Indexed OCR Text
Pages 101-120
- البقرة - الأسماءِ والتقديرُ: الدار الآخرة أو النشأة الآخرة، وقد صُرُّح بهذين الموصوفين قال تعالى: (وَلَلدَّار الآخرةُ خَيْرٌ))(١)، وقال: ((ثُم الله يُنْشِىء النشأةَ الآخِرَةَ))(٢) وقرىء يُؤْقِنُون(٣) بهمز الواو، كأنهم جَعَلوا ضمةَ الياء على الواوِ لأنَّ حركةَ الحرفِ بين يديه، والواوُ المضمومةُ يَطْرِدُ قلبُها همزةٌ بشروط: منها ألاّ تكونَ الحركةُ عَارضةٌ، وألّ يمكن تخفيفُها، وألاّ يكونَ مُدْغماً فيها، وألا تكونَ زائدةً، على خلافٍ في هذا الأخير، وسيأتي أمثلةُ ذلك في سورة آل عمران على قوله: (ولا تَلْوُون على أحد))(٤)، فَأَجْرَوا الواوَ الساكنةُ المضمومَ ما قبلها مُجْرى المضمومةِ نفسِها لِما ذكرت لك، ومثلُ هذه القراءةِ قراءةُ قُنْبُل (بالسُّوْقِ))(٥)، و((على سُوْقِه))(٦)، وقال الشاعر(٧): وجَعْدَةُ إِذ أضاءَهُما الوقودُ ١٢٨ - أَحَبُّ المُؤْقِدِينَ إليَّ موسى بهمز ((الْمُؤْقدين)). وجاء بالأفعال الخمسة بصيغة المضارع دلالةٌ على التجدُّد والحُدوثِ وأنهم كلَّ وقتٍ يفعلون ذلك. وجاء بأُنْزِل ماضياً وإن كان إيمانُهم قبلَ تمامِ نزولِ تغليباً للحاضرِ المُنَزَّلِ على ما لم يُنَزَّلْ، لأنه لا بد من وقوعه فكأنه نَزَل، فهو من باب قوله: ((أتى أمرُ الله))(٨)، بل أقربُ منه لنزولِ بعضِهِ . (١) الآية ٣٢ من سورة الأنعام. (٢) الآية ٢٠ من سورة العنكبوت. (٣) قراءة أبي حية النميري. انظر: البحر ٤٢/١؛ شواذ ابن خالويه ٢. (٤) الآية ١٥٣ من آل عمران. (٥) الآية ٣٣ من سورة ص: فطَّفِقَ مسحاً بالسوق. وانظر: السبعة ٥٥٣. (٦) الآية ٢٩ من سورة الفتح: فاستوى على سوقه. وانظر: السبعة ٦٠٥. (٧) البيت لجرير، وهو في ديوانه ١٤٧ وصدره فيه: لَحَبُّ السوافدان إليٍّ موسى وهو في الخصائص ١٧٥/٢؛ والمحتسب ٤٧/١؛ والمغني ٧٦٢؛ وشواهد الكشاف ٣٦٥/٤. وموسى وجعدة: أولاده. (٨) الآية ١ من النحل. ١٠١ آ. (٥) وقوله تعالى: ﴿أولئك﴾: مبتدأٌ، خبرهُ الجارُّ والمجرورُ بعده أي كائنون على هدى، وهذه الجملة: إمَّا مستأنفةً وإمّا خبرٌ عن قوله: ((الذين يؤمنون)) إمّا الأولى وإمّا الثانية، ويجوز أن يكون ((أولئك)) وحدَه خبراً عن ((الذين يؤمنون)) أيضاً إمَّا الأولى أو الثانية، ويكون ((على هدى)) في هذا الوجه في مجلّ نصب على الحالِ، هذا كلّه إذا أعربنا(الذين يؤمنون)) مبتدأ، أمّا إذا جعلناه غير مبتدأ فلا يَخْفَى حكمه مِمّا تقدم. ويجوز أن يكونَ ((الذين يؤمنون)) مبتدأ، و ((أولئك)) بدلٌ أو بيانٌ، و((على هدى)) الخبرُ، و((مِنْ ربهم)) في محلٌّ جرِّ صفةٌ لهُدى، ومِنْ لابتداء الغاية. ونَكَّر ((هُدَى)) ليفيدَ إبهامُه التعظيم كقوله(١): على خالدٍ لقد وقَعْتِ علَى لَحْمِ ١٢٩ - فلا وأبي الطيرِ المُرِبَّة بِالضُّحى ورُوِيَ (مِنْ ربهم)) بغير غُنَّة وهو المشهورُ، وبغَنَّة ويُروى عن. أبي عمرو (٢). و «أولئك)»: اسمُ إشارةٍ يشترك فيه جماعةُ الذكور والإناث، وهو مبنيّ على الكسر لشبِهْه بالحرفِ في الافتقار، وفيه لغتان: المدُّ والقَصْرِ، ولكنَّ الممدود للبعيد، وقد يقال: أولا لِك، قال(٣): ١٣٠ - أُولا لِك قومي لم يكونوا أُشابَةً وهل يَعِظُ الضَّلِّيلَ إِلا أُولا لِكَا (١) البيت لأبي خراش الهذلي يرثى خالد بن زهير، وهو في ديوان الهذليين ١٥٤/٢؛ وشواهد الكشاف ٥١٢/٤. وأرب بالمكان: أقام. (٢) زبان بن العلاء، أحد القراء السبعة، سمع أنس بن مالك، توفي سنة ١٥٤. انظر: البلغة ٨١؛ طبقات القراء ٢٨٨/١؛ البغية ٢٣١/٢. (٣) البيت لأخي الكلحبة كما في النوادر ١٥٤ وصدره فيه: ألم تكُ قد جَرَّبْتَ ما الفقرَ والغنى وهو في ابن يعيش ٦/١٠؛ والتصريح ١٢٩/١؛ والهمع ٧٦/١؛ والدرر ٤٩/١. وأشابة: أخلاطاً. ١٠٢ وعند بعضهم: المقصورُ للقريب والممدودُ للمتوسط وأولا لك للبعيد، وفيه لغاتٌ كثيرة. وكتبوا ((أولئك)) بزيادةٍ واو قبل اللام، قيل للفرق بينها وبين «إلیك)). (وأولئك هم المفلحون)): ((أولئك)) مبتدأ و((هم)) مبتدأ ثانٍ، و((المفلحون)) خبره، والجملةُ خبر الأول، ويجوز أن يكونَ ((هم)) فصلاً أو بدلاً، والمفلحون: الخبر. وفائدةُ الفصل: الفرقُ بين الخبرِ والتابعِ ، ولهذا سُمِّيَ فَضْلاً، ويفيدُ أيضاً التوكيدَ، وقد تقدَّم أنه يجوز أن يكون ((أولئك)) الأولى أو الثانية خبراً عن ((الذين يؤمنون))، وتقدَّم تضعيفُ هذين القولين. وكَرِّر (١) ((أولئك)) تنبيهاً أنهم كما ثَبَتَت لهم الْأَثْرَةُ بالهُدَى ثَبَتت لهم بالفلاح، فجُعِلت كلُّ واحدةٍ من الْأَثْرَيْنِ في تميُّزِهم بها عن غيرِهم بمثابةٍ (٢) لو انفردت لَكَفَتْ مُمَيِّزة على حِدَتها. وجاء هنا بالواو بين جملةٍ قوله: ((أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون)) بخلافٍ قوله تعالى في الآية الأخرى: ((أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ، أولئك هم الغافلون))(٣) لأن الخبرَيْن هنا متغايران فاقتضى ذلك العطفَ، وأما تلك الآيةُ الكريمةُ فإن الخبريْن فيها شيءٌ واحدٌ، لأن التسجيلَ عليهم بالغفلةِ وتشبيهَهم بالأنعام معنى واحدٌ وكانَتْ عن العطف بِمَعْزِل، قال الزمخشري (٤): ((وفي اسم الإشارة الذي هو ((أولئك)) إيذانٌ بأنَّ ما يَرِد عقيّبه والمذكورِين قبله أهلٌ لاكتسابِه من أجل الخصال التي عُدِّدَتْ لهم، كقول حاتم: ((وللَّهِ صعلوكُ))، ثمَ عَدَّد له خِصالاً فاضلة، ثم عقّبَ تعديدها بقوله(٥): (١) انظر: الكشاف ١٤٥/١. (٢) قوله ((بمثابة)) غير واضح في الأصل. (٣) الآية ١٧٩ من الأعراف. (٤) الكشاف ١٤١/١. (٥) ليس في ديوانه، وهو في شواهد الكشاف ٥١٢/٤. ١٠٣ - البقرة :-: ١٣١ - فذلك إن يَهْلِكْ فَحُسْنى ثناؤه .. وإن عاش لم يَقْعُدْ ضعيفاً مُذَمَّمَاً والفلاحُ أصله الشَّقُّ، ومنه قوله: ((إن الحديد بالحديد يفلح))(١) ومنه قول بكر بن النطاح(٢): ١٣٢ - لَا تَبْعَثَنَّ إلى ربيعةَ غيرَها إن الحديدَ بغيرِهُ لا يُفْلِح ويُعَبِّرُ به عن الفوز والظفر بالْبُغْيَة وهو مقصودُ الآيةِ، ويُراد به البَقاءُ، قال(٣): أَدْرَكَه مُلاعِبُ الرِّماخِ ١٣٣ - لو أن حَيَّاً مُدْرِكُ الفلاحِ وقال آخر(٤): ونرجو الفَلاَحِ بعد عادٍ وحِمْیَرِ ١٣٤ - نَحُلُّ بلاداً كلُّها حَلَّ قبلَنا وقال(٥). والمُسْيُّ والصُّبْحُ لا فَلاَح معه ١٣٥ - لكلُّ هَمَّ منَ الهُموم سَعَهْ وقال آخر (٦): ١٣٦ - أَفْلِعْ بما شِئْت فقد يُبْلَغُ بال ضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الْأَرِيِبَ (١) مثل عربي، انظر: مجمع الأمثال ٨/١ وورد في قول الشاعر : . إن الحديد بالحديد يفلح وقد علمت خيلك أنى الصّحْصَح والصحصح: الأرض الصلبة. وانظر: اللسان: فلح. (٢) لم أقف عليه . (٣) البيت للبيد وهو في ديوانه ٣٣٣؛ والمغني ٢٩٩؛ واللسان: لعب، والهمع ١٣٩/١؛ والدرر ١١٥/١؛ وملاعب الرماح: عمه عامر بن مالك. (٤) البيت للبيد وهو في ديوانه ٥٧؛ ومجاز القرآن ٣٠/١؛ وابن عطية ١٤٩/١؛ والقرطبي ١٨٢/١. (٥) البيت للأضبط بن قريع وهو في ابن عطية ١٥٠/١؛ والقرطبي ١٨٢/١. (٦) البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في شرح المعلقات للتبريزي ٥٤١؛ والقرطبي ١٨٢/١. ١٠٤ - البقرة - آ. (٦) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كفروا سواءٌ عليهم أَأَنْذَرْتَهَم): الآية، ((إِنَّ)) حرفُ توكيدٍ ينصب الاسمَ ويرفع الخبرَ خلافاً للكوفيين بأنَّ رفعه بما كان قبلَ دخولها وتُخَفَّف فتعملُ وتُهْمَلُ، ويجوز فيها أن تباشِرَ الأفعالَ، لكن النواسخَ غالباً(١)، وتختصُّ بدخولٍ لامِ الابتداءِ في خبرها أو معموله المقدَّمِ أو اسمِها المؤخر، ولا يتقدَّم خبرُها إلا ظرفاً أو مجروراً، وتختصّ أيضاً بالعطفِ على مَحلَّ اسمِها. ولها ولأخواتِها أحكامٌ كثيرة لا يليقُ ذكرُها بهذا الکتاب(٢). و ((الذين كفروا)) اسمُها، و((كفروا)) صلةً وعائد و ((لا يؤمنون)» خبرُها، وما بينهما اعتراضٌ، و((سواءً)) مبتدأ، و((أأنذرتهم)) وما بعده في قوة التأويل بمفرد / هو الخبرُ، والتقدير: سواءً عليهم الإِنذارُ وعدمهُ، ولم يُحْتَجْ هنا إلى [١/١٢] رابط لأن الجملة نفسُ المبتدأ. ويجوز أن يكون ((سواءً)) خبراً مقدماً، و ((أنذرتهم)) بالتأويل المذكور مبتدأ مؤخرٌ تقديرُه: الإِنذارُ وعدمُه سواءٌ. وهذه الجملة يجوز فيها أن تكونَ معترضةً بين اسم إنَّ وخبرها وهو ((لا يؤمنون)» كما تقدَّم، ويجوز أن تكونَ هي نفسُها خبراً لإِنَّ، وجملة ((لا يؤمنون)» في محلٌ نَصْب على الحال أو مستأنفةٌ، أو تكونَ دعاءً عليهم بعدم الإِيمانِ وهو بعيدٌ، أو تكون خبراً بعد خبر على رَأْيِ مَنْ يُجَوِّز ذلك، ويجوز أن يكونَ ((سواءً)» وحده خبرَ إنَّ، و((أأنذرتَهُم)) وما بعده بالتأويل المذكور في محلِّ رفع بأنه فاعلٌ له، والتقديرُ: استوى عندهم الإِنذارُ وعدمُه، و ((لا يؤمنون)» على ما تقدَّم من الأوجه، أعنى الحالَ والاستئناف، والدعاءَ والخبريةً. والهمزةُ في ((أأنذرتَهُمْ)) الأصلُ فيها الاستفهامُ وهو هنا غيرُ مرادٍ، إذ المرادُ التسويةُ، و((أَنْذَرْتَهم)) فعل وفاعل ومفعول. (١) لا يجوز دخول إن المخففة على غير النواسخ خلافاً للكوفيين