Indexed OCR Text

Pages 241-260

- البقرة -
الإِسنادَ في الأفعالِ السابقةِ لله تعالى، فيناسِبُ أن يكونَ هذا كذا ولكنه بُنِيَ
للمفعول لأجل الفواصل والقواطع(١).
وأَمْوات جمعُ ((مَيِّت)) وقياسُه على فعائِلِ كَسَيّد(٢) وسَيَائِدٍ، والْأَوْلى أن
يكون أموات جمع مَيْت مخفّفاً كأقوال في جمع قَيْل(٣)، وقد تقَدَّمت هذه
المادةُ .
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿هو الذي خَلَقَ لكم﴾: هو مبتدأٌ
وهو ضميرٌ(٤) مرفوعٌ منفصلٌ للغائبِ المذكر(٥)، والمشهورُ تخفيفُ واوِهِ
وفتحُها، وقد تُشَدَّد كقوله: (٦)
وَهُوَّ على مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ
وقد تُسَكَّنُ، وقد تُحْذَفُ كقوله: (٧)
٣٢٠ - وإنَّ لِسانِ شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بها
٣٢١ - فَيْنَاهُيَشْرِي
٠
والموصولُ بعده خَبَرٌ عنه. و((لكم)) متعلقٌ بخَلَقَ، ومعناها السببيةُ،
(١) ي: ((والمقاطع)) ولعل المؤلف يعني ((يُمْتُكُمْ، يُحْيِيْكُمْ)).
(٢) صح: ((کسند)».
(٣) القيل: شرب نصف النهار.
(٤) ي: ((وضميره)) الهاء مقحمة.
(٥) ع: ((المذكور)).
(٦) البيت لرجل من همدان، وهو في ابن يعيش ٩٦/٣؛ وأوضح المسالك ١٢٦/١؛
والخزانة ٤٠٠/٢؛ والهمع ٦١/١؛ والدرر ٣٧/١. والشهدة: العسل.
(٧) البيت للعجير السلولي وتمامه:
فييناه يَشْري رحلَه قال قائل:
لِمَنْ جَمَلٌ رِخْوُ المِلاطِ نَجِيبُ
وينسب أيضاً للمخلب الهلالي وهو في الخصائص ٦٩/١؛ وأمالي الشجري
٢٠٨/٢؛ وابن يعيش ٦٨/١؛ واللسان: ها؛ والإنصاف ٥١٢. ويشري: يبيع.
والملاط: عضدا البعير.
٢٤١

- البقرة . -
أي: لأجلِكم، وقيل: للمِلْك والإِباحةِ فيكونُ تمليكاً خاصًّاً بما(١) يُنْتَفَعُ منْه،
وقيلَ: للاختصاص، و((ما)) موصولةٌ و((في الأرض)) صلتُها، وهي في محلٌ
نصبٍ مفعولٌ بها، و((جميعاً)) حالٌ من المفعول بمعنى كل، ولا دلالة لها على
الاجتماع في الزمانِ، وهذا هو الفارقُ بین قولك: ((جاؤوا جمیعاً»و «جاؤوا
معاً))، فإنَّ (مع)) تقتضي المصاحبةَ في الزمانِ بخلافٍ جميع. قيل: وهي هنا
حالٌ مؤكِّدةٌ لأنَّ قولَهِ: (ما في الأرضِ)) عامٌّ.
قوله: ((ثم استوى إلى السماءِ فَسَوَّاهُنَّ سبعَ سمواتٍ))، أصل ((ثُمَّ) أن
تقتضيَ تراخياً زمانياً(٢)، ولا زمانَ هنا، فقيل: إشارةٌ إلى التراخي بين رتبتي
خَلْقِ الأرضِ والسماءِ. وقيل: لَمَّا كان بين خَلْقِ الأرضِ والسماءِ أعمالٌ أُخَرُ
مِنْ جَعْلِ الجبالِ والبركةِ وتقديرِ الأقواتِ - كما أشار إليه في الآيةِ الأخرى -
عَطَفَ بِثُمَّ(٣) إذ بين خَلْقِ الأرضِ والاستواءِ إلى السماءِ(٤) تراخٍ.
واستوى معناه لغةً: استقامَ واعتدلَ، مِن استوى العُود. وقيل: عَلَا
وارتفع قال الشاعر: (٥).
وقد حَلَّقَ النجمُ اليمانيُّ فاسْتَوَى
٣٢٢ - فَأَوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَقْرَةٍ
وقال تعالى: ((فإذا اسْتَوَيْتَ أنت وَمَنْ معَك))(٦)، ومعناه هنا تَصَد
وعَمَدَ(٧)، وفاعل استوى ضميرٌ يعودُ على الله، وقيل: يعودُ على الدخان نقله
(١) قوله: ((بما)) سقط من صح.
(٢) ي: ((زماناً» .
(٣) ي: ((ثم)).
(٤) قوله ((إلى السماء)) سقط من عي.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٥٤/١.
(٦) الآية ٢٨ من المؤمنون.
(٧) ع: ((عمل)).
٢٤٢

- البقرة -
ابن عطية (١)، وهذا غلطٌ لوجهين، أحدهما: عَدَمُ ما يَدُلُّ عليه، والثاني: أنه
يَرُدُّهُ قولُه: ثُمَّ استوى إلى السماء، وهي دُخانٌ)). و((إلى)) حرفُ انتهاءٍ على
بابها، وقيل: هي بمعنى ((على)) فيكونُ في المعنى كقولٍ (٢) الشاعر: (٣)
٣٢٣ - قد استوى بِشْرٌ على العِراقِ
مِنْ غيرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقٍ
أي: استولى، ومثلُه قول الآخر: (٤)
٣٢٤ - فلمّا عَلَوْنَا واسْتَوَيْنَا عليهِمُ
تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرِ وكَاسٍِ
وقيل: ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، ضميرُه هو الفاعلُ أي استوى أمرُهُ، و((إلى
السماء)) متعلَّقٌ بـ ((استوى))، و((فَسَوَّاهُنَّ)) الضميرُ يعودُ على السماءِ: إِمَّا لأنها
جَمْعُ سَماوَة كما تقدَّم، وإمَّا لأنَّها اسمُ جنسٍ يُطْلَقُ على الجَمْعِ، وقال
الزمخشري : (٥) ((هُنَّ))(٦) ضميرٌ مُبْهَمٌ، و((سبعَ سمواتٍ)) يُفَسِّرُهُ(٧) كقولهم: «رُبَّه
رَجُلًا)». وقد رُدّ (٨) عليه هذا، فإنَّه ليس من المواضِعِ التي يُفَسَّر فيها الضميرُ
بما بعدَه(٩)، لأنَّ النحويين حَصَروا ذلك في سبعةِ مواضع: ضميرٍ (١٠)
الشأن(١١)، والمجرور بـ «رُبَّ))، والمرفوع بنعْمَ وبِئْسَ(١٢) وما جرى مَجْراهما،
(١) التفسير: ٢١٤/١ وضعَّفه ابن عطية أيضاً.
(٢) ي : مثل قول.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: سواء والبحر ١٣٤/١؛ ورصف المباني ٤٣٠.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٧٨/٣.
(٥) الكشاف ٤٧٠/١.
(٦) ي: ((هو).
(٧) ي: ((تفسيره)).
(٨) الذي رَدَّ عليه هو أبو حيان في البحر ١٣٥/١.
(٩) انظر: المغني ٥٤١.
(١٠) صح: «في ضمیر)).
(١١) نحو: قل هو الله أحد.
(١٢) نحو: نعم رجلاً زيدٌ، وما جرى مجراهما نحو: ساءَ مثلاً القومُ.
٢٤٣

- البقرة -
وبأوَّلِ المتنازِعَيْن (١) والمفسَّر بخبرهِ (٢) وبالمُبْدِلِ منه(٣)، ثم قال هذا
المعترض: ((إلّ أن يُتَخَيَّلَ فيه أن يكونَ(٤) «سبع سمواتٍ)) بدلاً وهو الذي
يقتضيه تشبيهُه بِرُبَّه رجلاً، فإنه ضميرٌ مبهمٌ ليس عائداً على شيء قبلَهِ، لكن
هذا يَضعفُ(٥) بكونِ هُذا التقديرِ يَجْعَلُهُ غيرَ مرتبطٍ بما قبلَهُ ارتباطاً كلياً،
فيكونُ أَخْبَرَ بإخبارينِ أحدُهما: أنه استوى إلى السماء. والثاني: أنْهُ سَوَّى
سبع سموات، وظاهرُ الكلامِ أن الذي استوى إليه هو المُسَوَّى(٦) بعينه.
قوله: ((سبعَ سمواتٍ)) في نصبه خمسةُ أوجه، أحسنُها: أنه بدلٌ من
الضميرِ في ((فسوَّاهُنَّ))(٧) العائدِ على السماءِ كقولِكَ: أخوك مررتُ به زيدٍ.
الثاني: أنه(٨) بدلٌ من الضميرِ أيضاً، ولكن هذا الضميرَ يُفَسِّرُهُ ما بعده. وهذا
يَضْعُفُ بما ضَعُفَ (٩) بِهِ قولُ الزمخشري، وقد تقدَّم آنِفاً. الثالث: أنه مفعولٌ
به، والأصلُ: فَسَوَّى مِنْهُنَّ سبعَ سمواتٍ، وشبَّهُوهُ بقولِهِ (١٠) تعالى: ((واختارِ
موسى قومَه سبعين))(١١) أي: مِنْ قومه، قاله أبو البقاء(١٢) وغيرُه. وهذا ضعيفٌ
:
(١) نحو: جَفَوْني ولم أجفُ الْأَخِلَّءَ.
(٢) نحو: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
(٣). أي الضمير الذي أبدل منه مفسره نحو: ضربتُهم قومَكَ. والموضع السابع: أن يكون
: الضمير متصلاً بفاعل مقدم نحو: ضربَ غلامُه زيداً.
(٤) سقط ((أن يكون)) من ص.
(٥) ص: ((مضعف)).
(٦) صي: ((المستوى)).
(٧) أقحم بعدها في ي: السماء.
(٨) قوله: «أنه»س قط من ي.
(٩) صح: ((تضعفت)).
(١٠) صح: ((لقوله)).
(١١) الآية ١٥٥ من سورة الأعراف.
(١٢) الإملاء ٢٧/١.
٢٤٤

- البقرة-
لوجهين، أحدُهما(١) بالنسبة إلى اللفظِ. والثاني بالنسبة إلى المعنى. أمّا
الأولُ: (٢) فلأنه(٣) ليس من الأفعال المتعديةِ لاثنينِ أحدُهما بإسقاطٍ
الخافضِ لأنها محصورةٌ في أمر واختار وأخواتِهما. الثاني: أنه يقتضي أن
يكونَ ثَمَّ سمواتٌ كثيرةٌ، سوى من جملتِها سبعاً وليس كذلك. الرابعُ: أنَّ
((سَوَّى)) بمعنى صَيِّر فيتعدَّى لاثنين، فيكونُ ((سبع)) مفعولاً ثانياً، وهذا لم يَثْبُت
أيضاً أعني جَعْلَ ((سَوَّى)) مثل صَيَّر. الخامس: أن ينتصبَ حالاً ويُعْزَى
للأخفش (٤). وفيه بُعْدٌ من وجهين، أحدُهما: أنه حالٌ مقدَّرَةٌ وهو خلافُ
الأصل. والثاني: أنها مؤولةٌ بالمشتقِّ وهو خلافُ الأصلِ أيضاً.
قوله: ((وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ)) ((هو)) مبتدأ و ((عليمٌ)) خبره، والجارُّ قبلَه
يتعلَّق به.
واعلم أنه (٥) يجوزُ تسكين هاء ((هو)) و(هي)) بعد الواو والفاء ولام.
الابتداءِ وثم، نحو: ((فَهْي كالحجارة))(٦)، ((ثم هْوَيومَ القيامة))(٧)
(لَهْوَ الْغَنِيّ)) (٨)(لهْي الحَيَوانُ))(٩)، تشبيهاً لـ((هو)(١٠) بعَضْد، ولـ((هي)) بِكْف،
(١) ع: ((الأول)).
(٢) صح: ((الأولى)).
(٣) ي: ((فلان)) .
(٤) لم يشر في ((معاني القرآن)» إلى هذه اللفظة.
(٥) قرأ بتسكين ((وهو)) أبو عمرو والكسائي وقالون، وقرأ الباقون بالضم، ووقف يعقوب على
(وهو)» بالهاء: وهوه. انظر: السبعة ١٥٠؛ المشكل لمكي ٢٣٤/١؛ والنشر ٢٠٢/٢؛
والبحر ١٣٦/١.
(٦) الآية ٧٤ من البقرة.
(٧) الآية ٦١ من القصص.
(٨) الآية ٦٤ من الحج: وإن الله لهو الغنيُّ الحميد.
(٩) الآية ٦٤ من العنكبوت: وإن الدار الآخرة لهي الحَيَوَان.
(١٠) صح: ((له)).
٢٤٥

