Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة العاديات: الآيات ٩ - ١١
قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِىِ الْقُبُورِ
إِنَّ
وَحُصِّلَ مَا فِىِ الصُّدُورِ
٩
لَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ أي: ابنُ آدَمَ ﴿إِذَا بُمْثِرَ﴾ أي: أُثير وقُلِب وبُحِث،
فَأُخرج ما فيها. قال أبو عبيدة: بَعْثَرْتُ المتاع: جعلت أسفلَهُ أعلاه(١). وعن محمد بن
كعب قال: ذلك حين يُبْعَثون(٢). الفرَّاء: سمعتُ بعضَ أعرابٍ بني أسد يقرأ: ((بُحْثِرِ))
بالحاء مكانَ العين(٣)، وحكاه الماورديُّ عن ابن مسعود(٤)، وهما بمعنى.
﴿وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ﴾ أي: مُيِّز ما فيها من خيرٍ وشر؛ كذا قال المفسِّرون. وقال
ابن عباس: أُبرِز(٥).
وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جُبير ويحيى بن يعمُر ونصر بن عاصم: ((وحَصَل))
بفتح الحاء وتخفيفِ الصاد وفتحِها(٦)، أي: ظهر.
﴿إِنَّ رَبَّهُم ◌ِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيْرٌ﴾ أي: عالمٌ لا يَخْفَى عليه منهم خافيةٌ. وهو عالمٌ بهم
في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجازيهم في ذلك اليوم.
وقوله: ((إِذا بُعثِر))، العاملُ في ((إذا)): ((بُعْثِر))، ولا يعملُ فيه ((يَعْلَمُ))؛ إذ لا يرادُ به
العِلْمُ من الإنسان ذلك الوقت، إنَّما يراد في الدنيا. ولا يعمل فيه ((خَبِيرٌ))؛ لأنَّ ما بعد
((إنَّ) لا يعملُ فيما قبلها. والعاملُ في ((يَوْمَئِذٍ): ((خَبِيرٌ))، وإنْ فَصَلَتِ اللَّمُ بينهما؛ لأنَّ
موضع اللام الابتداء. وإنَّما دخلت في الخبر لدخول ((إِنَّ» على المبتدأ(٧). ويُروى أنَّ
(١) بنحوه في مجاز القرآن ٢٨٨/٢، وقال أبو عبيدة أيضاً ٣٠٨/٢: ((بعثر ما في القبور)): أُثير فأخرج.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٨٥/٦.
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٨٦/٣، وقال الفراء: وهما لغتان: بحثر وبعثر.
(٤) النكت والعيون ٣٢٦/٦ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٩٠ .
(٦) القراءات الشاذة ص ١٧٨ عن يحيى.
(٧) مشكل إعراب القرآن ٨٣٦/٢ - ٨٣٧.

٤٤٢
سورة القارعة: الآيات ١ - ٣
الحجَّاجَ قرأ هذه السورة على المنبر يحضُّهم على الغزو، فجرى على لسانه: ((أَنَّ
ربَّهم)) بفتح الألف، ثم استدركها فقال: ((خَبير)) بغيرِ لام(١). ولولا اللامُ لكانت
مفتوحة، لوقوع العلم عليها. وقرأ أبو السَّمَّال: ((أَنَّ رَبَّهِمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبِيرٌ)(٢). والله
سبحانه وتعالى أعلم.
تفسير سورة ((القارعة))
وهي مكيةٌ بإجماع(٣). وهي عَشْرُ آيَاتٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
قوله تعالى: ﴿اَلْقَارِعَةُ ﴿ مَا الْفَارِعَةُ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْقَارِعَةُ
٣
قوله تعالى: ﴿اَلْقَارِعَةُ. مَا الْفَارِعَةُ﴾ أي: القيامةُ والساعة، كذا قال عامَّةُ
المفسّرين. وذلك أنَّها تقرعُ الخلائقَ بأهوالها وأفزاعها. وأهلُ اللغةِ يقولون: تقولُ
العرب: قَرَعَتْهُمُ القارِعَةُ، وفَقَرَتْهُمُ الفاقِرة: إذا وقع بهم أمرٌ فظيع. قال ابن أحمر:
سبيلُهُمُ لزاحَتْ عنك حِينا(٤)
وقارعةٍ مِن الأيام لولا
وقال آخر:
متى تَقْرَعْ بمَرْوتِكُم نَسُؤْكُمْ ولم تُوقَدْلَنَا في القِدْرِ نَارُ(٥)
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] وهي
الشديدةُ من شدائد الدَّهر.
(١) ذكره بنحوه ابن قتيبة في عيون الأخبار ١٦٠/٢.
(٢) الكشاف ٢٧٩/٤ .
(٣) زاد المسير ٢١٣/٩، والمحرر الوجيز ٥١٨/٥.
(٤) اللسان (عزز)، ووقع في (ظ): لراحت.
(٥) النكت والعيون ٣٢٧/٦ .

٤٤٣
سورة القارعة: الآية ٤
قوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ استفهامٌ، أي: أيُّ شيء هي القارعة؟ وكذا ﴿وَمَآ
أَدْرَئِكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ كلمةُ استفهام على جهةِ التعظيم والتفخيم لشأنها، كما قال: ﴿الْمَقَّةُ
مَا الْحَقَّةُ وَمَّا أَذْرَئِكَ مَا الْخَفَّةُ﴾ على ما تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ
((يوم)) منصوبٌ على الظّرف، تقديرُه: تكونُ القارعةُ يومَ يكونُ الناسُ كالفراش
المبثوث. قال قتادة: الفراشُ: الطيرُ الذي يتساقطُ في النار والسِّراج (١). الواحدةُ
فراشة، وقاله أبو عبيدة(٢). وقال الفرَّاء(٣): إنه الهَمَجُ الطائرُ من بَعوضٍ وغيرهِ، ومنه
الجراد. ويقال: هو أطيشُ من فراشة؛ قال:
طُوَيِّشٌ مِن نَفَرٍ أَظْياشٍ
أَظيشُ من طائرةِ الفَراش (٤)
وقال آخر :
وقدْ كانَ أقوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهُمْ عليهم وكانوا كالفَراشِ من الجَهْلِ(٥)
وفي ((صحيح)) مسلم عن جابر(٦)، قال: قال رسول الله #: ((مَثَلي ومثَلُكُمْ كَمَثَل
رجلٍ أَوْقَدَ ناراً، فجعل الجنادِبُ والفَراشُ يَقَعْن فيها، وهو يذُبُّهنَّ عنها، وأنا آخِذٌ
بِحُجَزِكُمْ عن النار، وأنتم تَفَلَتون مِن يَدي)). وفي الباب عن أبي هريرة(٧).
والمبثوثُ: المتفرِّقُ. وقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿كَأَهُمْ جَادٌ مُتَتِرٌ﴾ [القمر: ٧]. فأوَّلُ
(١) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٥٩٣.
(٢) في مجاز القرآن ٣٠٩/٢، وفيه: طير لا بعوض ولا ذباب، هو الفراش.
(٣) في معاني القرآن ٢٨٦/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٢٨/٦ .
(٤) ذكره ابن عادل في اللباب ٢٠/ ٤٧١ .
(٥) البيت للفرزدق، وهو في النقائض ١٣٠/١، ومنتهى الطلب ٣١١/٥ برواية:
عليهم فكانوا كالفراش من الجهل
وحولكَ أقوامٌ رددتُ قلوبَهم
(٦) برقم (٢٢٨٥)، وسلف ١٧ / ٦١ .
(٧) أخرجه أحمد (٧٣٢١) و(٨١١٧)، والبخاري (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤)، وسلف ١٧ / ٦١ .

٤٤٤
سورة القارعة: الآيات ٤ - ١١
حالِهِم كالفَراش لا وجهَ له، يَتَحَيَّر في كلِّ وجهٍ، ثم يكونون كالجراد؛ لأنَّ لها وجهاً
تقصِدُه.
والمبثوث: المتفرِّقُ المنتشِر، وإنَّما ذَكَّر على اللَّفظ، كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ
مُنْفَعِ﴾ [القمر: ٢٠] ولو قال: المبثوثةِ [فهو](١) كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَارِيَةِ﴾
[الحاقة : ٧].
وقال ابن عباس والفرَّاء: ((كالفراشِ المبثوثِ)): كغَوغاء الجراد، يركبُ بعضُها
بعضاً. كذلك الناسُ يجولُ بعضُهم في بعضٍ إذا بُعثوا (٢).
قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
٥
أي: الصوف الذي يُنْفِشُ باليد، أي: تَصيرُ هباءً وتزول، كما قال جلَّ ثناؤه في
موضعٍ آخَرَ: ﴿هَبَآهُ مُنْبًَا﴾ [الواقعة: ٦]. وأهلُ اللغة يقولون: العِهنُ: الصوفُ
المصبوغ. وقد مضى في سورة ((سألَ سائلٌ))(٣).
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينٌ (@)
وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهٌ ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴿ وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا هِيَهْ جَ نَارُ
حَامِيَةٌ ®)
قد تقدَّم القولُ في المِيزان في ((الأعراف والكهف والأنبياء))(٤). وأنَّ له كِفَّةً
ولساناً توزنُ فيه الصُّحفُ المكتوبُ فيها الحسناتُ والسَّيئات(٥). ثم قيل: إنه
ميزانٌ واحدٌ بيد جبريل يَزِنُ أعمالَ بني آدم، فعبّر عنه بلفظِ الجمع. وقيل: موازين،
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٨٦/٣ ، وسلف عنه قريباً بنحوه، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
(٣) عند تفسير الآية (٨) منها.
(٤) ينظر ١٥٦/٩، و٣٩٣/١٣، و٢١٢/١٤.
(٥) قال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/ ٦٥: وأمور الآخرة لا تعلم إلا بما جاء في
القرآن، أو بما جاء عن رسول الله #، ولم يأت عنه عليه الصلاة والسلام شيء يصح في صفة الميزان.

٤٤٥
سورة القارعة: الآيات ٦ - ١١
كما قال :
فلِكلِّ حادِثةٍ لَهَا مِیزانُ
وقد ذكرناه فيما تقدَّم(١). وذكرناه أيضًا في كتاب ((التذكِرة))(٢).
وقيل: إنَّ الموازين: الحُجَجُ والدلائل؛ قاله عبد العزيز بن يحيى، واستشهد
بقول الشاعر :
قَدْ كُنتُ قبلَ لقائكم ذا مِرَّةٍ عِندِي لكُلِّ مخاصِمٍ مِيزانُهُ(٣)
ومعنى ((عِيشَةٍ راضِيةٍ))، أي: عيشٍ مَرْضيٍّ، يرضاه صاحبُه.
وقيل: ((عيشةٍ راضِيةٍ)) أي: فاعلة للرضا، وهو اللِّينُ والانقيادُ لأهلها. فالفعلُ
للعيشة لأنها أعطت الرضا مِن نفسِها، وهو اللِّينُ والانقياد. فالعيشةُ كلمةٌ تجمع النِّعَم
التي في الجنة، فهي فاعلةٌ للرضا، كالفُرُش المرفوعة، وارتفاعُها مقدارُ مئةٍ عام، فإذا
دنا منها وليُّ اللهِ اتَّضَعتْ حتى يستويَ عليها، ثم ترتفعُ كهيئتها، ومثل الشجرة
فروعها، كذلك أيضاً من الارتفاع، فإذا اشتهى وليُّ اللهِ ثمرتَها تَدلَّتْ إليه، حتى
يتناولها وليُّ الله قاعداً وقائماً، وذلك قوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَاِيَةٌ ﴾ [الحاقة: ٢٣].
وحيثما مشى أو تَنقَّل من مكانٍ إلى مكان، جرى معه نهرٌ حيث شاء، عُلُوَّا وسُفْلًا،
وذلك قولُه تعالى: ﴿يُفَجِرُونَهَا نَفْسِيرً﴾ [الإنسان: ٦]. فيُروَى في الخبر: أنه يشير بقضيبه
فيجري من غير أخدودٍ حيث شاء من قصوره وفي مجالسه (٤). وهذه(٥) الأشياءُ كلُّها
عيشةٌ قد أَعْطَتِ الرِّضا من نفسها، فهي فاعلةٌ للرضا، وهي انذلَّتْ وانقادَتْ بذْلاً
وسماحة.
(١) ٢١١/١٤، وصدره: ملك تقوم الحادثات لعدله.
(٢) ص ٣٢٠.
(٣) سلف ١٢/ ١٩١، والكلام من النكت والعيون ٦/ ٣١٨ - ٣١٩.
(٤) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ٣٣٩.
(٥) في (م): فهذه.

٤٤٦
سورة القارعة: الآيات ٩ - ١١
ومعنى ﴿فَأُمُّهُ هَارِيَةٌ﴾ يعني جَهَنَّم. وسمَّاها أُمَّا، لأنَّه يأوي إليها كما يأوي
إلى أمِّه؛ قاله ابن زيد (١). ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصَّلْت:
فيها مَقابرُنا وفيها نُولَهُ(٢)
فالأرضُ مَعْقِلنا وكانتْ أُمَّنا
وسمِّيتِ النارُ هاوية، لأنه يهوِي فيها مع بُعْدِ قَعْرِها. ويُروَى أنَّ الهاوية اسمُ البابِ
الأسفل من النار.
وقال قتادة: معنى ((فأمُّه هاوِية)): فمصيرُه إلى النار(٣). عكرمةُ: لأنه يهوي فيها
على أمِّ رأسه(٤). الأخفش: ((أمُّه)): مستَقَرُّه، والمعنى متقارِبٌ. وقال الشاعر:
يا عمرو لو نالَتْكَ أرماحُنا كنتَ كَمَن تهوي به الهاوِيَهُ(٥)
والهاوية: المَهْواة. وتقول: هَوَتْ أمُّه، فهي هاوية، أي: ثاكِلَة، قال كعب بن
سعد الغَنَوِيُّ:
هَوَتْ أُمُّه ما يبعثُ الصبحُ غاديا وماذا يؤدِّي الليلُ حين يَؤُوبُ(٦)
والمهوى والمَهْوَاة: ما بين الجبلين، ونحو ذلك. وتهاوَى القومُ في المَهْواة: إذا
سقط بعضُهم في إثر بعض (٧).
(١) النكت والعيون ٣٢٩/٦، وأخرجه بنحوه الطبري ٥٩٦/٢٤ .
(٢) ديوان أمية ص ٥٢، والكلام من النكت والعيون ٣٢٩/٦.
(٣) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٥٩٥ .
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٢٩/٦. وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٨٥/٦.
(٥) البيت لعمرو بن مِلْقَط شاعر جاهلي، كما في النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري ص ٦٢ ، والخزانة
٢١/٩، وبلا نسبة في الصحاح (هوى). ووقع في النوادر والخزانة: يا أوس لو نالتك ... وأوس هو ابن
حارثة بن لأم الطائي، كما ذكر البغدادي.
(٦) الأصمعيات ص ٩٥، وأمالي القالي ١٥٠/٢، والصحاح (هوى)، والكلام منه، وجمهرة الأمثال
٣٥٤/٢، ومجمع الأمثال ٣٩٠/٢، والخزانة ٤٣٥/١٠. والبيت من قصيدة في رثاء أبي المغوار
الغنوي، وقوله: ما يبعث الصبح ... ، يريد أن هذين الوقتين يجددان ذكره ويثيران الحزن عليه؛ لأن
الصباح وقت الغارة، والليل وقت طروق الضيفان. سمط اللآلي ٧٧٣/٢ .
(٧) الصحاح (هوی).

٤٤٧
سورة القارعة: الآيتان ١٠ - ١١
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَهُ﴾ الأصلُ: ((ما هي))، فدخلت الهاءُ للسَّكْت. وقرأ حمزةُ
والكسائيُّ ويعقوبُ وابن مُحيصن: ((ما هيَ)) بغير هاءٍ في الوصل، ووقفوا بها (١). وقد
مضى في سورة الحاقَّةِ بيانُه(٢).
﴿نَارُّ حَامِيَةٌ﴾ أي: شديدةُ الحرارة. وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة: أنَّ
النبيَّ ﴿ قال: ((نارُكم هذه التي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ جهنّم)»
قالوا: والله إنْ كانت لكافيةً يا رسول الله! قال: «فإنَّها فُضِّلَتْ عليها بتسعةٍ وستِّين
جزءًا، كلُّها مثلُ حرِّها))(٣).
وروي عن أبي بكرٍ ﴾ أنه قال: إنَّما ثَقُلَ ميزانُ مَن ثَقُلَ ميزانُه، لأنَّه وُضع فيه
الحقُّ، وحُقَّ لميزانٍ يكونُ فيه الحقُّ أن يكون ثقيلاً. وإنَّما خفَّ ميزانُ مَن خفَّ ميزانُه،
لأنَّه وُضع فيه الباطلُ، وحُقَّ لميزانٍ يكون فيه الباطلُ أن يكون خفيفاً.(٤)
وفي الخبر عن أبي هريرة، عن النبيِّ #: ((أنَّ الموتى يَسألون الرجلَ يأتيهم عن
رجلٍ مات قَبْلَه، فيقول: ذلك مات قبلي، أمَا مرَّ بكم؟ فيقولون: لا والله، إنَّا لله وإنَّا
إليه راجعون! ذُهِب به إلى أمِّه الهاوية، فبِئْسَتِ الأمُّ، وبئستِ المُرَبِّيةُ)). وقد ذكرناه
بكماله في كتاب ((التذكرة))(٥)، والحمد لله.
(١) التيسير ص ٢٢٥، والنشر ١٤٢/٢ عن حمزة ويعقوب، والمشهور عن الكسائي إثبات الهاء في
الحالين.
(٢) عند تفسير الآية (١٩) منها.
(٣) صحيح مسلم (٢٨٤٣)، وهو عند أحمد (٨١٢٦)، والبخاري (٣٢٦٥)، وسلف عند تفسير الآية (٧٣)
من سورة الواقعة.
(٤) قطعة من وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، والخبر أخرجه بنحوه مطولاً ابن المبارك في الزهد
(٩١٤)، وهناد في الزهد (٤٩٦)، وابن أبي شيبة ٢٥٩/١٣ - ٢٦٠ .
(٥) ص٥٥ ، وأخرجه الثعلبي كما ذكر المصنف ثمة. وفي الباب عن أبي أيوب ه عند ابن المبارك في
الزهد (٤٤٣).

تفسير سورة ((التكاثر))
وهي مكيةٌ في قولِ جميع المفسِّرين(١)، ورَوَى البخارِيُّ أنَّها مدنية(٢). وهي ثماني
آیات
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿ حَّى زُرْتُمُ الْمَغَابِرَ
٢
فيه خمسُ مسائلَ :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ((ألهاكم)): شَغَلَكم؛ قال:
فَأَلْهَيْتُها عن ذي تَمائم مُغْيلٍ(٣)
أي: شَغَلكم المباهاةُ بكثرة المالِ والعددِ عن طاعة الله، حتى مِتُّم ودُفنتُم في
المقابر. وقيل: ((أَلْهاكُمْ)): أنساكم، ((التكاثُرُ)) أي: من الأموال والأولاد؛ قاله ابن
عباس والحسن(٤).
وقال قتادة: أي: التفاخرُ بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك: أي: ألهاكم
التشاغلُ بالمعاش والتجارة(٥).
(١) الوسيط ٥٤٨/٤، والمحرر الوجيز ٥١٨/٥، والكشاف ٢٨٠/٤، وتفسير البغوي ٥٢٠/٤، وتفسير
الرازي ٧٥/٣٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٦٢/٤، ويشير ابن العربي إلى حديث أنس عن النبي ﴾: ((لو أن
لابن آدم وادياً من ذهب ... )) فذكر أنس عن أبيٍّ قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ألهاكم التكاثر.
صحيح البخاري (٦٤٣٩) و(٦٤٤٠)، وسيأتي قريباً.
(٣) وصدره: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعاً، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٢ ، وسلف
عند تفسير الآية (٨٤) من سورة صّ ، وص ٢٠٢ من هذا الجزء.
(٤) النكت والعيون ٦/ ٣٣٠ عن الحسن، وأخرجه عن ابن عباس ابن المنذر، كما في الدر المنثور
٣٨٧/٦.
(٥) ذكر القولين الماوردي ٦/ ٣٣٠، وقول قتادة أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٣٩٣/٢، والطبري ٥٩٨/٢٤ .

٤٤٩
سورة التكاثر: الآيتان ١ - ٢
يقال: لَهِيتُ عن كذا - بالكسر - أَلْهَى لُهِيًّا ولِهْيَانًا: إذا سَلَوْت عنه، وتركت
ذِكْرَه، وأَضْربت عنه. وأَلْهاه: أي شَغَله. ولهّاه به تلهيةً، أي: عَلَّله(١). والتكاثر:
المُكاثرة. قال مقاتل وقتادةُ وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثرُ من بني
فلان، وبنو فلانٍ أكثرُ من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلَّالا(٢).
وقال ابن زيد: نزلت في فخذٍ من الأنصار.
وقال ابن عباس ومقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في حَيَّيْن من قريش: بني عبد مَناف،
وبني سَهْم، تعادُّوا وتَكاثَروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كلُّ حيٍّ منهم:
نحن أكثرُ سيداً، وأَعزُّ عزيزاً، وأَعْظَمُ نَفَراً، وأكثرُ عائذًا، فَكَثَرَ بنو عبد منافٍ سهماً.
ثم تكاثروا بالأموات، فَكَثَرَتْهُمْ سَهْم، فنزلت ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَثُرُ﴾(٣) بأحيائكم، فلم
ترضَوا ﴿حَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ مفتخِرِينَ بالأموات.
وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون: نحن أكثرُ من بني فلان، ونحن أعدُّ
من بني فلان، وهم كلَّ يوم (٤) يتساقطون إلى آخرهم، واللهِ ما زالوا كذلك حتى
صاروا من أهل القبور كُلُّهم.
وعن عمرو بن دينار: حلف أنَّ هذه السورةَ نزلت في التجار. وعن شيبان عن
قتادةً قال: نزلتْ في أهل الكتاب.
قلت: الآيةُ تَعُمُّ جميعَ ما ذُكر وغيره. وفي (صحيح)) مسلم عن مُطَرِّف عن أبيه
قال: أتيتُ النبيَّ ◌َ﴾ وهو يقرأ ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: ((يقولُ ابنُ آدَمَ: مالي مالي!
(١) الصحاح (لها).
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٤٩٩، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٠ عن قتادة.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٩٩، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٠ عن مقاتل والكلبي. وذكره الماوردي
٣٣١/٦ عن الكلبي وقتادة.
(٤) في النسخ الخطية: قوم، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في كتاب الورع لأحمد ص ١٨٩ ،
وتفسير الطبري ٢٤/ ٥٩٨ .

٤٥٠
سورة التكاثر: الآيتان ١ - ٢
وهل لكَ يا ابنَ آدَمَ مِن مالكَ إلَّا ما أكلتَ فأَفنيتَ، أو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أو تَصدَّقْتَ
فَأَمْضَيْتَ))(١)، ((وما سوى ذلك فذاهبٌ وتارِكُه للناس))(٢).
وروى البخاريُّ عن ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك أنَّ رسول اللـه :﴿ قال:
((لو أنَّ لابنِ آدمَ وادياً من ذهب، أحبَّ أن يكون له واديان، ولن يَمْلأ فاه إلَّ الترابُ،
ويتوبُ اللهُ على مَن تابَ))(٣). قال ثابت عن أنس عن أبيٍّ: كنَّا نرى هذا من القرآن،
حتى نزلت ﴿أَلْهَنَّكُمُ التَّكَاثُ﴾(٤). قال ابن العربيِّ: وهذا نصٌّ صحيحٌ مَليحٌ، غاب من
أهل التفسير فجهِلوا وجَهَّلوا، والحمدُ لله على المعرفة(٥).
وقال ابن عباس: قرأ النبيُّ ◌َ﴿: ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: ((تَكاثُرُ الأموالِ: جَمْعُها
من غير حقِّها، ومَنْعُها من حقِّها، وشدُّها في الأوعية))(٦).
الثانية: قولُه تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي: حتى أتاكم الموتُ فصِرْتُم في
المقابر زُوَّاراً، ترجعون منها كرجوع الزائرِ إلى منزله من جنةٍ أو نار. يقال لمن مات:
قد زار قبره.
وقيل: أي: ألهاكم التكاثرُ حتى عَدَدْتُم الأموات، على ما تقدَّم.
وقيل: هذا وعيدٌ، أي: اشتغلتُم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتَرَوْا ما
(١) صحيح مسلم (٢٩٥٨)، وهو عند أحمد (١٦٣٠٦). قوله: فأمضيت، أي: أنفذت فيه عطاءك، ولم
تتوقف فيه. النهاية (مضا). ووقع في (ظ): فأبقيت، بدل: فأمضيت، وهي رواية في الحديث. ينظر
الورع لأحمد ص ١٨٨، والدر المنثور ٣٨٦/٦ - ٣٨٧.
(٢) قوله: وما سوى ذلك ... ، ورد في آخِر حديثٍ أبي هريرة عند مسلم (٢٩٥٩)، وأوله نحوُ حديث
مطرف عن أبيه.
(٣) صحيح البخاري (٦٤٣٩)، وهو عند أحمد (١٢٧١٧)، ومسلم (١٠٤٨).
(٤) صحيح البخاري (٦٤٤٠).
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٦٢/٤، وإنما عقب ابن العربي بهذا الكلام على الحديث للرد على
المفسرين الذين قالوا إن هذه السورة مكية، وينظر ما سلف في بداية تفسير هذه السورة.
(٦) لم نقف عليه.

٤٥١
سورة التكاثر: الآيتان ١ - ٢
ينزل بكم من عذاب الله عزَّ وجلّ.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿اَلْمَقَابِرَ﴾ جمع مَقْبَرة ومَقْبُرة، بفتح الباءِ وضمِّها. والقبور:
جمع القبر(١)؛ قال:
بَنَوْا فوق المقابرِ بالصُّخورِ
أَرَى أَهْلَ القُصُور إذا أُمِيتُوا
على الفقراءِ حتّى في القُبورِ(٢)
أَبَوْا إلَّا مُباهاةً وَفَخْرًا
وقد جاء في الشعر: المَقْبَر؛ قال:
لكلِّ أناسٍ مَقْبَرٌ بِغنائهم
فَهُمْ يَنقُصُونَ والقُبورُ تَزِيدُ(٣)
وهو المَقْبُريُّ والمقْبَريُّ: لأبي سعيد المقبريِّ؛ وكان يسكنُ المقابر(٤). وقَبَرْتُ
المَيتَ أَقْبِرَهُ وأَقِبُرُه(٥) قَبْرًا، أي: دفنته. وأَقْبَرتُه، أي: أمرتُ بأن يُقْبَر. وقد مضى في
سورة ((عَبَس)) القولُ فيه (٦). والحمد لله.
الرابعة: لم يأتِ في التنزيل ذِكْرُ المقابرِ إلَّا في هذه السورة. وزيارتُها مِن أعظم
الدواءِ للقلب القاسي؛ لأنَّها تذكّر الموتَ والآخرة. وذلك يَحمل على قِصَر الأمل،
والزهدِ في الدنيا، وتَرْكِ الرغبة فيها. قال النبيُّ ◌َ﴾: «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور،
فزوروا القبورَ، فإنَّها تزهِّد في الدنيا، وتذكِّر الآخرة)) رواه ابن مسعود، أخرجه ابن
ماجه(٧). وفي ((صحيح)) مسلم من حديث أبي هريرة: ((فإنَّها تذكِّر الموتَ))(٨).
(١) الصحاح (قبر).
(٢) البيتان ليحيى بن الحكم البكري الجياني، كما في نفح الطيب ٢٥٦/٢ .
(٣) البيت لعبد الله بن ثعلبة الحنفي، كما في الصحاح (قبر) - والكلام منه - وشرح ديوان الحماسة
المرزوقي ٨٩١/٢ .
(٤) واسمه كيسان، وهو مولى أم شريك، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة؛ وقال: توفي
في خلافة الوليد بن عبد الملك. التهذيب ٤٧٨/٣ .
(٥) وبابه ضرب ونصر. مختار الصحاح (قبر)، والكلام من الصحاح (قبر).
(٦) ص ٨٠-٨١ من هذا الجزء.
(٧) في سننه (١٥٧١)، وأخرجه بنحوه أحمد (٤٣١٩).
(٨) صحيح مسلم (٩٧٦)، وهو عند أحمد (٩٦٨٨).

٤٥٢
سورة التكاثر: الآيتان ١ - ٢
وفي الترمذيِّ عن بُرَيْدة: ((فإنَّها تذكِّر الآخرة)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١).
وفيه عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللـه :﴿ لعن زوَّاراتِ القبور. قال: وفي الباب عن ابن
عباسٍ وحسان بنِ ثابت. قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وقد رأى بعضُ
أهلِ العلم أنَّ هذا كان قبل أن يرخِّص النبيُّ :# في زيارة القبور، فلمَّا رَخَّص دخل في
رخصته الرجالُ والنساء. وقال بعضهم: إنَّما كره زيارةً القبورِ للنساء لقلةٍ صَبْرِهنَّ،
وكَثْرَةٍ جَزَعِهِنّ(٢).
قلت: زيارةُ القبورِ للرجال متَّفقٌ عليه عند العلماء، مختلفٌ فيه للنساء. أمَّا
الشَّوَابُّ فحرامٌ عليهنَّ الخروج، وأمَّا القواعدُ فمباحٌ لهنَّ ذلك. وجائزٌ لجميعهنَّ ذلك
إذا انفَرَدْنَ بالخروج عن الرجال، ولا يُختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا المعنى
يكون قولُه: ((زوروا القبورَ)) عامًّا. وأمَّا مَوْضعٌ أو وقتٌ يُخْشَى فيه الفتنةُ من اجتماع
الرجالِ والنساء، فلا يَحِلُّ ولا يجوز. فبينما الرجل يخرجُ ليعتبر، فيقع بصره على
امرأةٍ فيفتتن، وبالعكس، فيرجع كلُّ واحدٍ من الرجال والنساء مأزوراً غيرَ مأجورٍ.
والله أعلم.
الخامسة: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاجَ قلبِه وانقيادَه بسلاسل القهر إلى
طاعة ربِّه، أن يُكْثِرَ مِن ذِكْرٍ هاذِم(٣) اللذَّات، ومفرِّقِ الجماعات، ومُوتمِ البنينَ
والبنات، ويواظبَ على مشاهدةِ المحتَضَرِين، وزيارةِ قبورِ أمواتِ المسلمين. فهذه
ثلاثةُ أمورٍ ينبغي لمن قسا قلبُه، ولزمه ذَنْبُه، أن يستعين بها على دواءِ دائه، ويستصرخَ
بها على فتن الشيطانِ وأعوانه (٤)، فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانْجَلَتْ به
قساوةُ قلبِه، فذاك، وإنْ عَظُمَ عليه رانُ القلبِ، واستحكمتْ فيه دواعي الذنب؛ فإنَّ
(١) سنن الترمذي (١٠٥٤)، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٢٩٥٨)، ومسلم (٩٧٧).
(٢) سنن الترمذي (١٠٥٦)، والحديث عند أحمد (٨٤٤٩).
(٣) في (د) و(ظ): هادم. قال المناوي في فيض القدير ٨٦/٢: هاذم بالذال المعجمة: قاطع، وبالمهملة:
مزيل.
(٤) في (ظ): وإغوائه.

٤٥٣
سورة التكاثر: الآيتان ١ - ٢
مشاهدة المحتَضَرين، وزيارةَ قبورِ أمواتِ المسلمين، تَبلُغ في دفع ذلك ما لا يبلغه
الأول؛ لأنَّ ذِكْر الموت إخبارٌ للقلب بما إليه المصير، وقائمٌ له مقامَ التخويفِ
والتحذير. وفي مشاهدةِ مَن احتُضِر، وزيارةٍ قبرٍ مَن مات مِن المسلمين مُعايَنَةٌ
ومشاهَدةٌ؛ فلذلك كان أبلغَ من الأوّل؛ قال:﴿: ((ليس الخبرُ كالمُعايَنَةِ)). رواه ابن
عباس(١). فأمَّا الاعتبارُ بحالِ المحتَضَرين فغيرُ مُمْكِنٍ في كلِّ الأوقات، وقد لا يتَّفقُ
لمن أراد علاجَ قلبه في ساعة من الساعات. وأمَّا زيارةُ القبورِ فوجودُها أسرعُ،
والانتفاعُ بها أَلْيَقُ وأَجْدَر. فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأذَّب بآدابها، ويُحضِرَ
قلبَه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها التَّطُوافَ على الأجداث فقط؛ فإنَّ هذه حالةٌ
تشاركُه فيها بهيمةٌ، ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصدُ بزيارته وجهَ اللهِ تعالى، وإصلاحَ
فسادٍ قلبِهِ، أو نَفْعَ الميتِ بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنَّب المشيَ على
المقابر والجلوسَ عليها، ويُسلِّم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميتِه الذي يعرفه
سلَّم عليه أيضًا، وأتاه مِن تِلْقاءِ وَجْهِه؛ لأنَّه في زيارته كمخاطبته حيًّا، ولو خاطبه حيًّا
لكان الأدبُ استقبالَه بوجهه، فكذلك هاهنا. ثم يعتبر بمَن صار تحت التراب،
وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوشَ والعساكر، ونافَسَ الأصحابَ
والعشائر، وجَمَعَ الأموالَ والذخائر؛ فجاءه الموتُ في وقتٍ لم يَحْتَسِبْه، وهولٍ لم
يَرْتَقِبْه. فليتأمَّل الزائرُ حالَ مَن مضى من إخوانه، ودَرَج من أقرانه الذين بلغوا الآمال،
وجَمَعوا الأموال، كيف انقطعت آمالُهم، ولم تُغْنِ عنهم أموالُهم، ومحا الترابُ
محاسنَ وجوهِهِم، وافترقَتْ في القبور أجزاؤُهم، وتَرَمَّلَ مِن بَعْدِهم نساؤُهم، وشَمِلَ
ذلُّ اليُتْم أولادَهم، واقتَسم غيرُهم طريفَهم وتِلادهم(٢). وليتذكَّر تردُّدَهم في المآرِب،
وحرصَهم على نَّيْلِ المطالب، وانْخِداعَهم لمواتاةِ الأسباب، وركونَهم إلى الصِّحة
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٢) و(٢٤٤٧)، وسلف ٣٠٩/٤ .
(٢) في (ي): طريقهم وتلادهم، وفي (د): طريقهم وبلادهم. والطريف: هو الحديث من المال، وهو
خلاف التالد والتليد، ويقولون: ما لَه طريف ولا تليد، فالطريف ما استحدَثْتَ من المال، والتليد ما
ورثتَه من الآباء. تاج العروس (طرف).