فإنهم يجيزون ذلك. انظر: ابن عقيل ٣٢٦/١ وتقدير عبارة المؤلف: ((لكن تباشر)). (٢) انظر: رصف المباني ١٠٤ - ١١٨. ١٠٥ - البقرة -ـ و (أم)) هنا عاطفةٌ وتُسَمَّى متصلةً، ولكونها متصلةً شرطان، أحدهما: أنْ يتقدَّمها همزةُ استفهامٍ أو تسويةٍ لفظاً أو تقديراً، والثاني: أن يكونَ ما بعدها مفرداً أو مؤولاً بمفرد كهذه الآية، فإنَّ الجملةَ فيها بتأويلِ مفردٍ كما تقدَّم وجوابُها أحدُ الشيئين أو الأشياء، ولا تُجَاب بنَعَمْ ولا بـ ((لا)). فإنْ فُقِدَ شرطٌ سُمِّيتْ منقطعةً ومنفصلةً، وتُقَدَّر بـ بل والهمزةِ، وجوابُها نعم أَوْلا، ولها أحكامٌ أُخَرُ (١). و ((لم)) حرفُ جِزمٍ معناه نَفْيُ الماضي مطلقاً خلافاً لِمَنْ خَصَّها بالماضي المنقطع، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ((ولم أَكُنْ بدعاتك رَبِّ شَقِيًّا))(٢) ((لم يَلِدْ ولم يولد))(٣)، وهذا لا يُتَصَوَّر فيه الانقطاعُ، وهي من خواصِّ صيغ المضارع إلا أنها تَجْعَلُه ماضياً في المعنى كما تقدَّم، وهل قَلَبَتْ اللفظّ دون المعنى، أم المعنى دونَ اللفظ؟ قولان أظهرهما الثاني، وقد يُحْذَفُ مجزومُها. والكَفْر: السِّتْر، ومنه سُمِّي الليل كافراً، قال(٤). وابنُ ذُكَاءٍ كَامِنٌ فِي كَفْرٍ ١٣٧ - فَوَرَدَتْ قبلَ انبلاجِ الفجرِ وقال آخر(٥): (١) انظر في أحكام أم: المغني ٤٠؛ رصف المباني ٩٣. (٢) الآية ٤ من مريم. (٣) الآية ٣ من الإِخلاص. : (٤) البيت لحميد الأرقط، وهو في إصلاح المنطق ١٢٦، وملحق ديوان العجاج ٢٨٥/٢ والقرطبي ١٨٣/١. أوذكاء: الشمس. (٥) البيت لثعلبة بن صغيرة المازني وصدره: فَتَذَكَّرا ثَقَلَّاً رشيداً بعدما وهو في المفضليات ٢٥٧؛ والمحتسب ٢٣٤/٢؛ والطبري ٢٥٥/١؛ واللسنان كفر، والقرطبي ١٨٣/١. والثقل: بيض النعام المصون، والرئيد: المنضَّد بعضه فوق بعض، ألقت يمينها في كافر: أي بدأت في المغيب. يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما عند الغروب. ١٠٦ - البقرة - أَلْقَتْ ذُكاءُ يمينَها فِي كافِر ١٣٨ - وقال آخر(١): في ليلةٍ كَفَر النجومَ غَمَامُها ١٣٩ - و «سواء)» اسمٌ بمعنى الاستواء فهو اسمُ مصدرٍ ويُوصف على أنه بمعنى مُسْتوي، فيتحمَّل حينئذ ضميراً، ويَرْفع الظاهرَ، ومنه قولُهم: ((مررت برجلٍ سواءٍ والعدُ)) برفع ((العَدَم)) على أنه معطوفٌ على الضمير المستكِّن في ((سواء))، وشدَّ عدمُ الفصل(٢)، ولا يُثْنَّى ولا يُجْمع: إمّا لكونِه في الأصل مصدراً، وإمّا للاستغناء عن تثنيته بتثنيةِ نظيرهٍ وهو ((سِيّ)) بمعنى مِثْلَ، تقول: ((هما سِيَّن)) أي مِثْلان، قال(٣): ١٤٠ - مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يشكُرها والشرُّ بالشرِّ عند الله سِيَّانِ على أنه قد حُكي ((سواءان))، وقال الشاعر (٤): سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها ١٤١ - وليلٍ تقول الناسُ فِي ظُلُماته فسواءٌ خبر عن جمع وهو ((صحيحات)). وأصله العَدْل، قال زهير(٥): (١) البيت للبيد وصدره: يَعْلو طريقةَ مَتْنِها متواتِرٌ وهو في ديوانه ٣٠٩؛ وتفسير القرطبي ١٨٣/١؛ وتفسير ابن عطية ١٥٠/١. والمتواتر هنا: المطر المتتابع. (٢) لأن البصريين يوجبون الفصل حين يُعْطف الاسم الظاهر على الضمير المرفوع المستتر أو المنفصل. انظر: الكتاب ٣٩٠/١. (٣) البيت لحسان وهو في ملحق ديوانه ٥١٦، وهو في النوادر ٣١؛ والمحتسب ١٩٣/١؛ والكتاب ٤٣٥/١؛ وأوضح المسالك ١٩٣/٣؛ والدرر ٧٦/٢. (٤) البيت لمضرس بن ربعي، وهو في حماسة ابن الشجري ٢٠٤؛ والأضداد ٤٣؛ والخزانة ٢٩١/٢. (٥) ديوانه ٨٤؛ والبحر ٣٤٧/١. ١٠٧ - البقرة ـ ١٤٢ - أَرُونا سُبَّةً لا عيبَ فيها يُسَوِّي بيننا فيها السَّوَاءُ أي: يَعْدِل بيننا الْعَدْلُ، وليس هو الظرفَ الذي يُستثنى به في قولِكِ: قاموا سَواءَ زيد، وإنّْ شاركه لفظاً. ونقل ابنُ عطية (١) عن الفارسي فيه اللغاتِ الأربعَ المشهورةَ في ((سواء)) المستثنى به، وهذا عجيبٌ فإن هذه اللغاتِ في الظرفِ لا في ((سواء)» الذي بمعنى الاستواء. وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدَّرة بالهمزةِ المعادَلَة بأم كهذه الآية، وقد تُحْذَف للدلالةِ كقوله تعالى: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم﴾(٢) أي: أصبرتم أم لم تصبروا، وقد يليه اسمُ الاستفهام معمولاً لما بعده كقولٍ علقمة (٣): ١٤٣ - سَواءٌ عليهِ أَّ حينٍ أتيتَه أساعَة نَحْسٍ تُتَّقَى أُم بِأَسْعَدِ فأيَّ حين منصوبٌ بأتيته، وقد يُعَرَّى عن الاستفهام وهو الأصلُ نحو(٤): سواءٌ صحيحاتُ العيون وُورُها ١٤٤ - والإنذار: التخويفُ. وقال بعضهم: هو الإِبلاغ، ولا يكاد يكونُ إلا في تخويف يَسَعُ زمانُه الاحترازَ، فإنْ لم يَسَعْ زمانُه الاحترازَ فهو إشعارٌ لا إنذارٌ قال(٥): ١٤٥ - أنذّرْتُ عَمْرَاً وهو في مَهَل قبلَ الصباحِ فقد عصىُ عَمْرُو ويتعدَّى لاثنين، قال تعالى: ((إنا أَنْذَرْناكم عذاباً))(٦) ((أَنْذّرْتُكم صاعقةٍ))(٧) فيكون الثاني في هذه الآية محذوفاً تقديرُه: أأنذرْتَهُمُ العذابَ أم (١) التفسير ١ /١٥٢. (٢) الآية ١٦ من الطور . . (٣) البيت لزهير وليس لعلقمة، وهو في ديوانه ٢٣٢؛ والقتضب ٢٨٨/٣. (٤) تقديم برقم ١٤١. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير القرطبي ١٨٤/١. (٦) الآية ٤٠ من سورة سبباً. (٧) الآية ١٣ من صورة فصلت. ١٠٨ - البقرة - لم تُنْذِرْهم إياه، والأحسنُ أَلَّ يُقَدَّرَ له مفعولٌ كما تقدَّم في نظائره. والهمزةُ في ((أَنْذَرَ)) للتعدية، وقد تقدَّم أنَّ معنى الاستفهام هنا غيرُ مرادٍ، فقال ابن عطية (١): ((لفظهُ لفظُ الاستفهامِ ومعناه الخبرُ، وإنما جَرَى عليه لفظُ الاستفهام لأنَّ فيه التسويةَ التي هي في الاستفهامِ ، ألا ترى أنَّك إذا قلتَ مُخْبراً: ((سواءٌ عليَّ أقمت أم فَعَدْتَ))، وإذا قلتَ مستفهماً: ((أَخَرَجَ زِيدٌ أم قامَ))؟ فقد استوى الأمران عندكَ، هذان في الخبر وهذان في الاستفهام، وعَدَمُ عِلْمِ أحدِهما بعينِهِ، فَلَمَّا عَمَّتْهُما التسويةُ جرى على الخبر لفظُ الاستفهامِ لمشاركتِه إياه في الإبهام، فكلُّ استفهامٍ تسويةٌ وإنْ لم تكن كلُّ تسويةٍ استفهامً)) وهو كلامٌ حسنٌ. إلا أنَّ الشيخَ(٢) ناقشه في قوله: ((أَنْذَرْتَهُم أم لم تنذرّهم لفظُه لفظُ الاستفهام ومعناه الخبر)) بما معناه(٣): أنَّ هذا الذي صورتُه صورةُ استفهامٍ ليس معناه الخبرَ لأنه مقدَّرٌ بالمفردِ كما تقدَّم، وعلى هذا فليس هو وحدَه في معنى الخبر / لأنَّ الخبرَ جملةٌ وهذا في تأويل مفردٍ، [١٢/ب] وهي مناقشةٌ لفظيةٌ. ورُوِيَ الوقفُ على قولِهِ ((أم لم تنذِرْهم)) والابتداء بقوله: ((لا يؤمنون)) على أنها جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وهذا ينبغي أن يُرَدَّ ولا يُلْتفتَ إليه، وإنْ كانَ قد نقله الهذلي (٤) في ((الوقف والابتداء)» له. (١) التفسير ١٥٣/١. (٢) يعني به أستاذه أبا حيان محمد بن يوسف الغرناطي، أخذ عن ابن الصائغ وابن النحاس ومال إلى مذهب الظاهرية، وله: البحر والارتشاف وشرح التسهيل. انظر: طبقات القراء ٢٨٥/٢؛ والدرر الكامنة ٣٠٤/٤؛ والبغية ٢٨٠/١. (٣) البحر المحيط ٤٧/١. (٤) يوسف بن علي، طلب علم القراءات، أخذ عن الفرضي والأربلي، وروى عنه الواسطي، له: الوجيز والهادي، توفي سنة ٤٦٥. انظر: طبقات القراء ٤٠١/٢. ١٠٩ - البقرة - وقرىء ((أَأَنْذَرْتَهُمْ)) (١) بتحقيقِ الهمزتين وهي لغةُ بني تميم، وبتخفيف الثانية بينَ بينَ وهي لغةُ الحجازِ، وبإدخالِ ألفٍ بين الهمزتين تخفيفاً وتحقيقاً، ومنه (٢): ١٤٦ _ أيا ظبيةَ الوَعْساء بين جُلاجِلٍ .. وبين النقا آأنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ وقال آخر (٣): فقلت له آأنتَ زيدُ الأرانبِ ١٤٧ - تطَالَلْتُ فاسْتَشْرَفْتُه فَعَرَفْتُهُ وروي عن ورش (٤) إبدالُ الثانيةِ ألفاً مَخْضة، ونسب الزمخشري هذه القراءة للَّحْنِ، قال(٥): ((لأنه يؤدي إلى الجمع بين ساكنين على غير حَدِّهما، ولأن تخفيفَ مثلِ هذه الهمزةِ إنما هو بينَ بينَ)) وهذا منه ليس بصواب لثبوت هذه القراءة تواتراً، وللقرّاء في نحو هذه الآية عَمَلٌ كثيرٌ وتفصيلٌ منتشر. آ. (٧) قوله تعالى: ﴿خَتَم الله على قلوبهم﴾ .. الآية ((على قلوبهم)»: متعلّق بخَتَّم، و((على سمعهم)) يَحْتمل عطفه على قلوبهم وهو الظاهر للتصريح بذلك، أعني نسبةً الختم إلى السمع في قوله تعالى: (١) انظر في هذا الباب: الحجة ٢٠٤/١؛ الكشف لمكي ٧٠/١؛ السبعة ١٣٤؛ البخر ٤٧/١. وقراءة التحقيق لعاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان؛ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية، إلا أن أبا عمرو وقالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع وهشام يدخلون بينهما ألفاً، وابن كثير لا يدخل، وروي التحقيق وإدخال ألف بينهما عن ابن عباس وابن أبي إسحاق. (٢) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٧٦٧؛ وأمالي القالي ٦١/٢؛ وأمالي الشجري ٣٢١/١؛ واللسان جلل؛ وابن يعيش ١١٩/٩؛ والأزهية ٢١؛ والإنصاف ٤٨٢؛ والدرر ١٤٧/١. (٣) البيت منسوب لذي الرمة، وهو