- البقرة -
فكما يجوز تسكين عينَ عَضُد وكَتِف يجوزُ(٢) تسكينُ هاء ((هو)) و((هي)) بعد
الأحرفِ المذكورةِ، إجراء للمنفصل مُجْرى المتصلِ لكثرةٍ دَوْرِها مَعَها(٢)،
وقد تُسَكَّنُ بعد كافِ الجرِّ كقوله: (٣)
سُلُوٌّ، ولا أَنْفَكُ صَبَّاً مُنَيَّمَا
٣٢٥ - فَقُلْتُ لَهُمْ ما هُنَّ کَھْي فكيف لي
وبعد(٤) همزة الاستفهامِ كقوله: (٥)
٣٢٦ - فَقُمْتُ لِلطَّيْفِ مُرْتَاعاً فَأَرَّقَنِي
فقلتُ أَهْيَ سَرَتْ أم عادني حُلُمُ
وبعد ((لكنَّ) في قراءة ابن حمدون (٦): (لكنَّ هْو الله ربي)) (٧) وكذا من
قوله: ((يُمِلَّ هْوَ))(٨).
فإن قيل: عليمَ فَعيل مِن عَلِم متعدٍّ بنفسه فكيف تَعَدَّى(٩) بالباء، وكان
مِنْ حقّه إذا تقدَّم مفعولُه أَنْ يتعدّى إليه بنفسِه أو باللامِ المقوّية (١٠)، وإذا تأخّرَ
(١) صح: ((نحو)).
(٢) أي إن تسكين الضاد من ((عَضُد)) وارد لأن الضاد من نفس الكلمة فهي متصلة، أما واو
العطف فهي منفصلة عن هاء هو فإذا سَكَّنَّا هاء ((هو) نكون قد شبَّهنا المنفصلَ بالمتصل.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الدرر ٣٧/١؛ والحمع ٦١/١.
(٤) : ((وبعده)).
(٥) البيت للمرار العدوي أو زياد بن جحل، وهو في الخصائص ٣٠٥/١؛ وابن يعيش
١٣٩/٧؛ والهمع ٦١/١؛ والدرر ٣٧/١. وسَرَتْ: من السُّرى وهو السير ليلًا.
وعادني: زارني.
(٦) محمد بن حمدون الواسطي. سمع من شعیب بن أيوب، وروى عنه أبو بكر بن مجاهد،
توفي سنة ٣١٠. انظر: طبقات القراء ١٣٥/٢.
(٧) الآية ٣٨ من الكهف.
(٨) الآية ٢٨٢ من البقرة وهي رواية الحلواني عن قالون. انظر: القرطبي ٢٦١/١؛ وتمام
الآية: ((أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو)) وقد رسمت خطأ في ي: ((فيمل)).
(٩) ص ح: ((يتعدى)).
(١٠) ص ح: ((للقوية)).
٢٤٦

- البقرة -
أَنْ يتعدَّى إليه بنفسه فقط؟ فالجواب: أن أمثلةَ المبالغةِ خالفَتْ أفعالَها وأسماءَ
فاعِليها لمعنى (١) وهو شَبَهُها بأَفْعل التفضيل بجامعٍ ما فيها من معنى المبالغةِ،
وأفعلُ التفضيلِ له حُكْمٌ في التعدِّي، فَأُعْطِيتَ أمثلةُ المبالغةِ ذلك الحُكْمَ:
وهو أنها لا تخلُو من(٢) أن تكونَ من فِعْلِ متعدٍّ بنفسِه أولا، فإن كان الأول:
فإمّا أن يُفْهِمَ علماً أو جهْلاً أَوْ لا، فإن كانَ الأولَ تعدَّت بالباء(٣) نحو: ((هو
أعلمُ بكم)) (٤) ((وهو عليمٌ بذات الصدور))(٥)، وزيدٌ جهولٌ بك وأنت أجهل
به. وإن كان الثانيَ تعدَّتْ باللامِ نحو: أنا أضربُ لزيدٍ منك وأنا له
ضرَّاب (٦)، ومنه ((فَعَّالٌ لِما يريد))(٧)، وإن كانَتْ من متعدٍّ بحرفِ جر تعدَّتْ
هي بذلك الحرفِ نحو: أنا أصبرُ على كذا، وأنا صبورٌ عليه، وأزهدُ فيه منك،
وزهيدٌ فيه. وهذا مقررٌ في علم النحو.
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربُّك للملائكةِ﴾: ((إذ) ظرفُ زمانٍ
ماضٍ، يُخَلِّص(٨) المضارعَ للمضيِّ وبُنِي لِشَبَهِه بالحرفِ فِي الْوَضْعِ
والافتقار، وتليه الجملُ مطلقاً، فإذا كانتِ الجملةُ فعليةً قَبْحَ تقديمُ الاسمِ
وتأخيرُ الفعلِ نحو: إذ زيدٍ قام، ولا يتصرَّفُ إلا بإضافةِ الزمنِ إليه نحو: يومئذٍ
وحينئذٍ، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثرُ المُعْرِبين، فإنهم يُقَدِّرونَ: اذكر
وقتَ كذا، ولا ظرفَ مكان ولا زائداً(٩) ولا حرفاً للتعليل ولا للمفاجأة خلافاً
(١) ي: معنى.
(٢) قوله: (من)) سقوط من ي.
(٣) ص ح: بالهاء.
(٤) الآية ٣٢ من النجم.
(٥) الآية ٦ من الحديد.
(٦) ع: ((ضراب له)) مقحمة.
(٧) الآية ١٠٧ من هود.
(٨) ي: ((مخلصٍ)).
(٩) ي: ((عائداً)).
٢٤٧

