Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
سورة الكوثر: الآية ١
والأخبارُ في حوضه في الموقف كثيرةٌ، ذكرناها في كتاب ((التذكرة))(١)، وأنَّ
على أركانه الأربعةِ خُلَفاءَه الأربعةَ رضوانُ الله عليهم، وأنَّ مَن أَبْغَضَ واحدًا منهم لم
يَسْقِه الآخَرَ (٢)؛ وذكرنا هُناكَ مَن يُظْرَد عنه(٣). فَمَن أراد الوقوفَ على ذلك تأمَّلَه
هناك.
ثم يجوزُ أن يسمَّى ذلك النهرُ أو الحوضُ كوثراً، لكثرة الواردةِ والشَّارِبةِ من أمّةٍ
محمدٍ عليه الصلاة والسلام هناك. ويسمَّى به لما فيه من الخيرِ الكثير والماء الكثير.
الثالث: أنَّ الكوثر النبوةُ والكتابُ؛ قاله عكرمة(٤).
الرابع: القرآن؛ قاله الحسن.
الخامس: الإسلام؛ حكاه المغيرة.
السادس: تيسيرُ القرآن وتخفيفُ الشرائع؛ قاله الحسين بن الفضل.
السابع: هو كثرةُ الأصحابِ والأمةِ والأشياع؛ قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن
رِئاب.
الثامن: أنه الإِيثار؛ قاله ابن كَيْسان(٥).
التاسع: أنه رِفْعةُ الذِّكر. حكاه الماوَرْديّ(٦).
(١) ص٣٠٢ وما بعدها.
(٢) أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٦٣)، وابن الجوزي في العلل (٤٠٨) وقال: هذا حديث لا
يصح.
(٣) وردت في هذا أحاديث، منها ما سلف آنفاً من حديث أنس ع عند مسلم، ومنها ما أخرجه البخاري
(٦٥٩٣)، ومسلم (٢٢٩٣) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها. ومنها حديث عبد الله بن
مسعود # عند البخاري (٦٥٧٦)، ومسلم (٢٢٩٧). ومنها حديث سهل بن سعد عند البخاري
(٦٥٨٣)، ومسلم (٢٢٩٠)، وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٦٥٨٤)، ومسلم (٢٢٩١).
وجميعها بنحو ما ورد في حديث أنس السالف.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٠٨/١١ ، والطبري ٦٨٤/٢٤. ووقع عند ابن أبي شيبة: النبوة والإسلام.
(٥) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٣٥٥/٦، والمحرر الوجيز ٥٢٩/٥ .
(٦) في النكت والعيون ٣٥٥/٦ .

٥٢٢
سورة الكوثر: الآية ١
العاشر: أنه نورٌ في قلبكَ دلَّك عَليَّ، وقَطَعَكَ عمَّا سوايَ [قاله جعفر الصادق]
وعنه: هو الشفاعةُ(١)، وهو الحادي عشر.
وقيل: معجزاتُ الربِّ هُدِيَ بها أهلُ الإجابةِ لدعوتك؛ حكاه الثعلبيُّ، وهو
الثاني عشر.
الثالث عشر: قال هلال بنُ بِسَاف: هو لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسول الله(٢).
وقيل: الفقهُ في الدين. وقيل: الصلواتُ الخمس؛ وهما الرابعُ عَشَرَ والخامسُ
عشر.
وقال ابن إسحاق: هو العظيم من الأمر، وذكر بيتَ لَبِيد:
وعِندَ الرُّداعِ بيتُ آخرَ كَوْثٍ(٣)
وصاحبُ مَلْحوبٍ فُجِعْنا بفَقْدِهِ
أي: عظيم.
قلت: أصحُّ هذه الأقوالِ الأوّلُ والثاني؛ لأنَّه ثابتٌ عن النبيِّ :﴿ نصٍّ في الكوثر.
وسمِع أنسٌ قوماً يتذاكرون الحوضَ فقال: ما كنتُ أرى أنْ أعيشَ حتى أرى أمثالكم
يَتَمَارَوْن في الحوض، لقد تركتُ عجائزَ خَلْفي، ما تصلِّي امرأةٌ منهنَّ إلَّا سألتِ اللهَ
أنْ يسقِيهَا من حوض النبيِّلَ﴾. وفي حوضِه يقولُ الشاعر:
يا صاحبَ الحوضِ مَنْ يُدَانيكًا وأنتَ حَقًّا حبيبُ بارِيكَا (٤)
وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أُعْطِيَه رسولُ الله﴾ زيادةً على حوضه،
(١) بنحوه في المحرر الوجيز ٥٢٩/٥ ، وما بین حاصرتین منه.
(٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٩/٥ بلفظ: هو التوحيد.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٤، وديوان لبيد ص ٥٢ . وفيهما: فجعنا بيومه. وملحوب: اسم ماء لبني أسد
ابن خزيمة. ورُداع بالضم - وقيل: بالكسر - ماء لبني الأعرج بن كعب. معجم البلدان ١٩١/٥ و٣٩/٣.
قال ابن هشام: صاحب ملحوب عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب؛ مات بملحوب. وقوله: وعند
الرداع ... ، يعني شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، مات بالرداع.
(٤) لم نقف عليه.

٥٢٣
سورة الكوثر: الآية ٢
صلى الله عليه وسلَّم تسليماً كثيراً.
قوله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
٢
فيه خمسُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ أي: أَقِم الصلاةَ المفروضةَ عليك؛ كذا روى
الضخَّاك عن ابن عباس(١).
وقال قتادةُ وعطاءٌ وعِكرمةُ: ((فصلِّ لِربِّك)) صلاةَ العيدِ يومَ النحر، ((وانْحَرْ))
نُسُكَّك(٢). وقال أنس: كان النبيُّ ◌َ﴾ ينحر ثم يصلِّي، فَأُمِرِ أنْ يُصَلِّي ثم يَنْحر(٣).
وقال سعيد بن جبير أيضاً: صَلِّ لربك صلاة الصبح المفروضة بَجَمْعٍ، وانْحرٍ
البُدْنَ بِمِنّى(٤). وقال سعيد بن جبير أيضاً: نزلت في الحُدَيْبِيَة حين حُصِر النبيُّ ﴿ عن
البيت، فأمره الله تعالى أن يُصَلِّيَ ويَنْحِرَ البُدْنَ وينصرف، ففعل ذلك(٥). قال ابن
العربيّ(٦): أمَّا مَن قال: إنَّ المراد بقوله تعالى: ((فَصَلِّ)): الصلواتُ الخمسُ؛ فلأنَّها
ركنُ العباداتِ، وقاعدةُ الإسلامِ، وأعظمُ دعائمِ الدِّين. وأمَّا مَن قال: إنَّها صلاةٌ
الصبحِ بالمزدَلِفة؛ فلأنَّها مقرونةٌ بالنَّحْرِ، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاةً فيه قبلَ النَّحرِ
غيرها، فخصَّها بالذِّكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنَّحْر.
قلت: وأمَّا مَن قال: إنَّها صلاةُ العيد، فذلك بغير مكة؛ إذ ليس بمكةَ صلاةُ عيد
بإجماعٍ، فيما حكاه أبو عمر (٧).
(١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٩٣ من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٥٣٤، وأخرج قولهم الطبري ٢٤/ ٦٩٣ - ٦٩٤ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤ / ٦٩٣ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٩٢ ، وجمع هي المزدلفة.
(٥) أخرجه الطبري ٦٩٥/٢٤ - ٦٩٦، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٩٧٥ .
(٦) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٧٥ .
(٧) في (د) و(م): ابن عمر.