في ملحق ديوانه ١٨٤٩؛ واللسان: الهمزة. (٤) عثمان بن سعيد شيخ القراء في مصر، أخذ عن نافع. وورش لقبه لأنه كان أبيض، والورش شيء يصنع من اللبن، انظر: طبقات القراء ٥٠٣/١. (٥) الكشاف ١٥٤/١ . . ١١٠ - البقرة - ((وخَتّم على سمعه))(١) ويَحْتمل أن يكونَ خيراً مقدماً وما بعده عَطْفٌ عليه، و((غِشَاوة)) مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خبرها ظرفاً أو حرفَ جر تاماً وقُدَّمَ عليها جاز الابتداء بها، ويكون تقديمُ الخبر حينئذٍ واجباً لتصحيحه الابتداء بالنكرة، والآيةُ من هذا القبيل، وهذا بخلافِ قوله تعالى: ((وأَجَلٌ مُسَمَّى عنده))(٢) لأن في تلك الآية مُسوِّغاً آخر وهو الوصفُ، فعلى الاحتمال الأول يُوقف على ((سمعهم) ويُبتدأ بما بعده وهو ((وعلى أبصارهم غشاوةٌ)) فعلى أبصارهم خبرٌ مقدم وغشاوة مبتدأ مؤخر، وعلى الاحتمال الثاني يُوقف على (قلوبهم))، وإنما كُرِّر حرفُ الجر وهو ((على)) ليفيد التأكيدَ أو لُيُشْعِرَ ذلك بتغايرِ الختمين، وهو أنَّ خَتْم القلوبِ غيرُ خَتْمِ الأسماعِ . وقد فرَّق النحویون بين: (مررت بزيد وعمرو)) وبين: «مررت بزيد وبعمرو)»، فقالوا: في الأول هو مرورٌ واحدٌ وفي الثاني هما مروران، وهو يؤيِّد ما قلته، إلَّ أن التعليلَ بالتأكيدِ يَشْمل الإِعرابين، أعني جَعْلَ ((وعلى سَمْعِهم)) معطوفاً على قوله ((على قلوبهم)) وجَعْلَه خبراً مقدماً، وأمَّا التعليلُ بتغاير الخَتْمين فلا يَجيء إلا على الاحتمالِ الأولِ ، وقد يُقال على الاحتمالِ الثاني إنَّ تكريرَ الحرفِ يُشْعُرُ بتغاير الغِشاوتين، وهو أنَّ الغِشاوة على السمع غيرُ الغشاوةِ على البصرِ كما تَقَدَّم ذلك في الخَتْمين. وقُرىء: ((غِشاوةً» نصباً(٣)، وفيه ثلاثةُ أوجه، الأولُ: على إضمار فعلٍ لائق، أي: وجَعَلَ على أبصارهم غشاوةً، وقد صُرِّح بهذا العامل في قوله تعالى: (وجَعَلَ على بصره غشاوة))(٤). والثاني: الانتصابُ على إسقاط حرف (١) الآية ٢٣ من سورة الجاثية. (٢) الآية ٢ من سورة الأنعام. (٣) قراءة المفضل بن محمد عن عاصم. انظر: السبعة ١٣٨/١؛ وابن عطية ١٥٤/١. (٤) الآية ٢٣ من الجاثية. ١١١ - البقرة - الجر، ويكون ((وعلى أبصارهم)) معطوفاً على ما قبله، والتقدير: ختم الله على قلوبهم وعلى سَمْعهم وعلى أبصارهم بغشاوة، ثم حُذِفَ حرفُ الجر فانتصب ما بعده كقوله(١): ١٤٨ _ تُمُرُون الدِّيارَ ولم تَعُوجوا كلامُكُمُ عليٍّ إذاً حَرَامُ أي تمرون بالديارِ، ولكنه غيرُ مقيسٍ. والثالث: أن يكونَ ((غِشاوةً)) اسماً وُضِع موضع المصدر الملاقي لَخَتم في المعنى، لأَنَّ الخَتْمَ والتَّغْشِيَة يشتركانٍ في معنى السِّتر، فكأنه قيل: ((وَخَتَم تُغشيةً)) على سبيل التأكيد، فهو من باب (فَعَدْتُ جلوساً)) وتكونُ قلوبُهم وسمعهُم وأبصارُهم مختوماً عليها مُغَشَّاةً. وقال الفارسي (٢): ((قراءةُ الرفع أَوْلِى لأنَّ النصبَ: إِمَّا أَنْ تَحْمِلَه على خَتَم الظاهرِ فَيَعْرِضُ في ذلك أنّك حُلْتَ بين حرفِ العطف والمعطوفِ بِهِ، وهذا عِندنا إنما يجوزُ في الشعر، وإمَّا أن تحمِلَه على فِعْلٍ يَدُلُّ عليه (خَتَمْ)) تقديره: وجَعَلَ على أبصارهم غشاوةً، فيجيء الكلامُ من باب(٣): ١٤٩ - يا ليتَ زَوجَكَ قد غَدًا متقلَّداً سيفاً ورُمْحا وقوله (٤): ١٥٠ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيْناها (١) البيت لجرير وهو في ديوانه ٥١٢ ورواية الصدر فيه: أَتَمْضُونَ الرُّسومَ ولا تُحَيًّا وهو في ابن يعيش ٨/٨، والخزانة ٦٧١/٣؛ والدرر ١٠٧/٢. (٢) الحجة ٢٣١/١ - ٢٣٣. (٣) البيت لعبدالله بن الزبعرى، وهو في الكامل ١٨٩؛ والخصائص ٤٣١/٢؛ وأمالي الشجري ٣٢١/٢؛ وابن يعيش ٥٠/٢؛ والإنصاف ٦١٢؛ واللسان زجج. (٤) البيت منسوب الذي الرمَّة وليس في ديوانه، وهو في الخصائص ٣٢١/٢؛ والإنصاف ٦١٣؛ وابن يعيش ٨/٢؛ والهمع ١٣٠/٢؛ والدرر ١٦٩/٢؛ والعيني ١٠١/٣؛ والباب هو حذف عامل المعطوف والتقدير: وسقيتها ماء. ١١٢ - البقرة - ولا تكاد تجدُ هذا الاستعمالَ في حالٍ سَعَةٍ ولا اختيار)). واستشكل بعضهم (١) هذه العبارةَ، وقال: ((لا أَدْري ما معنى قوله: ((لأن النصبَ إِمَّا أن تحمله على خَتَم الظاهر)»، وكيف تَحْمِل ((غشاوةً» المنصوبَ على ((ختم)) الذي هو فعل وهذا ما لا حَمْلَ فيه؟)). ثم قال: ((اللهم إلا أن يكونَ أراد أنَّ قوله تعالى ((ختم اللهُ على قلوبهم)) دعاءٌ عليهم لا خبرٌ(٢)، ويكون غشاوةً في معنى المصدر المَدْعُوِّ به عليهم القائم مقامَ الفعلِ فكأنه قيل: وغَشَّى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على ((خَتَم)) عَطْفَ المصدر النائبِ منابَ فعلِهِ في الدعاء، نحو: ((رَحِمَ الله زيداً وسقياً له))، فتكونُ إِذ ذاكَ قد حُلْتَ بين ((غشاوة)) المعطوفِ وبين ((ختم)) المعطوفِ عليه بالجار والمجرور)) انتهى، وهو تأويلٌ حسنٌ، إلا أن فيه مناقشةً لفظيةً، لأن الفارسي ما ادَّعى الفصلَ بين المعطوف والمعطوفِ عليه إنما ادَّعى الفصلَ بين حرف العطف والمعطوف به أي بالحرفِ، فتحرير التأويلِ أنْ يقال: فيكونُ قد حُلْتَ بين غشاوة وبين حرفِ العطفِ بالجارِّ والمجرور. وقُرىء ((غشاوة)) بفتح العين وضَمِّها(٣)، و((عشاوة)) (٤) بالمهملة. وأصوبُ القراءاتِ المشهورةُ، لأن الأشياءَ التي تَدُلُّ على الاشتمالِ تجيء أبداً على هذه الزنة كالعِمامة / والضِمامة والعِصابة. [ ١٣/أ] والخَتْمُ لغةً: الوَسْمُ بطابع وغيره و ((القلبُ)) أصله المصدرُ فسُمِّي به هذا العضوُ، وهو اللَّحْمة الصَّنَوْبَرِيَّة لسُرعة الخواطِرِ إليه وتردُّدِها، عليه، ولهذا قال(٥): (١) لعله يعني أبا حيان في البحر ٤٩/١. (٢) الأصل: لا خبراً وهو سهو. (٣) قرأ الحسن وزيد بن علّي غشاوة بضم الغين ورفع التاء، وقرأ أبو جعفر بفتح الغين، انظر: القرطبي ١٩١/١؛ والبحر ٤٩/١؛ الشواذ ٢ . (٤) نسبها في الشواذ ٢ إلى طاوس، وانظر: البحر ٤٩/١. (٥) لم أقف عليه . ١١٣ - البقرة - ١٥١ - ما سُمِّي القلبُ إلَّ مِنْ تقلُّبِه فاحذَرْ على القَلْبِ من قَلْبٍ وتَحْوِيلِ ولمَّا سُمِّي به هذا العضو التزموا تفخيمه(١) فَرْقاً بينه وبين أصلِه، وكثيراً ما يراد به العقلُ، ويُطلق أيضاً على لُبِّ كلِّ شيءٍ وخالِصِه. والسَّمِعُ والسَّماعُ مصدران لسَمِع، وقد يستعمل بمعنى الاستماع؛ قال(٢): ١٥٢ - وقد تَوَجَّس رِكْزاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ بِنْأَةِ الصوتِ ما فِي سَمْعِهِ كَذِبُ أي في استماعه، والسِّمْع - بالكسر - الذِّكْرُ الجميل، وهو أيضاً وَلَدُّ الذئب من الضبُعِ ، وَوُجِّد وإن كان المرادُ به الجَمْعَ كالذي قبله وبعده لأنه مصدرٌ حقيقةً، ولأنه على حذفِ مضافٍ، أي مواضعِ سَمْعِهم، أو يكونُ كَنَّى به عن الأذن، وإنما وَحَّدَهِ لِفَهْمِ المعنى كقوله(٣): ١٥٣ - كُلُوا في بعض بَطْنِكُم تَعِفُّوا فإنَّ زمانَكمْ زَمَنٌ خَمِيصُ أي: بطونكم، ومثلُه (٤). فِيضٌ وأمَّا جِلْدُها فصليبُ ١٥٤ - بها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها (١) أي تفخيم القاف. انظر: القرطبي ١٨٨/١. (٢) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٨٩؛ واللسان: نبأ، والركز: الصوت. والمقفر: الصائد، والندس: الفطن، والنبأة: الصوت ليس بشديد. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في سيبويه ١٠٨/١؛ والمحتسب ٨٧/٢؛ وأمالي الشجزي ١٠٨/١؛ وابن يعيش ٨/٥؛ والهمع ٥٠/١. (٤) البيت لعلقمة وهو في ديوانه ٤٠؛ والمفضليات ٣٩٤؛ والكتاب ١٠٧/١؛ وإملاء العكبري ١٥/١. يصف طريقاً شاقة. جيف الحسرى: المعية من الأبل، عظامها بيض: أي أكلت السباع والطير ما عليها من اللحم فتعرّت، وجلدها صليب: أي يابس لأنه ملقى بالفلاة لم يدبغ. ١١٤. - البقرة - أي: جلودها، ومثله(١): في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شُچِينا ١٥٥ - لا تُنْكِروا القَتْلَ وقد سُبينا وقُرِىءَ شاذاً ((على أسماعِهم))(٢) وهي تؤيِّد هذا. والأُبْصار: جمعُ بَصَر وهو نور العين التي تُدْرِكُ بِهِ المرئِيَّاتِ، قالوا: وليس بمصدر لجَمْعِه، ولقائلٍ أن يقولَ: جَمْعُه لا يَمْنع كونه مصدراً في الأصل، وإنما سَهَّل جَمْعَه كونُه سُمِّي به نُورالعين فَهُجِرَت فيه معنى المصدرية كما تقدَّم في قلوب جمع قَلْب، وقد قلتم إنه في الأصل مصدرٌ ثم سُمِّي به، ويجوز أن يُكَنَّى به عن العين كما كُنِي بالسمع عن الأذنِ وإن كان السمعُ في الأصلِ مصدراً كما تقدَّم. والغِشاوة الغِطاءُ، قال(٣): ١٥٦ _ تَبِعْتُك إِذْ عَيْنِي عليها غِشارةٌ فلمَّ انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَلومُها وقال(٤). ١٥٧ - هَلَّ سألْتِ بني ذُبْيان ما حَسْبي إذا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشْمَطَ الْبَرِمَا وجَمْعُها غِشَاءٌ، لمَّا حُذِفَتِ الهاء قُلِبَتِ الواوُ همزةٍ، وقيل: غَشَاوى مثل (١) البيت للمسيب بن زيد مناة الغنوي، وهو في الكتاب ١٠٧/١؛ المخصص ٣١/١؛ المحتسب ٢٤٦/١؛ والقرطبي ١٩٠/١. شجينا: غصصنا، أي لا تنكروا قَتْلَنا لكم وقد سَبَيْتُم منا، ففي حلوقكم عَظْم بقتلنا لكم، وقد شجينا نحن