البقرة -
الزاعمي ذلك، وقد تُحْذَفُ الجملةُ(١) المضافُ هو إليها للعلمِ ويُعَوَّض منها
تنوينٌ (٢) كقولهِ تعالى: ((وأنتم حينئذٍ تنظُرون))(٣)، وليس كسرتُه(٤) والحالةُ هذه
كسرةً إعرابٍ ولا تنوينُهِ تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسرُ لالتقاءِ
الساكنين والتنوينُ للعوضِ بدليلٍ وجودِ الكسر ولا إضافةً(٥) قال(٦) ..
٣٢٧ - نَهَيْتُكَ عن طِلائِكَ أَمَّ عمروٍ
بعاقبةٍ وأنتَ إِذٍ صَحيحُ
وللأخفش (٧) أن يقولَ: أصلُهُ((وأنتَ حينئذٍ)) فلمّا حُذِفَ المضافُ بقي
المضافُ إليه على حَالِهُ ولَم يَقُمْ مَقامَه، نحو: ((والله يريدُ الآخرةِ»(٨) بالجر،
إلا أنه ضعيفٌ.
و ((قال ربُّك)) جملةٌ فعليةٌ في محلِّ خَفْضٍ بإضافةِ الظرفِ(٩) إليها.
واعلم أنَّ ((إذ) فيه تسعةُ أوجه (١٠)، أحسنُها أنه منصوبٌ بـ((قالوا أَتَجْعَلُ
فيها)) أي: قالوا ذلك القولَ وقَتَ قولِ اللهِ تعالى لهم: إني جاعلٌ في الأرضِ
خليفةً، وهذا أسهلُ الأوجهِ. الثاني: أنه منصوبٌ بـ((اذكُرْ)) مقدراً وقد تقدَّم أنه
(١) قوله: ((الجملة)) سقط من ي.
(٢) ص ح: ((بنون)).
(٣) الآية ٨٤ من الواقعة.
(٤) ح ص: ((كسرة)).
(٥) ي: ((والإضافة)).
(٦) البيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ٦٨/١؛ والخصائص ٣٧٦/٢؛ وابن يعيش
٣١/٩، واللسان: شلل، والمغني ٩١ وفيه: بعافية عوضاً من بعاقبة، وشواهد المغني
٢٦٠.
(٧) ي: ((والأخفش)).
(٨) الآية ٦٧ من الأنفال وهي قراءة ابن جماز كما في المحتسب: ٢٨١/١.
(٩) قوله: ((الظرف)) سقط من ع.
(١٠) انظر: البحر المحيط ١٣٩/١.
٢٤٨

- البقرة -
لَا يَتَصَرَّفُ فلا يقع مفعولاً. الثالث: أنه منصوبٌ بـ«خَلَقَكم)) المتقدم(١) في
قوله: ((اتقوا ربّكم الذي خلقكم))(٢) والواو زائدةٌ. وهذا ليس بشيء لطولِ
الفصلِ. الرابعُ: أنه (٣) منصوبٌ بـ ((قال)) بعده. وهو فاسدٌ لأن المضافَ إليه
لا يعمل في المضاف. الخامس: أنه زائدٌ ويعزى لأبي عبيد(٤). السادس:
أنه بمعنى قد. السابع أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ابتداءُ خَلْقِكم وقتُ
قولِ ربِّك. الثامن: أنه منصوبٌ بفعلٍ لائق، تقديرُه: ابتدأ خلقُكم وقتَ قولِه
ذلك، وهذان ضعيفان لأن وقتَ ابتداءِ الخلق ليس وقتَ القول(٥)، وأيضاً فإنه
لَا يَتَصرَّف. التاسع: أنه منصوبٌ بـ((أحياكم)) مقدَّراً، وهذا مردودٌ باختلافٍ
الوقتين أيضاً.
و ((للملائكة)) متعلَّقٌ بـ ((قال)» واللامُ للتبليغ. وملائكةٌ جم مَلَك.
واختُلِف في ((مَلَك)) على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمِه، هل هي
أصليةٌ أو(٦) زائدةً؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا، فقال بعضهم: مَلَك ووزنه
فَعَل من المُلْك، وشدَّ جمعُه على فعائلة فالشذوذ في جَمْعِه فقط. وقال
بعضهم: بل أصلُهُ مَلْأَك، والهمزةُ فيه(٧) زائدةٌ كشَمْأَل ثم نُقِلَت حركةُ الهمزة
إلى اللام وحُذِفَت(٨) الهمزةُ تخفيفاً، والجمعُ جاء على (٩) أصلِ الزيادةِ فهذان
(١) ي: ((المقدم)).
(٢) الآية ١ من النساء.
(٣) قوله ((أنه)) سقط من ح ص.
(٤) القاسم بن سلام أخذ عن الكسائي وأخذ عنه البغوي له: غريب الحديث وكتاب
الأمثال، توفي ٢٢٤. انظر: مراتب النحويين ٩٣؛ البلغة ١٨٦.
(٥) ص ح: ((المقول)).
(٦) ي: ((أم)).
(٧) قوله ((فيه)) سقط من ي.
(٨) ي: ((حذفت)).
(٩) ص ح: ((جاعل أصل)).
٢٤٩

- البقرة ــ
قَوْلان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ
من ((أَلَك)) أي: أرسل فَفاؤه همزةٌ وعينه لام، ويدلُّ عليه قوله(١).
٣٢٨ - أَبْلِغْ أبا دَخْتَنُوسَ مَأَلْكَةٌ غِيرَ الذي قد يُقال مِلْكَذِبٍ
وقال آخر (٢):
بِأَلوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
٣٢٩ - وغلامٌ أَرْسَلْه أمُّه
وقال آخر(٣):
٣٣٠ - أَبْلِغِ النُّعْمانَ عني مَأْلُكًا أَنَّه قد طالَ حَبْسي وانتظاري
فأصل مَلَكَ: مَأْلَك، ثم قُلِبت العينُ إلى موضع الفاء(٤)، والفاءُ إلى
موضع العين فصارَ مَلْأَكاً على وزنَ مَعْفَل، ثم نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى اللامِ
وحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً، فيكونُ(٥) وزنُ مَلَكَ: مَعَلًا بحَذْفِ الفاء. ومنهم مَنْ
قال: هو مشتقٌّ من لَأَك أي أرسل أيضاً، ففاؤه لامٌ وعينُه همزةٌ ثم نُقِلَت حركةُ
الهمزةِ وحُذِفَت كما تقدَّم، وَيَدُلُّ على ذلك أنه قد نُطِقَ بهذا الأصلِ قال(٦):
٣٣١ - فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلْأٍُ
تَزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ
ثم جاء الجمعُ على الأصلِ فَرُدَّتِ الهمزةُ على كِلا القَوْلِينِ، فوزن
ملائِكَة على هذا القول: مفاعِلَة، وعلى القولِ الذي (٧) قبلَه: معافِلَة بالقلب.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الخصائص ٣١١/١؛ وأمالي الشجري ٩٧/١؛ وابن يعيش
١٠٠/٩، واللسان: ألك.
(٢) البيت للبيد وهو في ديوانه ١٧٨؛ والخصائص ٢٧٥/٣؛ واللسان: ألك، وإملاء
العكبري ٢٧/١.
(٣) البيت لعديّ بن زيد، وهو في ديوانه ٩٣؛ والمحتسب ٤٤/١.
(٤) ي: ((والفاء)» بإقحام الواو.
(٥) ي: ((فصار)».
(٦) تقدم برقم ٢٢٧ .
(٧) ي: ((الثاني)).
٢٥٠