٥٢٤
سورة الكوثر: الآية ٢
قال ابن العربيّ(١): فأمَّا مالكٌ فقال: ما سمعتُ فيه شيئًا، والذي يقع في نفسي
أنَّ المراد بذلك صلاةُ يومِ النحرِ، والنحرُ بعدها.
وقال عليٍّ ه ومحمد بن كعب: المعنى: ضَعِ الْيُمْنَى على اليسرى حِذاءَ النَّحرِ
في الصلاة. ورُوِي عن ابن عباس أيضاً(٢).
وروي عن عليٍّ أيضًا: أن يرفع يديه في التكبير إلى نَحْرِه(٣). وكذا قال [أبو]
جعفر بن عليٍّ: ((فَصَلِّ لربِّكَ وانحر)) قال: يرفع يديه أوّلَ ما يُكَبِّر للإحرام إلى
النحر (٤). وعن عليٍّ ه قال: لمَّا نزلت: ((فَصَلِّ لربِّك وانحر)) قال النبيُّ ﴿ لجبريل:
((ما هذه النَّحِيرةُ التي أمرني الله بها))؟ قال: ((ليستْ بنحيرةٍ، ولكنَّه يأمرك إذا تحرَّمْتَ
للصلاة، أنْ ترفع يديكَ إذا كَبَّرت، وإذا رفعتَ رأسك من الركوع، وإذا سجدتَ،
فإنَّها صلاتُنا وصلاةُ الملائكةِ الذين هم في السماوات السبع، وإنَّ لكلِّ شيءٍ زينةٌ،
وإنَّ زينةَ الصلاةِ رفعُ اليدين عند كلِّ تكبيرة))(٥).
وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: استَقْبِلِ القبلةَ بنَحْرِكَ؛ وقاله الفرَّاء والكلبيُّ
وأبو الأحوص، ومنه قول الشاعر:
أبا حَكَّمٍ ما أَنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهلِ الأَبطَحِ المُتَنَاحِرِ (٦)
(١) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٧٥ .
(٢) النكت والعيون ٣٥٥/٦ عن علي وابن عباس، وأخرجه عن علي عبد الرزاق ٢/ ٤٠١، والطبري
٦٩٠/٢٤ - ٦٩١، والدارقطني (١٠٩٩). وعن ابن عباس أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث
٤٤٣/٢، والبيهقي ٣١/٢ .
(٣) النكت والعيون ٣٥٥/٦.
(٤) أخرجه الطبري ٦٩٢/٢٤، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وما سلف بين حاصرتين منهما، وهو
أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
(٥) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١٧٧/١، والحاكم ٢/ ٥٣٧ ، وابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير عند
تفسير هذه الآية، وقال: حديث منكر جدًّا. اهـ وقال ابن حبان: هذا متن باطل إلا ذكر رفع اليدين فيه.
أهـ. وسيأتي الكلام في رفع اليدين في المسألة الخامسة.
(٦) معاني القرآن للفراء ٢٩٦/٣، والنكت والعيون ٣٥٦/٦، وأخرج القول عن أبي الأحوص ابن =

٥٢٥
سورة الكوثر: الآية ٢
أي: المتقابل. قال الفرَّاء: سمعتُ بعضَ العربِ يقول: منازلنا تتناحر - أي:
تتقابل - نحرُ(١) هذا بنحر هذا، أي: قُبالته. وقال ابن الأعرابيّ: هو انتصابُ الرجلِ
في الصلاةِ بإزاءِ المِحراب؛ من قولهم: منازلُهم تتناحَر، أي: تتقابل(٢).
ورُوي عن عطاء قال: أَمَره أن يستويَ بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره.
وقال سليمان التَّيمِيُّ: يعني: وارْفَعْ يدَكَ بالدعاء إلى نحرك.
وقيل: ((فَصَلِّ)) معناه: فاعبُدْ. وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاَنْحَرْ﴾ يقول: إنَّ ناساً يصلُّون لغير الله، وينحرون لغير الله،
وقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتُك ولا نَحْرُك إلَّا لِله(٣).
قال ابن العربيّ(٤): والذي عندي أنه أراد: اعبُدْ ربَّك، وانْحَرْ له، فلا يكن
عملك إلَّا لمَن خصَّك بالكوثر، وبالْحَرَى(٥) أن يكون جميعُ العملِ يوازي هذه
الخُصوصيةَ من الكوثر، وهو الخيرُ الكثير الذي أعطاكَه الله، أو النهرُ الذي طِينُه
مسكٌ، وعددُ آنيتِه نجومُ السماء، أمَّا أنْ يوازِيَ هذا صلاةُ يومِ النَّحر، وذبحُ كبشٍ أو
بقرةٍ أو بَدَنةٍ، فذلك يبعدُ في التقدير والتدبير، وموازنة الثوابٍ للعبادة. والله أعلم.
الثانية: قد مضى القولُ في سورة الصَّافّات في الأُضحِية وفَضْلِها ووقتٍ
ذَبْحِها(٦)؛ فلا معنَى لإعادةِ ذلك. وذكرنا أيضاً في سورة الحج جملةً من أحكامها(٧).
= أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٤٠٣/٦ . ووقع عند الفراء: أبا حكم ها أنت ... ، وفي النكت
والعيون: هل أنت.
(١) قوله: نحر، ليس في معاني القرآن للفراء ٢٩٦/٣.
(٢) بنحوه في تهذيب اللغة ١١/٥ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٩٥، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٩٧٥/٤، والبغوي ٤/ ٥٣٤.
(٤) في أحكام القرآن ١٩٧٦/٤.
(٥) الحَرَى: الخليق، كقولك: بالحَرَى أن يكون ذلك، وإنه لحَرَّى بكذا وحَرٍ وحَرِيٌّ. اللسان (حري).
(٦) عند تفسير الآية (١٠٧)، في المسألة الثامنة وما بعد .
(٧) ينظر ٣٦٦/١٤ وما بعدها.

٥٢٦
سورة الكوثر: الآية ٢
قال ابن العربيّ(١): ومن عجيب الأمر أنَّ الشافعيَّ قال: إنَّ مَن ضخَّى قبل الصلاةِ
أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فبدأ بالصلاة قبل النحر،
وقد قال النبيُّ ﴿ ـ في البخاريِّ وغيره(٢)، عن البراء بن عازب قال -: ((أوّلُ ما نَبْدَأ به
في يومنا هذا أن نُصَلِّيَ، ثم نَرْجِعَ فننحرَ، مَن فَعَلَ فقد أصاب نُسُكنا(٣)، ومَن ذَبَح
قبلُ، فإنَّما هو لحمٌّ قدَّمه لأهله، ليس من النُّسُك في شيءٍ)). وأصحابُه ينكرونه،
وحبّذا الموافقة.
الثالثة: وأمَّا ما روي عن عليٍّ عليه السلام: ((فصلٌّ لِربك وانحر)) قال: وضع
اليمين على الشمال في الصلاة. خرَّجه الدارَقُظْنيّ(٤)، فقد اختلف علماؤنا في ذلك
على ثلاثة أقوال :
الأوّل: لا توضع في فريضةٍ ولا نافلة؛ لأنَّ ذلك من باب الاعتماد، ولا يجوزُ
في الفرض، ولا يستحبُّ في النفل.
الثاني: لا يفعلُها في الفريضة، ويفعلُها في النافلة استعانةً؛ لأنَّه موضعُ ترخُصٍ.
الثالث: يفعلُها في الفريضة والنافلة. وهو الصحيحُ؛ لأنَّه ثبت أنَّ رسولَ اللهِ ﴾
وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل بن حُجْرٍ وغيرِه(٥). قال ابن المنذر:
وبه قال مالك وأحمدُ وإسحاقُ، وحُكي ذلك عن الشافعيِّ. واستَحَبَّ ذلك أصحابُ
(١) في أحكام القرآن ١٩٧٨/٤ .
(٢) صحيح البخاري (٩٦٥)، وهو عند أحمد (١٨٤٨١)، ومسلم (١٩٦١): (٧)، وسلف ١٤/ ٣٦٧.
(٣) في مصادر التخريج: ستّنا، والمثبت من النسخ وأحكام القرآن.
(٤) في سننه (١٠٩٩)، وسلف في المسألة الأولى.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٧٨/٤. وحديث وائل بن حجر أخرجه أحمد (١٨٨٦٦)، ومسلم
(٤٠١). وأخرج أحمد (٢٢٨٤٩)، والبخاري (٧٤٠) من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كان
الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا
يَنْمي ذلك إلى النبي #.

٥٢٧
سورة الكوثر: الآية ٢
الرأي. ورأت جماعةٌ إرسالَ اليد. وممَّن روينا ذلك عنه ابن الزبير(١) والحسن البصريُّ
وإبراهيم النخعِيّ(٢).
قلت: وهو مَرْوِيٌّ أيضاً عن مالك. قال ابن عبد البرِّ(٣): إرسالُ اليدين، ووضعُ
اليمنى على الشمال، كلُّ ذلك من سنَّة الصلاة.
الرابعة: واختلفوا في الموضع الذي توضعُ عليه اليد؛ فروي عن عليّ بن أبي
طالب: أنه وضعهما على صدره. وقال سعيد بن جُبير وأحمد بن حنبل: فوق السُّرَّة.
وقال: لا بأسَ إن كانت تحت السرَّة. وقالت طائفةٌ: توضع تحت السرَّة. وروي ذلك
عن عليٍّ وأبي هُريرةً والنخعيِّ(٤) وأبي مجلَز. وبه قال سفيان الثوريُّ وإسحاق(٥).
الخامسة: وأمَّا رفعُ اليدين في التكبير عند الافتتاحِ والركوعِ والرفعِ من الركوع
والسجودِ، فاختلف في ذلك؛ فروى الدَّار قطنيُّ من حديث حميد عن أنس قال: كان
رسول اللـه ** يرفعُ يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع،
وإذا سجد. لم يروِهِ عن حميد مرفوعاً إلَّا عبدُ الوهاب الثقفيُّ. والصَّوابُ: مِن فِعْلٍ
(٦)
أنس(٦).
وفي الصَّحيحين من حديثِ ابنِ عمر، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ :﴿ إذا قام إلى
(١) في (د) و(م): ابن المنذر، وهو تصحيف. وقول ابن المنذر الذي قاله في كتاب الإقناع ٩٣/١ هو ما
ذكره أولاً من وضع اليمنى على اليسرى. أما ابن الزبير رضي الله عنهما فقد قال ابن عبد البر في التمهيد
٧٤/٢٠ : روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه. اهـ. قلنا: أخرج
أبو داود (٧٥٤) عن ابن الزبير قال: صفُّ القدمين ووضع اليد على اليد من السنة.
(٢) التمهيد ٧٦/٢٠: وفيه: روي عن الحسن وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة. قال ابن عبد
البر: وليس هذا بخلاف؛ لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يرسل العالِم يديه ليري الناس أن ليس ذلك
بحتم واجب.
(٣) في الكافي ٢٠٦/١ .
(٤) قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٧٥ (والكلام منه): ولا يثبت ذلك عنهم. اهـ. وقد أخرجه عن علي
وأبي هريرة أبو داود (٧٥٦) و(٧٥٧).
(٥) التمهيد ٢٠/ ٧٥ .
(٦) سنن الدار قطني (١١١٩).

٥٢٨
سورة الكوثر: الآية ٢
الصلاة رفع یدیه حتی تکونا حَذْوَ مَنْکبیه، ثم یکبِّر، وکان یفعلُ ذلك حین یکبِّر
للركوع، ويفعلُ ذلك حين يرفعُ رأسَه من الركوع، ويقولُ: ((سمِع الله لمن حَمِدَه)) ولا
يفعلُ ذلك حين يرفع رأسه من السجود(١).
قال ابن المنذر: وهذا قولُ الليثِ بنِ سعد، والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ وأبي ثور.
وحكى ابن وهب عن مالك هذا القولَ. وبه أقولُ؛ لأنَّه الثابتُ عن رسولِ الله ◌ِ﴾.
وقالت طائفة: يرفعُ المصلِّي يديه حين يفتتحُ الصلاةَ، ولا يرفعُ فيما سوى ذلك. هذا
قولُ سفيان الثوريِّ وأصحابِ الرأي(٢).
قلت: وهو المشهورُ من مذهبٍ مالكِ؛ لحديثِ ابنِ مسعود؛ خرَّجه الدَّار قطنيُّ
من حديث إسحاقَ بن أبي إسرائيل، قال: حذَّثنا محمد بن جابر، عن حماد، عن
إبراهيم، عن علقمةَ، عن عبد الله قال: صلَّيتُ مع النبيِّ :﴿ ومع أبي بكرٍ وعمرَ رضي
الله عنهما، فلم يرفعوا أيديهم إلَّا أوَّلاً عند التكبيرةِ الأولى في افتتاح الصلاة. قال
إسحاقُ: به نأخذُ في الصلاة كلِّها. قال الدَّار قطنيُّ: تفرَّد به محمد بن جابر - وكان
ضعيفاً - عن حماد، عن إبراهيم. وغيرُ حمادٍ يروِيه عن إبراهيم مرسلاً عن عبد الله مِن
فِعْله، غيرَ مرفوعٍ إلى النبيِّ #؛ وهو الصَّواب(٣).
وقد روى يزيد بنُ أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البَرَاءِ: أنَّه رأى
النبيَّ ﴾ حين افتتح الصلاةَ رَفَعَ يديه حتى يُحاذِيَ بهما أُذنيه، ثم لم يَعُدْ إلى شيءٍ من
ذلك حتى فرغ من الصلاة(٤). قال الدَّار قطنيُ(٥): [وإنَّما] لقِّن يزيد في آخر عمره: ثم
لَم يَعُدْ بعدُ، فَتَلقَّنه وكان قد اخْتَلَط.
وفي ((مختصر ما ليس في المختصر)) عن مالك: لا يرفع اليدين في شيءٍ من
(١) صحيح البخاري (٧٣٦)، وصحيح مسلم (٣٩٠).
(٢) الأوسط لابن المنذر ١٣٦/٣ - ١٥١ .
(٣) سنن الدارقطني (١١٣٣).
(٤) سنن الدراقطني (١١٢٩).
(٥) إثر الحديث (١١٣١)، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

٥٢٩
سورة الكوثر: الآيتان ٢ - ٣
الصلاة (١). قال ابن القاسم: ولم أرَ مالكاً يرفع يديه عند الإحرام. قال: وأَحبُّ إليَّ
تَرْكُ رَفْعِ اليدين عند الإحرام.
قوله تعالى: ﴿إِنَ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْرَ @)
أي: مبغِضك، وهو العاص بنُ وائل(٢). وكانت العربُ تسمِّي مَن كان له بنونَ
وبناتٌ، ثم مات البنونَ وبقي البناتُ: أبتر. فيقال: إنَّ العاص وقف مع النبيِّ *
يكلِّمه، فقال له جمعٌ من صناديد قريش: مع مَن كنتَ واقفاً؟ فقال: مع ذلك الأبتر.
وكان قد تُوُفِّي قبل ذلك عبدُ الله بنُ رسولِ الله ﴾، وكان من خديجة؛ فأنزل الله جلَّ
شأنُه: ﴿إِنَّ شَائِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾(٣)، أي: المقطوعُ ذِكْرُه من خير الدنيا والآخرة.
وذَكَر عكرمةُ عن ابن عباس قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا مات ابنُ الرجلِ قالوا :
بُتِر فلان. فلمَّا مات إبراهيم ابنُ النبيِّ # خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بُتِر
محمد؛ فأنزل الله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ شَائِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٤) يعني بذلك أبا جهل.
وقال شمر بن عطية: هو عقبةُ بنُ أبي مُعَيط(٥).
وقيل: إنَّ قريشاً كانوا يقولون لمَن مات ذكورُ ولدِه: قد بُتِر فلان. فلمَّا مات
لرسول اللـه﴿ ابنُه القاسمُ بمكة، وإبراهيمُ بالمدينة، قالوا: بتر محمد، فليس له مَن
يقوم بأمره من بعده؛ فنزلت هذه الآية؛ قاله السدِّيُّ وابن زيد(٦).
(١) وهذا أضعف الأقوال وأشَذُّها، كما ذكر أبو العباس في المفهم ١٩/٢. وقال ابن المنذر في الأوسط
١٣٧/٣: أجمع كل مَن نحفظ عنه من أهل العلم على أن النبي # كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة،
وأن من السنة أن يرفع المرء يديه إذا افتتح الصلاة. اهـ . وكتاب مختصر ما ليس في المختصر لأبي
إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان، وكُتبُ ابن شعبان فيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن
قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست مما رواه ثقات أصحابه، واستقر من مذهبه. الديباج المذهب ١٠٥/٢ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٩٧ - ٦٩٩ عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٥٠٣ .
(٤) ذكره بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٥٣٠ عن عكرمة.
(٥) أخرجه الطبري ٦٩٩/٢٤ .
(٦) النكت والعيون ٣٥٦/٦ .

٥٣٠
سورة الكوثر: الآية ٣
وقيل: إنَّه جوابٌ لقريش حين قالوا لكعب بن الأشرف لمَّا قدم مكة: نحن
أصحابُ السقايةِ والسَّدانةِ والحِجابةِ واللِّواء، وأنت سيدُ أهلِ المدينة، فنحن خيرٌ أم
هذا الصُّنَيْبير المنبتر (١) من قومه؟ قال كعب: بل أنتم خيرٌ، فنزلت في كعب: ﴿أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٥١].
ونزلت في قريشٍ: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾؛ قاله ابنُ عباسٍ أيضاً وعكرمة(٢).
وقيل: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا أَوْحَى إلى رسوله، ودعا قريشاً إلى الإيمان، قالوا:
انْبَتَر منَّا محمد، أي: خالَفَنا وانقطع عنَّا. فأخبر الله تعالى رسولَه # أنَّهم هم
المبتورون؛ قاله أيضاً عِكرمةُ وشَهْر بن حَوْشَب(٣).
قال أهلُ اللغةِ: الأبترُ من الرجال: الذي لا وَلَدَ له، ومن الدوابِّ: الذي لا ذَنَبَ
له. وكلُّ أمرٍ انقطعَ من الخير أثرُه، فهو أبتر. والبَتْر: القَطْعُ. بَتَرْتُ الشيءَ بَثْراً: قطعته
قبل الإتمام. والانبتار: الانقطاع. والباتر: السيفُ القاطِعِ. والأَبْتَر: المقطوعُ الذَّنَب.
تقول منه: بَيِّر - بالكسر - يَبْتَرُ بَتَراً (٤). وفي الحديث ((ما هذه البُتَيراء))(٥).
وخطب زياد خُطبتَه البتراء؛ لأنَّه لم يحمد الله فيها، ولم يُصَلِّ على النبيِّ #. ابن
السكيت(٦): الأبتران: العَيْرِ والعَبْد؛ قال: سمِّيا أبتَريْنِ لقلَّةِ خيرِهما. وقد أبتره الله،
أي: صيَّره أبترَ. ويقال: رجلٌ أُباتر - بضم الهمزة -: الذي يقطعُ رَحِمَه. قال الشاعر:
(١) في (م): الصنيبر الأبيتر.
(٢) أخرجه عن ابن عباس إبراهيم الحربي في غريب الحديث ٤٣٥/٢، والبزار (٢٢٩٣ - كشف)،
والنسائي في الكبرى (١١٦٤٣)، والطبري ١٤٢/٧ و١٤٥ و٧٠٠/٢٤، وابن حبان (٦٥٧٢)، والطبراني
في الكبير (١١٦٤٥). وأخرجه عن عكرمة سعيد بن منصور (٦٤٨ - تفسير)، والطبري ٧/ ١٤٣
و٢٤ /٦٩٩ - ٧٠٠ . ووقع في بعض المصادر: الصنبور، بدل: الصنيبير، وهو تصغير الصنبور، وسيأتي
شرحه.
(٣) النكت والعيون ٣٥٦/٦، وأخرجه عن عكرمة الطبري ٢٤/ ٧٠٠.
(٤) بابه: طَرِب. مختار الصحاح (بتر)، والكلام من الصحاح (بتر).
(٥) ذكره ابن الأثير في النهاية (بتر): أن سعداً ﴾ أوتر بركعة، فأنكر عليه ابن مسعود﴾ وقال: ما هذه
البتيراء.
(٦) في إصلاح المنطق ص ٤٤٠، والكلام من الصحاح (بتر).