أيضاً. (٢) قراءة ابن أبي عبلة كما في الكشاف ١٦٤/١. (٣) البيت للحارث بن خالد، وهو في مجاز القرآن ٣١/١؛ واللسان: غشا؛ وابن عطية ١٥٤/١؛ والقرطبي ١٩١/١. (٤): البيت للنابغة، وهو في ديوانه ١٠٦؛ والقرطبي ١٩١/١؛ وحسبي: فعلي. والأشمط: الأشيب، والبرم: الذي لا سخاء عنده ولا نفع ولا ضرر. ١١٥ - البقرة أَداوى(١)، قال الفارسيّ(٢): ((ولم أَسمع من الغشاوة فعلاً متصرفاً بالواو، وإذا لم يُوجَدْ ذلك وكان معناها معنى ما اللامُ منه الياءُ وهو غَشِي يَغْشَى بدليلِ قولهم: الغِشْيان، والغشاوة من غَشِيَ كالجِباوَة من جَبَيْت في أَنَّ الواو كأنها بدلٌ من الياء، إذلم يُصَرَّفْ منه فِعْلٌ كما لم(٣) يُصَرَّفْ من الجباوة)) انتهى. وظاهر عبارتِه أن الواو بدلٌ من الياء، فالياء أصل بدليلِ تصرُّف الفعلِ منها دون مادة الواو، والذي يظهرُ أنَّ لهذا المعنى مادتين: غ ش و، وغ ش ي، ثم تصرَّفوا في إحدى المادتين واستغْنَوا بذلك عن التصرُّف في المادة الأخرى، وهذا أقربُ من أدِّعاء قَلْبِ الواو ياءً من غير سببٍ، وأيضاً فالْيَاءُ أخفُّ من الواو فكيف يُقْلِبون الأخفَّ للأثقل؟ ((ولهم عذابٌ عظيم)): ((لهم)) خبرٌ مقدَّمٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، و «عذابٌ)) مبتدأ مؤخر، و((عظيمٌ)) صفته، والخبرُ هنا جائزُ التقدُّم، لأنَّ للمبتدأ مُسَوِّعاً وهو وصفُه، فهو نظير: ((وَأَجَلٌ مُسَمَّى عنده))(٤) من حيث الجوازُ. والعَذابُ في الأصل: الاستمرارُ ثم سُمِّيَ به كلُّ استمرارٍ ألمٍ ، وقيل: أصلُه المنعُ، وهذا هو الظاهرُ، ومنه قيل للماء: عَذْب، لأنه يمنع العطشَ، والعذابُ يمنع من الجريمة. و((عظيمٌ)) اسمُ فاعلٍ من عَظُم، نحو: كريم مِن كُرُّم غيرَ مذهوبٍ به مذهبَ الزمان، وأصله أن تُوصف بهِ الأجرامُ، ثم قد توصف به المعاني، وهل هو والكبيرُ بمعنى واحد أو هو فَوْقَ الكبِيرِ، لأنَّ العظيمَ يقابِلُ الحقيزَ، وَالكبيرَ يقابل الصغيرَ، والحقيرَ دونَ الصغيرِ؟ قولان: وفعيل له معانٍ كثيرةٌ، يكون اسماً وصفةً، والاسمُ مفردٌ وجمعٌ، والمفردُ (١). الأداوى: ج إداوة وهي المطهرة. (٢) الحجة ٢٢٤/١. (٣) سقطت (()) سهواً من الأصل. (٤) الآية ٢ من الأنعام. ۔۔ ١١٦ - البقرة - اسمُ معنى واسمُ عينٍ، نحو قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كَلْب، والصفةُ مفردُ فُعَلَة كعَرِيّ يجمع على عُرَاة، ومفرد فَعَلة كُسرِيٍّ يُجْمَعُ على سراة، ويكون اسم فاعل من فَعُل نحو: عظيم مِنَ عظمُ كما تقدم، ومبالغةً في فاعِل نحو: عليم من عالم، وبمعنى أَفْعل كشَمِيط بمعنى أَشْمط ومفعول كجَريح بمعنى مَجْروح، ومُفْعِل كسميع بمعنى مُسْمِع، ومُفْعَل كوليد بمعنى مُولَد، ومُفاعِل كجليس بمعنى مُجالِس، ومُفْتَعِل كبديع بمعنى مُبْتدِعٍ، ومُتَفَعِّل كسَعِير بمعنى مُتَسَعِّر، ومُسْتَفْعِل كمكين بمعنى مُسْتَمْكِن، وفَعْل كرطيب بمعنى رَطْب، وفَعَل كعَجِيب بمعنى عَجَب، وفِعال كصحيح بمعنى صِحاح ، وبمعنى الفاعلِ والمفعول كصريخ بمعنى صارخ أومصروخ، وبمعنى الواحد والجَمْعِ نحو خليط، وجمع فاعِل كغريب جمع غارِب. أ. (٨) قوله تعالى: ﴿ومن الناس مَنْ يقولُ﴾ .. الآية ((من الناس)) خبر مقدم و((من يقول)) مبتدأ مؤخر، و((مَنْ)) تحتملُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً أي : الذي يقول أو فريقٌ يقول، فالجملةُ على الأول لا محلَّ لها لكونِها صلةً، وعلى الثاني محلُّها الرفعُ لكونها صفةً للمبتدأ. واستضعف أبو البقاء أن تكونَ موصولةً، قال(١): ((لأن ((الذي)» يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى هنا على الإِبهام)) انتهى. وهذا منه غيرُ مُسَلَّم لأن المنقولَ أن الآية نَزَلَت في قوم بأعيانهم كعبد الله بن أَبَيّ ورهطِه. وقال الأستاذ الزمخشري(٢): ((إن كانَتْ أل للجنس كانت ((مَنْ)) نكرةً موصوفة كقوله: ((مِن المؤمنين رجالٌ صدقوا))(٣)، وإِن كانَتْ للعهد كانت موصولةً))، وكأنه قَصَد مناسبةَ الجنسِ للجنسِ والعهدِ للعهد، إلَّ أن هذا الذي قاله غيرُ لازم، بل يجوز أن تكونَ أل للجنسِ وتكونَ (١) الإِملاء ١٦/١. (٢) الكشاف ١٦٧/١. (٣) الآية ٢٣ من الأحزاب. ١١٧ - البقرة بـ [١٣/ب] ((مَنْ)) موصولةٌ، وللعهدِ ومَنْ نكرةً موصوفةً/ . وزعم الكسائي أنها لا تكون إلا في موضعٍ تختص به (١) النكرةُ، كقوله(٢): ١٥٨ - رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غيظاً قلبه قد تَمَنَّى لِيَّ مَوْتَاً لَمْ يُطَعْ وهذا الذي قاله هو الأكثر، إلا أنها قد جاءت في موضعٍ لا تختصُّ به النكرة، قال(٣): ١٥٩ - فكفى بنا فضلاً على مَنْ غيرُنا و ((مَنْ)) تكون موصولةٌ ونكرةً موصوفةٌ كما تقدَّم وشرطيةً واستفهاميةً، وهل تقع نكرةً غيرَ موصوفةٍ أو زائدةً؟ خلافٌ (٤)، واستدلَّ الكسائي على زيادتها بقول عنترة (٥): ١٦٠ - يا شاةَ مَنْ قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ له حَرُمَتْ عليَّ وَلَيْتَها لم تَحْرُمِ. ولا دليلَ فيه لجوازٍ أن تكونَ موصوفةً بقْنَص: إِمَّا على المبالغة أو على حذف مضاف. و ((مِنْ)) في ((مِنَ الناس)) للتبعيض، وقد زعم قومٌ أنها للبيان وهو غَلَطٌ لعدم تقدُّم ما يتبِيِّن بها. و ((الناس)) اسمُ جمع لا واحدَ له مِنْ لفظه، ويرادفُهُ ((أناسِيّ)) جمع إنسان أو إِنْسِيَّ، وهو حقيقةٌ فِي الآدميين، ويُطلق على الجن (١) الأصل: ((بها)» وهو سهو. (٢) البيت لسويد بن أبي كاهل البشكري، وهو في أمالي الشجري ١٦٩/٢؛ وابن يعيش ١١/٤؛ وشذور الذهب ١٣١؛ والهمع ٩٢/١؛ والدرر ٦٩/١؛ والخزانة ٠ ٥٤٦/٢؛ والموضع الذي اختصت به النكرة هنا دخول «رُبَّ)) عليها. (٣) تقدم برقم ١٢ فهي هنا نكرة ولم يتحقق شرط الكسائي. (٤) يعني: هل يجوز زيادة النكرة غير الموصوفة فالكسائي يُجُوِّز والجمهور يمنع. (٥) ديوانه ٢١٣؛ والمغني ٣٦٦؛ والخزانة ٥٤٩/٢. والشاة: كناية عن المرأة، والقنص: · الصيد. ١١٨ - البقرة - مجازاً. واختلف النحويون في اشتقاقه: فمذهبُ سيبويه(١) والفراء أنَّ أصلَه همزةٌ ونون وسين والأصل: أناس اشتقاقاً من الأنس، قال (٢): ولا القلبُ إلا أنه يَتَقَلَّبُ ١٦١ - وما سُمِّي الإِنسانُ إلا لِأُنْسِه لأنه أَنِس بحواء، وقيل: بل أَنس بربه، ثم حُذفت الهمزة تخفيفاً، يدلُّ على ذلك قوله(٣): النَ على الأناس الآمنينا ١٦٢ - إِنَّ المَنايا يَطَلِمْ وقال آخر (٤): ونحنُ خَلَعْنا قيدَه فهو سارِبُ ١٦٣ - وكلُّ أُناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ وقال آخر (٥): دُوَيْهِيَّةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ ١٦٤ - وكلُّ أُناسٍ سوف تَدْخُل بينهم وذهب الكسائي إلى أنه من نون وواو وسين، والأصلُ: نَوَسَ، فَقُلبت الواوُ ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، والنَّوْس الحركةُ. وذهب بعضُهم إلى أنه من نون وسين وياء، والأصل: نَسِي، ثم قُلِيَتْ اللامُ إلى موضع العين فصار (١) الكتاب ٣٠٩/١، ١٢٥/٢. (٢) لم أقف عليه . (٣) تقدم برقم ٢٧ . (٤) البيت للأخنس بن شهاب التغلبي، وهو في المفضليات ٢٠٨، برواية: أرى كل قوم والحماسة ٣٧٦/١؛ وابن يعيش ٥٨/٨، واللسان: خلع. وقاربوا قيد فحلهم: قصروا قيده والمراد فحل الإبل، والسارب: الذاهب في الأرض، يقول: إن غيرنا يقيِّد فحله خوفاً عليه من الغارة ونحن لا نخاف فنتركه حيث يشاء. (٥)) البيت للبيد، وهو في ديوانه ٢٥٦؛ والإنصاف ١٣٩؛ وابن يعيش ١٤/٥؛ وأمالي الشجري ٢٥/١؛ وشواهد الكشاف ٤٨٢؛ والدرر ٢٢٨/٢. والدويهية: الموت. ١١٩ البقرة٤ نَيَساً، ثم قُلبت الياء ألفاً لما تقدم في نوس، قال: سُمُّوا بذلك لِنِسْيانهم ومَنْه الإِنسان لنسيانه، قال(١): ١٦٥ - فإنْ نَسِيْتَ عُهوداً منك سالفةً فاغفرْ فأولُ ناسٍ أولُ الناس ومثله(٢): سُمِّيتَ إنساناً لأنك ناسِي ١٦٦ - لا تَنْسَيَنْ تلك العهودَ فإنما فوزنُه على القول الأول: عال، وعلى الثاني: فَعَل، وعلى الثالث: فَلَع بالقلب. و ((يقولُ)): فعل مضارع وفاعله ضميرٌ عائد على ((مَنْ))، والقولُ حقيقةً: اللفظُ الموضوعُ لمعنَّى، ويُطْلَقُ على اللفظِ الدالَّ على النسبةِ الإِسناديةِ وعلى الكلام النفساني أيضاً، قال تعالى: ((ويقولون في أنفسهم: لولا يُعَذِّبنا اللهِ بما نقول))(٣)، وتراكيبه الستة وهي: القول واللوق والوقل والقلو واللقو والولق تَدُلُّ على الحقَّةِ والسرعةٍ، وإنْ اختصَّتْ بعضُ هذه الموادِّ بمعانٍ أُخَرَ. والقولُ أصلُ تعديتِه لواحدٍ نحو: ((قُلْتُ خطبةً))، وتُحْكِى بعده الجملُ، وتكون في محلِّ نصب مفعولاً بها إلا أَنْ يُضَمَّنَ معنى الظن فيعملَ عَمَلَه بشروطٍ عند غير بني سُلَيْم مذكورةٍ في كتب النحو(٤)، كقوله(٥): ١٦٧ - متى تقولُ القُلُصَ الرواسِما يُدْنِيْنَ أَمَّ قاسمٍ وقاسما (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٩٣/١. (٢) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٢٤٥/٢؛ والقرطبي ١٩٣/١. (٣) الآية ٨ من المجادلة. (٤) انظر: ابن عقيل ٣٤٧/١. (٥) البيت لهدبة بن خشرم، وهو في ابن عقيل ٣٤٨/١؛ وشذور الذهب ٣٧٩؛ والهمع ١٥٧/١؛ والدرر ١٣٩/١. ١٢٠