذهب الشيخ إلى أن الحرف المصدري لا يباشر حرفاً مصدرياً إلا قليلاً، كقوله تعالى: ﴿إنه لحقُّ مثلَ ما أنكم تَنْطِقُون﴾(١)، ويرد عليه السمين هذا الحكم بأن قوله ((إلّ قليلاً)) يُشْعِرُ بجوازه، وهو لا يجوز البتة، فأما ما أورده من الآية فقد نص النجاة على أن ((ما)) زائدة(٢). ويبدو أن التلميذ تعلّم من أستاذه التدقيق الشديد في تقويم ألفاظ الإعراب، فقد قال أبو حيان في الآية الكريمة: ﴿ولكن كونوا ربَّانِيِّين بما كنتم تُعَلِّمون الكتاب﴾(٣): إن ((ما)) الظاهر أنها مصدرية، فيتتبع السمين لفظة ((الظاهر) ويقول: ((فهذا يُجَوِّز غير ذلك، وجوازه فيه بُعْد، وهو أن تكون موصولة، وحينئذٍ تحتاج إلى عائد وهو مقدر، أي: بسبب الذي تُعَلِّمون به الكتاب، وقد نقص شرط وهو اتحاد المتعلق، فلذلك لم يظهر جَعْلُها غير مصدرية))(٤). أولم يكن المؤلف في غنّى عن وضع مثل هذه الاحتمالات الشكلية التي لم تحدث أصلاً، ولكنها المظاهر اللفظية التي تجعل صاحبها مرهف الحساسیة لا يعرف کیف یعذر الناس !! ومن هذا القبيل تعقّبُه لأبي حيان حين قال: إنهم جوزوا في إعراب ((الذين)) من قوله تعالى: ﴿الذين قالوا لإِخوانهم﴾ وجوهاً منها الرفع على النعت للذين نافقوا من قوله تعالى: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعانِ فبإذن الله ولِيَعْلِمَ المؤمنين وليعلَّمَ الذين نافقوا﴾(٥)، فكيف يجوز أن يَعُدَّ ((الذين قالوا)) نعتاً مرفوعاً لـ ((الذين نافقوا ((المنصوب)). إن هذا بلا ريب سهوٌ ظاهر، (١) الذاريات آية ٢٣. (٢) الورقة ١٣٩ ب. (٣) آل عمران آية ٧٩. (٤) الورقة ١٦٠). (٥) آل عمران آية ١٦٨. ٨٢ ولكن السمين يقول: ((وهذا عجيب منه، لأن الذين نافقوا منصوب بقوله: ((وليعلم))، وهم في الحقيقة عطف على ((المؤمنين)) وإنما كرر العامل توكيداً، والشيخ لا يخفى عليه ما هو أشكل من هذا، فيحتمل أن يكون تبع غيره في هذا السهو، وهو الظاهر من كلامه ولم ينظر في الآية اتكالاً على ما رآه منقولاً وكثيراً ما يقع الناس فيه، وأن يعتقد أن ((الذين)) فاعل بقوله: ((وليعلم)) أي: فعل الله ذلك ليعلم هو المؤمنين وليعلم المنافقون، ولكن مثل هذا لا ينبغي أن يجوز البتة))(١). وأجاز أبو حيان أن يكون ((صِدْقَهم)) على قراءة النصب من قوله تعالى: ﴿هذا يومُ ينفع الصادقين صِدْقَهم﴾(٢) مفعولاً من أجله، فيردُّ عليه السمين هذا الإِعراب بقوله: ((وهذا لا يجوز، لأنه فات شرط من شروط النصب وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعل النفع غير فاعل الصدق، وليس لقائل أن يقول: يُنْصَبُ بالصادقين فكأنه قيل: الذين يُصَدِّقون لأجل صدقهم، فيلزم اتحاد الفاعل لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة لنفسه))(٣). (ب) وإذا كنا في هذه الأمثلة نجده يعترض على أبي حيان فقد نجده مُنْصِفاً له في أمثلة أخرى، فيعترف بصحة ما أورده من مواقف: فقد قرأ بعض القراء بتاء الخطاب وبعضهم بالياء قوله تعالى: ﴿أم يقولون إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى﴾ (٤) قال الشيخ: ((الأحسنُ في القراءتين أن تكون ((أم)) منقطعة، وكأنه أنكر عليهم مُحَاجَّتهم في الله ونسبة أنبيائه اليهودية والنصرانية، وقد وقع منهم ما أنكر عليهم، ألا ترى (١) الورقة ١٨٨ ب. (٢) المائدة ١١٩ . (٣) الورقة ٢٩٥ أ. (٤) البقرة آية ١٤٠. ٨٣ إلى قوله: ﴿قل يا أهل الكتابِ لِمَ تُحاجُّون في إبراهيم﴾(١) الآيات، وإذا جعلناها متصلةً كان ذلك غير متضمن وقوع الجملتين بل إحداهما، وصار السؤال عن تعيين إحداهما، وليس الأمر كذلك إذا وقعا معاً)) قال السمين: ((وهذا الذي قاله حسن جداً)(٢). ومن المعروف أن «رباح) جمع ربح، أصله رِوَاح، قلبت الواو ياء لأجل الكسرة، وأما ((أَرْواح)) فقد عاد الأصل لعدم وجودِ الكسرة قبل الواو، قال الشيخ: ((وفي محفوظي قديماً أن ((أَرْيَاح)) جاء في شعر فصيح، كأنهم بَنَّوْه على المفرد، وإنْ كانت علة القلب مفقودةً في الجمع، كما قالوا: عيد وأعياد والأصل أَعْواد، لأنه من عاد يعود، ولكنه لَمَّا تُرِك البدلُ جُعِلَ كالحرفِ الأصلي)»، ويتعقب الحلبي هذا الحكم بقوله: ((ويؤيد ما قاله الشيخ أنَّ التزامَهم الياء في الْأَرْبَاحِ لأجل اللَّْس بينه وبين أرواح جمع رُوح كما قالوا: التزمت الياء في أعياد فرقاً بينه وبين ((أعواد)» جمع عُود الحطب، ولذلك قالوا في التصغير: عُيَيْد، دون مُوَيْد، وعَلَّلوه باللَّبْس المذكور))(٣). وذهب الشيخ في قوله تعالى: ﴿لا تَدْرُونَ أيُّهم أقربُ لكم نفعاً﴾(٤) إلی أنَّ ((أيُّهم) موصولة، و((أقرب)) خبر مبتدأ مضمر هو عائد الموصول، وجاز حَذْفُهُ لأنه يجوز ذلك مع ((أي)) مطلقاً، والتقدير: أيُّهم هو أقرب، والموصول وصلته مفعول به لتَدْرون، وبُنِيَ لوجودٍ شرطَي البناء، وصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقرب، قال: ولم أَرَهم ذكروه، قال السمين: ((ولا مانع منه لا من جهة المعنى ولا من جهة الصناعة))(٥). (١) آل عمران آية ٦٥. (٢) الورقة ٥٦]. (٣) الورقة ٦٢). (٤) النساء آية ١١. (٥) الورقة ٢٠٠ أ. ٨٤ وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (١) ذهب بعضهم إلى أن ((أنْ)) تفسيرية، وعندما لزم لصحة هذا الإِعراب أن تُسْبَقَ هذه الجملة التفسيرية بما هو بمعنى القول قَدَّروا: وأمرناك أن احكم، فمنع الشيخ ذلك لأنه لم يُحْفظ من لسانهم حَذْفُ الجملة المفسرة بـ أن وما بعدها، فيرحب السمين بهذا المنع الصناعي ويرى أنه ((كما قال الشيخ))(٢). وقال بعضهم إنَّ ((أَنْ سخط)) من قوله تعالى: ﴿لبئس ما قدَّمَتْ لهم أنفسهم أَنْ سَخِطَ اللّه عليهم﴾(٣) هي جملة في محل رفع على البدل من (ما) واحتجَّ أبو حيان لِمَنْعِ هذا الوجه بأن البدل يَحُلُّ مَحَلَّ البدل منه و ((أَنْ سَخِط)) لا يجوز أن يكون فاعلاً لبئس، لأن فاعل بئسَ لا يكون أَنْ والفعل، فقال السمين: ((وهو إيرادٌ واضح كما قاله))(٤). (ج) ولكنه إذا كان في الفقرة السابقة يقف موقفاً صريحاً في تأييد الشيخ فهو في أمثلةٍ أخرى يبدأ بانتقادِهِ، ثم يحاول أن يَعْذُرَهُ أو يجد له مخرجاً فيما ذهب إليه، فقد عرض أبو حيان لمسألة ((أشياء)»، وشرح مذاهب التصريفيين فيها، وقال في أحدها: ((ثم حذفت الهمزة الأولى وفتحت ياء المد لكون ما بعدها ألفاً، ووزنها في هذا القول: أَفْيَاء. فتعقّب السمين رَسْم هذا الوزن خطاً وقال: ((كذا رأيته أفياء بالياء، وهذا غلط فاحش، ثم إني جَوَّزْتُ أن يكون هذا غلطاً عليه من الكاتب، وإنما كانت أفعاء بالعين فصحَّفها الكاتب إلى أفياء)»(٥). (١) المائدة آية ٤٩. (٢) الورقة ٢٤٧ ب. (٣) المائدة آية ٨٠. (٤) الورقة ٢٧٠]. (٥) الورقة ٢٨٠ ب. ٨٥ واختار الشيخ أن ((كَأَيِّن)) كلمةً بسيطة غير مركبة ، وأن آخرها نون هي من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل فقال المؤلف: ((والشيخ سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء - المذاهب المختلفة في كَأَيِّنْ - محافظةٌ على أصولهم، مع ما ينضمُّ إلى ذلك من الفوائد من تشحيذ الذهن وتمرينه)) (١). .وفي قوله تعالى: ﴿قولوا آمنًا بالله وما أُنْزِلَ إلينا وما أُنْزِل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباطِ وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم لا نُفَرِّقُ بين أحد منهم﴾(٢)، قال أبو حيان: ((يجوز أن يكون (ما أوتي موسى)) مبتدأ، ويكون ((ما أوتي النبيون)) عطفاً عليها، وفي الخبر وجهان، أحدهما: أن يكون ((من ربهم))، والثاني: أن يكون ((لا نُفَرِّقُ)) قال السمين: ((هكذا ذكر الشيخُ إلا أن في جَعْلِهِ ((لا نفرق)» خبراً عن ((ما)» نظراً لا يخفى من حيث عدمُ عود الضمير عليها)» ثم قال: ((وللشيخ أن ينفصل عن عدم عود الضمير بأنه محذوف تقديره: ((لا نفرق فيه))، وحَذْفُ العائد المجرور بـ في مطرد)(٣)، ثم يحاول أن يدعم جواز هذا الحذف بشواهد مناسبة. ونقل ابن عطية أن ((هو)) الضمير المقدَّر في ((مُحَرَّمٌ)) قُدِّمَ وَأُظْهِرَ في قوله تعالى: ﴿وَهو مُحَرَّم عليكم إخراجُهم﴾(٤)، قال الشيخ: ((وهو ضعيفٌ جداً)) وذكر وجوهاً لضعفه، منها: أنه لا يجوز أن يكون هذا الضميرُ فاعلاً مقدماً لأن الفاعل لا يُقَدَّم. قال السمين: ((وقوله والفاعل لا يُقَدَّم)) ممنوع، فإن الكوفيِّ يجيز تقديم الفاعل، فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى ذلك، ولا شك أن هذا قولٌ ردىء منكر لا ينبغي أن يجوز في الكلام فكيف في القرآن؟ فالشيخ (١) الورقة ١٨٣ ب. (٢) البقرة آية ١٣٦. (٣) الورقة ٥٥ ب. (٤) البقرة آية ٨٥. ٨٦ معذورٌ، وعجبت من ابن عطية كيف يورد هذه الأشياء حاكياً لها ولم يُعَقِّبْها بنکیر))(١). ٢ - مناقشات بين السمين وأبي حيان خاصة بالزمخشري: أثارت آراء الزمخشري في ((الكشاف)) مناقشات وحواراً بين العلماء؛ وذلك لأن الزمخشري كان معتزلي العقيدة من ناحية، وكان ينهج منهج الرأي والتأويل ولو كان على حساب الصناعة النحوية من ناحية ثانية. ومن الطبيعي أن يتصدى له أبو حيان وهو من علماء السُّنَّة ومن الذين يعارضون حرية الزمخشري وغيره كلما وجده يغفل عن أمر الصناعة، ويخالف عنها ويشتط في التأويل. وكان السمين إلى جانب أستاذه أبي حيان في قضايا العقيدة وردِّ مواطن الاعتزال التي كان الزمخشري يحاول أن يبثُّها في ثنايا تفسيره، كما كان معه في رَدُّ التجاوز الصريح على الصناعة النحوية ومتعلقاتها، ولكنه كان يعترض على شيخه أبي حيان إذا سار في نقاشه مع الزمخشري سيراً فيه بعض العوج والتكلف، فقد كان أبو حيان أحياناً يضع احتمالاً وهو أن يكون الزمخشري قد قَصَد بهذه العبارة هذا المقصد فيمضي ليُجَرَّحَه وكأنه وجد احتماله هذا أمراً صريحاً نطق به خصمه. وسوف نحاول الآن أن نوضح موقف السمين من المناقشات الجارية بين الزمخشري وأبي حيان بنصوص من الكتاب تجلو أحكامنا وتبیِّن مقاصدنا(٢): (١) الورقة ٣٧ أ. (٢) يشير صاحب ((كشف الظنون)) إلى ما أثارته الخلافات بين الشيخين، فقد انتصر محمدابن رضي الدين الغزيُّ الدمشقي لأبي حيان وزيف اعتراضات السمين في رسالة بعنوان: (الدر الثمين في بعض ما ذكره أبو حيان وعارضه السمين)) ومنه نسخة في دار الكتب برقم ١٤٣ مجاميع م، ورد عليه القاضي علي بن أمر الله المعروف بابن الحنائي وانتصر للسمين في رسالة كبيرة وقف عليها علماء الشام. انظر: كشف الظنون ١٢٢/١. ٨٧ ۔۔ ( أ ) فهو يتهم شيخه بالتحامل والتسرع في إعلان الحكم والجري وراء الأمور اللفظية والشكلية، قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مِمَّا تَرَكَ، وإن كانوا إخوةً رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الْأَنْثَيْن﴾(١)، قال: ((فإن قلت إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في ((فإن كانتا اثنتين، وإن كانوا إخوةً)) قلت: أصله: فإن كان مَنْ يرث بالأخوة اثنتين، وإن كان مَنْ يرث بالأخوة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل: فإن كانتا وإن كانوا كما قيل: مَنْ كانت أمُّك، فكما أنَّثَ ضمير ((مَنْ)) لمكان تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجَمَعَ ضمير مَنْ يرث في كانتا وكانوا لمكان تثنية الخبر وجمعه))، قال السمين: وهو جوابٌ حسن إلا أن الشيخ اعترضه فقال: هذا تخريج لا يَصِحُّ، وليس نظير ((من كانت أمَّك)) لأنه قد صُرِّح بـ مَنْ ولها لفظٌ ومعنى، فَمَنْ أَنَّثَ راعى المعنى لأن التقدير: أيةُ أمٍ كانت أمك، ومدلول الخبر في هذا مخالفٌ المدلول الاسمِ بخلاف الآية فإن المدلولين واحد، ولم يُؤَنَّث في ((مَنْ كانِتَ أمَّك)) التأنيث الخبر، إنما أنث لمعنى ((مَنْ)) إذ أراد بها مؤنثاً، ألا ترى أنك تقول: (مَنْ قامت)) فتؤنث مراعاة للمعنى إذا أردت السؤال عن مؤنث ولا خبر هنا فيؤنث ((قامت)) لأجله، ثم قال السمين: ((وهو تحامل منه على عادته، والزمخشري وغيره لم ينكروا أنه لم يصرِّح في الآية بلفظ مَنْ حتى يُفَرِّق لهم بهذا الفرق الغامض)»(٢). ومن اعتداد الشيخ باللفظيات وتَشَدُّدِه في ذلك أنه يعترض على الزمخشري تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَ يَجْرِ مَنَّكُمْ شَناَنُ قوم أَنْ صَدُّوكُمْ عِنْ المسجد الحرام أَنْ تَعْتَدُوا﴾(٣) قال الزمخشري: ((والمعنى: ولا يُكْسِبَنْكُم بُغْض قومٍ لأن صدُّوكم الاعتداء، ولا يَحْمِلَنَّكُمْ عليه)). قال الشيخ: ((وهذا (١) النساء آية ١٧٦. (٢) الورقة ١٢٣٢. (٣) المائدة ٢ . ٨٨ تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنه يمتنع أن يكون مدلول ((جرم)» حمل وكسب في استعمال واحد لاختلافٍ مقتضاهما، فيمتنع أن يكونَ تعتدوا في محل مفعول به ومحل مفعول على إسقاط حرف الجر)) قال السمين: ((وهذا الذي قاله لا يتصور أن يَتَوَهَّمَه مَنْ له أدنى بصرٍ بالصناعة حتى ينبِّه عليه))(١). وأجاز الزمخشري أن يكون ((أن تبتغوا)) من قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾(٢) منصوباً على المفعول من أجله، قال: ((بمعنى: بَيَّن لكم ما يَحِلَّ مما يَحْرُم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين، وأنحى عليه أبو حيان واتهمه بدسّ الاعتزال، ثم قال: ((وظاهرُ الآية غير ما فهمه، إذ الظاهر أنه تعالى أحلَّ لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الإِحصان لا حالَةً السِّفاحِ، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب ((أن تبتغوا)) مفعولاً له، لأنه فات شرط من شروط المفعول له، وهو اتحاد الفاعل في العامل والمفعول له، لأن الفاعل بأَحَلَّ هو الله تعالى، والفاعل في ((تبتغوا)) ضمير المخاطبين، فقد اختلفا، ولما أَحَسَّ الزمخشري إن كان أحس جعل ((أن تبتغوا)) على حَذْف (إرادة)) حتى يتحد الفاعل في قوله ((وأحل)) وفي المفعول له، ولم يجعل ((أن تبتغوا)) مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامته مقامه، وهذا كله خروج عن الظاهر)). ويتعقّب السمين هذه الأحكام بقوله: ((ولا أدري ما هذا التَحَمُّلُ، ولا كيف يَخْفى على الزمخشري شرط اتحاد الفاعل في المفعول له حتى يقول له: إنْ كان أحس !! ))(٣). وينقل الزمخشري قراءةً ليحيى بن وثَّاب بكسر إنَّ الأولى وفتح الثانية (١) الورقة ٢٣٤ ب. (٢) النساء آية ٢٤ . (٣) الورقة ٢٠٥ ب. ٨٩ من قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا إنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم أنما نُمْلي لهم ليزدادوا إثما﴾(١)، فقال الشيخ: ((لم يحكها عنه غير الزمخشري، وإنما الزمخشري لولوعه بمذهبه يَرُوم ردَّ كل شيء إليه))، قال السمين: ((وهذا تحاملٌ عليه لأنه ثقةً لا ينقل ما لم يُرْقَ)(٢). وقرأ حُمَيْد قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُوا في سبيل الله أمواتا﴾ (٣) بياء الغيبة، والفاعل عند الزمخشري يجوز أن يكون ((الذين قتلوا))، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قُتِلُوا أنفسَهم أمواتاً، فإن قلت: كيف جاز حذف المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ، فحذف لدلالة الكلام عليه. وردًّ عليه الشيخ بأن هذا التقدير يؤدي إلى تقديم الضمير على مُفَسَّرِهِ، وذلك لا يجوز إلا في أبواب محصورة، وبأنَّ حَذْفَ أحد مفعولي ((ظن)) اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليل جداً، نص عليه الفارسي ومنعه ابن ملكون. قال السمين: ((وهذا مِنْ تَحمُّلاته عليه، أما قوله: يؤدي إلى تقديم المضمر إلخ فالزمخشري لم يقدِّره صناعة، بل إيراداً المعنى المقصود، ولذلك لما أراد أن يقدِّر الصناعة النحوية قدَّره بلفظ ((أنفسهم)) المنصوبة وهي المفعول الأول، وأظن أن الشيخ توهّم أنها مرفوعة تأكيد للضمير في ((قُتِلوا)) ولم يتنبّه أنه قدَّرها مفعولاً أول منصوبة، وأمَّا تمشيته قوله على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابن ملكون، وستأتي مواضع يضطر هو وغيره إلى حذف أحد المفعولين)) (٤). ومن طرائق النحاة في التقدير أنهم قد يستأنسون بأبيات مُوَلَّدة ،ومع ذلك فإن أبا حيان يعيب على الزمخشري استشهاده ببيت لأبي فراس، فقال له (١) آل عمران آية ١٧٨ . (٢) الورقة ١٩٠ ب. (٣) آل عمران آية ١٦٩ . (٤) الورقة ١٨٨ ب. ٩٠ السمين: ((وليس بعيب فإنه ذكره استئناساً، والشيخ نفسُه يصنع ذلك في شعر أبي تمام، فكيف يُعاب عليه شيء عرفه ونَّه عليه واعتذر عنه؟))(١). ومن قبيل التحامل واللفظية أنه قد يَعيب على الزمخشري استخدامه ألفاظ العدل والتوحيد، ويقول: إنه يستخدمها لاعتزاله، فقال السمين: ((وَمَنْ يرغب عن التوحيد والعدل من أهل السنة حتى يَخُصَّ به المعتزلة؟))(٢). (ب) وقد يَجِدُ الشيخُ ثغرة في كلام الزمخشري، فيوسع منها ليتخذ من الاحتمالات التي قد يحتملها المرء شيئاً صريحاً، فينتقده، أو أن الشيخ يظن أن خصمه قد غَفَّلَ عن هذا الأمر فينتقد هذا الإغفال، وحاول السمين إنصاف الزمخشري وتصحيح مواقفه، فقد قرىء قوله تعالى: ﴿فئة﴾ مِنْ: ﴿قد كان لكم آيةٌ في فئتين التقتا فئةً تقاتل﴾(٣) بالنصب، فخرَّجها الزمخشري على الاختصاص، فرفض الشيخ ذلك بحجة أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهماً، فقال السمين: ((لا يعني الاختصاص المبوَّب له في النحو، إنما عنى النصب بإضمار فعل لائق، وأهل البيان يُسَمُّون هذا النحو اختصاصاً»(٤). وينتقد الشيخ خصمه لأنه لم يبين ما تتعلق به اللام من قوله تعالى: ﴿ليجعل الله ذلك حسرةٌ في قلوبهم﴾(٥)، فقال السمين: ((بل قد نصَّ فإنه قال: فإنْ قلت ما متعلَّق ((ليجعلَ))؟ قلت: قالوا إلخ، أو بقوله لا تكونوا، وأيُّ نصِ أَظْهَرُ من هذا؟))(٦). (١) الورقة ١٥٢ ب. (٢) الورقة ١٣٤]. (٣) آل عمران آية ١٣ . (٤) الورقة ١٢٧ ب. (٥) آل عمران آية ١٥٦. (٦) الورقة ١٥٦ أ. ٩١ وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً﴾(١): ولو نُصِبَ على جواب التمني لجاز. وجعل الشيخ فيه نظراً من حيث إنَّ النصب في جواب التمني إذا كان التمني بلفظ الفعل يحتاج إلى سماع من العرب، قال السمين: ((وفيما قاله نظر؛ لأن الزمخشري لم يَعْنِ بالتمني المفهوم من فعل الودادة، بل المفهوم من لفظ ((لو)) المشعرة بالتمني، وقد جاء النصب في جوابها، فظهر ما قاله من غير تَوَقُّف))(٢). وقَدَّر الزمخشري تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قَوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾(٣) بأن المعنى: وإنْ كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم. فقال الشيخ: ((وهذا لا يجوز لأن ما تعلق به الظرف كون مقيد، والكون المقيد لا يجوز حَذْفُهُ بل المطلق)). قال السمين: ((وهذا الرد ليس بشيء لأنه قصد تفسير المعنى، ومبادىء النحو لا تخفى على آحاد الطلبة، فكيف بشيخ الصناعة؟))(٤). وفي قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُم الصلاة ... لَأُكَفِّرَنَّ عنكم سيئاتكم﴾(٥) قال الزمخشري: إن قوله ((لأكفرن)) ساد مسد جوابي القسم والشرط. وفَهِمَ أبو حيان من هذه العبارة مخالفةً المعروف في الصناعة من حكم اجتماع الشرط والقسم وأن الجواب للأسبق منهما. قال السمين: ((هذه اللام هي جواب القسم لسَبْقِه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهذا هو معنى قول الزمخشري لا كما فهمه الشيخ)» (٦). (١) النساء آية ٨٩. (٢) الورقة ٢١٦ ب. (٣) النساء آية ١٣٥. (٤) الورقة ٢٢٢ ب. (٥) المائدة آية ١٢. (٦) الورقة ٢٣٧ ب. ٩٢ وأجاز الزمخشري في ((وأخي)) من قوله تعالى: ﴿قال ربِّ إني لا أَمْلِكُ إلا نفسي وأخي﴾(١) أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكنّ في ((أملك)) وردِّ عليه الشيخ هذا الإِعراب بأنه يلزم منه أن موسى وهرون لا يملكان إلا نفسَ موسى فقط، وليس المعنى على ذلك. قال المؤلف: ((وهذا الردُّ ليس بشيء، لأن القائل بهذا الوجه صرَّح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف، وأيضاً اللَّبْس مأمون فإن كل أحد يتبادر إلى ذهنه أنه يملك أمر نفسه))(٢). وفي قوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطْتَ إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديّ إليك لأقتلك﴾(٣) قال الزمخشري: إن ((ما أنا بباسط)) جزاء للشرط. فقال الشيخ: ((هذا جواب للقسم لا للشرط، لأنه لو كان جواباً للشرط للزمته الفاء لكونه منفياً بـ ((ما)) والأداة جازمة، وللزم أيضاً خَرْم تلك القاعدة: وهو كونه لم يُجِبْ الأسبق منهما)). قال السمين: ((وهذا ليس بشيء، لأن الزمخشري سَمَّاه جزاء للشرط لمّا كان دالاً على جزاء الشرط، ولا نكير في ذلك ولكنه مُغْرَى بأن يُقال: قد اعترض على الزمخشري)) (٤) وأنت ترى كيف أنه قد جارَ على الشيخ في هذه العبارة الأخيرة !!. (ج) وقد يرى المؤلف أن أبا حيان قد عزا كلاماً للزمخشري لم يقل به، ثم بنى على ذلك بعض الاعتراضات، فيقف موقف المنصف ويُرَدِّد قول الزمخشري لينبِّه على الفرق بين النص والمنقول عنه. ففي قوله تعالى: ﴿للذين يُؤُلُون مِنْ نسائهم تَرَبُّصُ أربعة أشهر﴾(٥)، قال السمين: ((تتعلق ((مِنْ)) بمحذوف، والتقدير: والذين يُؤْلُوْن لهم من نسائهم تَرَبُّص أربعة، قد (١) المائدة آية ٢٥. (٢) الورقة ٢٤٠ أ. (٣) المائدة آية ٢٨. (٤) الورقة ٢٤٠ ب. (٥) البقرة آية ٢٢٦ . ٩٣ تعلَّق بما يتعلَّق به ((لهم) المحذوف، هكذا قدَّره الشيخ وعزاه للزمخشري، وفيه نظر، فإن الزمخشري قال: ويجوز أن يراد: ((لهم من نسائهم تربُّصُ)) كقولك: لي منك كذا، فقوله ((لهم)) لم يُرِدْ به أن ثَمَّ شيئاً محذوفاً وهو لفظ (لهم)) إنما أراد أن يُعَلِّق ((مِنْ)) بالاستقرار الذي تعلق به (للذين))، غاية ما فيه أنه أتى بضمير الذين تبييناً للمعزوِّ)(١). وفي قوله تعالى: ﴿إِن امرَؤُ هَلَكَ ليس له ولدٌ﴾(٢) قال الشيخ: ((ومنع الزمخشري أن يكون قوله: ((ليس له ولد)) جملة حالية من الضمير في ((هَلَك)) فقال: ومحل ((ليس له ولد)) الرفع على الصفة لا النصب على الحال. قال المؤلف: ((والزمخشري لم يقل كذلك، أي لم يمنع كونها حالاً من الضمير في (هَلَك)) بل منع حاليتها على العموم، كما هو ظاهر قوله، ويحتمل أنه أراد مَنْعَ حاليتها من ((امرؤ)) لأنه نكرة، لكن النكرة هنا قد تخصصت بالوصف، والذي ينبغي امتناع حاليتها مطلقاً كما هو ظاهر عبارة الزمخشري. ثم يُعَلَّل السمين ذلك(٣). (د) وقد يعتقد أبو حيان أن الزمخشري خرج عن أصول الصناعة في بعض تقديراته المعنوية، فيردُّ السمين ذلك، ويرى أن الصناعة معه، وذلك لأن ما ذهب إليه يعضده السماع والقياس، أو هو مذهب لطائفة من العلماء: فقد خَرَّج الزمخشري بعض الآيات على الفصل بين المتضايقين، فيرفض أبو حيان ذلك، ويَعُدُّه من ضرائر الشعر، فقال المؤلف: ((أما كون الفصل من ضرائر الشعر فليس كما قال لأنه قد فُصِل بالمفعول في قراءة ابن عامر فبالظرف (١) الورقة ٨٨). (٢) النساء آية ١٧٦ . (٣) الورقة ٢٣١ ب. ٩٤ وشبهه أَوْلَى))(١)، ومن المعروف أن مسألة الفصل هذه جائزة عند الكوفيين ممنوعة عند البصريين. ويرى الزمخشري أن ((مِن)) في قوله تعالى: ﴿من الذين هادوا يُحَرِّفون الكَلِمَ﴾(٢) هِي بيان للموصول في قوله: ﴿ألم تَرَ إلى الذين أوتوا﴾ لأنهم يهود ونصارى، فبيَّنهم باليهود، واعترض عليه الشيخ ذلك بحجّة الفصل بينهما بثلاثٍ جمل. قال المؤلف: ((وفيه نظرٌ، فإن الجمل هنا متعاطفةٌ، والعطفُ يُصَيِّر الشيئين شيئاً واحداً)(٣). وأعرب ((أَجْراً)) من قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين على القاعدين أَجْراً عظيماً درجات منه﴾ (٤) حالاً من (درجات)) وانتصب على الحال من النكرة التي هي ((درجات)) مُقَدَّمة عليها. قال أبو حيان: ((وهو غيرُ ظاهرٍ لأنه لو تأخّر عن درجات لم يَجُزْ أن يكون نعتاً لدرجات لعدم المطابقة؛ لأنَّ ((درجات)) جمع و((أَجْر)) مفرد)) قال السمين: ((وهي غفلةً فإنَّ ((أجراً)) مصدرٌ، والأفصحُ فيه أن يُوَجَّد ويُذَكَّر مطلقً»(٥). وقال الزمخشري: إنَّ جملة ليُؤْمِنَنَّ به)) من قوله تعالى: ﴿وإنْ من أهل الكتاب إلا لِيّؤْمِنَنَّ به قبل موته﴾ (٦) جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف، تقديره: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن به، والمعنى: وما من اليهود أحدٌ إلا ليؤمنن. قال الشيخ: ((وهو غلط فاحش إذ زعم أن ((ليؤمنن به)) جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلخ، وصفة ((أحد)) المحذوف إنما (١) الورقة ٤٥ ب. (٢) النساء آية ٤٦. (٣) الورقة ٢١٠]. (٤) النساء آية ٩٥. (٥) الورقة ٢١٨ أ. (٦) النساء آية ١٥٩ . ٩٥ هو الجار والمجرور كما قدَّرناه، وأمَّا قوله: ((ليؤمِنَنَّ به)) فليست صفةً لموصوف ولا هي جملة قسمية، إنما هي جملة جواب القسم والقسم محذوف، والقسم وجوابُه خبرٌ للمبتدأ، إذ لا ينتظم من ((أحد) والمجرور إسنادٌ لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإِسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذاك هو مَحَطّ الفائدة، إذ لا ينتظم مما قبل ((إلا)) تركيب إسنادي. قال السمين: ((وهذا كما ترى قد أساء العبارة في حق الزمخشري بما زعم أنه غلطٌ وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظمُ الإِسناد من ((أحد)) الموصوف بالجملة التي بعده ومن الجار قبله وهو كلام مفيد مستقيم، غاية ما في الباب أن ((إلا)) دخلت على الصفة لتفيد الحصر، وأما رَدُّه عليه حيث قال: ((جملة قسمية)) وإنما هي جواب القسم فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه، ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضات))(١). وأنت ترى في الفقرة الأخيرة مدى تعلَّقِ أبي حيان باللفظياتِ وجَرْبِهِ وراء ظاهرها. وفي قوله تعالى: ﴿إنما وليُّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة﴾(٢)، قال الشيخ بعد أن نقل عن الزمخشري وجهي البدل وإضمار المبتدأ فقط في الموصول الثاني: ((ولا أدري ما الذي منعه من الصفة إذ هو المتبادر إلى الذهن، ولأن المبدل منه على نية الطرح وهو لا يَصِحُّ هنا، لأنه هو الوصف المترتب عليه صحة ما بعده من الأوصاف)) قال المؤلف: ((لا نسلِّم أن المتبادر إلى الذهن الوصف بل البدل هو المتبادر، وأيضاً فإن الوصف بالموصول على خلاف الأصل لأنه مؤول بالمشتق وليس بمشتق، ولا نُسَلِّم أن المبدل منه على نية الطرح وهو المنقول عن سيبويه))(٣). : (١) الورقة ٢٢٨أ. (٢) المائدة آية ٥٥, (٣) الورقة ٢٥٢ أ. ٩٦ (د) موقفه من الزمخشري: وجدنا المؤلف في المناقشات السابقة قد ينتصر لموقف الزمخشري حين يتعرَّض له أبو حيان، وذكرنا قبلاً أن هذا التأييد ليس معناه اتفاق ما بين الرجلين من نزعات واتجاهات، وإنما كان لأسباب خلفيّة أثّرت في الموقف، ونود الآن أن نؤكد على تغاير منهجي الزمخشري والسمين، حيث إن الأخير ينهج منهج الالتزام في القراءات المتواترة وقوانين الصناعة وظاهر اللغة، في حين أن الأول ينشد المرونة والتحرر من هذه الأطر والحدود، بالإضافة إلى تغاير منهج الرجلين في مسائل العقيدة، ومن هنا وجدنا السمين يعترض على الزمخشري كلما وجده يحقق اتجاهه ويوغل فيه . (أ) فمن ناحية المعنى والتفسير كان الزمخشري يرى أن الحواريِّين لم يكونوا مؤمنين حين عرض القرآن الكريم لمقولتهم: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزِّل علينا مائدةٌ من السماء﴾(١). قال السمين: ((والحق أنهم مؤمنون، وقوله ليس بجيد، وكأنه خارق للإِجماع))، ثم يمضي في تخريج كلامهم على الوجه المناسب(٢). وقَدَّر الزمخشري أن الضمير في ((اتَّخَذُوها)) من قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتَّخذوها هُزواً ولَعِباً﴾(٣) يجوز أن يعودَ على المصدر المفهوم من الفعل أي: اتخذوا المناداة، قال السمين: ((وفيه بُعْدٌ إذ لا حاجة تدعو إليه مع التصريح بما يصلح أن يعود عليه الضمير))(٤). واعتاد الزمخشري أن يفرِّق بين نَزَّل وأنزل في القرآن الكريم، فالأولى (١) المائدة آية ١١٣. (٢) الورقة ٢٩١ ب. (٣) المائدة ٥٨ . (٤) الورقة ٢٥٣ ب. ٩٧ تدل على التكثير عنده، ولم يرتضِ الحلبي ذلك فكان يرى أن التضعيف في (نَزَّل)) للتعدية، مرادفاً للهمزة لا للتكثير، ودعم رأيه بشواهد مناسبة(١). ويرى الزمخشري أن المقصود بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لَمَا آتَيْتَكُم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسولُ مصدِّقٌ لما معكم لتؤمِنُنَّ به ولَنْصُرُنَّه﴾(٢) هم أهل الكتاب، ويرد على زعمهم تهكماً بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلِى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأَنَّا أهل كتاب، ومِنَّا كان النبيون، قال السمين: ((وهذا الذي قاله بعيدٌ جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياء تهكماً بهم، ولم يكن ثمة قرينةٌ تبِيِّن ذلك؟))(٣). وفي الاشتقاق يرى الزمخشري أنَّ لفظة ((السبت)) هي مصدر ((سَبَتْت اليهود)) إذا عظمت يوم السبت. قال السمين: ((وفيه نظر، فإن هذا اللفظ موجود، واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك))(٤). ويرى الزمخشري أن اسم الله تعالى مقحم في الآية: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾(٥)، والمعنى: يخادعون الذين آمنوا، ويكون من باب أعجبني زيد وكرمه، المعنى: أعجبني كرم زيد، وإنما ذُكِرَ زيد توطئةً لذکر کرمه، قال السمين: ((وهذا منه غير مُرْضٍ؛ لأنه إذا صَحَّ نسبة مخادعتهم إلى اللَّهِ فلا ضرورة تدعو إلى ادِّعاء زيادة اسم الله تعالى، وأمَّا ((أعجبني زيد وكرمه)) فإن الإِعجاب أُسند إلى زيدٍ بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزاً لهذه الصفة»(٦). (١) الورقة ٢٢٤ أ. (٢) آل عمران آية ٨١. (٣) الورقة ١٦١ أ. (٤) الورقة ٢٨ أ. (٥) البقرة آية ٩. (٦) الورقة ١٤ ب. ٩٨ وهكذا وَجَدْنَا السمين لا يرتضي توسُّعَ الزمخشري في ظاهر المعنى الذي توحي به الآية، وإنما يطالبه بأن يكون قريباً من دلالات ألفاظها، ولا حاجة إلى إعطاء هذه الألفاظ أكثر مما يكمن فيها. (ب) ومن ناحية الصناعة، كثيراً ما وقف أَمامَهُ معترضاً على مخالفته لقوانينها، ومن ذلك أن الزمخشري كان يرى الموصولَ في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾(١) مثل قوله تعالى: ﴿وخُضْتُم كالذي خاضوا﴾ فقد حذف بعض الموصول لاستطالته، ولذلك نهكوه بالحذف، وجمعه بالواو والنون علامة لزيادة الدلالة، قال الحلبي: ((وهذا القولُ فيه نظر من وجهين، أحدُهما: أن قوله ظاهر في جعل هذه الآية من باب حذف نون الذين، وكان ينبغي أن يطابِقَ الضمير جمعاً. والوجه الثاني: أنه اعتقد كون أل الموصولة بقية الذي، وليس كذلك بل أل الموصولة اسم موصول مستقل»(٢). وأعرب الزمخشري قوله تعالى: ((نَفسَه)) من الآية: ﴿وَمَنْ يرغب عن ملَّةٍ إبراهيم إلَّ مَنْ سَفِهَ نفسه﴾(٣) من شذوذ تعريف التمييز نحو: ولا بغزارةَ الشُّعْرِ الرِّقابا وقوله: أَجَبَّ الظهرِ ليسَ لَهُ سَنّامُ فجعل الرقاب والظهر تمييزين، قال السمين: ((وليس كذلك بل هما مشبّهان بالمفعول به، لأنهما معمولا صفة مشبهة وهي الشُّعْر جمع أَشْعَر، وأَجَبَّ وهو اسم))(٤). (١) البقرة آية ١٧. (٢) الورقة ١٨ ب. (٣) البقرة آية ١٣٠. (٤) الورقة ٥٣ ب. ٩٩ ويجيز الزمخشري زيادة ((كان)) وهي عاملةٌ، واستدل على ذلك بقول الشاعر: ٢٠٠٠م ٠٠ وجيراٍ لنا كانوا كرامٍ فكيف إذا مَرَرْتَ بدارٍ قومٍ قال المؤلف: ((وفي زيادتها عاملةً نظرٌ لا يَخْفى)) ثم يَعْرِض تخريج الشاهد السابق(١). وفي قوله تعالى: ﴿كُتب عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلكم أياماً معدودات﴾(٢) قال الزمخشري: إن ((أياماً)) منصوب بالصيام. قال السمين: ((وهذا ليس بشيء لأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو قوله (كما كُتِبَ)) لأنه ليس معمولاً للمصدر))(٣). وأعرب ((إذْ)) من قوله تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم﴾(٤) بدلاً من (إذ قالتِ)) الواردة في الآية ٤٢، قال السمين: ((وفيه بُعْدٌ لكثرة الفاصل بين البَدَلِ والْمُبْدَل منه))(٥). وقَدَّر الزمخشري الصناعةَ في قوله تعالى: ﴿يريدُ الله ليبيِّن لكم﴾(٦) بقوله: يريدُ الله أن يبِيِّنَ، فزيدت اللامُ مؤكدةً لإِرادة التبيين. قال السمين: ((وهذا خارجٌ عن أقوال البصريين والكوفيين، وفيه ((أَنْ)) تضمر بعد اللام الزائدة، وهي لا تُضمر فيما نص النحويون بعد لامٍ إلَّ وتلك اللام للتعليل أو للجحود)»(٧). (١) الورقة ٥٧). (٢) البقرة آية ١٨٣. (٣) الورقة ٦٨]. (٤) آل عمران آية ٤٥. (٥) الورقة ١٤٥ ب. (٦) النساء آية ٢٦ .. (٧) الورقة ٢٠٦ ب. ١٠٠