Indexed OCR Text

Pages 581-586

٥٨١
سورة الناس: الآية ٤
ووُصِف بالخناس لأنه كثيرُ الاختفاء؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقِْمُ بِاْخُنَِّ﴾
[التكوير: ١٥] يعني النجوم، لاختفائها بعد ظهورها. وقيل: لأنه يَخْنِس إذا ذكر العبدُ
اللهَ، أي: يتأخّر(١). وفي الخبر: إنَّ الشيطان جائمٌ على قلب ابن آدم، فإذا غَفَل
وَسْوس، وإذا ذكر اللهَ خَسَ(٢)، أي: تأخّر وأقصر.
وقال قتادة: ((الخَنَّاس)) الشيطان له خُرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان،
فإذا غَفَل الإنسانُ وسوس له، وإذا ذكر العبدُ ربَّه خَس (٣). يقال: خَتَسْتُهُ فخَنَس، أي:
أخَّرته فتأخر. وأَخنسته أيضاً. ومنه قول أبي العلاء الحضرميّ - أنشد رسول الله ﴾ .-:
وإِنْ دَحَسُوا بالشَّرّ فاغْفُ تَكرُّماً وإنْ خَنَسُوا عندَ الحديثِ فلا تَسَلْ(٤)
الدَّحْس: الإفساد. وعن أنس أن رسول الله ﴿ قال: ((إن الشيطانَ واضعٌ خَظْمه
على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خَنَس، وإذا نسي اللهَ التقمَ قَلْبَه فوسوس))(٥). وقال
ابن عباس: إذا ذكر اللهَ العبدُ خَنَس من قلبه فذهب، وإذا غَفَلَ التَقم قلبه فحدَّثه
ومَنَّاه(٦). وقال إبراهيم التيميّ: أوّل ما يبدأ الوسواس من قِبل الوضوء(٧). وقيل:
سُمِّي خَتَّاسًا لأنه يرجع إذا غَفَلَ العبدُ عن ذكر الله. والخنس: الرجوعُ، وقال الراجز:
وصاحبٍ يَمْتعِسُ امتِعاسا يزدادُ إن حَيَّيْتُه(٨) خِناسا
(١) النكت والعيون ٣٧٨/٦.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٥٤ من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٥٤ - ٧٥٥ بنحوه، وينظر تفسير البغوي ٤ / ٥٤٨ .
(٤) تهذيب اللغة ٧/ ١٧٤، واللسان (دحس).
(٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٣٠١)، والبيهقي في الشعب (٥٤٠)، وضعف إسناده الحافظ ابن حجر
في الفتح ٨/ ٧٤٢، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٥٣٩/٨ : غريب.
(٦) سلف قريباً بنحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة كما في الدر المنثور ٦/ ٤٢٠ .
(٨) في (د): جننته، وفي (ظ): خنسته، وهي غير معجمة في (ز)، والمثبت من (م)، والرجز في النكت
و العیون ٣٧٨/٦ ، والبيت الثاني فیه: يزداد من خنسه خناسا.

٥٨٢
سورة الناس: الآيتان ٤ - ٥
وقد روى ابنُ جُبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اُلْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [قال
الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغَفَل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى
خنس، فعلى هذا يكون في تأويل الخناس] وجهان(١): أحدهما: أنه الراجع
بالوسوسة عن الهدى. الثاني: أنه الخارج بالوسوسة من اليقين.
قوله تعالى: ﴿اَلَّذِى يُؤَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ
قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير، يجري مِن ابن آدم مجرى الدم في
العروق، سَلَّطه الله على ذلك؛ فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ
النَّاسِ﴾. وفي الصحيح عن النبيّ ﴾: ((إنَّ الشيطانَ يجري من ابن آدم مجرى
الدَّم))(٢). وهذا يُصحِّحُ ما قاله مقاتل.
وروى شَهْر بن حَوْشَب عن أبي ثعلبةَ الخُشَيِّ قال: سألت الله عن أن يُريني
الشيطانَ ومكانَه من ابن آدم، فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في
جسده؛ غير أن له خَطْماً (٣) كخطم الكلب، فإذا ذَكَر اللهَ خنس ونكس، وإذا سكت
عن ذِكْر الله أخذ بقلبه. فعلى ما وصفَ أبو ثعلبة أنه متشعِّب في الجسد، أي: في كل
عضو منه شعبة.
وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين أنه قال - وقد كبِر سِنُه ـ:
ما أَمِنتُ الزنى، وما يُؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فَيُوتِدَه؟! فهذا القولُ يُنبئك أنه
مُتشعّبٌ في الجسد(٤)، وهذا معنى قول مقاتل .
(١) عبارة النسخ: وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اُلْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ وجهين .. وفي
هذه العبارة سَقَطً وتحريف، والمثبت من النكت والعيون ٣٧٩/٦ ، والكلام منه، وخبر ابن عباس رضي
الله عنهما سلف قريباً .
(٢) أخرجه أحمد (١٢٥٩٢)، ومسلم (٢١٧٤) من حديث أنس وفيه قصة، وسلف ٤٤٨/١ - ٤٤٩.
(٣) الخَطْم: من الدابَّة: مقدَّم أنفها وفمها. القاموس (خطم).
(٤) نوادر الأصول ص ٣٥٤ .