٤٥٤
سورة التكاثر: الآيات ٢ - ٤
والشباب. ولْيَعْلَم أنَّ ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغَفْلَتَه عمَّا بين يديه من الموت
الفظيع، والهلاكِ السريع، كغَفْلَتِهم، وأنه لا بدَّ صائرٌ إلى مصيرهم، ولْيُحضِر بقلبه
ذِكْرَ مَن كان متردِّداً في أغراضه، وكيف تهدَّمت رجلاه. وكان يتلذَّذُ بالنظر إلى ما
خُوَّلَه، وقد سالت عيناه. ويصولُ ببلاغة نُطْقِه، وقد أَكَلَ الدودُ لسانَه. ويضحكُ لمواتاةٍ
دَهْره، وقد أَبْلَى الترابُ أسنانَه. ولْيتحقَّقْ أنَّ حالَه كحاله، ومَلَه كمآلِه. وعند هذا
التذكُّرِ والاعتبارِ تزولُ عنه جميعُ الأغيارِ الدنيوية، ويُقْبِلُ على الأعمال الأخروية،
فيزهدُ في دنياه، ويُقبل على طاعةٍ مولاه، ويَلینُ قلبُه، وتَخْشَعُ جوارِحُه.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال الفرَّاء: أي: ليس الأمرُ على ما أنتم عليه من التفاخُرِ
والتكاثُرُ(١)، والتمامُ على هذا.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ هذا. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ
بعدَ وعيد؛ قاله مجاهد(٢). ويحتملُ أن يكون تكرارُه على وجه التأكيد والتغليظ؛ وهو
قولُ الفرَّاء(٣).
وقال ابن عباس: ((كلََّ سوف تعلمون)) ما ينزلُ بكم من العذاب في القبر، «ثم
كلَّا سوف تعلمون)) في الآخرة إذا حلَّ بكم العذاب (٤). فالأوّل في القبر، والثاني في
الآخرة؛ فالتكرارُ للحالتين.
وقيل: ((كلَّا سوف تعلمون)) عند المعاينة، أنَّ ما دعوتُكم إليه حقٌّ. «ثم كلا سوف
تعلمون)): عند البعث، أنَّ ما وعدتُكم به صدق(٥).
(١) معاني القرآن للفراء ٢٨٧/٣ دون قوله: من التفاخر ...
(٢) الوسيط ٥٤٩/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٠ عن الحسن ومقاتل.
(٣) في معاني القرآن ٢٨٧/٣ .
(٤) ذكره المصنف في كتاب التذكرة له ص ١٣٣، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز بنحوه ٥١٩/٥ عن
علي ﴾.
(٥) النكت والعيون ٣٣١/٦.

٤٥٥
سورة التكاثر: الآيات ٣ - ٥
وروى زِرّ بنُ حُبَيْشٍ عن عليٍّ ﴾، قال: كنَّا نَشُكُ في عذاب القبر، حتى نزلت
هذه السورة(١). فأشار إلى أنَّ قوله: ((كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ)) يعني في القبور.
وقيل: ((كلَّا سوف تعلمون)): إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رُسُلٌ لِتَنْزِع
أرواحكم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: إذا دخلتُم قبورَكم، وجاءكم مُنْكَر ونَكِير، وحاط
بكم هولُ السؤال، وانقطع منكم الجواب.
قلت: فتضمَّنت السورةُ القولَ في عذاب القبر. وقد ذَكَرنا في كتاب ((التذكرة)) أنَّ
الإيمانَ به واجبٌ، والتصديقَ به لازمٌ، حَسْبَما أخبرَ به الصادق، وأنَّ الله تعالى يُحيي
العبدَ المكلَّفَ في قبره بردِّ الحياة إليه، ويجعلُ له من العقل في مثل الوصف الذي
عاش عليه؛ ليَعْقِلَ ما يُسألُ عنه، وما يجيبُ به، ويفهمَ ما أتاه من ربِّه، وما أُعدَّ له في
قبره من كرامةٍ وهوانٍ. وهذا هو مذهبُ أهلِ السُّنةِ، والذي عليه الجماعةُ من أهل
الملَّة. وقد ذكرناه هناك مستوفّى(٢)، والحمد لله.
وقيل: ((كَلَّا سوف تعلمون)) عند النشورِ أنَّكم مبعوثون، ((ثم كلا سوف تعلمون»
في القيامة أنَّكم معذَّبون(٣). وعلى هذا تضمَّنتْ أحوالَ القيامةِ من بعثٍ وحَشْرٍ،
وسؤالٍ وعَرْضٍٍ، إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها، حَسْبَ ما ذكرناه في ((كتاب
التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة».
وقال الضخَّاك: ((كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُون)» يعني الكفار، «ثم گَلَّا سوف يعلمون)» قال:
المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها؛ الأولى بالتاء والثانية بالياء (٤).
قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ
قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أعاد ((كَلَّا)) وهو زجرٌ وتنبيه؛ لأنه عَقَّب
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٥٥)، والطبري ٢٤/ ٦٠٠. قال الترمذي: هذا حديث غريب.
(٢) التذكرة ص ١٢٤ وما بعدها.
(٣) النكت والعيون ٣٣١/٦.
(٤) في (ظ): الأولى بالياء والثانية بالتاء، والمثبت من باقي النسخ وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٠، والكلام منه،
وأخرجه الطبري ٢٤/ ٦٠١ دون قوله: الأولى بالتاء ...

٤٥٦
سورة التكاثر: الآيات ٥ - ٧
كلَّ واحدٍ بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلوا فإنَّكم تندمون، لا تفعلوا فإنَّكم تستوجبون
العقاب. وإضافةُ العلم إلى اليقين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْقِيْنِ﴾ [الواقعة: ٩٥].
وقيل: اليقينُ هاهنا: الموت؛ قاله قتادة(١). وعنه أيضاً: البعث(٢)؛ لأنه إذا جاء
زال الشكُّ، أي: لو تعلمون عِلْمَ البعث. وجوابُ ((لو)) محذوفٌ، أي: لو تعلمون
اليومَ من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخةُ الصور، وانشقَّت اللُّحودُ عن جُثَئكم،
کیف یکون حشرکم؟ لشغلگم ذلك عن التكاثر بالدنيا.
وقيل: ((كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينِ)) أي: لو قد تطايرتِ الصحف، فشقيٍّ وسعيدٌ.
وقيل: إنَّ ((كَلَّا)) في هذه المواضع الثلاثة بمعنى ((أَلَا))؛ قاله أبو حاتم (٣). وقال
الفرَّاء: هي بمعنى ((حَقًّا))(٤). وقد تقدَّم الكلامُ فيها مستوفّى(٥).
قوله تعالى: ﴿لَتَّرَؤُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ ثُمَّ لَتَرَؤُنَهَا عَيْنَ اٌلْيَقِينِ
قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ هذا وعيدٌ آخَرُ. وهو على إضمارِ القسم، أي:
لتروُنَّ الجحيم في الآخرة. والخطابُ للكفار الذين وَجَبَتْ لهم النار. وقيل: هو عامٌّ،
كما قال: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فهي للكفار دارٌ، وللمؤمنين ممَرٌّ. وفي
الصحيح: ((فيمرُّ أوَّلُهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير ... )) الحديثَ. وقد مضى في
(٦)
سورة مريم (٦).
(١) أخرجه عبد الرزاق ٣٩٣/٢ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٠٢ .
(٣) في النسخ: قاله ابن أبي حاتم، والمثبت من النكت والعيون ٣٣١/٦، والكلام منه. وكذا ذكره
السيوطي في الإتقان ٥٣٨/١ عن أبي حاتم وقال: قال أبو حيان: لم يسبقه إلى ذلك أحد، وتابعه
جماعة منهم الزجاج.
(٤) النكت والعيون ٣٣١/٦.
(٥) ٥١٠/١٣ .
(٦) ٤٩٤/١٣، وهو في صحيح البخاري (٧٤٣٩)، وصحيح مسلم (١٨٣)، وأخرجه أحمد (١١١٢٧)،
وهو من حديث أبي سعيد الخدري ﴾.

٤٥٧
سورة التكاثر: الآيات ٦ - ٨
وقرأ الكسائيُّ وابنُ عامر: (لَتُروُنَّ)) بضمِّ التاء (١)، من أَرَيْتُه الشيءَ، أي:
تُحشرون إليها فترونها. وعلى فتح التاء هي قراءةُ الجماعة، أي: لتَرُونَّ الجحيم
بأبصاركم على البعد . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْبَقِينِ﴾ أي: مشاهدةً. وقيل: هو إخبارٌ عن
دوام مُقامِهم في النار، أي: هي رؤيةٌ دائمةٌ متَّصلةٌ. والخطابُ على هذا للكفار.
وقيل: معنى (لو تَعْلَمُونَ عِلمَ اليقينِ)) أي: لو تعلمون اليومَ في الدنيا عِلْمَ اليقين
فيما أمامكم ممَّا وصفتُ، (لَتَرَوُنَّ الجحِيمَ)) بعيون قلوبكم؛ فإنَّ عِلْمَ اليقينِ يُرِيكَ
الجحيم بعينٍ فؤادك، وهو أنْ تَتَصَوَّر لك تاراتُ(٢) القيامةِ، وقَطْعُ مسافاتها، (ثم
لَترونها عينَ اليقينِ)) أي: عند المعاينةِ بعينِ الرأس، فتراها يقيناً لا تغيبُ عن عينك،
(ثم لَتُسْأَلُنَّ يَومَئِذٍ عن النَّعِيم)): في موقف السؤال والعرض.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (@)
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُتْشَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ روى مسلم في صحيحه(٣) عن
أبي هريرة، قال: خرج رسولُ اللـه # ذاتَ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكر وعمر،
فقال: ((ما أَخْرجَكما من بُيوتِكما هذه الساعَة؟)) قالا: الجوعُ يا رسولَ الله. قال:
((وأنا، والذي نفسي بيده لَأَخْرجَني الذي أَخْرجَكما، قُوموا)) فقاموا (٤) معه، فأَتى
رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلمَّا رأته المرأة قالت: مَرْحَبًا وأهلاً. فقال
لها رسولُ اللـهِ ﴾: ((أين فلان؟)) قالت: [ذهب] يَسْتعذِبُ لنا من الماء. إذ جاء
الأنصاريُّ، فنظر إلى رسول اللـه :﴿ وصاحِبيهِ، ثم قال: الحمدُ لله! ما أحدٌ اليومَ
أكرمَ أضيافاً منّي. قال: فانْطَلَقَ، فجاءهم بِعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وتمرٌ ورُطَبٌ، فقال: كُلوا من
هذه. وأخذ المُديةَ، فقال له رسول الله﴾: ((إياكَ والحَلُوبَ)) فذبح لهم، فأكلوا من
(١) السبعة ص ٦٩٥، والتيسير ص ٢٢٥ .
(٢) في (ظ): أمارات.
(٣) برقم (٢٠٣٨)، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) في (د) و(م) و(ي): قوما فقاما، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في صحيح مسلم.

