Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ سورة قريش: الآية ٢ وقرأ أبو جعفر والوليد عن أهل الشام وأبو حيوَةَ: ((إلَّافِهم)) مهموزًا مختلَساً بلا ياءٍ(١). وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((إِثْلافهم)) بهمزتين، الأولى مكسورةٌ والثانيةُ ساكنة. والجمعُ بين الهمزتين في الكلمتين شاءٌ(٢). الباقون: ((إيلافهم)) بالمدِّ والهمز، وهو الاختيارُ، وهو بدلٌ من الإيلاف الأوّلِ للبيان. وهو مصدرُ الَفَ: إذا جَعَلْتهِ يَأْلَفُ. وأَلِفَ هو إلْفًا؛ على ما تقدَّم ذِكْرُه من القراءة، أي: وما قد أَلِفوه من رحلةِ الشتاءِ والصيف. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ((إيلافِهم رِحلةَ الشتاء والصيف» قال: لا يشُقُّ عليهم رحلةُ شتاءٍ ولا صيفٍ، منَّة منه على قريش(٣). وقال الهَرَوِيُّ وغيره: وكان أصحابُ الإيلافِ أربعةَ إخوةٍ: هاشمٌ، وعبدُ شمسٍ، والمطّلبُ، ونوفلٌ، بنو عبد مناف. فأمَّا هاشمٌ فإنَّه كان يُؤلفُ مَلِك الشام (٤)؛ أي: أخذ منه حبلاً وعهداً يأمنُ به في تجارته إلى الشام. وأخوه عبدُ شمسٍ كان يُؤلفُ إلى الحَبشة. والمطّلبُ إلى اليمن. ونوفل إلى فارس. ومعنى يُؤْلفُ: يُجير. فكان هؤلاء الإخوة يسمَّوْن المُجِيرين. فكان تجارُ قريش يختلفون إلى الأمصار بحَبْلِ هؤلاء الإخوة، فلا يُتَعَرَّضُ لهم(٥). قال الأزهريُّ: الإيلاف: شبهُ الإجازةِ بالخَفَارة(٦)؛ يقال: آلَفَ يُؤْلِف وألَّف (١) النشر ٢/ ٤٠٣. (٢) قال ابن مجاهد في السبعة ص٦٩٨: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ((لإتلاف قريش إئلافهم)) بهمزتين الثانية ساكنة، ثم رجع عنه فقرأ مثل حمزة بهمزة واحدة. اهـ. وقراءة حمزة: ((لإيلاف قريش إيلافهم». والقراءة بهمزتين ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٨٠. (٣) ذكره البخاري معلقاً قبل الحديث (٤٩٦٤)، ووصله الطبري ٢٤/ ٦٤٨ . (٤) في تهذيب اللغة ٣٧٩/١٥ (والكلام فيه بنحوه): يؤلف إلى الشام. (٥) بنحوه في تهذيب اللغة ٣٧٩/١٥ . (٦) لم نقف عليه في تهذيب اللغة، وقاله الصَّغاني في العباب (ألف)، ووقع في (ظ) و(م) و(ي): الإجارة، بدل: الإجازة، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في العباب والقاموس والتاج (ألف). والخَفَارة: الأمان. المعجم الوسيط (خفر). ٥٠٢ سورة قريش: الآية ٢ يؤلِّف: إذا أجاز(١) الحمائل بالخَفارة. والحمائل: جمع حَمولة(٢). قال(٣): والتأويل: أنَّ قُريشاً كانوا سكّان الحرم، ولم يكن لهم زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ، وكانوا يَمِيرون في الشتاء والصيف آمنين، والناسُ يُتَخَطَّفون مِن حولهم، فكانوا إذا عَرَض لهم عارِضٌ قالوا: نحن أهلُ حَرَمِ الله، فلا يَتَعَرَّضُ الناسُ لهم. وذكر أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في تفسيره(٤): حدَّثنا سعيد بن محمد، عن بكر بن سهل الدِّمياطيِّ، بإسناده إلى ابن عباس، في قول الله عز وجل: (لإيلافِ قُرَيْش إلفِهم رحلةَ الشتاء والصيف)): وذلك أنَّ قريشاً كانوا إذا أصابت واحداً منهم مخمصةٌ، جرى هو وعيالُه إلى موضعٍ معروف، فضربوا على أنفسهم خباءً فماتوا، حتى كان عمرو بنُ عبد منافٍ، وکان سيداً في زمانه، وله ابن يقال له: أسَد، وكان له تِرْبٌ من بني مخزوم يحبُّه ويلعبُ معه. فقال له: نحن غداً نَعْتِفِد (٥). قال ابن فارس: هذه لفظةٌ في هذا الخبر لا أدري: بالدال هي أم بالراء، فإنْ كانت بالراء فلعلَّها من العَفَر، وهو التراب، وإن كانت بالدَّال، فما أدري معناها، وتأويلُه على ما أظنُّه: ذهابُهم إلى ذلك الخباءِ، وموتُهم واحداً بعد واحدٍ (٦). قال: فدخل أسدٌ على أمِّه يبكي، وذَكَر ما قاله تِرْبُه. قال: فأرسلتْ أمُّ أسدٍ إلى أولئك بشحمٍ ودقيق، فعاشوا به أياماً. ثم إنَّ تِرْبَه أتاه أيضاً فقال: نحن غداً نَعتَفِد(٧)، فدخل أسدٌ على أبيه يبكي، وخبَّره خَبَرَ تِرْبِه، فاشتدَّ ذلك على عمرو بن عبد مناف، (١) في النسخ عدا (د): أجار، والمثبت من (د). (٢) وهي ما احتمل عليه القوم من بعير وحمار ونحوه، والأحمالُ بعينها. القاموس (حمل). (٣) هو الصَّغاني في العباب (ألف). (٤) واسمه: جامع التأويل في تفسير القرآن، كما في طبقات المفسرين للداودي ٦٠/١ . (٥) في النسخ الخطية: نعتفر، والمثبت من (م)، وينظر تهذيب اللغة ٢٢٥/٢، وأساس البلاغة (عند). (٦) وذكر هذا المعنى - في نعتفد - الأزهري في تهذيب اللغة ٢٢٥/٢، والزمخشري في أساس البلاغة (عند). (٧) في النسخ الخطية (نعتفر). ٥٠٣ سورة قريش: الآية ٢ فقام خطيباً في قريش، وكانوا يطيعون أمره، فقال: إنَّكم أَحْدَثْتُم حَدَثاً تَقِلُّون فيه وتكثرُ العرب، وتَذِلُّون وتَعِزُّ العرب، وأنتم أهلُ حرم اللهِ جلَّ وعزَّ، وأشرفُ ولدٍ آدَمَ، والناسُ لكم تَبَعٌ، ويكاد هذا الاعتفادُ يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تَبَعٌ. قال: ابتدئوا بهذا الرجل - يعني أبا تِرْبِ أسد - فأَغْنُوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ثم إنَّه نحر البُدْنَ، وذبح الكِبَاشَ والمَعْزَ، ثم هَشَم الثَّرِيد، وأطعم الناس، فسمِّي هاشماً. وفيه قال الشاعر: ورجالُ مكةَ مُسْنِتون عِجافُ(١) عمرو الذي هَشَم الثَّرِيدَ لقومه ثم جمع كلَّ بني أبٍ على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغنيُّ قَسَمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرُهم كغنيِّهم، فجاء الإسلامُ وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو أبٍ أكثرَ مالاً ولا أعزَّ من قريش، وهو قولُ شاعرهم: والخالطون فقيرَهم بغنيِّهم حتى يصيرَ فقيرُهم كالكافي (٢) فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمداً﴾، فقال: ((فليعبدوا ربّ هذا البيتِ الذي أَطعمهم مِن جوع(٣) وآمنهم مِن خوفٍ)) أنْ تكثُر العربُ ويَقِلُّوا. قوله تعالى: ﴿رِحْلَةَ الشِنَآءِ وَالصَّيْفِ﴾ (رِحلَةَ)) نصب بالمصدر، أي: ارتحالهم رِحِلةَ، أو بوقوع ((إيلافهم)) عليه. أو على الظرف. ولو جعلتَها في محلِّ الرفع، على (١) سلف ٩/ ٣٠٤ عن عبد الله بن الزبعرى، وهو في ملحقات ديوانه ص ٥٣ ، ونسب لمطرود بن كعب الخزاعي، كما في المنمق لابن حبيب ص ١٢ ، والاشتقاق ص ١٣ . وأسنتوا: أجدبوا. القاموس (سنت). (٢) البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، كما في سيرة هشام ١٧٨/١، وأمالي المرتضى ٢٦٨/٢، والحماسة البصرية ١٥٥/١، وقال البصري: ويروى لابن الزبعرى، والأول أكثر. وهو في ملحقات ديوان ابن الزبعرى ص ٥٤ . وقد ذكر هذا الخبر بنحوه عن ابن عباس الرازي ١٠٧/٣٢ ، وأخرجه الزبير بن بكار بنحوه أيضاً عن عمر بن عبد العزيز، كما في الدر المنثور ٣٩٧/٦ . (٣) بعدها في (م): بصنيع هاشم. ٥٠٤ سورة قريش: الآية ٢ معنى: هما رِحلةُ الشتاءِ والصيف، لجاز. والأوّل أولى. والرحلةُ: الارتحالُ، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنَّها بلادٌ حاميةٌ، والرحلةُ الأخرى في الصيف إلى الشام، لأنَّها بلادٌ باردة(١). وعن ابن عباس أيضاً قال: كانوا يَشْتون بمكةَ لدِفئها، ويَصِيفون بالطائف لهوائها(٢). وهذه من أجلِّ النعم أن يكون للقوم ناحيةُ حرِّ تدفعُ عنهم برد الشتاء، وناحيةُ بردٍ تدفع عنهم حرَّ الصيف، فذكَّرهم الله تعالى هذه النعمة. وقال الشاعر: تَشْتي بمكةَ نَعْمَةٌ ومَصِيفُها بالظّائِف(٣) وهنا أربعُ مسائل : الأولى: اختار القاضي أبو بكر بن العربيّ(٤) وغيرُه من العلماء أنَّ قولَه تعالى: (لإيلافِ)) متعلُّقٌ بما قبله. ولا يجوزُ أن يكون متعلّقاً بما بعده، وهو قولُه تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا اُلْبَيْتِ﴾ قال: وإذا ثبت أنَّه متعلِّقٌ بالسورة الأخرى - وقد قُطع عنه بكلامٍ مبتدأ، واستئنافٍ بيانٍ، وسطرِ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - فقد تبيَّن جوازٌ الوقفِ في القراءة للقرَّاء قبل تمام الكلام، وليست المواقفُ التي ينزعُ(٥) بها القُرَّاء شرعاً عن النبيِّ # مرويًّا، وإنَّما أرادوا به تعليمَ الطلبةِ المعانيَ، فإذا عَلِموها وقفوا حيث شاؤوا. فأمَّا الوقفُ عند انقطاع النَّفَسِ فلا خلافَ فيه، ولا تُعِدْ ما قبلَه إذا (١) أخرجه الطبري ٦٥٢/٢٤ عن الكلبي وابن زيد، وذكره ابن عطية بنحوه في المحرر الوجيز ٥٢٥/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) سلف ص٤٩٦ من هذا الجزء. (٣) النكت والعيون ٣٤٨/٦، والبيت لمحمد بن عبد الله النميري، كما في معجم الشعراء للمرزباني ص٣٤٢، وأخبار النساء لابن الجوزي ص ٢٤، ومعجم البلدان ١٢/٤، ووقع في هذه المصادر عدا النكت والعيون: تشتو بمكة ... ، قال السمين في عمدة الحفاظ ١٣٠٤/٢: الظاهر أن لامه واو، فيقال: شتا يشتو، وقد ذكره الهروي في مادة (شتو)، وإن كان الراغب قد ذكره في مادة (شتي). (٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٦٩ . (٥) في النسخ: ينتزع، والمثبت من أحكام القرآن. ٥٠٥ سورة قريش: الآية ٢ اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك(١) نَفَسُك. هذا رأيي فيه، ولا دليلَ على ما قالوه بحالٍ، ولكنِّي أَعتمِدُ الوقفَ على التمام، كراهيةَ الخروجِ عنهم. قلت: ومن الدليل على صحة هذا، قراءةُ النبيِّ ◌َ#: ((الحمد للهِ رب العَالَمِين)) ثم يقف، ((الرحمَنِ الرَّحِيم)) ثم يقف. وقد مضى في مُقَدِّمة الكتاب(٢). وأجمع المسلمون أنَّ الوقف عند قوله: ((كَعَصْفٍ مَأْكوِل)» ليس بقبيح. وكيف يقال إنَّه قبيحٌ وهذه السورةُ تُقْرأ في الركعة الأولى والتي بعدها في الركعة الثانية، فيتخلَّلُها مع قطعِ القراءةِ أركانٌ؟ وليس أحدٌ من العلماء يكره ذلك، وما كانت العلَّةُ فيه إلَّا أنَّ قوله تعالى: ((فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكولٍ» انتهاءُ آية. فالقياسُ على ذلك: ألَّا يمتنعَ الوقفُ عند أعجازِ الآياتِ سواءٌ كان الكلامُ يتم، والغرضُ ينتهي، أولايتم، ولا ينتهي. وأيضًا فإنَّ الفواصل حِليةٌ وزِينَةٌ للكلام المنظوم، ولولاها لم يَتَبَيَّن المنظومُ من المنثور. ولا خفاءَ أنَّ الكلام المنظومَ أحسن، فثبت بذلك أنَّ الفواصل من محاسن الكلام المنظوم، فَمَن أَظْهَرَ فواصلَه(٣) بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه، وتركُه(٤) الوقوفَ يُخفي تلك(٥) المحاسن، ويُشَبِّه المنظوم بالمنثور، وذلك إخلالٌ بحقٌّ المقروء. الثانية: قال مالك (٦): الشتاءُ نصفُ السنة، والصيفُ نصفُها، ولم أَزَلْ أرى ربيعةً ابنَ أبي عبد الرحمن ومَن معه لا يخلَعون عمائمهم حتى تطلع الثُّريًّا، وهو يومُ التاسع (١) في النسخ الخطية: به، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٢) ١/ ١٩ . (٣) في (د) و(ز) و(ي): مواصلة. (٤) في (م): وترك. (٥) في (ز) و(ظ) و(ي): ذلك، وفي (د): على ذلك. (٦) من هذا الموضع إلى آخر المسألة الرابعة نقله المصنف من أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٦٩ - ١٩٧٠ . ٥٠٦ سورة قريش: الآية ٢ عَشَرَ من بشنس(١)، وهو يومُ خمسةٍ وعشرين من عددِ الروم أو الفرس. وأراد (٢) بطلوع الثريا أن يخرج السُّعاة، ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم، وأنَّ طلوع الثريا أوّلُ الصيفِ ودُبُر الشتاء. وهذا ممَّا لا خلافَ فيه بين أصحابه عنه. وقال عنه أشهبُ وحده: إذا سقَطَتِ الهَفْعَةِ(٣) نقصَ الليل. فلمَّا جُعل طلوعُ الثريا أوّلَ الصيف، وَجَبَ أن يكون له في مُظْلَقِ السنةِ(٤) ستةُ أشهرٍ، ثم يُستقبل الشتاءُ من بعد ذهاب الصيف ستةَ أشهر. وقد سئل محمد بن عبد الحكم عمَّن حلف ألَّا يكلِّم امْرَأَ حتى يدخل الشتاء؟ فقال: لا يكلِّمه حتى يَمضيَ سبعةً عَشَرَ من هتور(٥). ولو قال: حتى يدخل الصيف، لم يكلِّمه حتى يمضي سبعةً عَشَرَ من بشنس. قال القُرْطِيُّ(٦): أمَّا ذِكْرُ هذا عن محمد في بشنس(٧) فهو سهوٌ، إنَّما هو تسعة عشر من بشنس؛ لأنَّك إذا حسبتَ المنازل على ما هي عليه، من ثلاثَ عَشْرَةَ ليلةً كل منزلة، علمت أنَّ ما بين تسع عشرةَ من هتور(٨) لا تنقضي منازلُه إلَّا بدخول تسع عشرة من بشنس. والله أعلم. الثالثة: قال قومٌ: الزمانُ أربعةُ أقسام: شتاءٌ، وربيعٌ، وصيفٌ، وخرِيف. (١) في النسخ الخطية: بشانس، والمثبت من (م) وأحكام القرآن، وهو من شهور القبط، قال القلقشندي في صبح الأعشى ٣٨٧/٢: ودخوله في الخامس والعشرين من نيسان من شهور السريان، وآخره التاسع والعشرون من أيار منها. (٢) في النسخ: وأرى: وهو موافق لإحدى نسخ أحكام القرآن مذكورة في الحاشية، والمثبت من مطبوع أحكام القرآن. (٣) منزل من منازل القمر، وهي رأس الجوزاء، وصورتها ثلاثة أنجم صغار مثفًّاة، وهي آخر أنواء الخريف. ينظر العمدة ٢٥٦/٢، والأزمنة والأمكنة ١٧٨/١، وينظر كذلك ما سلف ٤٤٦/١٧ . (٤) في مطبوع أحكام القرآن: وجب أن يكون له شطر السنة. (٥) في (م): هاتور، وهو من شهور القبط، ودخوله في السابع والعشرين من تشرين الأول، وآخره الخامس والعشرون من تشرين الثاني. صبح الأعشى ٣٨٤/٢ . (٦) في (ظ) و(م): القرظي، وهو تصحيف. والقُرْطِيُّ هو أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان الفقيه المالكي. ينظر الأنساب ١٠٠/١٠، والديباج المذهب ١٩٤/٢. (٧) من قوله: قال القرطي، إلى هذا الموضع ليس في مطبوع أحكام القرآن. (٨) في (م): هاتور. ٥٠٧ سورة قريش: الآيتان ٢ - ٣ وقال قومٌ: هو شتاءٌ، وصيفٌ، وقَيٌ، وخريف. والذي قاله مالكٌ أصح؛ لأنَّ قسمة اللهِ للزمان(١) قسمين ولم يجعل لهما ثالثًا. الرابعة: لمَّا امتنَّ الله تعالى على قريش برحلتين، شتاءً وصيفاً، على ما تقدَّم، كان فيه دليلٌ على جوازٍ تصرُّفِ الرجلِ في الزمانين بين محلّين، يكون حالُهما في كلِّ زمانٍ أنعمَ من الآخر، كالجلوس في المجلس البَحْريِّ في الصيف، وفي القِبْليِّ في الشتاء، وفي اتِّخاذ البادَهنجات(٢) والخيشِ للتبريد، واللبدِ واليانوسةِ للدِّفْء. قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا أُلْبَيْتِ أمرهم الله تعالى بعبادته وتوحيده لأَجْلٍ إيلافِهم رحلتين. ودخلت الفاءُ لأَجْلِ ما في الكلام من معنى الشرط؛ لأنَّ المعنى: إمَّا لا فلْيعبدوه لإيلافهم، على معنى أنَّ نعم الله تعالى عليهم لا تُحْصَى، فإنْ لم يعبدوه لسائرِ نعمه، فليعبدوه لشأنٍ هذه الواحدة، التي هي نعمةٌ ظاهرة(٣). والبيت: الكعبة. وفي تعريف نفسِه لهم بأنَّه ربُّ هذا البيتِ وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثانٌ فميَّز نفسَه عنها. الثاني: لأنَّهم بالبيت شُرِّفوا على سائر العرب؛ فَذَكَر لهم ذلك، تذكيراً لنعمته (٤). وقيل: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذا البيتِ)) أي: ليألَفوا عبادةَ ربِّ الكعبة، كما كانوا يأَلَفون الرحلتين(٥). قال عكرمة: كانت قريشٌ قد أَلِفوا رحلةً إلى بُصْرَى ورحلةً إلى اليمن، فقيل لهم: ((فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذا البيتِ)) أي: يقيموا بمكة (٦). رحلةُ الشتاءِ إلى (١) في أحكام القرآن: لأجل قسمة الله الزمان. وفي اللباب ٥٠٩/٢٠ نقلاً عن القرطبي: لأن الله قسم الزمان. (٢) البادهنج معرب بادخون أو باكير وهو نافذة تفتح في السقف لعبور الهواء، أو المنفذ الذي يجيء منه الريح، وسماه بعضهم: راووق النسيم. والراووق: المصفاة. ينظر شفاء الغليل للشهاب الخفاجي ص٧٠ ، والمعجم الذهبي ص٩١ و٩٢ . (٣) الكشاف ٤/ ٢٨٧ . (٤) في النكت والعيون ٣٤٨/٦ (والكلام منه): بنعمته. (٥) النكت والعيون ٣٤٨/٦، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٦٥٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٥١ . ٥٠٨ سورة قريش: الآيتان ٣ - ٤ اليمن، والصيف إلى الشام. قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ قوله تعالى: ﴿اَلَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ أي: بعدَ جوع ﴿وَءَامَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ﴾، قال ابن عباس: وذلك بدعوةِ إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ١٢٦](١). وقال ابن زيد: كانت العرب يُغِيرُ بعضُها على بعضٍ، ويَسْبي بعضُها من بعضٍ، فَأَمِنتْ قُرَيشٌ من ذلك لمكان الحرم، وقرأ: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧](٢). وقيل: شقَّ عليهم السفر في الشتاء والصيف، فألقى الله في قلوب الحَبَشَةِ أن يحملوا إليهم طعاماً في السفن، فحملوه، فخافت قريشٌ منهم، وظنُّوا أنهم قَدِموا الحربهم، فخرجوا إليهم مُتَحَرِّزين، فإذا هم قد جَلَبوا إليهم الطعامَ، وأعانوهم(٣) بالأقوات(٤). فكان أهلُ مكة يخرجون إلى جُدَّة بالإبل والحُمُر، فيشترون الطعام، على مسيرة ليلتين. وقيل: هذا الإطعامُ هو أنَّهم لمَّ كذَّبوا النبيَّ لَ﴿ دعا عليهم، فقال: ((اللهمَّ اجْعَلْها عليهم سِنِينَ كَسِنِيٌّ يُوسفَ)»(٥) فاشتدَّ القَحْطُ، فقالوا: يا محمدُ، ادعُ الله لنا فإنَّا مؤمنون. فدعا فأَخصبَتْ تَبَالةُ وجُرَشُ من بلاد اليمن، فحملوا الطعامَ إلى مكة، وأَخْصَبَ أهلها. (١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٥٣ و٦٥٤ . (٢) أخرجه الطبري ٦٥٥/٢٤ . (٣) في (م): وأغاثوهم. (٤) النكت والعيون ٣٤٨/٦ ، وأولُه: أن جوعاً أصابهم في الجاهلية فألقى الله في قلوب الحبشة ... (٥) أخرجه أحمد (٧٢٦٠)، والبخاري (٦٢٠٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ٤ /٣٠٤. ٥٠٩ سورة الماعون: الآيات ١ - ٧ وقال الضخَّاك والربيع وشَرِيكٌ وسفيان: ((وآمنهم مِنْ خَوْفٍ)) أي: من خوفٍ الجُذامِ، لا يصيبُهم ببلدهم الجُذامِ(١). وقال الأعمش: ((وآمنهم مِنْ خَوْفٍ)) أي: من خوفِ الحَبَشةِ مع الفيل(٢). وقال عليٍّ ﴾: وآمنهم مِن أن تكون الخلافةُ إلَّ فيهم(٣). وقيل: أي: كفاهم أخذَ الإيلافِ من الملوك. فالله أعلم، واللفظُ يعم. تفسير سورة ((الماعون)) وهي مكيةٌ في قول عطاءٍ وجابرٍ وأحدِ قولي ابنِ عباس، ومدنيةٌ في قولٍ له آخرَ، وهو قولُ قتادةً وغيرِه (٤). وهي سبعُ آيات. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ الْيَتِمَ اُلَّذِينَ هُمْ عَن ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ اَلْمِسْكِينِ ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾) صَلَِهِمْ سَاهُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴿﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ فيه ستُّ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء والحساب في الآخرة، وقد تقدَّم في ((الفاتحة))(٥). و((أَرَأَيت)) بثباتٍ(٦) الهمزةِ الثانية؛ إذ لا يُقال في (١) تفسير البغوي ٥٣١/٤، وأخرجه الطبري عن الضحاك وسفيان. (٢) النكت والعيون ٣٤٩/٦. وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٩٨/٦. (٣) النكت والعيون ٣٤٩/٦. قال الألوسي في روح المعاني ٢٤١/٣٠: وهذا من البطلان بمكان لا يخفى. (٤) النكت والعيون ٦/ ٣٥٠ دون ذكر قول ابن عباس الأول، وأخرج هذا القول عن ابن عباس ابن مردويه، كما في الدر المنثور ٣٩٩/٦ . (٥) ٢٢١/١. (٦) في (م): بإثبات. ٥١٠ سورة الماعون: الآيات ١ - ٧ رأيت: رَيْت، ولكنَّ ألفَ الاستفهام سهَّلَت إلقاء الهمزة(١)؛ ذكره الزجاج. وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: أرأيتَ الذي يكذِّب بالدين: أَمُصيبٌ هو أم مُخْطئ. واختُلِف فيمَن نزل هذا فيه؛ فذكر أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلتْ في العاص بن وائل السَّهْمِيِّ؛ وقاله الكلبيُّ ومقاتل. وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجلٍ من المنافقين. وقال السُّديُّ: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي جهل. الضحاك: في عمرو بن عائذ. قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان، وكان ينحر في كلِّ أسبوعٍ جَزُوراً، فطلب منه يتيمٌ شيئاً، فقَرَعه بعصاه، فأنزل الله هذه السورة(٢). و﴿يَدُخُ﴾ أي: يدفع، كما قال: ﴿يَوْمَ يُدَقُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا﴾ [الطور: ١٣] وقد تقدَّم. وقال الضخَّاك عن ابن عباس: ﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْيَقِيمَ﴾ أي: يدفعُه عن حقٌّه(٣). قتادة: يقهرُه ويظلمُه(٤). والمعنى متقارِب. وقد تقدَّم في سورة النساء أنهم كانوا لا يُؤَرِّثون النساءَ ولا الصغار، ويقولون: إنَّما يحوزُ المالَ مَن يَطْعنُ بالسِّنان، ويَضربُ بالحُسامِ(٥). ورُوِي عن النبيِّ ﴾ أنَّه قال: ((مَن ضمَّ يتيماً من المسلمين حتى يَسْتَغْنِيَ، فقد وَجَبتْ له الجنة))(٦). وقد مضى هذا المعنى في غير موضع(٧). (١) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٦/ ٣٥٠، وأسباب النزول للواحدي ص ٥٠٢ ، وتفسير البغوي ٥٣١/٤، وزاد المسير ٣٤٣/٩-٣٤٤. (٢) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٦/ ٣٥٠، وأسباب النزول للواحدي ص٥٠٢ ، وتفسير البغوي ٤/ ٥٣١، وزاد المسير ٣٤٣/٩ - ٣٤٤. (٣) النكت والعيون ٣٥١/٦ عن الضحاك، وأخرجه الطبري ٦٥٨/٢٤ بنحوه من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٥٨ . (٥) ينظر ما سلف ٦/ ٧٨ . (٦) أخرجه أحمد (١٩٠٢٥)، واختلف في اسم الصحابي راوي الحديث، والراجح أنه أبيّ بن مالك، فيما ذكر الحافظ في الإصابة ٩/ ٦٠ في ترجمة مالك بن عمرو، وينظر التعليق على الحديث في حاشية المسند. (٧) ينظر ٢٣٢/٢ وص٣٤٩ من هذا الجزء. ٥١١ سورة الماعون: الآيات ٣ - ٧ الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي: لا يأمرُ به، من أَجْلِ بخلِه وتكذيبِه بالجزاء. وهو مِثلُ قولِه تعالى في سورة الحاقة: ﴿وَلَ يَحُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الآية: ٣٤] وقد تقدَّم. وليس الذَّمُّ عامًّا حتى يتناولَ مَن تَرَكَه عجزاً، ولكنهم كانوا يَبْخَلُون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: ﴿أَنْعِمُ مَن لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، فنزلت هذه الآيةُ فيهم، وتَوجَّه الذمُّ إليهم. فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إنْ قَدَرُوا، ولا يحثُّون عليه إنْ عسِروا. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أي: عذابٌ لهم. وقد تقدَّم في غير مَوضع(١). ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِمْ سَاهُونَ﴾ فروى الضحَّاك عن ابن عباس قال: هو المصلِّ الذي إنْ صلَّى لم يَرْجُ لها ثواباً، وإنْ تَرَكَها لم يخشَ عليها عقابًا(٢). وعنه أيضًا: الذين يؤخّرونها عن أوقاتها(٣). وكذا رَوى المغيرةُ عن إبراهيم، قال: سَاهونَ بإضاعة الوقت. وعن أبي العالية: لا يصلُّونها لِمَواقيتِها، ولا يُتِمُّون ركوعَها ولا سجودها. قلت: ويدلُّ على هذا قولُه تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [مريم: ٥٩] حَسْبَ ما تقدَّم بيانُه في سورة مريم عليها السلام. وروي عن إبراهيم أيضاً: أنه الذي إذا سجد قال(٤) برأسه هكذا ملتفتاً(٥). وقال قطرب: هو ألَّا يقرأَ ولا يَذْكرَ اللـه (٦). وفي قراءةِ عبد الله: ((الذين هم عن صلاتهم لاهُون))(٧). (١) ينظر ٢٢٠/٢ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٥١/٦ عن الحسن. (٣) أخرجه الطبري ٤/ ٦٦٠ . (٤) في (د) و(م): قام. (٥) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٢٩٦/٥ بنحوه عن أبي العالية. (٦) النكت والعيون ٣٥٢/٦. (٧) القراءات الشاذة ص ١٨١ . ٥١٢ سورة الماعون: الآيات ٥ - ٧ وقال سعد بن أبي وقّاص: قال النبيُّ ﴿: ((فَوَيْل للمُصَلِّينَ الذين هم عن صلاتِهم ساهون)) قال: ((الذينَ يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، تَهاوُناً بها))(١). وعن ابن عباس أيضاً: هم المنافقون يتركون الصلاة سِرًّا، ويصلُّونها علانية (٢). ﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢]. ويدلُّ على أنَّها في المنافقين قولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾، وقاله ابن وهب عن مالك(٣). قال ابن عباس: ولو قال: في صلاتهم ساهون، لكانت في المؤمنين(٤). وقال عطاء: الحمدُ لله الذي قال: ((عن صلاتهم)) ولم يقل: في صلاتهم(٥). قال الزمَخْشَرِيُّ (٦): فإن قلتَ: أيُّ فرقٍ بين قوله: ((عن صلاتهم))، وبين قولك: في صلاتهم؟ قلتُ: معنى ((عن)): أنَّهم ساهون عنها سَهْوَ تَرْكٍ لها، وقلةِ الْتِفاتِ إليها، وذلك فِعْلُ المنافقين، أو الفَسَقةِ الشُّطَّارِ (٧) من المسلمين. ومعنى ((في)) أنَّ السهو يعتريهم فيها، بوسوسةِ شيطانٍ، أو حديثٍ نفسٍ، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. وكان رسولُ اللـه * يقعُ له السَّهوُ في صلاته، فَضْلاً عن غيره، ومِن ثَمَّ أَثبت الفقهاءُ بابَ سجودِ السّهوِ في کتبهم. (١) أخرجه البزار (٣٩٢ - كشف)، وأبو يعلى (٨٢٢)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٧٧، وابن المنذر في الأوسط ٣٨٧/٢. وأخرجه الطبري ٢٤/ ٦٦٠ عن سعد موقوفاً. وليس في هذه المصادر قوله: تهاوناً بها. قال البزار: لا نعلم أحداً أسنده إلا عكرمة [بن إبراهيم] وهو لين الحديث، وقد رواه الثقات الحفاظ عن سعد موقوفاً. وقال العقيلي: والموقوف أولى. (٢) أخرجه الطبري ٢٤ / ٦٦١ - ٦٦٢ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٧٢ . (٤) تفسير الرازي ١١٤/٣٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٦٤، وذكره الزمخشري في الكشاف ٢٨٩/٤ عن أنس (٦) في الكشاف ٢٨٩/٤ . (٧) في النسخ الخطية: الشياطين، والمثبت من (م) والكشاف. والشاطر: مَن أعيا أهلَه خبثاً. القاموس (شطر). ٥١٣ سورة الماعون: الآيتان ٦ - ٧ قال ابن العربيّ(١): لأنَّ السلامة عن(٢) السَّهوِ مُحالٌ، وقد سها رسولُ الله ◌ِ﴾ في صلاته والصحابةُ. وكلُّ مَن لا يسهو في صلاته، فذلك رجلٌ لا يتدبَّرُها، ولا يعقِلُ قراءتَها، وإنَّما همّه في أعدادِها، وهذا رجلٌ يأكل القشور ويرمي اللُّبّ. وما كان النبيُّ * يسهو في صلاته إلَّا لِفِكْرتِه