٥٨٣
سورة الناس: الآيتان ٥ -٦
ووسوسته: هو الدعاء لطاعته بكلام خَفِيٍّ، يصل مفهومه إلى القلب من غير
سماع صوت (١).
قوله تعالى: ﴿مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (
أخبر أن المُوسوس قد يكون من الناس. قال الحسن: هما شيطانان؛ أمّا شيطان
الجنِّ فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطانُ الإنس فيأتي علانية(٢). وقال قتادة: إن
من الجنّ شياطينَ، وإن من الإنس شياطين؛ فتعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن(٣).
وروي عن أبي ذرّ أنه قال الرجل : هل تعوَّذت بالله من شياطين الإنس؟ فقال: أوَمِن
الإنس شياطين؟ قال: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ
وَالْجِنِّ﴾ الآية [الأنعام: ١١٢] (٤).
وذهب قومٌ إلى أن الناس هنا يُراد به الجن. سُمُّوا ناساً كما سُمُّوا رجالاً في
قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، وقوماً ونفراً (٥). فعلى
هذا يكون ((والناسِ)) عطفاً على ((الجِنّةِ))، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وذُكر عن بعض العرب أنه قال وهو يُحدِّث: جاء قومٌ من الجن فوقفوا. فقيل:
مَنْ أَنتَمْ؟ فقالوا: ناسٌ من الجن. وهو معنى قول الفرّاء(٦).
وقيل: الوسواس هو الشيطان. وقوله: ((من الجِنةِ)) بيان أنه من الجن، ((والناسِ))
معطوف على الوسواس. والمعنى: قُلْ أعوذُ بربِّ الناس من شرِّ الوسواس، الذي هو
(١) النكت والعيون ٣٧٩/٦ بنحوه.
(٢) تفسير أبي الليث ٥٢٨/٣ .
(٣) النكت والعيون ٣٧٩/٦ .
(٤) ذكره مختصراً من قول أبي ذر رضى الله الزمخشري في الكشاف ٤/ ٣٠٣، وسلف ٨/ ٥٠٢ مرفوعاً.
(٥) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾ [الجن: ١]، وينظر الكلام في تفسير البغوي
٥٤٨/٤، وزاد المسير ٢٧٩/٩ .
(٦) في معاني القرآن ٦/ ٣٠٢، ونقله المصنف عنه بواسطة البغوي في تفسيره ٥٤٨/٤ .

٥٨٤
سورة الناس: الآية ٦
من الجِنة، ومن شرِّ الناس. فعلى هذا أمِر بأن يستعيذ بالله من شرِّ الإنس والجن(١).
والجِنَّة: جمع جِنِّي؛ كما يقال: إنس وإنسيّ. والهاء التأنيث الجماعة.
وقيل: إن إبليس يُوسوس في صدور الجن، كما يُوسوس في صدور الناس. فعلى
هذا يكون ((في صدور الناس)) عامًّا في الجميع، و((من الجنة والناس)) بيانٌ لما
يُوسوس في صدره.
وقيل: معنى ((مِن شر الوسواس)) أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس،
وهو حديثُ النَّفْس. وقد ثبت عن النبيّ :﴿ أنه قال: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ تجاوزَ لأُمَّتِي
عمَّا حدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَها ما لم تعملْ أو تتكلَّمْ به)). رواه أبو هريرة، أخرجه مسلم (٢).
فالله تعالى أعلمُ بالمرادِ من ذلك.
تمَّ الجزء الثاني والعشرون من تفسير القرطبي
وبه تمَّ الكتاب
والحمد لله ربِّ العالمين
(١) زاد المسير ٢٧٩/٩ .
(٢) في صحيحه (١٢٧)، وسلف ٤٨٧/٤ وقوله: (أَنْفُسها)) قال الإمام النووي في شرح مسلم ١٤٧/٢ :
ضبط العلماء ((أنفسها)) بالنصب والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر وأشهر.

٥٨٥
فهرس الجزء الثاني والعشرين
فهرس الجزء الثاني والعشرين
- تفسير سورة النبأ
٥
٣٦
- تفسير سورة النازعات
- تفسير سورة عبس
٦٩
٩٣
- تفسير سورة التكوير
- تفسير سورة البروج
١ - تفسير سورة الأعلى
- تفسير سورة الغاشية
- تفسير سورة الفجر
- تفسير سورة البلد
- تفسير سورة الشرح
- تفسير سورة العلق
- تفسير سورة البينة
- تفسير سورة القارعة
- تفسير سورة التكاثر
- تفسير سورة العصر
- تفسير سورة قريش
- تفسير سورة الماعون
- تفسير سورة الكوثر
- تفسير سورة الكافرون
- تفسير سورة الانفطار
١٢٠
١٢٨
- تفسير سورة المطففين
- تفسير سورة الانشقاق
١٥٧
١٧٩
- تفسير سورة الطارق
٢٠١
٢١٩
٢٣٨
٢٥٦
٢٨٨
- تفسير سورة الشمس
٣٠٧
٣٢٠
- تفسير سورة الليل
- تفسير سورة الضحى
٣٣٥
٣٥٤
٣٦٣
- تفسير سورة التين
٣٧٤
- تفسير سورة القدر
٣٩٠
٤٠٤
- تفسير سورة الزلزلة
٤١٥
٤٢٦
- تفسير سورة العاديات
٤٤٢
٤٤٨
٤٦٣
٤٦٧
- تفسير سورة الهمزة
- تفسير سورة الفيل
٤٧٧
٤٩٥
٥٠٩
٥١٩
٥٣٢

٥٨٦
فهرس الجزء الثاني والعشرين
- تفسير سورة النصر
.
٥٣٨
- تفسير سورة المسد
٥٧٧
- تفسير سورة الفلق
٥٦٧
- تفسير سورة الناس
٥٧٩
٥٨٥
- الفهرس
٥٤٤
- تفسير سورة الإخلاص