- البقرة -
وقيل: هو مشتقٌّ من: لاكَه يَلُوكه أي: أداره يُديره، لأنَّ المَلَكُ يُدِيُرِ الرسالةَ في
فيه، فأصل مَلَك: مَلْوَك، فتُقِلَتْ حركةُ الواوِ إلى اللامِ الساكنةِ قبلها، فتحَرَّك
حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فَقُلبٍ(١) ألفاً فصارَ ملاكاً مثل مَقَام، ثم حُذِفَت
الألفُ تخفيفاً فوزنُه مَفَل(٢) بحذفِ العينِ، وأصلُ ملائكة ملاوِكة فقُلبت الواوُ
همزةٌ، ولكنَّ شرطَ قلبِ الواوِ والياءِ همزةٌ بعد ألفِ مفاعل أن تكونَ زائدةً(٣)
نحو عجائز ورسائل، على أنه قد جاء ذلك في الأصليّ (٤) قليلاً قالوا: مصائب
ومنائِرٍ، قُرىء شاذاً: ((معائِش))(٥) بالهمز، فهذه خمسةُ أقوال. والسادس: قال
النضر بن شميل(٦): ((لا اشتقاقَ للملك عند العرب)».
والهاء (٧) في ملائكة لتأنيث الجَمْع نحو: صَلادِمة(٨). وقيل للمبالغة
كعلامة ونسَّابة، وليس بشيء، وقد تُحْذَفُ هذه الهاءِ(٩) شذوذاً، قال
الشاعر(١٠) :
٣٣٢ - أبا خالدٍ صَلَّتْ عليكَ الملائِكُ
قوله: ((إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً)) هذه الجملة معمولُ القولِ، فهي
(١) ي: ((فقلبت)).
(٢) ح: ((فيقل)).
(٣) انظر: الممتع ٣٢٦.
(٤) ح ي: ((الأصل)).
(٥) الآية ١٠ من الأعراف ((وجعلنا لكم فيها معايِشَ)) وما قاله المؤلف قراءة الأعرج
والأعمش وآخرين، انظر البحر ٢٧١/٤ .
(٦) النضر بن شميل البصري روى عن هارون الأعور وروى عنه إسحاق بن راهويه، توفي
سنة ٢٠٤. انظر: طبقات القراء ٣٤١/٢.
(٧) ي: ((فالهاء)).
(٨) الصلادمة: وأحدها صِلْدم وهي الخيل الشداد.
(٩) ح ص: ((الياء)).
(١٠) لم أهتد إلى تمامه وقائله، وهو في المنصف ١٠٣/٢؛ والبحر ١٣٨/١.
٢٥١

- البقرة -
في محلُّ نصبٍ به، وكُسِرت، ((إِنَّ)) هنا لوقوعِها بعد القولِ المجرَّدِ من معنى
الظن محكيةً به، فإن كان بمعنى الظنِ جَرى فيها وجهان: الفتحُ والكسْرُ،
وأنشدوا(١):
٣٣٣ - إذا قلتُ أني آيبُ أهلَ بلدةٍ نَزَعْتُ بها عنه الوليّةَ بِالهَجْرِ
وكان ينبغي أن يُفْتَح ليسَ إلَّ نظراً (٢) لمعنى الظنِّ، لكن قد يقال جاز(٣)
الكسر مراعاةً لصورةِ القولِ .
و ((إنّ) على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ يجب فيه كَسْرُها، وقسمٍ يجبُ فيه
فَتْحُها وقسمٍ يجوز(٤) فيه وجهان، وليس هذا موضعَ تقريرِه، بل يأتي في
غضون السور، ولكن الضابطَ الكلي في ذلك أنَّ كلَّ موضعٍ سَدَّ مَسَدِّها
المصدرُ وَجَبَ فيه فتحُها نحو: بلغني أنك قائمٌ، وكلَّ موضعٍ لم يَسُدَّ مسدّها
وَجَبَ فيه كَسْرُها كوقوعِها بعد القولِ ومبتدأةً وصلةً وحالاً، وكلَّ موضعٍ جازَ
أن يَسُدَّ مسدَّها جاز الوجهان كوقوعها بعد فاءِ الجزاء(٥)، وإذا الفجائية
وهذه أشدُّ العباراتِ في هذا الضابطِ.
و ((جاعلٌ)) فيه قولان، أحدُهما أنه بمعنى خالق، فيكونُ ((خليفةً))
مفعولاً (٦) به، و((في الأرض)) فيه حينئذ قولان، أحدُهما - وهو الواضح - أنه
(١) البيت للحطيئة وهو في ديوانه ٣٦٦؛ والخزانة ٤٢٣/١؛ والبحر ١٤٠/١، والولية:
البرذعة، والهجر: الهاجرة. أي: إذا قلت سآتيهم ليلًا أتيتهم نصف النهار لسرعة
بعيري .
(٢) قوله: ((نظرا)) سقط من ع.
(٣) ي: (جاء)).
(٤) ص ح: ((يجب».
(٥) كررت نسخة ي الجملة كلها.
(٦) ص ح: ((مفعول)).
٢٥٢

- البقرة -
متعلقٌ بجاعلٌ. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من النكرةِ بعدَه(١).
القولُ الثاني: أنه بمعنى مُصَيِّر، ولم يَذْكر الزمخشري(٢) غيرَه، فيكونُ
((خليفةٌ)) هو المفعولَ الأولَ، و((في الأرض)) هو الثانيَ قُدِّم عليه، ويتعلّقُ
بمحذوف على ما تقرَّر. و((خليفة)) يجوز أن يكون بمعنى فاعل أي: يَخْلُفُكم
أو (٣) يَخْلُف مَنْ كان قبلَه من الجنِّ(٤)، وهذا أصحُ لدخولِ تاء التأنيث عليه
وقيل: بمعنى مفعول أي: يَخْلُف كلُّ جيلٍ (٥) مَنْ تقدَّمَه، وليس دخولُ التاءِ
حينئذٍ قياساً. إلا أن يُقال: إنَّ ((خليفةُ)) جَرى مجرى الجوامدِ كالنطيحة
والذبيحة. وإنما وُحِّد ((خليفة)) وإن كانَ المرادُ الجمعَ لأنه أريدَ به آدمُ وذريته،
ولكن استَغْنى بذكره كما يُسْتَغْنى بذكرٍ أبي القبيلة نحو: مُضَر وَرَبِيعة، وقيل:
المعنى على الجنس.
وقرىء: ((خليقةً)) بالقاف(٦).
و ((خليفةً)) منصوبٌ بـ ((جاعل)) كما تقدَّم، لأنَّه اسمُ فاعل. واسمُ الفاعل
يعملُ عَمَل فعلِه مطلقاً إن كان فيه الألفُ(٧) واللام، وبشرطِ الحالِ أو
الاستقبال والاعتماد(٨) إذا لم يكونا فيه، ويجوز إضافتُه لمعموله تخفيفاً ما لَم
يُفْصل (٩) بينهما كهذه الآية.
(١) ي: ((بعد).
(٢) الكشاف ٢٧١/١ .
(٣) ي: ((و)).
(٤) ص ح: ((الجر)).
(٥) ع: ((جليل)).
(٦) قراءة زيد بن علي وأبي البرهسم. البحر ١٤٠/١.
(٧) ي: ((بالألف)».
(٨) ي: ((أو)).
(٩) ص ح: ((يتصل)).
٢٥٣

- البقرة -
قوله: ((قالوا أَتْجِعَلُ فيها مَنْ يُفْسِد)) قد تقدَّم أن ((قالوا)) عامل في ((إذ قال
ربُّك)) وأنه المختارُ، والهمزةُ في ((أتجعل)) للاستفهامِ على بابها، وقال
الزمخشري (١): ((للتعجب))، وقيل: للتقرير كقوله(٢):
٣٣٤ - ألستُمْ خيرَ مَنْ ركَب المَطايا وأَنْدى العالمينَ بطونَ راحٍ
وقال أبو البقاء(٣): ((للاستشهاد))، أي: أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِد کَمَنْ كان
قبلُ)) وهي عبارةٌ غريبةٌ، و ((فيها))(٤) الأولى متعلقةٌ بـ ((تَجْعَل)) إن قيل: إنّها
بمعنى الخَلْقِ، و((مَنْ يُفْسِدُ)) مفعولٌ به، وإنْ قيل إنَّها بمعنى التصيير فيكون
((فيها)) مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولِ وهو (مَنْ يفسد))، و((مَنْ)) تحتملُ أن تكونَ
موصولةً أو نكرةً موصوفةً، فعلى الأولِ لا مَحَلَّ للجملةِ بعدها من الإِعراب،
وعلى الثاني محلُّها النصب، و((فيها)) الثانيةُ مُتَعلقةٌ بـ((يُفْسِدُ)). و((يَسْفِكُ))
عطفٌ على (يُفْسِدُ)) بالاعتبارين.
والجمهورُ على رَفْعِهِ، وقُرىء منصوباً (٥) على جوابِ الاستفهام بعدَ
الواو التي تقتضي الجمع بإضمار ((أَنْ)) كقوله(٦):
٣٣٥ - أَتَّبِيتُ رَيَّنَ الجفونِ من الكَرِى وَأَبِيتَ منك بليلةِ المَلْسُوعِ
وقال ابن عطية (٧): ((منصوبٌ بواو الصَرْف)) وهذه عبارةُ الكوفيين، ومعنى
(١) الكشاف ٢٧١/١.
(٢) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٨٩؛ والخصائص ٤٦٣/٢؛ والمغني ١١؛ وابن يعيش
١٢٣/٨، واللسان: نقص، وشواهد المغني ٤٣.
(٣) الإملاء: ٢٨/١، وعبارته: للاسترشاد.
(٤) ص ح: ((وقيل)).
(٥) أي بنصب ((يسفك)) وهي قراءة ابن هرمز والأعرج. انظر: البحر ١٤٢/١؛ القرطبي
٢٧٥/١.
(٦) البيت الشريف الرضي، وهو في ديوانه ٤٩٧/١؛ والأشموني ٣٠٧/٣؛ والمغني ٧٤٤؛
والهمع ١٣/٢؛ والدرر ١٠/٢.
(٧) التفسير ٢١٩/١.
٢٥٤

- البقرة -
واوِ الصرفِ أن الفعلَ كان يقتضي إعراباً فصَرَفْه الواوُ عنه إلى النصب،
والمشهورُ ((يَسْفِك)) بكسر الفاء، وقُرىء بضمِّها(١)، وقرىء أيضاً بضمُ حرفٍ
المضارعةِ من أَسْفك وقُرىء أيضاً(٢) مشدّداً للتكثير.
والسَّفْكُ: هو الصَّبُّ، ولا يُستعمل إلا في الدمِ، وقال ابن فارس(٣)،
والجوهري (٤): ((يُستعمل أيضاً في الدمع)). وقال المهدوي ((ولا يُستعمل
السفك إلا في الدَّمِ، وقد يُستعمل في نثرِ الكلامِ، يقال: سَفَكَ(٥) الكلامَ
أي: نثره».
والدِّماء: جمعُ دَمٍ ، ولا يكونُ اسمُ معربٌ على حرفين، فلا بدَّ له من
ثالث محذوفٍ هو لامُّه، ويجوزُ أن تكونَ واواً وأن تكونَ ياءً، لقولِهم في
التثنيةِ: دَمَوان(٦) ودَمَيان، قال الشاعر(٧):
٣٣٦ - فَلَوْ أَنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنا
جَرَى الدَّمَيَانِ بالخبرِ اليقين
وهل وزنُ دم ((فَعْل)) بسكون العين أو فَعَل(٨) بفتحها قولان، وقد يُرَدُّ
(١) قراءة أبي حيوة وابن أبي عبلة. البحر ١٤٢/١؛ ابن عطية ٢١٩/١.
(٢) قوله: ((أيضاً) سقط من ص.
(٣) أحمد بن فارس اللغوي، له: المقاييس والمجمل والصاحبي، قرأ عليه البديع الهمذاني.
وتوفي سنة ٣٩٥، انظر: الإِنباه ٩٢/١؛ البلغة ٢٨؛ البغية ٣٥٢/١. وانظر كتابه:
معجم مقاييس اللغة ٧٨/٣.
(٤) الصحاح: مادة سفك.
(٥) ي: ((سفکه)).
(٦) ص ح: ((ديوان)).
(٧) البيت للمثقب العبدي أو علي بن بدال، وهو في أمالي الشجري ٣٤٤/٢؛ والإنصاف
٣٥٧؛ والممتع ٦٢٤؛ واللسان أخا، وابن يعيش ٢٤/٩؛ والخزانة ٣٤٩/٢.
(٨) قوله ((أو فعل)) سقط من ي.
٢٥٥