في أعظم منها؛ اللهم إلَّا أنه قد يسهو في صلاته مَن يُقْبِلُ على وسواسِ الشيطانِ إذا قال له: اذكر كذا، اذكر كذا؛ لِمَا لم يكن يذكر، حتى يضِلَّ الرجل أنْ يدريَ كم صلَّى. الرابعة: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾ أي: يُرِي الناسَ أنَّه يصلِّي طاعةً وهو يصلِّي تَقِيَّةً، كالفاسق، يُري أنه يصلِّي عبادةً، وهو يصلِّي ليقال: إنه يصلِّي. وحقيقةُ الرياءِ: طلبُ ما في الدنيا بالعبادة، وأصلُه: طلبُ المنزلةِ في قلوب الناس. وأوَّلُها: تحسينُ السَّمْتِ(٣)، وهو من أجزاء النبوّة، ويريد بذلك الجاءَ والثناء. وثانيها : الرياءُ بالثيابِ القِصَار والخَشِنة؛ ليأخذ بذلك هيئةَ الزُّهدِ في الدنيا. وثالثها: الرياءُ بالقول، بإظهارِ التَّسخُّطِ على أهل الدنيا؛ وإظهارِ الوَعْظِ والتأسُّفِ على ما يفوتُ من الخير والطاعة. ورابعها: الرياءُ بإظهار الصلاة والصدقة، أو بتحسين الصلاة لأَجْلِ رؤيةِ الناس. وذلك يطول، وهذا دليله؛ قاله ابن العربي (٤). قلت: قد تقدَّم في سورةِ النساء وهود وآخر الكهف، القولُ في الرياء وأحكامِه وحقيقتِه بما فيه كفايةٌ(٥). والحمد لله. الخامسة: ولا يكونُ الرجلُ مُرائياً بإظهار العملِ الصالح إنْ كان فريضةٌ، فمِن (١) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٧١. (٢) في (م): من. (٣) السمت: هيئة أهل الخير. القاموس (سمت). (٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٧٢ . (٥) ينظر ٢٩٩/٦ و٨٤/١١ ٣٩٩/١٣. ٥١٤ سورة الماعون: الآيتان ٦ - ٧ حقِّ الفرائضِ الإعلانُ بها وتشهيرُها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ولا غُمَّةَ في فرائضِ الله))(١) لأنَّها أعلامُ الإسلام، وشعائر الدِّين، ولأنَّ تارِكَها يستحقُ الذَّ والمَقْتَ؛ فوجب إماطةُ التهمةِ بالإظهار، وإن كان تَطَوُّعاً فحقُّه أن يُخْفَى؛ لأنَّه مما لا يُلامُ بِتَرْكِه ولا تُهْمَةَ فيه، فإنْ أَظْهَرَه قاصداً للاقتداء به كان جميلاً. وإنَّما الرياء أنْ يقصد بالإظهار أن تراه الأعينُ، فتثني عليه بالصلاح. وعن بعضهم أنه رأى رجلاً في المسجد قد سجد سجدةً الشكرِ فأطالها، فقال: ما أحسنَ هذا لو كان في بيتك. وإنَّما قال هذا لأنه توسَّم فيه الرياءَ والسُّمعة (٢). وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة، عند قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾ [الآية: ٢٧١]، وفي غيرِ موضع. والحمد لله على ذلك. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فيه اثنا عشر قولاً: الأول: أنه زكاة أموالِهم. كذا روی الضحَّاك عن ابن عباس. ورُوِي عن عليٍّ ﴾ مثلُ ذلك(٣)، وقال مالك: والمرادُ(٤) به المنافق يمنعُها. وقد رَوَى أبو بَكْر بن عبد العزيز عن مالك قال: بلغني أنَّ قولَ الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَائِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِيْنَ هُمْ يُرَآءُونَ . وَيَمْتَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: إنَّ المنافق إذا صلَّى صلَّى رياءً، وإنْ فاتته لم يندَمْ عليها، ((ويمنعون الماعون)) الزكاةَ التي فَرَضَ الله عليهم. قال زيد بن أسلم: لو خَفِيتْ لهم الصلاةُ كما خَفِيتْ لهم الزكاةُ ما صلُّوا(٥). (١) قطعة من حديث وائل بن حجر في كتاب النبي # إلى الأقيال، أخرجه الخطابي في غريب الحديث ٢٨١/١، وذكره القاضي عياض في الشفا ١/ ١٧٢. والكلام من الكشاف ٤/ ٢٩٠ . قوله: ولا غمة، أي: لا تُستَر ولا تُخفى فرائضه، وإنما تُظهر وتُعلن ويُجهر بها. النهاية (غمم). (٢) الكشاف ٢٨٩/٤ - ٢٩٠. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٠٣/٣ - ٢٠٤، والطبري ٦٦٦/٢٤ - ٦٧٠ عن علي والضحاك وابن عمر وغيرهم، وذكره عن ابن عباس النحاس في إعراب القرآن ٢٩٧/٥ . (٤) في أحكام القرآن لابن العربي ١٩٧٢/٤ (والكلام منه): وقال مالك هي الزكاة والمراد ... (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٧٢ . ٥١٥ سورة الماعون: الآية ٧ القول الثاني: أنَّ ((الماعون)): المالُ بلسان قريش؛ قاله ابنُ شهابٍ وسعيد بنُ المسيِّب(١). وقولٌ ثالثٌ: أنَّه اسمٌ جامعٌ لمنافع البيتِ كالفأس والقِدْرِ والنار وما أشبه ذلك؛ قاله ابن مسعود، وروي عن ابن عباس أيضاً(٢). قال الأعشى: بِأَجْودَ منه بماعونِهِ إِذا ما سماؤُهُمْ لَمْ تَغِمْ(٣) الرابع: ذكر الزجَّاج وأبو عُبيد والمبرِّد أنَّ الماعون في الجاهلية: كلُّ ما فيه منفعةٌ، حتى الفأسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ والقذَّاحة، وكلُّ ما فيه منفعةٌ من قليلٍ وكثيرٍ، وأنشدوا بيتَ الأعشى. قالوا: والماعونُ في الإسلام: الطاعةُ والزكاة؛ وأنشدوا قولَ الراعي : حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أَخَلِيفَةَ الرَّحْمنِ إِنَّا مَعْشَرٌ حَقَّ الزكاةِ مُنَزَّلاً تَنْزِيلَا عَرَبٌ نَرَى لِلهِ من أموالنا ما عُوْنَهِمْ ويُضَيِّعُوا الشَّهليلا(٤) قَومٌ على الإسلامِ لَمَّا يَمْنَعُوا يعني الزكاة. الخامس: أنَّه العارِيَّة؛ روي عن ابن عباس أيضاً(٥). السادس: أنه المعروفُ كلُّه الذي يتعاطاه الناسُ فيما بينهم؛ قاله محمد بن كعب والكلبيّ(٦). (١) تفسير الطبري ٦٧٨/٢٤، والنكت والعيون ٣٥٣/٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١٩٧٢/٤. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٢/٣ - ٢٠٣، وتفسير الطبري ٦٧١/٢٤ - ٦٧٧ . وتفسير البغوي ٤/ ٥٣٢. (٣) ديوان الأعشى ص ٨٩ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٣٦٨/٥، وذكر القول أيضاً أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣١٣/٢، وليس فيهما سوى البيت الثالث، والأبيات الثلاثة في ديوان الراعي ص ٢٢٩ - ٢٣٠، والنكت والعيون ٦/ ٣٥٣ ، ورواية الأول في الديوان: أَوَليَّ أمرِ الله إنا معشر ... ، والقصيدة في مدح عبد الملك بن مروان. (٥) أخرجه الطبري ٢٤ / ٦٧٥ و٦٧٦ . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٥٣٢، وأخرجه عن محمد بن كعب الطبري ٢٤/ ٦٧٨ . ٥١٦ سورة الماعون: الآية ٧ السابع: أنه الماء والكَلَا(١). الثامن: الماءُ وحدَه؛ قال الفرَّاء: سمِعتُ بعضَ العربِ يقول: الماعون: الماء، وأنشدني فيه : يَمجُّ صَبِيرُه الماعونَ صَبَّا(٢) الصَّبير: السحاب. التاسع: أنَّه مَنْعُ الحقِّ؛ قاله عبد الله بن عمر(٣). العاشر: أنه المستغَلُّ من منافع الأموال؛ مأخوذٌ من المَعْن وهو القليل؛ حكاه الطبريُّ وابن عيسى (٤). قال قطرب: أصلُ الماعونِ من القلّة. والمَعْنُ: الشيءُ القليل؛ تقول العرب: ماله سَعْنَةٌ ولا معنةٌ، أي: شيء قليل. فسمَّى الله تعالى الزكاةَ والصدقةً ونحوَهما من المعروف ماعوناً؛ لأنَّه قليلٌ من كثيرٍ. (٥) ومِن الناس مَن قال: الماعون: أصلُه مَعُونة، والألفُ عوضٌ من الهاء؛ حكاه الجوهريّ(٦). ابن العربيّ(٧): الماعون: مفعولٌ مِن أعانَ يُعينُ، والعَوْن: هو الإمدادُ بالقوّة (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٧٣. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٦٥/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١٩٧٣/٤. قال الفراء: ولست أحفظ أوله. وقد ذكره صاحب اللسان مع بيت آخر صدراً لبيت عجزه: إذا نَسَمٌّ من الهَيْف اعتراه. (٣) أخرجه الطبري ٦٦٨/٢٤ . (٤) في النسخ الخطية: وابن عباس، والمثبت موافق لما في النكت والعيون ٦/ ٣٥٣، والكلام منه، ولم نقف عليه في تفسير الطبري. (٥) تفسير البغوي ٥٣٢/٤ . والمثل ذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢٧١/٢ ، والزمخشري في المستقصى ٣٣١/٢. قال الميداني: قال ابن الأعرابي: السعنة: الكثرة من الطعام وغيره، والمعنة: القلة من الطعام وغيره، ومعنى المثل: ما لَه قليل ولا كثير. (٦) في الصحاح (معن). (٧) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٧٢ . ٥١٧ سورة الماعون: الآية ٧ والآلاتِ والأسبابِ الميسِّرةِ للأمر (١). الحادي عشر: أنَّه الطاعةُ والانقيادُ؛ حكى الأخفشُ عن أعرابيٍّ فصيحٍ: لو قد نزلنا لصنعتُ بناقتكَ صنيعًا تعطيكَ الماعون، أي: تنقادُ لك وتُطيعُك(٢). قال الراجز. مَتَى تُصادِفْهُنَّ في الْبرِينِ يَخْضَعْنَ أو يُعطِيْنَ بالماعونِ(٣) وقيل: هو ما لا يَحِلُّ مَنْعُه، كالماء والملح والنار؛ لأنَّ عائشة رضوانُ الله عليها قالت: قلتُ: يا رسول الله، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: ((الماءُ والنارُ والملحُ)) قلت: يا رسول الله، هذا الماء، فما بالُ النارِ والملح؟ فقال: ((يا عائشةُ مَن أَعْطَى ناراً فكأنَّما تصدَّق بجميعٍ ما طُبخَ بتلك النار، ومَن أَعْطَى مِلْحاً فكأنَّما تَصَدَّق بجميع ما طُيِّبَ به ذلك الملحُ، ومَن سَقَى شَربةً من الماء حيث يوجد الماء، فكأنَّما أَعْتقَ ستين نسمةً. ومَن سَقَى شربةً من الماء حيث لا يوجد، فكأنَّما أحيا نَفْساً، ومَن أحياها فكأنَّما أحيا الناسَ جميعًا)). ذكره الثعلبيُّ في ((تفسيره))، وخرَّجه ابنُ ماجه في (سننه)). وفي إسناده لِين(٤)؛ وهو القولُ الثاني عشر. الماورديُّ(٥): ويحتمِلُ: أنه المعونةُ بما خَفَّ فِعْلُه وقد ثَقَّله الله. والله أعلم. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٧٢/٤. وذكر السمين في الدر المصون ١٢٣/١١ - ١٢٤ أن هذا الوجه فيه شذوذ من وجوه، منها: أن مفعول جاء من أفعل، وحقُّه أن يكون على مُفْعَل كمكرَم، فيقال: مُعان، وأما مفعول فاسم مفعولٍ الثلاثي. (٢) الصحاح (معن). (٣) الرجز للحذلمي، كما في اللسان (أرن) برواية: يَذْرَغْنَ أو يعطين بالماعون متى يُنازِغْهن في الأرين وذكره أيضاً صاحب اللسان (معن) برواية: يخضعن أو يعطين .. ، والأرين: النشاط. والبرين بضم الباء وفتحها جمع يُرَة، وهي الحلقة في أنف البعير. اللسان (أرن) و(برا). (٤) بنحوه في سنن ابن ماجه (٢٤٧٤)، وتهذيب الكمال ٤١٩/٩ - ٤٢٠، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وفيه أيضاً زهير بن مرزوق، قال ابن معين: لا أعرفه، وقال البخاري: منكر الحديث مجهول. ينظر مصباح الزجاجه ٢/ ٥٥، وتهذيب الكمال ٤١٩/٩ . (٥) في النكت والعيون ٣٥٣/٦. ٥١٨ سورة الماعون: الآية ٧ وقيل لِعكرمةَ مولى ابنِ عباس: مَن منع شيئاً من المتاع كان له الويل؟ فقال: لا، ولكن مَن جَمَع ثلاثتهن فله الويل، يعني: تَرْكَ الصلاةِ، والرياءَ، والبُخْلَ بالماعون(١). قلت: كونُها في المنافقين أشبهُ، وبهم أَخْلقُ؛ لأنَّهم جمعوا الأوصافَ الثلاثة: تَرْكَ الصلاةِ، والرياءَ، والبخلَ بالمال؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال: ﴿وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] وهذه أحوالُهم، ويَبْعدُ أنْ توجدَ من مسلمٍ محقّقٍ، وإن وُجد بعضُها فيلحقُه جزءٌ من التوبيخ، وذلك في مَنْع الماعون إذا تعيَّن، كالصلاةِ والزكاة(٢) إذا تَرَكَها، والله أعلم. إنَّما(٣) يكون مَنْعُها قبيحاً في المروءة في غيرِ حالٍ الضرورة(٤). والله أعلم. (١) أخرجه بنحوه الواحدي في الوسيط ٥٥٩/٤ . (٢) قوله: والزكاة، ليس في (م). (٣) في (ز) و(ي): بما. (٤) المعنى في هذه الجملة الأخيرة يعود على الفأس والقدر والدلو وغيرها التي ذكرت في معنى الماعون، حيث قال الزمخشري في الكشاف ٤/ ٢٩٠: وقد يكون منع هذه الأشياء محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحاً في المروءة في غير حال الضرورة. تفسير سورة ((الكوثر)» وهي مكيةٌ في قولِ ابن عباسٍ والكلبيِّ ومقاتلٍ(١). ومدنِيةٌ في قولِ الحسنِ وعكرمةً ومجاهدٍ وقتادة(٢). وهي ثلاثُ آيات. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ قراءةُ العامة: ((إِنَّا أَعْطيناك)) بالعين. وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف: ((أَنْطَيْنَاكَ)) بالنون؛ ورَوَتْه أمُّ سلمة عن النبيِّ ◌َ﴾(٣)؛ وهي لغةٌ في العطاء؛ أنطيتُه: أعطيته. و((الكوثر)»: فَوْعَل من الكثرة، مثل: النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. والعربُ تسمِّي كلَّ شيءٍ كثيرٍ في العدد والقَدْرِ والخَطَرِ كوثراً (٤). قال سفيان: قيل لعجوزٍ رجع ابنُها من السفر: بمَ آبَ ابنُكِ؟ قالت: بكوثر، أي: بمالٍ كثير (6). والكوثرُ من الرجال: السيدُ الكثيرُ الخيرِ؛ قال الكُميت: وأنت كثيرٌ يا ابنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكان أبوك ابنُ العقائِلِ كَوْثرا(٦) والكوثر: العددُ الكثيرُ من الأصحاب والأشياع. والكوثرُ من الغبار: الكثير، وقد تَكَوْثَر؛ قال الشاعر : (١) أخرجه عن ابن عباس ابن مردويه، كما في الدر المنثور ٦/ ٤٠١. (٢) زاد المسير ٩/ ٢٤٧ عن الحسن وعكرمة وقتادة. (٣) القراءات الشاذة ص ١٨١ والكشاف ٢٩٠/٤، وحديث أم سلمة أخرجه الطبراني في الكبير ٢٣/ (٨٦٢). وفي إسناده عمرو بن عبيد، قال عنه الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٨ : واهي الحديث. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٥٣٣. (٥) الكشاف ٢٩٠/٤، وتفسير الرازي ١٢٤/٣٢. (٦) ديوان الكميت ص ١٧٧، وتهذيب اللغة ١٧٨/١٠، والصحاح (كثر) والكلام منه. ٥٢٠ سورة الكوثر: الآية ١ وقد ثارَ نَقْعُ الموتِ حتى تَكَوْثَرًا(١) الثانية: واختلف أهلُ التأويل في الكوثر الذي أُعطِيَه النبيُّ ◌َ﴾ على ستةَ عَشَرَ قولاً : الأوّل: أنَّه نهرٌ في الجنة؛ رواه البخاريُّ عن أنس والترمذيُّ أيضاً(٢)، وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(٣). وروى الترمذيُّ أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله﴾: ((الكَوْثرُ نهرٌ في الجنة، حافَتَاه من ذهب، ومَجْراهُ على الدرِّ والياقوت، تربتُه أطيبُ من المسك، وماؤه أَحْلَى من العسل وأبيضُ من الثلج)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيح (٤). الثاني: أنَّه حوضُ النبيِّ ◌َ# في الموقف؛ قاله عطاء(٥). وفي ((صحيح)) مسلم(٦) عن أنس قال: بينما نحن عند رسول اللـه ﴿ إذ أَغْفَى(٧) إغفاءةً، ثم رفع رأسَه مُتَبَسِّماً، فقلنا: ما أَضْحَكَكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((نزلتْ عليَّ آنفاً سورةٌ)) فقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِّبِّكَ وَأَنْحَرْ إِنَ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْرَ﴾)» ثم قال: ((أتدرون ما الكوثر؟)) قلنا: اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ. قال: «فإنَّه نهرٌ وَعَدَنيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عليه خَيرٌ كثيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عليه أمَّتي يومَ القيامةِ، آنِيتُهُ عددُ النُّجُومِ، فيُخْتَجُ العبدُ منهم، فأقولُ: إنَّه من أمَّتي، فيقال: إنَّك لا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَك)). (١) الصحاح (كثر)، وصدر البيت: أبَوْا أن يبيحوا جارَهم لعدوهم، وقائله حسان بن نُشْبةَ التيمي، كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣٣٨/٣، وأساس البلاغة (كثر)، واللسان (كثر). وذكر التبريزي في شرح ديوان الحماسة ١٧٦/١ عن ابن الأعرابي أن الصواب في اسمه: جِسَاس مثل عِساس. (٢) صحيح البخاري (٦٥٨١) و(٧٥١٧)، وسنن الترمذي (٣٣٥٩)، وهو عند أحمد (١٢٠٠٨) و(١٢٩٨٩). (٣) ص ٤٤٦ . (٤) سنن الترمذي (٣٣٦١)، وهو عند أحمد (٥٣٥٥). (٥) أخرجه عنه ابن أبي شيبة ٥٠٨/١١، والطبري ٢٤/ ٦٨٥ . (٦) برقم (٤٠٠)، وهو عند أحمد (١١٩٩٦). (٧) في صحيح مسلم: بينما رسول الله :﴿ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى ...