Indexed OCR Text

Pages 161-180

- البقرة -
ويُثْنَيان، قال عليه السلام: ((اللهم حوالَيْنا))(١)، ويُجْمَعان على أَحْوال.
ويجوز أن تكونَ ((ما )) نكرةً موصوفةً، و((حولَه)) صفتُها، وإن كان لازماً
فالفاعلُ ضميرُ النار أيضاً، و((ما)) زائدةٌ، و((حوله)) منصوبٌ على الظرفِ العاملُ فيهِ
((أضاء)). وأجاز الزمخشري(٢) أن تكون ((ما )) فاعلةً موصولةً أو نكرةً موصوفةٌ،
وأَنّثَ / الفِعلُ على المعنى، والتقدير: فلمَّا أضاءَتِ الجهةُ التي حولَه أوجهةٌ [١٩/ب]
حولّه. وأجاز أبو البقاء(٣) فيها أيضاً أن تكونَ منصوبةٌ على الظرف، وهي
حينئذٍ إِمَّا بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، التقدير: فلمَّا أضاءت النارُ المكانَ الذي حوله
أو مكاناً حوله، فإنه قال: ((يُقال: ضاءَتِ النارُ وأَضاءَتْ بمعنى، فعلى هذا
تكون ((ما)) ظرفاً وفي ((ما)) ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أن تكونَ بمعنى الذي.
والثاني: هي نكرة موصوفةٌ أي: مكاناً حوله، والثالث: هي زائدةٌ )) انتهى.
وفي عبارتِه بعضُ مناقشةٍ، فإنه بَعْدَ حُكْمِه على (ما)) بأنَّها ظرفيةٌ كيف يجوزُ
فيها والحالةُ هذه أن تكونَ زائدةً، وإنما أراد: في ((ما)) هذه من حيث الجملةُ
ثلاثةُ أوجهٍ، وقولُ الشاعر (٤):
٢١٨ - أضاءَتْ لهم أحسابُهم ووجُوهُهم دُجَى الليلِ حتى نَظّم الجَزْعَ ثَاقِبُهُ
يَحْتمل التعدِّيَ واللزومِ كالآية الكريمة. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ضاءَتْ ثلاثياً(٥).
(١) رواه ابن ماجه: الإقامة ٤٠٤/١؛ ابن حنبل ١٠٤/٣.
(٢) الكشاف ١٩٨/١، والذي أجازه مزيدة أو موصولة.
(٣) الإملاء ٢١/١.
(٤) البيت لأبي الطمحان القيني أو لقيط بن زرارة، وهو في الحماسة ٢٧١/٢؛
والكامل ٣٠؛ والحيوان ٩٣/٣؛ واللسان: خضض. ونظم الجزع: حمل ناظمه على
نظمه، أي أضاءت لهم أحسابهم الظلام حتى إنها حملت ناظم الجزع على نظمه،
والجزع: الخرز.
(٥) وابن أبي عبلة، البحر ٧٩/١.
١٦١

- البقرة -
قولُه تعالى: ((ذَهَبَ اللَّهُ بنورهم)) هذه الجملةُ الظاهرُ أنَّها جوابُ ((لَّمِّ)).
وقال الزمخشري(١): ((جوابُها محذوفٌ، تقديرُه: فلمَّا أضاءَتْ خَمَدَتْ))،
وجَعَل هذا أبلَغَ من ذِكْرِ الجواب، وجعلَ جملةَ قوله: ((ذهبَ اللَّهُ بنورهم))
مستأنفة أو بدلاً من جملة التمثيل(٢). وقد رَدَّ عليه بعضُهم(٣) هذا بوجْهَيْن
أحدهما: أنَّ هذا تقديرُ مع وجودِ ما يُغْني عنه فلا حاجةَ إليه، إذ التقديراتُ
إنما تكونُ عند الضروراتِ. والثاني: أنه لا تُبْدَلُ الجملةُ الفعليةُ من الجملةِ
الاسميةِ .
و ((بنورهم)) متعلُّقٌ بـ((ذَهَبَ))، والباءُ فيه للتعدية، وهي مرادِفَةٌ للهمزة في
التعديةِ، هذا مذهبُ الجمهورِ، وَزَعَمَ أبو العباس(٤) أنَّ بينهما فَرْقاً، وهو أن
الباءَ يَلْزَمُ معها مصاحبةُ الفاعلِ للمفعولِ في ذلك الفعلِ الذي فَعَلَه به
والهمزةُ لا يَلْزِمُ فيها ذلك. فإذا قلتَ: ((ذهبْتُ بِزِيد)) فلا بد أن تكونَ قَد
صاحَّبْتَه في الذهاب فذهبْتَ معه، وإذا قلت: ((أَذْهَبْتَه)) جاز أن يكونَ قَد
صَحِبْتَه وألَّ يكونَ. وقد رَدَّ الجمهورُ على المبرِّد بهذه الآية لأنَّ مصاحِبَتْه
تعالى لهم في الذهابِ مستحيلةٌ. ولكن قد أجاب أبو الحسنِ ابنُ عصفور (٥)
عن هذا بأنه يجوزُ أن يكونَ تعالى قد أَسْنَدَ إلى نفسِه ذهاباً يليقُ به كما أَسْند
إلى نفسِه المجيء والإِتيانَ على معنى يليقُ به، وإنما يُرَدُّ عليه بقولِ
الشاعر(٦):
(١) الكشاف ١٩٩/١.
(٢) جملة التمثيل: مثلهم كمثل.
(٣) وهو أبو حيان في البحر ٧٩/١.
(٤) هو المبرد محمد بن يزيد من نحاة البصرة، أخذ عن الجرميّ والمازنّ، له: الكامل
والمقتضب، توفي سنة ٢٨٥، انظر: أخبار النحويين البصريين ٧٢؛ النزهة ٢١٧؛
البغية ٢٦٩/١.
(٥) شرح الجمل ٤٩٣/١.
(٦) البيت لقيس بن الخطيم، وهو في ديوانه ٧٧، واللسان: حلل، والمخصص ٥٧/١٥،
والخزانة ١٦٤/٣، والبحر ٨٠/١.
١٦٢

- البقرة -
تَحِلَّ بنا لولا نَجاءُ الرَّکائِب
٢١٩ - دیارُ التي كانت ونحن علی مِنی
أي: تَجْعلنا حلالاً بعد أن كنا مُحْرِمين بالحَجّ، ولم تكن هي مُحْرِمةً
حتى تصاحبَهم في الحِلّ، وكذا قولُ امرىء القيس(١):
٢٢٠ - كُمَّيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عن حالِ مَنْنِه كما زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالْمُتَزَّلِ
الصَّفْوُ: الصخرة، وهي لم تصاحِبْ الذي تَزِلُّه.
والضميرُ في ((بنورِهم)) عائدٌ على معنى ((الذي)) كما تقدَّم، وقال
بعضُهم: هو عائدٌ على مضافٍ محذوفٍ تقديرُه: كمثلِ أصحابِ الذي
استوقدَ، واحتاج هذا القائلُ إلى هذا التقديرِ قال: ((حتى يتطابقَ المشبّهُ
والمشبّهُ به، لأنَّ المشبَّهَ جمعٌ، فلولم يُقَدَّرْ هذا المضافُ وهو ((أصحاب)) لَزِم
أن يُشَبِّه الجمعَ بالمفردِ وهو الذي استوقد)» انتهى. ولا أدري ما الذي حَمَلَ
هذا القائلَ على مَنْعِ تشبيه الجمعِ بالمفردِ في صفةٍ جامعةٍ بينهما، وأيضاً فإنَّ
المشبّهَ والمشبَّهَ به إنما هو القصتان، فلم يقع التشبيهُ إلا بين قصتين إحداهما
مضافةً إلى جمع والأخرى إلى مفردٍ.
قوله تعالى: ((وتركَهم فِي ظُلُمات لا يُبْصِرُون)) هذه جملةٌ معطوفةٌ على
قوله ((ذَهَبَ الله)). وأصل الترك: التخليةُ، ويُراد به التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين
على الصحيح، كقول الشاعر(٢):
٢٢١ - أَمَرْتُكَ الخير فافعلْ ما أُمِرْتَ به فقد تَرَكْتُكَ ذا مال وذا نَشَبٍ
(١) البيت من معلقته المشهورة، وهو في ديوانه ٢٠؛ وشرح القصائد للتبريزي ١١٠.
والكميت: لون الحمرة يميل إلى السواد، يَزِلّ اللبد: لا يثبت الجُلّ على ظهره لِمَلاسته،
والصفواء: الصخرة الملساء، والمتنزل: السيل الجارف.
(٢) البيت للعباس بن مرداس أو خفاف بن ندبة أو زرعة بن السائب أو عمرو بن معديكرب
وهو في سيبويه ١٧/١؛ والمحتسب ٥١/١؛ وأمالي الشجري ١٦٥/١؛ والهمع ٤٨٢/٢
والدرر ١٠٦/٢. والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها.
١٦٣

- البقرة -
فإن قُلْنا: هو متعدٍّ لاثنين كان المفعولُ الأول هو الضميرَ، والمفعولُ
الثاني ((في ظلمات)) و((لا يُبْصرون)) حالٌ، وهي حالٌ مؤكدة لأنَّ مَنْ كان في
ظلمة فهو لا يُبْصِرُ، وصاحبُ الحالِ: إمّا الضميرُ المنصوبُ أو المرفوعُ
المستكنُّ في الجارِّ والمجرورِ. ولا يجوزُ أن يكونَ ((في ظلمات)) حالاً،
و ((لا يُبْصِرون)» هو المفعولَ الثاني لأن المفعولَ الثاني خبرٌ في الأصل، والخبرُ
لا يؤتَى به للتأكيد، وأنت إذا جعلت ((في ظلمات)) حالاً فُهِمَ منْه عَدَمُ
الإبصارِ، فلم يُفِدْ قولُك بعد ذلك لا ((يُبْصرون)) إلا التأكيدَ، لكنَّ التأكيدَ ليس
من شأن الإخبار، بل من شأنِ الأحوال لأنها فَضَلاتٌ. ويؤيِّد ما ذكرتُ أن
النَّحْويين لَمَّا أَعرِبُوا قولَ امرىء القيس(١):
بشِقِّ وشِقُّ عندنا لم يُحَوَّلِ.
٢٢٢ - إذا ما بکی مِنْ خَلْفِها انصرفَتْ له
أعربوا ((شِق)) مبتدأً و((عندنا)) خبرَه، و((لم يُحَوَّل)) جملةً حاليةً مؤكِّدةٌ،
قالوا: وجاز الابتداء بالنكرة لأنه موضعُ تفصيل، وأبوا أن يجعلوا ((لم يُحوّل))
خبراً، و((عندنا)) صفةً لشِق مُسَوَّغاً للابتداء به، قالوا: لأنه فُهم معناه من قوله:".
((عندنا)) لأنه إذا كان عِندَه عُلِم منه أنه لم يُحَوَّل، وقد أعربه أبو البقاء(٢).
کذلك، وهو مردودٌ بما ذکرْتُ لك.
ويجوز إذا جَعَلْنا ((لا يُبْصِرون)) هو المفعولَ الثانيَ أن يتعلَّقَ ((في
ظلمات)) به أوبـ((تركهم)، التقدير: ((وتَرَكهم لا يُبْصرون في ظلماتٍ)). وإن كان
((تَرَكَ)) متعدياً لواحد كان ((في ظلمات)) متعلقاً بتّرَكَ، و((لا يُبْصرون)) حالٌ مؤكّدة
ويجوز أن يكونَ ((في ظلمات)) حالاً من الضمير المنصوب في(تَرَكهم))، فيتعلَّقْ
بمحذوفٍ و((لا يُبْصرون)) حالٌ أيضاً: إمّا من الضميرِ المنصوب في ((تَرَكَهم))
(١) البيت من معلقته المشهورة، وهو في ديوانه ١٢؛ وشرح التبريزي على المعلقات ١٠٢ .
(٢) الإملاء ٢١/١.
١٦٤

- البقرة -
فيكونُ له حالان / ويجري فيه الخلافُ المتقدمُ، وإمَّا مِنَ الضميرِ المرفوعِ [ ٢٠/أ]
المستكنُّ في الجارِّ والمجرور قبلَه فتكونُ حالَيْنِ متداخلتين.
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿صُمَّ بُكْمَ عُمْيُ فهم لا يَرْجِعون﴾:
الجمهورُ على رَفْعِها على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم صُمِّ بُكْمٌ عُمْيٌ،
ويَجيء فيه الخلافُ المشهورُ في تعدُّدِ الخبرِ، فَمَنْ أجازّ ذلك حَمَلَ الآيةَ عليه
من غير تأويلٍ ، ومَنْ مَنْعَ ذلك قال: هذه الأخبارُ وإن تعدَّدَتْ لفظاً فهي
مَتِّجِدَةٌ معنَّى، لأنَّ المعنى: هم غيرُ قائلين للحقِّ بسبب عَماهم وصَمَمِهم،
فيكون من باب: ((هذا حُلوٌ حامِضٌ)) أي مُزُّ، و((هو أَعْسَرُ يَسَرٌ)) أي أَضْبَطُ(١)،
وقول الشاعر(٢):
٢٢٣ - ينامُ بإحدى مُقْلَتَيْهِ ويتَّقي
بأخرى المنايا فهو يَقْطانُ هاجِعُ
أي متحرِّزٌ، أو يقدَّر لكلِّ خبرِ مبتدأٌ تقديرُه: هم صُمّ، هم بُكْم، هم
عُمْي، والمعنى على أنهم جامعون لهذه الأوصافِ الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن
تكونَ هذه الآيةُ من باب ما تعدَّدَ فيه الخبرُ لِتعدُّدِ المبتدأ، نحو قولك: الزيدونَ
فقهاءُ شعراءُ كاتبون، فإنه يَحْتمل أن يكونَ المعنى أن بعضَهم فقهاءُ،
وبعضَهم شعراء وبعضهم كاتبون، وأنَّهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة،
بل بعضُهم اختصَّ بالفقه، والبعضُ الآخر بالشعرِ، والآخرُ بالكتابة.
وقُرىء بنصبها(٣)، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه حالٌ، وفيه قولان،
أحدُهما: هو حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في ((تَرَكَهم))، والثاني من المرفوع
(١) وهو الذي يعمل بيديه جميعاً، فإن عمل بالشمال فهو أعسر.
(٢) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ١٠٥؛ والأشموني ٢٢٢/١؛ والعيني ٥٦٢/١،
والرواية المشهورة: فهو يقظان نائم.
(٣) قراءة عبدالله بن مسعود وحفصة. انظر: ابن عطية ١٨١/١؛ البحر ٨٢/١.
١٦٥

- البقرة -
في ((لا يُبْصرون)). والثاني: الْنَصبُ على الذَمِّ، كقوله: ((حَمَّالَّةَ الحطَبِ))(١).
وقول الآخر(٢):
٢٢٤ - سَقَوْني النَّسْءَ ثم تَكَنَّفوني عُدَاةَ اللَّهِ مِنْ كَذِبٍ وَزُورٍ
أي: أَذُمُّ عُدَاةَ اللَّهِ. الثالث: أنْ يكونَ منصوباً بتَرَّكَ أي: تَرَكهم صُمَّ
بُكْمَأَ عُمْياً.
والصَّمَمُ داءٌ يمنعُ من السَّماع، وأصلُه من الصَّلابة، يقال: ((قناةٌ صَمَّاء))
أي صُلبة، وقيل : أصلُه من الانسدادِ، ومنه: صَمَمْتُ القارورةَ أي: سَدَدْتُها.
والبّكَم داءٌ يمنع الكلامَ، وقيل: هو عدمُ الفَهْمِ، وقيل: الأبكم مَّنْ
وُلِد اخرس.
وقولُه: ((فهم لا يُرْجِعون)) جملةٌ خبريةٌ معطوفةٌ على الجملةِ الخبرِيةِ
قبلها، وقيل: بل الأولى دعاءً عليهم بالصَّمَم، ولا حاجةً إلى ذلك. وقال
أبو البقاء(٣): ((وقيل: فهم لا يَرْجِعُون حالٌ، وهو خطأً، لأن الفاء تُرَتِّبُ،
والأحوالُ لا ترتيبَ فيها)). و((َرَجَعَ)) يكونُ قاصراً ومتعدياً باعتبَارَيْنِ، وهُذَيْل
تقول: أَرْجَعَهُ غيرُهُ فإذا كان بمعنى ((عاد)) كان لازماً، وإذا كان بمعنى أعاد كان
متعدياً، والآية الكريمةُ تحتمل التقديرينِ، فإنْ جَعَلْنَاه متعدياً فالمفعولُ
محذوفٌ، تقديرُهُ: لَا يَرْجِعون جواباً، مثلُ قوله: (إنه على رَجْعِهِ لِقَادِر))(٤).
وَزَعَمَ بعضُهم أنه يُضَمَّنَ معنى صار،َ فيرفعُ الاسم وينصِبُ الخبر، وجَّعَلَ مِنْهُ
(١) الآية ٤ من سورة المسد.
(٢) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ٩٠؛ والكتاب ٢٥٢/١؛ ومجالس
ثعلب ٣٤٩/٢.
(٣) الإملاء ٢١/١.
(٤) الآية ٨ من الطارق.
١٦٦

- البقرة -
قولَه عليه السلام: ((لا تَرْجِعوا بعدي كُفَّاراً يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض))(١)،
وَمَنْ مَنَعَ مِنْ جريانِهِ مَجْرى ((صار» جَعَلَ المنصوبَ حالاً .
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿أو كَصَيِّب من السماء﴾: في ((أو)) خمسة
أقوال، أظهرُها: أنها للتفصيلِ بمعنى أنَّ الناظرينَ في حالِ هؤلاء منهم مَنْ
يُشَبُّهُهُمْ بحال المستوقدِ الذي هذه صفتُهُ، ومنهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بأصحاب صَيِّبٍ
هذه صفتُه. الثاني: أنها للإِبهام، أي: إن الله أَبْهم على عباده تشبيهَهم بهؤلاء
أو بهؤلاء، الثالث: أنها للشَّكِّ، بمعنى أن الناظر يَشُكُّ في تشبيههم. الرابع:
أنها للإِباحة. الخامس: أنها للتخيير، أي: أُبيح للناس أن يشبِّهوهم بكذا
أو بكذا، وخُيِّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين(٣)، أحدُهما:
كونُها بمعنى الواو، وأنشدوا(٢):
٢٢٥ - جاء الخلافةَ أو كانَتْ له قَدَراً كما أتى ربَّ موسى على قَدَرٍ
والثاني: كونُها بمعنى بل، وأنشدوا(٣):
٢٢٦ - بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ فِي رَوْنَقِ الضَّحَى
وصورتِها أَوْ أَنْتَ في العينِ أَمْلَحُ
أي: بل أنت.
و (کصیب)) معطوفٌ على ((كَمَثَل)»، فهو في محلِّ رفع، ولا بُدَّ من حذف
مضافّيْنٍ، ليصِحِّ المعنى، التقدير: أو كمثل ذَوي صَيِّب، ولذلك رَجَعَ عليه
(١) رواه البخاري: العلم (فتح الباري) ٢١٧/١.
(٢) انظر في أو: المغني ٦٤، الرصف ١٣١.
(٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٢٧٥، وأمالي الشجري ٣١٧/٢، والهمع ١٣٤/٢،
والدرر ١٨١/٢.
(٤) البيت لذي الرمة، وهو في ملحق ديوانه ١٨٥٧، والخصائص ٤٥٨/٢، والمحتسب
٩٩/١، والإنصاف ٤٧٨، والخزانة ٤٢٣/٤.
١٦٧

- البقرة : :
ضميرُ الجمع في قوله: ((يَجْعَلُونَ أصابعَهم في آذانهم)) لأنَّ المعنى على
تشبيهِهم بأصحاب الصيِّب لا بالصيِّب نفسِه. والصيِّبُ: المطر: سُمِّ بذلك
لنزولِهِ، يقال: صابَ يصُوبُ إِذا نَزَلَ، قال(١):
٢٢٧ - فلسْتُ لإِنسِيّ ولكن لِمَلْأَكٍ
تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصُوَبُ
وقال آخر(٢):
سَقَتْكِ رَوايا المُزْنِ حيثُ تَصُوبُ
٢٢٨ - فلا تَعْدِلِي بيني وبينَ مُغَمَّرٍ
واختلف في وزنْ صَيِّب(٣): فمذهبُ البصريين أنه ((فَيْعِل))، والأصلُ:
صَيْوبٍ فَأُدْغِمَ (٤) كميِّتٍ وهيِّن والأصلُ: مَيْوت وهَيْوِن. وقال بعض الكوفيين:
وزنه فَعِيل، والأصل: صَويب بزنة طَويل، قال النحاس: (٥) ((وهذا خطأً لأنه
كانَ ينبغي أن يَصِحَّ ولا يُعَلَّ كطويل)) وكذا قال أبو البقاء(٦). وقيل وزنه: فَعْيِل
فقُلِب وأُدْغِم .
واعلم أنه إذا قيل بأن الجملةَ من قوله: ((ذَهَبَ اللَّهُ بنورهم)) استئنافيةٌ
[٢٠/ب] ومن قوله ((صُمَّ بُكْمٌ عُميّ)) أنها من وصف المنافقين كانتا / جملتي اعتراض
(١) البيت منسوب لعلقمة في ملحق ديوانه ١١٨، ونسبه في اللسان: صوب إلى رجل من
عبدالقيس، وهو في المفضليات ٣٩٤ والكتاب: ٣٧٩/٢؛ وأمالي الشجري ٢٠/٢؛
وإملاء العكبري ٢٨/١. والملأك: واحد الملائكة. ويصوب: ينزل.
(٢) البيت لعلقمة، وهو في ديوانه ٣٤؛ والمفضليات ٣٩٢؛ وأمالي الشجري ٢٠/٢؛
والقرطبي ٢١٥/١. والمغمر: الجاهل ..
(٣) الإِنصاف ٧٩٥.
(٤) أي بعد أن اجتمعت إلياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون قُلِبَتْ الواو ياء وأدغمت الياء
في الياء.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٤٣/١.
(٦) الإملاء ٢٢/١.
١٦٨

- البقرة -
بين المتعاطفين، أعني قوله: كمثل وكصيّب، وهي مسألةُ خلاف منعها
الفارسي وقد رُدَّ عليه بقول الشاعر: (١)
٢٢٩ - لَعَمْرُكَ والخُطوبُ مُغَيِّراتٌ
وفي طولِ المُعَاشَرَةِ التَّقالي
ولكنْ أمُّ أَوفَى لا تُبالي
لقد بالَيْتُ مَظْعَنَ أمِّ أَوْفَى
فَفَصَلَ بين القسمِ وهو قولُهُ: (لَعَمْرُك)) وبين جوابِهِ وهو قولُهُ: ((لقد
بالَّيْت)» بجملتين، إحداهما: ((والخطوبُ مغيِّرات)) والثانيةُ: ((وفي طولٍ
المعاشرةِ التقالي)). [قولُه:] ((مِن السماءِ) يَحْتمل وجهينٍ، أحدُهما أَن يكونَ
متعلقاً بـ ((صَيِّب)) لأنه يعملُ عملَ الفعلِ، التقديرُ: كمطرٍ يصوبُ من السماء،
و(مِنْ)) لابتداء الغاية. والثاني: أن يكونَ في محلِّ جر صفةً لصيّب، فيتعلَّقَ
بمحذوف، وتكونُ ((مِنْ)) للتبعيض، ولا بُدَّ حينئذٍ من حذفِ مضافٍ، تقديرهُ:
كصيِّب كائنٍ من أمطارِ السماءِ.
والسماءُ: كلُّ ما عَلَاك من سقف ونحوه، مشتقةٌ من السُّمُوِّ،
وهو الارتفاعُ والأصل: سَماوٌ(٢)، وإنما قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لوقوعِها طرفاً بعد
ألفٍ زائدةٍ، وهو بدلٌ مطّرد، نحو: كِساء ورِدَاء، بخلافٍ نحو: سِقاية وشَقاوةٍ،
لعدم تطرُّفِ حرفِ العلة، ولذلك لَّمَّا دَخلت عليها تاءُ التأنيث صَحَّتْ نحو:
سَماوة، قال الشاعر: (٣)
(١) البيتان لزهير وهما في ديوانه ٣٤٢؛ والمغني ٤٤١. والتقالي: التباغض. باليت: من
المبالاة. مظعن: مسير.
(٢) انظر: الممتع ٥٤٦.
(٣) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ٢٣٢/٢، وقبله:
ناجٍ طواه الْأَيْنِ مِمَّا وَجَفًا
وهو في سيبويه ١٨٠/١؛ واللسان: حقف. يصف بعيراً أضمره السير حتى اعوجُ
من الهزال كما تمحق الليالي القمر شيئاً بعد شيء حتى يعود هلالاً معوجاً. والناجي:
السريع. والوجيف: سير سريع. والأين: الإِعياء. والزلف: الساعات المتقاربة.
وسماوة كل شيء: أعلاه. والمحقوقف: المعوجُ.
١٦٩

- البقرة +
سَماوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفَا
٢٣٠ - طيَّ الليالي زُلَفاً فَزُلَفَا
والسماءُ مؤنث، وقد تُذَكَّر، وأنشدوا:(١)
٢٣١ - فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً لَحِقْنَا بالسماءِ مَعَ السحابِ
فأعاد الضميرَ مِنْ قوله: ((إليه)) على السماءِ مذكَّراً، ويُجْمع على
سَماوات وأَسْمِيَة وسُمِيّ، والأصل: فُعول، إلا أنه أُعِلَّ إعلالَ عُصِيّ(٢) بقلب
الواوين يائين وهو قلبٌ مطَّرد في الجمع، ويَقِلُّ في المفرد نحو: عتا عُنِيًّا،
كما شَذَّ التصحيحُ في الجمع، قالوا: ((إنكم تنظرون في نُحُوِّ كثيرةٍ»، وجُمِعَ
أيضاً على سَمَاء، ولكن مفردَه سَماوة، فيكونُ من باب تَمْرة وتمر، ويدلَّ على
ذلك قولُه: (٣)
٢٣٢ -
فوق سَبْعٍ سَمَائِیا
ووجه الدلالة أنه مُيِّزَ به «سبع)»، ولا تُمَيَّز هي وأخواتُها إلا بجمعٍ
مجرور.
قولهُ تعالَى: ((فيهِ ظلماتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ)) يَحْتمل أربعةَ أوجه، أحدها: أَنْ
يكونَ صفةً لـ((صَيِّب)). الثاني: أن يكونَ حالاً منه، وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِهِ:
إِمَّا بالعملِ في الجار بعدَه، أو بصفةٍ بالجارِ(٤) بعده. الثالث: أن يكونَ حالاً
من الضميرِ المستكنَّ في ((مِن السماء)» إذا قيل إنه صفةٌ لصيِّب، فيتعلَّقُ فِي
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في إعراب ثلاثين سورة ٩٨؛ والبحر ٨٣/١.
(٢) انظر: الممتع ٥٥١ .
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ٧٠ وتمامه:
له ما رأتْ عينُنُ البصير وفوقَه
سماءُ الإِلهِ فوق سبعٍ سمائيا
وهو في المقتضب ١٤٤/١؛ والخصائص ٢١١/١؛ والكتاب ٥٩/٢؛ واللسان:
سما؛ والخزانة ١١٨/١؛ والبحر ٣٠٤/٢.
(٤) قوله ((بالجار)) بدل من صفة.
١٧٠