- البقرة -
محذوفُه، فَيُسْتعمِلُ مقصوراً كعصا وغيرِه(١)، وعليه قولُه(٢).
أَعْقَبَتْها الغُبْسُ منه عَدَمَاً
٣٣٧ - كَأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَها
فإذا هِيَ بِعِظامٍ وَدَمِاً
: غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَطْلُبه
وقد تُشَدَّدُ مِيمُه أيضاً(٣)، قال الشاعر (٤):
٣٣٨ - أهانَ دَمَّكَ فَرْغَاً بعد عِزَّتِه يا عمروُ بَغْيُكَ إصراراً على الحَسَّدِ
وأصلُ: الدِّماء: الدِّماو أو الدِّماي، فقُلب(٥) حرفُ العلةِ همزةٌ لوقوعِه
طَرَفاً بعد ألفٍ زائدةً نحو: كساء ورداء.
قوله: ((ونحنُ نُسَّبِّحُ بحمدك ونقدِّسُ لك)) الواوُ للحالِ، و («نحن نُسَبِّحُ))
جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ النصب على الحال، و((بحمدك)) متعلقٌ
بمحذوفٍ، لأنه حالٌ أيضاً، والباءُ فيه للمصاحبة أي نُسَبِّح ملتبسين(٦)
بحمدك، نحو: ((جاء زيد بثيابه)) فهما حالان متداخلتان(٧)، أي حالٌ في
حال. وقيل: (٩) الباءُ للسببية، فتتعلَّق بالتسبيح. قال ابن عطية (٨): ((ويُحتمل
أن يكونَ قولُهم: ((بحمدِكَ)) اعتراضاً بين الكلامين، کأنهم قالوا: ونحن نسبِّح
(١) قوله ((وغيره)) سقط من ص ح ع.
(٢) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في أمالي الشجري ٣٤/٢، واللسان: أبي؛ والبحر ٢٨١/١؛
ورصف المباني ١٦؛ والجمع ٣٩/١؛ والدرر ١٣/١. والأطوم: البقرة الوحشية،
والبرغز: ولدها، والغيس: ج أغبس وهو الذائب.
(٣) قوله «أيضاً)) سقط من ص ح.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الهمع ٢٠/١؛ والدرر ١٣/١، وفَّرْغاً: هدراً.
(٥) ص: ((فقلبت)).
(٦) قوله: ((ملتبسين)) زيادة من ع.
(٧) ص ح: ((متداخلان)).
(٨) ي: ((وإن)».
(٩) التفسير ٢٢٠/١.
٢٥٦

- البقرة -
ونقدِّس، ثم اعترضُوا على جهةِ التسليم، أي: وأنتَ المحمودُ في الهداية إلى
ذلك)) قلتُ: كأنه يحاول أن تكونَ الباءُ للسببية، ولكن يكونُ ما تعلِّقَتْ به الباءُ
فعلاً محذوفاً لائقاً بالمعنى تقديرُه: حَصَلَ لنا التسبيحُ والتقديسُ بسببٍ
حمدك.
والحمدُ هنا: مصدرٌ مضاف لمفعولِه، وفاعلُه محذوف(١) تقديره:
بحمدِنا إياك. وزعم بعضهُم أن الفاعلَ مضمرٌ فيه وهو غَلَطُ(٢)؛ لأنَّ المصدرَ
اسم جامدٌ لا يُضمرُ فيه، على أنه قد حُكِيَ خلافٌ في المصدرِ الواقعِ موقعَ
الفعل نحو: ضرباً زيداً، هل يَتَحَّملُ ضميراً أم لا؟ وقد تقدَّم.
و ((نُقَدِّسُ)) عطف على ((نُسَبِّح)) فهو خبر أيضاً عن ((نحن)) ومفعولُه
محذوفٌ أي: نقدِّسُ أنفسَنا وأفعالنا(٣) لك، و((لكم)) متعلُّقٌ بِه أو بـ«نُسَبِّح))،
ومعناها العلةُ، وقيل: هي زائدةٌ، فإنَّ ما قبلَها متعدٍّ بنفسِه، وهو ضعيفٌ إذ
لا تُزادُ إلَّ مع تقديمِ المعمولِ أو يكونُ العامِلُ فَرْعاً، وقيل: هي مُعَدِّيَةٌ نحو:
سجدت لله، وقيل: هي (٤) للبيان، كهي في قولك: سُقْياً لك، فعلى هذا
يتعلَّق بمحذوفٍ ويكونُ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: تقديسُنا(٥) لك. وهذا التقدير
أحسنُ من تقديرِ قولهم: ((أعني)) لأنه أليقُ بالموضِع(٦). وأبعدَ مَنْ زَعَم أنَّ
جملةَ قولِه (٧) ((ونحنُ نسبِّح)) داخلةٌ في حَيِّزِ استفهامٍ مقدرٍ تقديرُه: وأنحن(٨)
(١) قوله: ((محذوف)) سقط من ع.
(٢) قوله ((غلط)) سقط من ي.
(٣) ع: ((أو).
(٤) قوله: ((هي)) سقط من ي ص ح.
(٥) ي: ((تقديساً)).
(٦) ص ح: ((بالوضع)).
(٧) قوله: ((قوله)) سقط من: ي.
(٨) ي: ((ونحن)).
٢٥٧

- البقرة :-
نسبِّح أم نتغيَّر(١). واستحسنه ابن عطية(٢) مع القولِ بالاستفهام المحضِ في
قولهم: ((أتجعلُ))، وهذا يأباه الجمهورُ، أعني حَذْفَ همزةِ الاستفهام مِنْ غِيرِ
ذِكْر ((أم)) المعادِلةِ وهو رأيُ الأخفش، وجَعَل مِن ذلك قولَه تعالى: ((وتلك
نعمةٌ تَمُنُّها عليّ))(٣) أي: وأتلك(٤) نعمةٌ، وقول الآخر(٥):
ولا لَعِباً مني وذو الشَّيبِ يَلْعَبَ
٣٣٩ - طَرِبْتُ وما شوقاًإلى البيضِ أَطْرَبُ
أي: وأذو(٦) الشيب، وقول الآخر(٧):
٣٤٠ - أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكِرامَ وأَنْ أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبْلًا
أي: أأفرحُ (٨)، فَأمَّا مع ((أمْ)) فإنه جائزٌ لدَلالتِها عليه كقوله(٩):
٣٤١ - فواللهِ ما أدري وإنْ كنتُ دارياً
أي: أبسبعٍ .
بسبْعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بِثَمَانٍ
(١) ي: «نتعبد)).
(٢) التفسير ٢٢٠/١.
(٣) الآية ٢٢ من الشعراء وانظر: معاني القرآن للأخفش ٤٢٦.
(٤) ي: ((وتلك)) ومعاني القرآن: أوتلك.
(٥) البيت للكميت، وهو في المحتسب ٥٠/١، وأمالي الشجري ٢٦٧/١؛ والهمع
١٩٥/١؛ والدرر ١٦٧/١.
(٦) ي: ((ودو).
(٧) البيت لحضرمي بن عامر، وهو في اللسان: جزأ؛ وشواهد الكشاف ٢٩٦/٤. والرزء.
النقصان، والشصائص: ج شصوص وهي الناقة القليلة اللبن، والنبل: الصغار.
(٨) صح: ((أفرح)).
(٩) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في ديوانه ٢٦٦، وروايته:
فوالله ما أدري واني الحاسب
وهو في أمالي الشجري ٣٣٥/٢؛ والمغني ٧؛ وابن يعيش ١٥٤/٨؛ ورصف
المباني ٤٥؛ والخزانة ٤٤٧/٤؛ والدرر ٨٥/٢.
٢٥٨

- البقرة -
والتسبيحُ: التنزِيهُ والْبَرَاءَةُ، وأصلُهُ من السَّبْحِ وهو الْبُعْد، ومنه السابحُ
في الماء، فمعنى ((سبحان الله)) أي: تنزيهاً له وبراءةً عمَّا لا يليقُ(١) بجلالِه
ومنه قولُ الشاعر(٢):
٣٤٢ - أقولُ لَمَّا جاءَنِي فَخْرُهْ سُبْحَانَ مِنْ علقمَةَ الفاخِرِ
أي: تنزيهاً، وهو مختصُّ(٣) بالباري تعالى، قال الراغب (٤) في قولِه.
سبحان مِنْ علقمة: ((إن أصلَه سبحانَ علقمةً، على سبيل التهكّم فزادَ فيه
((مِنْ))، وقيل: تقديرُه: سبحانَ الله مِنْ أجل عَلْقمة))، فظاهرُ قولِه أنه يجوزُ أن
یقالَ لغيرِ الباري تعالی علی سبیل التھگُم، وفيه نظرً.
والتقديسُ: التَّطْهير، ومنه الأرضُ المقدَّسَةُ، وبيت المَقْدِس، وروحُ
القُدُس، وقال الشاعر(٥):
٣٤٣ - فَأَدْرَكْنَهِ يَأْخُذْنَ بالساقِ والنّسا كما شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثوبَ المَقْدِسِ.
:
أي: المطهّرُ لهم. وقال الزّمخشري (٦): ((هو مِنْ قَدَّسَ في الأرضِ إذا
ذهبَ فيها وأبعدَ، فمعناه قريبٌ من معنى نُسَبِّح)). انتهى.
قوله تعالى: ((قال إني أَعْلَمُ ما لا تعلمونَ)) أصلُ إنّي: إنني فاجتمع
(١) ح ص: ((يليق)).
(٢) البيت للأعشى وهو في ديوانه ١٤٣؛ والخصائص ١٩٧/٢؛ وابن يعيش ٣٧/١؛
والخزانة ٤١/٢؛ والجمع ١٦٤/١؛ والدرر ١٦٤/١.
(٣) ح ص: ((يختص)).
(٤) المفردات ٢٢٧.
(٥) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١٠٤؛ والقرطبي ٢٧٧/١. أدركنه: الضمير
يعود على الثور والنون للكلاب، والنسا: عرق في الفخذ، والشبرقة: تقطيع الثوب،
والمقدس: الراهب، والأولاد يقطعون ثوب الراهب تَبَرُّكاً به.
(٦) الكشاف ٢٧١/١ .
٢٥٩

- البقرة :
ثلاثةُ أمثال، فحذَفْنا(١) أحدَها، وهل هو نونُ الوقايةَ أو النونُ الوسطى؟ قولان
الصحيحُ الثاني، وهذا(٢) شبيهٌ(٣) بما تقدَّم في ((إِنَّا معكم)) (٤) وبابه.
والجملة في محلّ نصبٍ بالقولِ، و((أعلمُ)) يجوزُ فيه أن يكونَ فعلاً
مضارعاً وهو الظاهرُ، و((ما)) مفعولٌ به، وهي: إمَّا نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولةٌ،
وعلى كلِّ تقديرٍ فالعائدُ محذوفٌ لاستكمالِه الشروطَ أي: تعلمونَه، وقال
المهدوي، ومكي (٥) وتبعهما أبو البقاء(٦): ((إنَّ)) أعلمُ ((اسمُ بمعنى عالم))
كقوله(٧):
٣٤٤ - لَعَمْرُكَ ما أدري واني لأَوْجَلُ على أَيْنَا تَعْدُو المنيَّةُ أَوَّلُ
فـ ((ما) يجوزُ فيها أن تكونَ في محلِّ جرِّ بالإِضافةِ أو نصبٍ بـ ((أَعْلَمُ))
ولم يُنَوَّنْ ((أعلمُ)) لعدم انصرافِه، نحو: ((هؤلاء حَوَاجُ بيتَ الله))(٨)، وهذا
مبنيٌّ على أصلَيْن ضعيفينٍ، أحدُهما: جَعْلُ أَفْعَل بمعنى فاعِل من غير
تفضيلٍ، والثاني أنَّ أفْعل إذا كانت بمعنى اسمِ الفاعل عَمِلَتْ عملَهُ،
والجمهورُ لا يثبتونها. وقيل: ((أعلمُ)) على بابها من كونها للتفضیل،
والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، أي: أعلمُ منكم (٩)، و ((ما)) منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ
دَلَّ عليه أفعل، أي: علمتُ ما لا تعلمون، ولا جائزٌ أن يُنْصَبَ بأفعل التفضيلِ.
(١) ي: ((فحذفت))، وسقط قوله ((أحدها)) من ي.
(٢) ي: )).
(٣) ص ح: ((يشبه).
(٤) الآية ١٤ من البقرة.
(٥) مشكل الإعراب: ٣٥/١.
(٦) الإملاء ٢٨/١.
. (٧) البيت لمعن بن أوس، وهو في ديوانه ٥٧؛ وأمالي الشجري ٣٢٨/١؛ وابن يعيش
٨٧/٤؛ وأوضح المسالك ٢١٧/٢. والوجل: الخوف. والشاهد في ((لأوجل)) اسم بمعنى
واجل.
(٨) زاد في ع: ((وبيت الله)).
(٩). ح ص «منك)).
٢٦٠