٥٣١
سورة الكوثر: الآية ٣
لَئِيمٌ نَزَتْ في أَنْفِهِ خُنْزُوانَةٌ على قَطْع ذي القُرْبَى أَحَذُّ أُباتِرُ (١)
والبُتْريَّة: فِرقةٌ من الزيدية؛ نُسبوا إلى المغيرة بنِ سعد، ولقبُه الأبتر(٢).
وأمَّا الصُّنبورُ فلفظٌ مشترك. قيل: هو النخلةُ تبقى منفردةً، ويَدِقُّ أسفلُها ويتقشَّر؛
يقال: صَنْبَرَ أسفلُ النخلة. وقيل: هو الرجلُ الفَرْدُ الذي لا وَلَدَ له ولا أخ. وقيل: هو
مَثْعَبُ(٣) الحوضِ خاصَّةً؛ حكاه أبو عبيد، وأنشد:
ما بين صُنْبورٍ إِلى الإزاءِ (٤)
والصُّنبور: قَصَبةٌ تكون في الإداوة من حديدٍ أو رصاصٍ يُشرب منها. حكى
جميعَه الجوهريُّ(٥) رحمه الله. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) الصحاح (بتر)، وأساس البلاغة (خنز). الخنزوانة: الكبر، يقال: فيه خنزوانة، وفي أنفه خنزوانة.
والأحَذُّ: السريع القطع. جمهرة الأمثال ٩٩/٢ ، وأساس البلاغة (حذد) و(خبز).
(٢) كذا نقل المصنف عن الجوهري في الصحاح (بتر)، والصواب أن الأبتر هو لقب كثير النواء، وإليه
ينسب البترية، وهي طائفة تزعم أن عليًّا أفضل الناس بعد رسول الله ﴾ وأولاهم بالبيعة، وأن بيعة أبي
بكر وعمر ليست بخطأ لأن عليًّا ترك ذلك لهما، ويقفون في عثمان ه وأمره وحاله، ويسمَّون أيضاً
الصالحية لأنهم ينسبون إلى الحسن بن صالح بن حيِّ الفقيه .
أما المغيرة بن سعد - ويقال: ابن سعيد - فأتباعه يسمَّون المُغيرية، وذكر ابن الأثير في الكامل ٢٠٧/٥
في حوادث سنة ١١٩ أن المغيرة هذا كان ساحراً، وكان يقول: لو أردت أن أحيي عاداً وثمود وقروناً
بين ذلك لفعلت، ولما بلغ خبره خالد بن عبد الله القسري أحرقه. ينظر مقالات الإسلاميين ٦٩/١
و١٤٤، والفرق بين الفرق ص٢٤، والملل والنحل ص ١٦١ و١٧٦ والأنساب ٢/ ٧٤، ومنهاج السنة
النبوية ٥٠٣/٢ و١١/٣.
(٣) في النسخ الخطية: مبعث، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الصحاح (صبر) والكلام منه،
والمثعب: مجرى الماء من الحوض وغيره. المعجم الوسيط (ثعب).
(٤) تهذيب اللغة ٢٨٣/١٣، والصحاح (صبر)، والكلام منه. ونقل الأزهري عن الأصمعي قال: الإزاء
مصب الماء في الحوض.
(٥) في الصحاح (صبر). والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. اللسان (أدا).

سورة ((الكافرون))
وهي مكيةٌ في قول ابنِ مسعود والحسن وعِكرمة. ومدنيةٌ في أحدٍ قولي ابنِ عباسٍ
وقتادةَ والضخَّاك(١). وهي ستُّ آيَاتٍ.
وفي الترمذيِّ من حديثٍ أنسٍ: ((أنَّها تَعْدِلُ ثلثَ القرآن))(٢). وفي كتاب ((الرد))
لأبي بكر الأنباريِّ: أخبرنا عبد الله بن ناجية، قال: حدَّثنا يوسف، قال: حدَّثنا
القعنبيُّ وأبو نعيم، عن موسى بن وَرْدان، عن أنس، قال: قال رسول الله ﴾: ((﴿قُلّ
يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ تَعدِلُ ربعَ القرآن))(٣). ورواه موقوفاً عن أنس.
وخرَّج الحافظ أبو محمد عبدُ الغنيّ بن سعيد عن ابن عمر قال: صلَّى النبيُّ ﴾
بأصحابه صلاةَ الفجرِ في سفر، فقرأ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾،
ثم قال: ((قرأتُ بكم ثلثَ القرآنِ ورُبِعَه)) (٤).
وروى جُبير بن مُطعِم أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((أتحبُّ يا جبيرُ إذا خرجتَ سفَرًا أن
تكون من أَمْثَلِ أصحابِك هيئةً وأكثرِهم زاداً)»؟ قلتُ: نعم. قال: ((فاقرأ هذه السورَ
الخمسَ؛ من أوّل ((قل يا أيها الكافرون - إلى - قل أعوذُ بربِّ الناس))، وافتِخْ قراءتَك
ببسم الله الرحمن الرحيم)). قال: فوالله لقد كنتُ غنيًّا (٥) كثير المالِ، إذا سافرتُ
أكونُ أَبَذَّهم هَيئةً، وأقلّهم زاداً، فمذ قرأتهنَّ صرتُ مِن أحسنهم هيئةً، وأكثرِهم زاداً،
حتى أرجعَ من سفري ذلك(٦).
وقال فَرْوة بن نَوْفل الأشجعيّ: قال رجل للنبيّ ﴾: أوصني. قال: ((اقرأ عند
(١) النكت والعيون ٦/ ٣٥٧.
(٢) لم نقف على هذا الحديث، والذي في سنن الترمذي: ربع القرآن، وينظر التعليق الذي بعده.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٨٩٣) و(٢٨٩٥)، وسلف ص ١٤٦ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه عبد بن حميد في المنتخب (٨٥٤)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٥٨/٧ و٢٦٠.
(٥) في النسخ: غير، والمثبت من المصادر.
(٦) أخرجه أبو يعلى (٧٤١٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٤/١٠: رواه أبو يعلى وفيه مّن لم
أعرفهم. وذكره الحافظ في المطالب العالية ٣٩٨/٣ ، والسيوطي في الدر المنثور ٤٠٦/٦ ونسباه لأبي
یعلی.

سورة الكافرون: الآيات ١ - ٥
٥٣٣
منامك ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك)). خرّجه أبو بكر الأنباريّ وغيره(١).
وقال ابن عباس: ليس في القرآن أشدُّ غيظاً لإبليس منها؛ لأنها توحيد وبراءة من
الشرك.
وقال الأصمعيّ: كان يقال لـ ﴿قُلّ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾
المقشقِشتان، أي: أَنهما تُبرئان من النفاق. وقال أبو عبيدة: كما يُقَشْقِشُ الهِناء
الجربَ فيبرتُهُ. وقال ابن السكيت: يقال لِلقَرح والجُدَريّ إذا يبِس وتقرَّف، وللجَرَب
في الإبل إذا قَفَل: قد تَوَسَّف جلدُه، وتقشّر جِلده، وتقَشْقَش جِلدُه(٢).
بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿﴿ لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ وَلَآَ أَنْتُمْ
عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿ وَلَآَ أَنَاْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ ﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ
ذكر ابن إسحاقَ وغيره عن ابن عباس: أن سببَ نزولها أن الوليد بن المغيرة،
والعاصَ بن وائل، والأسودَ بن المُطَّلب(٣)، وأُميَ بن خَلَف؛ لَقُوا رسولَ الله ◌ِ﴾.
فقالوا: يا محمد، هَلُمَّ فلتعبدْ ما نعبد، ونَعْبد ما تَعْبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا
كلِّه، فإن كان الذي جئتَ به خيراً مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظّنا
منه. وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك، كنتَ قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذتَ بحظّك
منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾.
وقال أبو صالح عن ابن عباس: إنهم قالوا لرسول اللـه ﴾: لو اسْتَلَمْتَ بعضَ هذه
الآلهة لَصدَّقناك، فنزل جبريلُ على النبيِّ ﴾ بهذه السورة، فيئسوا منه، وآذَوه، وآذَوا
(١) أخرجه أحمد (٢٣٨٠٧)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي بعد الحديث (٣٤٠٣) بنحوه. والرجل الذي
قال النبي ﴾: أوصني، هو نوفل الأشجعي أبو فروة رضي الله عنهما.
(٢) الصحاح (قشش).
(٣) في النسخ والنكت والعيون ٣٥٧/٦ (والكلام منه دون ذكر ابن عباس رضي الله عنهما): الأسود بن
عبد المطلب، والخبر في السيرة النبوية ١/ ٣٦٢، وأسباب النزول للواحدي ص ٥٠٥ - دون نسبة -
وتفسير الطبري ٧٠٣/٢٤، وتاريخ الطبري ٣٣٧/٢ ونسبه لسعيد بن مينا. والمثبت من هذه المصادر.

٥٣٤
سورة الكافرون: الآيات ١ - ٥
أصحابَه(١). والألفُ واللامُ ترجع إلى معنى المعهود وإن كانت للجنس من حيث إنها
كانت صفةً لأيّ؛ لأنها مُخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كُفره،
فهي من الخُصوص الذي جاء بلفظ العموم. ونحوه عن الماورديّ (٢): نزلت جواباً،
وعَنَى بالكافرينَ قوماً مُعَيَّنين، لا جميع الكافرين؛ لأن منهم من آمنَ فعبد الله، ومنهم
من مات أو قُتِل على كُفره، وهم المُخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون.
قال أبو بكر بن الأنباريّ: وقرأ مَن طعن في القرآن: ((قُلْ لِلذين كَفَروا لا أَعْبد ما
تَعْبُدون)) وزعَم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراءٌ على ربِّ العالمين، وتضعيفٌ
لمعنى هذه السورة، وإبطالُ ما قصده الله من أن يُذِلَّ نبيُّه المشركين(٣) بخطابه إيَّاهم
بهذا الخطاب الزرِيّ(٤)، وإلزامهم ما يأنَفُ منه كلُّ ذي لُبِّ وحِجًا. وذلك أن الذي
يدَّعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى، وتزيد تأويلاً ليس عندهم في
باطلهم وتحريفِهم. فمعنى قراءتنا: قل للذين كفروا: يا أيها الكافرون، دليلُ صحة
هذا: أن العربيّ إذا قال لمخاطبه: قل لزيد: أَقْبِلْ إلينا، فمعناه: قل لزيد: يا زيدُ،
أَقْبِلْ إلينا. فقد وقعت قراءتُنا على كل ما عندهم، وسقط من باطلهم أحسنُ لفظٍ وأبلغُ
معنى؛ إذ كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا(٥) يعتمدهم في ناديهم، فيقول لهم:
((يا أيها الكافرون)) وهو يعلم أنهم يغضبون من أن يُنْسبوا إلى الكُفر، ويُدخَلوا في
جُملة أهله إلَّا وهو محروسٌ ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يَدٌ، أو تقع به من جهتهم
أَذِية. فمن لم يقرأ ((قُلْ يا أيُّها الكافرون)) كما أنزلها الله، أسقط آيةً لرسول الله ◌ِ﴾ ..
وسبيلُ أهل الإسلام ألا يُسارعوا إلى مِثْلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه
التي منحه الله إيَّاها، وشرَّفه بها.
وأما وجهُ التكرار فقد قيل: إنه للتأكيد في قَطْع أطماعهم؛ كما تقول: والله، لا
(١) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر - كما في الدر المنثور ٤٠٤/٦ - وذكره البغوي في تفسيره ٥٣٥/٤
دون نسبة.
(٢) في النكت والعيون ٦/ ٣٥٧ .
(٣) في (م): للمشركين، والمثبت من النسخ الخطية.
(٤) في (د): الرديء.
(٥) قوله: لا، ليس في (د) و(م).

٥٣٥
سورة الكافرون: الآيات ١ - ٥
أَفعلُ كذا، ثم والله لا أَفعلُه.
قال أكثرُ أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التَّكرار إرادةً
التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادةَ التخفيف والإيجاز(١)؛ لأن
خُروجَ الخطيب والمتكلِّم من شيء إلى شيء، أولى من اقتصاره في المقام على شيء
واحد؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿وَيْلٌ يَمَيِدٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُتَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤-٥] و﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًّا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦]. كل هذا على التأكيد.
وقد يقول القائل: إِرْم ◌ِرْم، اعجَلْ اعجَلْ؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في
الحديث الصحيح: ((فلا آذنُ، ثم لا آذنُ، إنما فاطمةُ بَضْعٌ مني)) خرَّجه مسلم(٢).
وقال الشاعر :
ـدَةَ يومَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنَا(٣)
هلا سألتَ جموعَ كِنْـ
وقال آخر :
يا لَبَكْرٍ أَنْشِروا لي كُلَيْباً يا لَبَكْرٍ أَينَ أَيْنَ الفِرَارُ(٤)
وقال آخر :
خيرَ تميم كُلِّها وأَكْرَمَهْ(٥)
يا علقمة يا علقمةْ يا علقمة
وقال آخر :
إِنكَ إنْ يُضْرَعِ أَخوكَ تُضْرَعُ (٦)
يا أَقرعُ بنَ حابسٍ يا أَقْرَعُ
وقال آخر :
(١) تفسير البغوي ٤ / ٥٣٥ .
(٢) في صحيحه (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة ، وهو في مسند أحمد (١٨٩٢٦).
(٣) البيت لعَبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص ١٤٢.
(٤) البيت لمهلهل، وهو في الكتاب ٢١٥/٢، والخزانة ١٦٢/٢.
(٥) لم نقف على قائله، وذكره السمين الحلبي في الدر المصون ١٣٣/١١.
(٦) سلف ٥/ ٢٨٢ .

٥٣٦
سورة الكافرون: الآيات ١ - ٥
أَلَا يا اسلَمي ثم اسلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمي ثَلاثُ تَحِيَّاتٍ وإِنْ لَمْ تَكَلَّمي(١)
ومثله كثير. وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تَعْبُد آلَهَتنا ونعبدُ إلهَكَ، ثم تعبد آَلَهَتنا
ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، فنجري على هذا أبدًا سَنَةً وسنة. فأُجيبوا عن
كل ما قالوه بضِدِّه؛ أي: إنَّ هذا لا يكون أبداً.
قال ابن عباس: قالت قريش للنبيِّ#: نحن نُعطيك من المال ما تكون به أغنَى
رجلٍ بمكة، ونزوِّجك مَنْ شئت، ونطأ عَقِبَك - أي: نمشي خَلْفَك - وَتَكُفُّ عن شَتْم
آلهتنا، فإنْ لم تفعل فنحن نَعْرِض عليك خَصْلةً واحدة هي لنا ولك صلاح؛ تعبدُ
آَلَهَتنا: اللات والعُزّى سنةً، ونحن نعبدُ إلهكَ سنةً؛ فنزلت السورة(٢). فكان التكرار
في («لا أعبدُ ما تعبدون))؛ لأن القوم كرَّروا عليه مقالَهم مرةً بعد مرة. والله أعلم.
وقيل: إنما كرَّر بمعنى التغليظ. وقيل: أي: ((لا أَعبدُ)) الساعةَ ((ما تعبدون. ولا
أنتم عابدون)) الساعةَ ((ما أَعبدُ)). ثم قال: ((ولا أنا عابِدٌ)) في المستقبل ((ما عبدتم. ولا
أنتم)) في المستقبل ((عابِدون ما أَعبدُ)). قاله الأخفش والمبرّد(٣).
وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملُّوا وَثَنَا، وسَئِموا العبادةَ له رَفَضوه، ثم
أخذوا وَثَناً غيرَه بشهوةِ نُفوسهم، فإذا مُرُّوا بحجارة تُعجبهم أَلْقَوا هذه، ورفعوا تلك،
فعّموها ونصبوها آلهةً يعبدونها، فأُمِر عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم: ((لا أَعبدُ
ما تعبدون)) اليومَ من هذه الآلهة التي بين أيديكم. ثم قال: ((ولا أنتم عابدون ما أعبد))
وانما تعبدون الوثن الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن ((ولا أنا عابِدٌ ما عبدتم)) أي:
بالأمس من الآلهة التي رفضتموها، وأقبلتُم على هذه. ((ولا أنتم عابدون ما أعبد))
فإني أُعبدُ إلهي.
وقيل: إنَّ قوله تعالى: ((لا أَعبدُ ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أَعبدُ)) في
الاستقبال. وقوله: ((ولا أنا عابِدٌ ما عبدتُم)) على نَفْي العبادة منه لِمَا عَبَدوا في
(١) البيت لحُميد بن ثور الهلالي، وهو في يوانه ص ١٣٣، وفيه: بلى فاسلمي، بدل: ألا يا اسلمي.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٠٣ .
(٣) قول الأخفش ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٥٨/٥، وأبو حيان في البحر ٥٢١/٨ . وقول
المبرد ذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٠١/٥ .

٥٣٧
سورة الكافرون: الآيات ١ - ٦
الماضي. ثم قال: (ولا أنتم عابدون ما أَعبد)) على التكرير في اللفظ دون المعنى،
من قِبل أن التقابل يُوجب أن يكون: ولا أنتم عابدون ما عَبدتُ، فَعدلَ عن لفظ
عَبدتُ إلى أَعبدُ، إشعاراً بأنَّ ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل، مع
أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدُهما موقعَ الآخر، وأكثرُ ما يأتي ذلك في أخبار الله
عز وجل.
وقال: ((ما أعبدُ))، ولم يقل: مَنْ أعبدُ؛ لِيقابل به (ولا أنا عابِدٌ ما عبدتم)) وهي
أصناٌ وأوثان، ولا يصلحُ فيها إلا ((ما)) دون ((مَنْ)) فحُمل الأوّل على الثاني، لِيتقابل
الكلام ولا يتنافى(١). وقد جاءت ((ما)) لمن يعقل، ومنه قولهم: سبحان ما سخركنَّ لنا.
وقيل: إنَّ معنى الآيات وتقديرَها: قل: يا أيها الكافرون، لا أَعبدُ الأصنامَ التي
تعبدُونها، ولا أنتم عابدون اللهَ عز وجل الذي أَعبدُه؛ لإشراكِكم به، واتِّخاذكم
الأصنام، فإنْ زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين. فأنا لا
أعبدُ ما عبدتُم، أي: مثلَ عبادتكم، فـ ((ما)) مصدرية. وكذلك ((ولا أنتم عابِدون ما
أعبد)) مصدرية أيضاً؛ معناه: ولا أنتم عابدون مثلَ عبادتي التي هي توحيده سبحانه
وتعالى، والله أعلم بالصواب.
٦
قوله تعالى: ﴿لَكُرْ دِيْئُكُمْ وَلِیَ دِينِ
فيه معنى التهديد؛ وهو كقوله تعالى: ﴿لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]
أي: إنْ رَضِيتُم بدينكم، فقد رَضِينا بديننا. وكان هذا قبلَ الأمر بالقتال، فَنُسِخَ بآية
السيف. وقيل: السورة كلُّها منسوخة. وقيل: ما نُسِخَ منها شيء لأنها خبر (٢). ومعنى
(لكم دينكم)) أي: جزاءُ دينكم، ولي جزاءُ ديني. وسمّى دينَهم ديناً، لأنهم اعتقدوه
وَتَوَلَّه. وقيل: المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي؛ لأن الدِّين الجزاء.
وفتح الياء من ((ولِيَ دِينٍ)) نافع، والبزي عن ابن كثير باختلاف عنه، وهشام عن
(١) النكت والعيون ٣٥٨/٥ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٥٤/٣ - ١٥٥، وزاد المسير ٢٥٤/٩.

٥٣٨
سورة النصر: الآية ١
ابن عامر، وحفص عن عاصم(١). وأثبت الياء في ((ديني)) في الحالين نصر بن عاصم
وسلام ويعقوب (٢)؛ قالوا: لأنها اسم مثل الكاف في دينكم، والتاء في قمت. الباقون
بغير ياء، مثل قوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَهَدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
[آل عمران: ٥٠] ونحوه، اكتفاءً بالكسرة، واتباعاً لخطّ المصحف؛ فإنه وقع فيه بغير ياء.
تفسير سورة ((النصر))
وهي مدنية بإجماع. وتُسمَّى سورة ((التوديع))(٣). وهي ثلاثُ آيات. وهي آخرُ سورة
نزلت جميعاً؛ قاله ابن عباس في ((صحيح)) مسلم (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
T
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ
النصر: العَوْن؛ مأخوذٌ من قولهم: قد نَصَرَ الغيثُ الأرضَ: إذا أعان على نَباتها،
ومَنَعَ(٥) من قَخْطِها. قال الشاعر:
إذا انسلخ الشهرُ الحرامُ فودِّعِي
بلادَ تميمٍ وانْصُري أرضَ عامِرٍ (٦)
ویُروی:
إذا دخلَ الشهر الحرامُ فجاوزي
بلادَ تميم وانصُري أرضَ عامِرٍ (٧)
يقال: نصره على عدوّه ينصره نصراً، أي: أَعانه. والاسم النُّصْرة. واستنصره
على عدوّه: أي: سأله أن ينصره عليه. وتناصروا: نصر بعضُهم بعضاً.
(١) السبعة ص ٦٩٩، والتيسير ص ٢٢٥ .
(٢) قراءة يعقوب في النشر ٢/ ٤٠٤ .
(٣) ذكره الرازي في تفسيره ١٥٥/٣٢.
(٤) الحديث (٣٠٢٤).
(٥) لفظ: ومنع، ليس في (م). والكلام من النكت والعيون ٣٥٩/٥ .
(٦) قائله الراعي النميري، وهو في ديوانه ص ١٣٣، وسلف ٢/ ٨٠ .
(٧) هذه رواية الجوهري في الصحاح (نصر) والكلام منه.

٥٣٩
سورة النصر: الآيتان ١ - ٢
ثم قيل: المراد بهذا النصر نصرُ الرسول ﴾ على قريش؛ قاله(١) الطبريّ(٢).
وقيل: نَصْره على مَن قاتله من الكفار؛ فإنَّ عاقبةَ النصر كانت له. وأما الفتحُ فهو فتح
مكة؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير: هو فتحُ
المدائن والقصور. وقيل: فتحُ سائر البلاد. وقيل: ما فتحه عليه من العلوم.
و((إذا)) بمعنى قد، أي: قد جاء نصرُ الله؛ لأن نزولَها بعد الفتح. ويمكن أن يكون
معناه: إذا يجيئك.
قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَنْوَاجًا
قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾ أي: العرب وغيرهم ﴿يَدْخُلُونَ فِى رِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾
أي: جماعاتٍ، فوجاً بعد فوج. وذلك لما فُتحت مكة قالت العرب: أما إذا ظَفِرَ
محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان(٣).
فكانوا يُسْلِمون أفْواجاً؛ أمّةً أمّةً (٤). قال الضحاك: والأُمّة: أربعون رجلاً(٥). وقال
عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن. وذلك أنه ورد من اليمن سبع مئة إنسان
مؤمنين طائعين(٦). بعضهم يُؤَذِّنون، وبعضهم يقرؤون القرآن، وبعضهم يُهَلِّلُون؛ فَسُرَّ
النبيُّ # بذلك، وبكى عمر وعباس(٧).
وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبيَّ # قرأ: ((﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾
وجاء أهلُ اليَمَنِ رَقيقةٌ أَفْئِدَتُهُمْ، لَيِّنَةً طِباعهم، سَخِية قُلوبهم، عظيمةً خشيتُهم،
فدخلوا في دين الله أفواجًا))(٨).
(١) لفظ: قاله، ليس في (م).
(٢) في تفسيره ٢٤/ ٧٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٥٩/٥ - ٣٦٠،
وما بعده منه.
(٣) اليد: القوة والقدرة والسلطان. القاموس (يدي).
(٤) تفسير البغوي ٤ / ٥٤١ .
(٥) النكت والعيون ٣٦٠/٦.
(٦) المحرر الوجيز ٥٣٢/٥، وتفسير البغوي ٤/ ٥٤١ .
(٧) في (د) و(م): وابن عباس. وسيأتي خبرهما في تفسير الآية التالية.
(٨) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٩٠٣) بنحوه.

٥٤٠
سورة النصر: الآيتان ٢ - ٣
وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه ◌َ﴾: ((أتاكم أهلُ اليمن،
هم أضعفُ قلوباً، وأرقُّ أفئدةً. الفِقهُ يَمَانٍ، والحِكْمة يَمَانِية))(١). ورُوي أنه ﴿ قال:
(إني لأجدُ نَفَس ربِّكم مِن قِبلِ اليَمَنْ))(٢) وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفَرَج؛ لِتتابع
إسلامهم أفواجاً. والثاني: معناه: أن الله سبحانه وتعالى نَفَّس الكرب عن نبيِّه ◌ِ﴾
بأهل اليمن، وهم الأنصار. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾
يقول: ((إنَّ الناسَ دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً)) ذكره
الماورديّ(٣)، ولفظ الثعلبيّ: وقال أبو عمار: حدّثني جارٌ لجابر، قال: سألني جابر
عن حال الناس، فأخبرته عن حال اختلافهم وفُرْقتهم، فجعل يبكي ويقول: سمعتُ
رسولَ الله ﴿ يقول: ((إن الناسَ دخَلُوا في دين الله أفواجاً، وسَيَخْرُجُونَ من دينِ اللهِ
أَقْواجًا)»(٤).
قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا
قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: إذا صليت فأكثر من ذلك. وقيل:
معنى سَبِّح: صَلّ؛ عن ابن عباس(٥). ((بِحَمْدِ ربك)) أي: حامداً له على ما آتاك من
الظَّفَرِ والفتح. ((واسْتَغْفِرْهُ)) أي: سَلِ اللهَ الغُفران. وقيل: ((فسبِّح)) المراد به: التنزيهُ؛
أي: نَزِّهه عما لا يجوز عليه مع شُكرك له. ((واسْتَغْفِرْهُ)) أي: سَلِ اللهَ الغُفْران مع
مُداومةِ الذِّكر. والأوّل أظهر.
روى الأئمة - واللفظ للبخاريّ - عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما صلَّى
رسولُ الله ◌ِ﴾﴿ صلاةً بعد أن نزلت عليه سورةُ ((إِذَا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ)) إلا يقول:
(١) صحيح مسلم (٥٢): (٨٤)، وأخرجه أحمد (٧٢٠٢)، والبخاري (٤٣٩٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٠٩٧٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: ((ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية،
وأَجِدُ نَفَسَ ربكم من قبل اليمن .. )).
(٣) في النكت والعيون ٣٦٠/٥، وتخريج حديث جابر # في التعليق التالي.
(٤) أخرجه أحمد (١٤٦٩٦)، وإسناده ضعيف لجهالة جار جابر .
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٦١/٥ .