- البقرة -
التقادير الثلاثةِ بمحذوفٍ، إلاّ أنه على القولِ الأولِ في محلٍّ جرِّ لكونه صفةً
لمجرورٍ، وعلى القولين الأخيرين في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ . و((ظلماتٌ))
على جميع هذه الأقوال فاعلٌ به (١) لأنَّ الجارَّ والمجرورَ والظرفَ متى اعتمدا
على موصوفٍ أوذي حال أوذي خبرٍ أو على نفي أو استفهام عمِلاً عَمَلَ
الفِعْلِ، والأخفش يُعْمِلهما مطلقاً كالوصف، وسيأتي تحريرُ ذلك. الرابعُ: أن
يكونَ خبراً مقدَّماً و(ظلماتٌ)) مبتدأ، والجملةُ تحتمل وجهين: الجرَّ على أنها صِفّةٌ
لصيِّب. والثاني: النصبُ على الحال، وصاحِبُ الحال يُحْتمل أن يكونَ
((كصيِّب)) وإن كان نكرةً لتخصيصهِ بما تقدَّمه، وأن يكونَ الضميرَ المستكنَّ في
(مِنْ السماء)) إذا جُعِلَ وصفاً لصيِّب، والضمير في ((فيه)) ضميرُ الصَيِّب.
واعلم أنَّ جَعْلَ الجارِّ صفةً أو حالاً، ورفعَ ((ظلماتٌ)) على الفاعلية به
أَرْجَحُ مِنْ جَعْلِ ((فيه ظلماتٌ)) جملةً برأسِها في محلِّ صفةٍ أو حالٍ، لأنَّ الجارّ
أقربُ إلى المفردِ من الجملة، وأصلُ الصفةِ والحال أن يكونا مفرّدَيْنِ.
(وَرَعْدٌ وبَرْقٌ)) معطوفانٍ على ((ظُلُماتٌ)) بالاعتبارين المتقدمين، وهما في
الأصل مصدران تقول: رَعَدت السماء تَرْعُدُ رَعْدَاً وَبَرَقَتْ بَرْقاً، قال
أبو البقاء(٢): ((وهما على ذلك [مُوَخَّدَتان](٣) هنا))، يعني على المصدريَّة،
ويجوز أن يكونا بمعنى الراعِد والبارِق نحو: رجل عَدْلٌ، والظاهرُ أنهما في
الآية ليس المرادُ بهما المصدرَ بل جُعِلاً اسماً للهزِّ واللمعَانِ، وهو مقصودٌ
الآيةِ، ولا حاجةً حينئذٍ إلى جَعْلِهِمَا بمعنى اسمٍ فاعل.
قولُه تعالى: ((يَجْعَلُونَ أصابعَهم في آذانِهم)) هذه الجملةُ الظاهرُ أنها
لا محلّ لها لاستئنافِها، كأنه قيل: ما حالُهم؟ فقيل: يَجْعَلون. وقيل: بل لها
(١) هذا على مذهب بعضهم، والجمهور يعربونه مبتدأ.
(٢) الإملاء ٢٢/١.
(٣) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من أبي البقاء.
١٧١

- البقرة -
محلٌّ، ثم اختُلِفَ فيه، فقيل: جَرَّ لأنها صفةٌ للمجرور، أي: أصحابُ صيِّب
جاعلين، والضميرُ محذوفٌ، أو نابَتْ الألفُ واللام منابَه، تقديرُهُ: يَجْعَلُونَ
أصابعهم في آذانهم من الصواعق منه أو من صواعقِه. وقيل: محلُّها نصبٌ على
الحال من الضمير ((فيه). والكلامُ في العائدِ كما تَقَدَّم، والجَعْلُ هنا بمعنى
الإلقاء، ويكونُ بمعنى الخَلْقِ فيتعدَّى لواحِدٍ، ويكون بمعنى صِيَّر أوسَمِّ
فيتعدَّى لاثنين، ويكون للشروع فيعملُ عَمَلَ عسى .
وأصابِعُهم جمعُ إِصْبَع، وفيها عشرُ لغاتٍ (١)، بتثليث الهمزة مع تثليث
الباء، والعاشرة: أُصْبوع بضمُّ الهمزة. والواوُ في ((يَجْعلون)) تعود للمضاف
المحذوف كما تقدم إيضاحُهُ. واعلمْ أنَّه إذا حُذِفَ المضافُ جاز فيه اعتباران،
أحدهما: أن يُلْتفت إليه، والثاني ألَّ يُلْتَفَتَ إليه، وقد جُمِع الأمران في قوله
تعالى: ((وكم من قريةٍ أهلكناها فجاءها بأْسُنَا بَيَاتاً أو هم قائلون))(٢)، التقدير:
وكم من أهل قرية فلم يُرَاعِه في قوله: ((أهلكناها [فجاءها))](٣) وراعاه في
[٢١/أ] قوله: ((أوهم قائلون)) . و((في آذانهم من الصواعق)) كلاهما متعلقٌ بالجَعْلِ،
و ((مِنْ)) معناها التعليل. والصواعِقُ: جمع صاعقة، وهي الصيحة الشديدة من
صوت الرعد يكون معها القطعة من النار، ويقال: ساعِقة بالسين، وصافِعة
بتقديمِ القاف وأنشد: (٤).
صواقِعُ، لا بل هُنَّ فوق الصواقِعِ
٢٣٣ - ألم تَرَ أنَّ المجرمين أصابَهُمْ
ومثلُه قول الآخر (٥)
(١) انظر: اللسان صبع . :
(٢) الآية ٤ من الأعراف.
(٣) سقطت من الأصل وثبتت في النسخ الأخرى.
(٤) البيت لابن أحمر وهو في اللسان: صقع.
(٥) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في اللسان: صقع وعجزه فيه:
تَشَّقَ البرق عن الصواقع
١٧٢

- البقرة -
تَشَقُّقَ اليدَيْنِ بِالصَّواقِعِ
٢٣٤ - يَحْكُوْن بالمَصْفُولَةِ القواطِعِ
وهي قراءةُ الحسن(١)، قالَ النحاسَ: (٢) ((وهي لغةُ تميم وبعض بني
ربيعة)) فُيُحتمل أن تكونَ صاقِعَة مقلوبةً من صاعِقَة، ويُحْتَمل ألاّ تكونَ،
وهو الأظهرُ لثبوتها لغةً مستقلةً كما تقدَّم، ويقال: صَعْقَة أيضاً، وقد قَرَأَ بها
الكسائي في الذاريات(٣)، يقال: صُعِقَ زِيدٌ وَأَصْعَقَهُ غيرُه، قال: (٤)
أُحَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقْهَا صواهِلُهْ
٢٣٥ - تَرى النُّعَراتِ الزُرْقَ تَحْتَ لَبَانِهِ
قولُه تعالى: ((حَذّرَ الموت)) فيه وجهان، أظهرهُما: أنه مفعولٌ من أجله
ناصبُه ((يَجْعلون)) ولا يَضُرُّ تعدُّدُ المفعولِ مِنْ أجله، لأنَّ الفعلَ يُعَلَّل بعِلَلٍ.
الثاني: أنه منصوبٌ على المصدرِ وعامِلُهُ محذوفٌ تقديرُهُ: يَحْذَرُونَ حَذّراً مثلَ
حَذَرِ الموت، والحَذَرُ والحِذار مصدران لحَذِر أي: خافَ خوفاً شديداً.
واعلم أَنَّ المفعولَ مِنْ أجله بالنسبةِ إِلى نَصْبِهِ وجرِّه بالحرف على ثلاثةِ
أقسام: قسم يكثُر نصبُه وهو ما كان غَيْرَ مُعَرَّفٍ بأل مضافٍ نحو: جِئْت إكراماً
لك، وقسم عكسُه، وهو ما كان معرَّفاً بأل. ومِنْ مجيئه منصوباً قولُ
الشاعر: (٥)
٢٣٦ - لا أَقْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيْجَاءِ ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ
(١) انظر: البحر ٨٦/١؛ القرطبي ٢١٩/١؛ الشواذ ٣.
(٢) إعراب القرآن ١٤٤/١.
(٣) الذاريات ٤٤: ((فأخذَتْم الصاعقة)) وانظر: السبعة ٦٠٩.
(٤) البيت لتميم بن مقبل، وهو في ديوانه ٢٥٢؛ والحيوان ٢٣٣/٧؛ وأمالي المرتضى
١٩١/١؛ واللسان: فرد، والجمع ٢٦/١؛ والدرر ٧/١؛ والنعرات: ج نعرة وهي
ذباب ضخم يلسع الدواب. لبانه: صدره. والصواهل: ج صاهلة والمراد بها تكرار
عضه لها أو الصهيل نفسه، والضمير لبعير.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في الأشموني ١٢٥/٢، والعيني ٦٩/٣؛ والهمع ١٩٥/١؛
والدرر ١٦٧/١.
١٧٣

نـ البقرة -
وقسم يستوي فيه الأمران وهو المضافُ كالآيةِ الكريمة، ويكونُ معرفةً
ونكرةً، وقد جَمَع حاتم الطائِيُّ الأمرينِ في قوله: (١)
٢٣٧ - وَأَغْفِرُ عوراءَ الكريمِ ادِّخَارَهُ
وَأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا
و((حَذَرَ الموت)) مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعلُه محذوفٌ، وهو أحدٌ
المواضِعِ التي يجوزُ فيها حذفُ الفاعلِ وحدَه، [والثاني: فِعْلُ ما لم يُسَمَّ
فاعلُهُ، والثالث: فاعل أَفْعَل في التعجب على الصحيح، وما عدا هذه لا يجوز
فيه حذفُ الفاعلِ وحدَّه](٢) خلافاً للكوفيين. والموتُ ضِدُّ الحياة يقال: مات
يموت ويَماتٍ، قال الشاعر: (٣)
٢٣٨ - بُنَيَّتِي سَيِّدَةَ البناتِ عِيشي ولا يُؤْمَنُ أن تَماتي
وعلى هذه اللغة قُرِىءَ: مِنْنَا(٤) ومِتُّ(٥) بكسر الميم كخِفْنَا وخِفْت،
فوزنُ ماتَ على اللغةِ الأولى: فَعَل بفتح العينِ، وعلى الثانية: فَعِل بكسرِها،
والمُوات بالضمَّ الموتُ أيضاً، وبالفتح: ما لا رُوحَ فيهِ، والمَوَتان بالتحريك
ضد الحَيَوَانِ، ومنه قولُهم (اشْتَرِ المَوْتَانِ ولا تَشْتَرِ (٦) الحَيوان)»، أي: اشتر
الْأَرَضِينَ ولا تَشْترِ الرقيق فإنه في مَعْرِضِ الهلاك. والمُوتان بضمُّ الميم:
وقوعُ الموتِ في الماشية، ومُوِّت فلانٌ بالتشديد للمبالغة، قال: (٧)
(١) ديوانه ١١١؛ والنوادر ١١٠؛ والكتاب ١٨٤/١؛ والمقتضب ٣٤٨/٢، والكامل ١٦٥؛
وابن يعيش ٥٤/٢؛ والأشموني ١٨٩/٢؛ والعين ٧٥/٣؛ والخزانة ٤٩١/١.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبتناه من النسخ الأخرى.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: موت، وشرح شواهد الشافية ٥٧؛ والقرطبي
٠٢٢٠/١
(٤) الآية ٨٢ من المؤمنون: ((قالوا أئذا متنا)).
(٥) الآية ٢٣ من مريم: ((يا ليتني مت قبل هذا))، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف وحفض
بكسر الميم. انظر: زاد المسير ٣٢٠/٥.
(٦) الأصل: ولا تشتري وهو سھو.
(٧) لم أهتد إلى قائله وهو في: اللسان موت.
١٧٤

- البقرة -
٢٣٩ - فَعُرْوَةُ مات موتاً مستريحاً فها أنا ذا أُمَوَّتُ كلَّ يومٍ
والمُسْتميتُ: الأمرُ المُسْتَرْسِلُ، قال رؤية: (١)
والليلُ فوق الماء مُسْتَمِيتُ
٢٤٠ - وزَبَدُ البَحْرِ له كُتِيتُ
قولهُ تعالى: ((والله محيطٌ بالكافرين)) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وأصلُ
مُحِيط: مُحْوِط، لأنه من حاطَ يَحُوطُ فَأُعِلَّ كإعلال نَسْتعين. والإِحاطَةُ: حَصْرُ
الشيء مِنْ جميعِ جهاتِهِ، وهو هنا عبارةٌ عن كونِهِم تحت قَهْرِهِ، ولا يَفُوتونه .
وقيل: ثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي عقابُهُ محيطٌ بهم. وهذه الجملةُ قال
الزمخشري(٢): ((هي اعتراضٌ لا محلّ لها من الإِعراب)). كأنه يَعْني بذلك أنَّ
جملَة قوله: يَجْعلون أصابِعَهم، وجملةً قوله: ((يكاد البرق)) شيءٌ(٣) واحدٌ،
لأنَّهما من قصةٍ واحدةٍ فوقَعَ ما بينهما اعتراضاً.
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿يكادُ البرقُ يخطف أبصارَهمٍ﴾: ((يكادُ))
مضارع كادَ، وهي لمقاربةِ الفعل، تعملُ عمل ((كانَ))، إلَّ أنَّ خَبَرَها لا يكونُ
إلا مضارعاً، وشَذُّ مجيتُه اسماً صريحاً، قال: (٤)
٢٤١ - فَأَبْتُ إلى فَهْمِ وما كِدْتُ آيباً وكم مثلِها فارَقْتُها وهي تَصْفِرُ
والأكثرُ في خبرِها تجرُّدُهُ من ((أنْ)) عَكَسَ ((عسى)، وقد شَذَّ اقترانُهُ بها،
وقال رؤية : (٥)
(١) ديوانه ٢٦؛ والقرطبي ٢٢١/١؛ واللسان: موت. والكتيت: الهدير. والمستميت
للأمر: المسترسل له.
(٢) الكشاف ٢١٨/١ .
(٣) الأصل: ((شيئاً واحداً وهو سهو)) لأنه خبر أن.
(٤) البيت لتأبط شراً، وهو في الحماسة ٧٢/١؛ والخزانة ٥٤/٣؛ والهمع ١٣٠/١؛ والدرر
١٠٧/١. وأبت: رجعت. وفهم: قبيلة. وتصفر: من الصفير كناية عن تأسَّفها.
(٥) ملحق ديوانه ٧٢؛ والكتاب ٤٧٨/١؛ واللسان: مصح؛ وابن يعيش ١٢١/٧؛
والخزانة ٩٠/٤. والبلى: القِدَم. ومصح: ذهب.
١٧٥

- البقرة -
٢٤٢ - قد كادَ مِنْ طول البلى أن يَمْحَصا
:
لأنها لمقاربةِ الفعلِ، و((أَنْ)) تُخَلِّصُ للاستقبال، فَتَنَاذَا(١). واعلم أنَّ
خَبَرَها - إذا كانَتْ هي مثبتةً - منفيٍّ في المعنى لأنها للمقاربة، فإذا قلت:
(كاد زيدٌ يفعلُ)» كان معناه قارَبَ الفعلَ، إلا أنه لم يَفْعِل، فإذا نُفِيَّتْ انْتَفَى
[٢١/ ب] خبرُها بطريقِ الْأُوْلى، لأنه إذا انْتَفَتْ مقاربةُ الفعل / انتفى هو من بابَ أَوْلِى
ولهذا كانَ قَولُه تعالى: ((لم يَكَدْ يَرَاهَا))(٢) أبلغَ مِنْ أَنْ لوقيل: لم يَرَها، لأنه
لم يقارِبِ الرؤيةَ فكيف له بها؟ وزعم جماعةٌ منهم ابن جني (٣) وأبو البقاء(٤)
وابنُ عطية أنَّ نفيَها إثباتُ وإثباتَها نفيٌ، حتى أَلْغَزَّ بعضُهم فيها فقال: (٥)
٢٤٣ - أَنَحْوِيَّ هذا العصرِ ما هي لفظةٌ
جَرَتْ فِي لِسَانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودٍ
إذا نُفِيَتْ - والله أعلمُ - أُتْبِتَتْ
:
وإِنْ أُثْبِتَتْ قامَتْ مَقَامَ جُجُودٍ
وَحَكَوْا عن ذي الرمة أنه لمَّا أَنْشَدَ قولَهِ(٦) :.
٢٤٤ - إذا غَيَّر النأيُّ المحِّينَ لم يَكَدْ رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يُبْرَجُ
عِيْبَ عليه لأنه قال: لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله:
(لم يَزَلْ)) أو ما هو بمعناه، والذي غَرَّ هؤلاء قولُهُ تعالى: ((فَذَبَحوها وما كادوا
يفعلون))(٧) قالوا: فهي هنا منفيَّةٌ وخبرُها مُثْبَتٌ في المعنى، لأن الذّبْحَ وَقِع
(١) انظر: ابن عقيل ٢٨٠/١.
(٢) الآية ٤٠ من سورة النور.
(٣) عثمان بن جني تلميذ الفارسي، من نحاة البصرة، له: سر الصناعة والخصائص
والمحتسب والمنصف، توفي سنة ٣٩٢. انظر: النزهة ٣٣٢، البغية ١٣٢/١.
(٤) الإِملاء ٢٢/١.
(٥) البيتان للمعري، وهما في الأشموني ٢٦٨/١؛ والهمع ١٣٢/١؛ والدرر ١١٠/١ ..
(٦) ديوانه ١١٩٢؛ وابن يعيش ١٢٤/٧؛ والأشموني ٢٦٨/١؛ وإملاء العكبري ١٥٨/٢؛
والخزانة ١٧٤/٤. ورسَّ الهوى: ثبت في القلب. ويبرح: يزول.
(٧) الآية ٧١ من البقرة.
١٧٦٠

- البقرة -
لقوله: ((فَذَبَحُوها)). والجوابُ عن هذهِ الآية من وَجْهَين، أحدُهما: أنه يُحْمَلُ
على اختلافٍ وَقْتَيْنٍ، أي: ذَبَحوها في وقتٍ، وما كادوا يفعلونَ في وقتٍ آخرَ،
والثاني: أنه عَبَّر بنفيِ مقاربةِ الفعل عن شدَّةٍ تعنْتِهِمْ وُسْرِهِم في الفعلِ .
وأمَّا ما حَكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرُّمة في رجوعِهِ عن قولهِ،
وقالوا: هو أَبْلَغُ وأحسنُ مِمَّا غَيَّره إليه.
واعلم أَنَّ خَبَرَ («كاد)) وأخواتِها - غيرَ عسى - لا يكون فاعلُه إلا ضميراً
عائداً على اسمها، لأنها للمقارَبَةِ أو للشروع بخلافِ عسى، فإنها للترجِّي،
تقول: ((عسى زيدٌ أن يقومَ أبوه))، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأمَّا قولُه: (١)
٢٤٥ - وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِمِيََّ ناقتي
فما زِلْتُ أبكي عندَهُ وأُخَاطِبَةْ
وَأَسْقِيهِ حتى كادَ مِمَّا أَبْنُّه
تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُه ومَلَاعِبُهْ
فأتى بالفاعلِ ظاهراً فقد حَمَلَه بعضهُم على الشذوذِ، وينبغي أن يُقال:
إنما جاز ذلك لأن الأحجارَ والملاعب هي عبارةٌ عن الرِّبْع، فهي هو، فكأنه
قيل: حتى كاد يكلُّمني، ولكنه عَبَّر عنه بمجموع أجزائه، وقولُ الآخر(٢):
ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشاربِ السَّكِرِ
٢٤٦ - وقد جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُني
فَصِرْتُ أمشي على أخرى من الشجر
وكنتُ أمشي على رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً
فأتى بفاعل [خبر](٣) جَعل ظاهراً، فقد أُجيب عنه بوجهين، أحدُهما:
أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديره: وقد جَعَل ثوبي إذا ما قمت يُثْقلني. والثاني:
أنه من باب إقامةِ السببِ مُقَامَ الْمُسَبَّبِ، فإنَّ نهوضَه كذا متسبِّبٌ عن إثقالٍ
(١) البيتان لذي الرمة، وهما في ديوانه ٨٢١ والكتاب ٢٣٥/٢؛ وأمالي الشجري ٢٩/٢؛
والأشموني ٢٦٣/١؛ والدرر ١٠٨/١.
(٢) البيتان لابن أحمر الباهلي أو أبي حية النميري أو عبد من عبيد بجيلة، وهما في أمالي
القالي ١٦٣/٢؛ والخصائص ٢٠٧/١؛ وشذور الذهب ١٩٠؛ والدرر ١٠٢/١.
(٣) سقط من الأصل سهواً لأن فاعل ((جعل)) التاء وليس هذا محل الشاهد.
١٧٧

ث البقرة -ـ
ثوبِه إياه، والمعنى: وقد جَعَلْتُ أَنْهَضُ نَهْضَ الشارب الثملِ لإِثقالِ ثوبي
إياي .
ووزن کاد كوِد بكسر العين، وهي من ذواتِ الواو، كخاف يَخاف، وفيها لغةٌ
أخرى: فتحُ عينها، فعلى هذه اللغةِ تُضَمُّ فاؤها إذا أُسْنِدَتْ إلى تاءِ المتكلم
وأخواتِها، فتقولُ: كُدْبَ وكُدْنا مثل: قُلْت وقُلْنا، وقد تُنْقَلُ كسرةُ عينها إلى
فائها مع الإِسناد إلى ظاهر، كقوله (١):
٢٤٧ - وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأْكُلْنَ جُتَّتي
وكِيدٍ خِراشَ عند ذلك بَيْتِمُ
ولا يجوز زيادتُها خلافاً للأخفش(٢)، وسيأتي هذا كلُّه في ((كاد))
الناقصة، أمَّا ((كاد)) التامة بمعنى مَكَر فإنها فَعَل بفتح العين من ذواتِ الياءِ،
بدلیل قوله: (إنهم یکیدون گیداً، وأکید»(٣).
و(البرق)) اسمها، و ((يخطَّف)) خبرُها، ويقال: خَطِف يَخْطَفُ بِكِسْر
عين الماضي وفتح المضارع، وخَطّفِ يخطف، عكسُ اللغة الأولى، وفيه
قراءاتٌ كثيرة (٤)، المشهورُ منها الأولى. الثانية(٥): يَخْطِف بكسر الطاء.
(١) البيت لأبي خراش الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٤٨/٢ وروايته:
فتقعد أو ترضى مكاني خليفةً وكادَ خِراشٌ يومَ ذلك يَيْتُمُ
وهو في الممتع ٤٣٩؛ والمنصف ٢٥٢/١؛ وابن يعيش ٧٢/١٠؛ والبحر ٨٨/١؛
واللسان: كيد.
(٢) معاني القرآن ٣٠٤.
(٣) الآية ١٥ من الطارق
(٤) انظر في قراءاتها وأصحابها: الشواذ ٣؛ البحر ٨٩/١؛ الكشاف ٢١٩/١؛ القرطبي
٠٠٢٢٢/١
(٥) قراءة مجاهد وعلي بن الحسين ویحیی بن زيد.
١٧٨

- البقرة -
الثالثة(١) يَخَطِّفُ بفتح الياء والخاء والطاء مع تشديد الطاء، والأصل:
يَخْتَطِفُ، فَأَبْدلت تاءُ الافتعال طاءً للإدغام، الرابعة (٢): كذلك إلا أنه بكسر
الطاء على أصل التقاء الساكنين. الخامسة(٣): كذلك إلا أنَّه بكسر الخاء
إتباعاً لكسرة الطاء. السادسة (٤): كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضاً إتباعاً للخاء،
السابعة(٥): يَخْتَطِف على الأصل. الثامنة(٦): يَخْطِّ بفتح الياء وسكونٍ
الخاء وتشديد الطاء(٧)، وهي رديئةٌ لتأديتها إلى التقاء ساكنين. التاسعة(٨):
بضم الياء وفتح الخاء وتشديدِ الطاء مكسورةً، والتضعيف فيه للتكثير
لا للتعدية. العاشرة (٩): يَتَخَطّف (١٠).
والخَطْفُ: أَخْذُ شيءٍ بسرعة، وهذه الجملةُ - أعني قولَه: يكاد البرق
يَخْطَف - لا محلٌّ لَها، لأنها استئنافٌ، كأنه قيل: كيف يكونُ حالُهم مع ذلك
البرقِ؟ فقيل: يكاد يَخْطَف، ويحتمل أن يكون في محلِّ جر صفةً لذوي
المحذوفة، التقدير: أو كذوي صيبٍ كائدٍ البرقُ يَخْطَف.
قوله تعالى: / ((كُلما أضاء لهم مَشَوْا فيه)): ((كل)) نَصْبٌ على الظرفية، [١/٢٢]
لأنها أُضيفت إلى ((ما)) الظرفية، والعاملُ فيها جوابُها(١١)، وهو ((مَشَوا)). وقيل:
(١) قراءة الحسن.
(٢) قراءة الحسن والجحدري وابن أبي إسحاق.
(٣) قراءة الحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري وقتادة.
(٤) قراءة الحسن والأعمش.
(٥) قراءة علي وابن مسعود.
(٦) قراءة بعض أهل المدينة.
(٧) أي المكسورة كما في البحر ٨٩/١.
(٨) قراءة زيد بن علي.
(٩) قراءة أُبَيّ.
(١٠). قوله: ((يتخطف)) غير واضح في الأصل.
(١١) الأصل: جوابه، وهو سهو.
١٧٩

- البقرة -
((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ، ومعناها الوقتُ أيضاً، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُه: كلَّ وقتٍ
أضاء لهم فيه، فأضاءَ على الأول لا محلّ له لكونِه صلةً، ومحلُّه الجرُّ على
الثاني. و(«أضاء)) يجوز أن يكون لازماً. وقال المبرد: ((هو متعدٍّ ومفعولُه
محذوفٌ))، أي: أضاء لهم البرقُ الطريقَ، فالهاء في ((فيه)) تعودُ على البرق
في قولِ الجمهور، وعلى الطريقِ المحذوفِ في قول المبرد.
و ((فيه)» متعلّق بمَشَوا، و((في)) على بابها أي: إنه محيطٌ بهم، وقيل:
هي بمعنى الباء، ولا بدَّ من حذف على القَوْلين، أي: مَشَوا في ضوئِه أي
بضوئِه، ولا محلَّ لجملةِ قولِهِ ((مَشَوا)) لأنها مستأنفةٌ(١).
واعلم أنَّ (كُلَّا)) من ألفاظِ العموم، وهو اسمُ جمعٍ لازمٌ للإِضافة، وقد
يُحْذَفُ ما يضاف إليه، وهل تنوينُه حينئذٍ تنوينُ عوضٍ أو تنوينُ صَرْفٍ؟
قولان. والمضافُ إليه (كل)) إن كانَ معرفةً وحُذِفَ بقيتْ على تعريفها، فلهذا
انتصَبَ عنها الحالُ، ولا يَدْخُلُها الألفُ واللامُ، وإن وقع ذلك في عبارةٍ
بعضِهم، وربما انْتَصَبَتْ حالاً، وأصلُها أن تُسْتَعْمَلِ توكيداً كأجمعَ، والأحسنُ
استعمالُها مبتدأً، وليس كونُها مفعولاً بها مقصوراً على السماع ، ولا مختصاً
بالشعر خلافاً لزاعم ذلك. وإذا أُضيفت إلى نكرةٍ أو معرفةٍ بلامِ الجنس
حَسُنَ أَن تَلِي العواملَ اللفظيةَ، وإذا أُضيفت إلى نكرةٍ تعيّنَ اعتبارُ تلك النكرةِ
فيما لها من ضميرٍ وغيره، تقول: كلُّ رجال أَتَوْك فأكرِمْهم، ولا يجوزُ أن
يُراعَى لفظ ((كل)) فتقول: كلُّ رجال أتاكَ فأكرمه، و [تقول: ] كلُّ رجلٍ أَتَاك
فأكرمه، ولا تقول: أَتَوْك فأكرِمْهم، اعتباراً بالمعنى، فأما قوله(٢):
٢٤٨ - جادَتْ عليهِ كلُّ عَيْنِ ثَرَّةٍ
فتركْنَ كلَّ حديقةٍ کالدرهم
(١) انظر في هذه الآية واحتمالاتها: مغني اللبيب ٢٢١/١.
. (٢) البيت لعنترة، وهو في الديوان ١٩٦؛ وشرح التبريزي على المعلقات ٣٣١؛ والأشموني
٢٤٨/٢؛ والهمع ٧٤/٢؛ والدرر ٩١/٢.
١٨٠٠