٤٥٨
سورة التكاثر: الآية ٨
الشّاة ومن ذلك العِذق، وشِربوا، فلمَّا أنْ شَبِعوا وَرَؤُوا، قال رسول الله:﴿ لأبي بكر
وعمر: ((والذي نفسي بيده لَتُسْأَلُنَّ عن نعيم هذا اليوم يومَ القيامةِ(١)، أَخْرَجكم من
بُيُوتكم الجوعُ، ثم لم تَرْجِعوا حتَّى أصابكم هذا النعيم)). خرَّجه الترمذيُّ وقال: ((هذا
والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يومَ القيامة: ظِلٌّ باردٌ، ورُطَبٌ طَيِّبٌ،
وماءٌ بارد)) وكَنى الرجلَ الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم بنُ التَّيِّهان. وذكر
قصّته(٢).
قلت: اسمُ هذا الرجلِ الأنصاريِّ مالك بنُ التَّيِّهان(٣)، ويُكْنَى أبا الهيثم. وفي
هذه القصةِ يقول عبد الله بن رواحة يمدحُ بها أبا الهيثم بن التَِّّهان(٤):
ولا مِثلَ أضيافِ الإِراشيِّ مَعْشَرًا
وخيرُ بَني حوَّاءَ فرعاً وعُنْصُرا
نبيٍّ وصِدِّيقٌ وفاروق أمَّةٍ
فلم أرَ كالإسلامِ عِزَّا لأمَّةٍ
وكان قضاءُ الله قَدراً مُقَدَّرَا
فوافَوْا لِميقاتٍ وقَدْرِ قَضيةٍ (٥)
شُموسَ الضُّحَى جوداً ومجداً ومَفْخَرا
إلى رجلٍ نَجْدٍ يُباري بِجودِهِ
إذا لبِس القومُ الحديدَ المُسَمَّرَا
وفارِسٍ خلقِ اللهِ في كلِّ غارةٍ
فلم يَقْرِهِمْ إلَّا سَمِيناً مُتَمَّرا(٦)
فَفَذَّى وحَيَّا ثم أَدْنَى قِراهُمُ
وقد ذكر أبو نُعيم الحافظُ، عن أبي عَسِيبٍ مولى رسولِ الله ﴿، قال: خرج علينا
رسولُ الله ﴾ ليلاً، فدعاني فخرجتُ إليه، ثم مرَّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ
(١) في صحيح مسلم: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة.
(٢) سنن الترمذي (٢٣٦٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٣) بفتح المثناة. الفوقانية مع كسر الياء، آخى النبي # بينه وبين عثمان بن مظعون، وشهد المشاهد كلها.
الإصابة ١٢/ ٨٣.
(٤) ذكر هذا الشعر ابن عبد البر في التمهيد ٣٤١/٢٤، والاستذكار ٣٢٧/٢٦.
(٥) في التمهيد والاستذكار: فوافق للميقات قدر قضية.
(٦) التتمير: تقطيع اللحم صغاراً، ووقع في التمهيد والاستذكار: معمرا.

٤٥٩
سورة التكاثر: الآية ٨
بعمرَ فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار، فقال لصاحب
الحائط: ((أَطْعِمْنا بُسْراً))، فجاء بعِذْقٍ فوضعه فأكلوا، ثم دعا بماءٍ فشرب، فقال:
(لَتُسْأَلُنّ عن هذا يومَ القيامة)) قال: وأخذ عمرُ العِذْق، فضرب به الأرضَ حتى تناثر
البسرُ نحوَ وجهِ رسولِ اللهِ ﴾، [ثم] قال: يا رسولَ الله، إنَّا لمسؤولون عن هذا يومَ
القيامة؟ قال: ((نعم، إلَّا مِن ثلاثٍ: كِسْرةٍ يَسُدُّ بها جَوْعَته، أو ثوبٍ يسترُ به عَوْرَته،
أو ◌ُخْرٍ يأوي فيه من الحرِّ والقُرِّ» (١).
واختلف أهلُ التأويلِ في النعيم المسؤولِ عنه على عَشَرَةِ أقوالٍ :
أحدها: الأمنُ والصِّحةُ؛ قاله ابن مسعود. الثاني: الصحةُ والفراغ؛ قاله سعيد بن
جبير(٢). وفي البخاريِّ عنه عليه الصلاة والسلام: ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من
الناس: الصحةُ والفراغ)»(٣).
الثالث: الإدراكُ بحواسٌ السمع والبصر؛ قاله ابن عباس؛ وفي التنزيل: ﴿إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦](٤). وفي الصحيح عن أبي
هريرة وعن أبي سعيد قالا: قال رسول اللـه﴾: ((يؤتى بالعبد يومَ القيامة، فيقول
[الله] له: أَلَمْ أَجْعَلْ لك سَمْعاً وبصراً، ومالاً وولداً ... ))، الحديثَ. خرَّجه الترمذيُّ
وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيح(٥).
الرابع: مَلاذُّ المأكولِ والمشروب؛ قاله جابر بن عبد الله الأنصاريّ(٦). وحديثُ
(١) الحلية ٢٧/٢ - ٢٨، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٧٦٨)، والطبري
٦٠٧/٢٤، وابن عدي ٢/ ٨٤٧ .
(٢) ذكر القولين الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٣٢، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٠٣ .
(٣) صحيح البخاري (٦٤١٢)، وهو عند أحمد (٢٣٤٠)، وهو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) النكت والعيون ٦/ ٣٣٢، وأخرجه بنحوه الطبري ٦٠٤/٢٤ .
(٥) سنن الترمذي (٢٤٢٨)، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) النكت والعيون ٣٣٢/٦، وروي بمعناه حديث مرفوع عن جابر ، أخرجه أحمد (١٤٦٣٧)،
والنسائي في المجتبى ٢٤٦/٦، والطبري ٦٠٥/٢٤.

٤٦٠
سورة التكاثر: الآية ٨
أبي هريرةَ يدلُّ عليه.
الخامس: أنه الغداءُ والعشاءُ؛ قاله الحسن(١).
السادس: قولُ محكولٍ الشاميّ: أنَّه شِبَعُ البطون، وباردُ الشراب، وظلالُ
المساكنِ، واعتدالُ الخُلُقِ، ولذَّةُ النوم. ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال
رسول الله﴾: ((﴿لَتُشْثَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: يعني: عن شبع البطون ... )). فذكره.
ذكره الماورديُّ(٢)، وقال: وهذا السؤالُ يعمُّ الكافرَ والمؤمنَ، إلّا أنَّ سؤالَ المؤمنِ
تبشيرٌ بأنْ يجمع له بين نعيمِ الدنيا ونعيم الآخرة. وسؤال الكافرِ تقريعٌ أنْ قابلَ نعيمَ
الدنيا بالكفر والمعصية.
وقال قومٌ: هذا السؤالُ عن كلِّ نعمةٍ، إنَّما يكون في حقِّ الكفار، فقد رُوي أنَّ أبا
بكرٍ لمَّا نزلت هذه الآيةُ قال: يا رسول الله، أرأيتَ أَكْلةً أَكَلْتُها معك في بيت أبي
الهيثم بنِ التَّيِّهان، من خبزِ شعيرٍ ولحمٍ، ويُسرٍ قد ذَنَّب، وماءٍ عَذْبٍ، أَتخافُ علينا أن
يكون هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك للكُفار)) ثم
قرأ: ﴿وهل يُجازَى إِلا الكفور﴾ [سبأ: ١٧] (٣). ذكره القشيريُّ أبو نصر. وقال الحسن:
لا يُسأل عن النعيم إلَّا أهلُ النار (٤). قال القشيريُّ: والجمعُ بين الأخبار: أنَّ الكلَّ
يُسْأَلون، ولكن سؤال الكافر توبيخ؛ لأنَّه قد ترك الشكر. وسؤال المؤمنِ سؤالُ
تَشْريفٍ؛ لأنه شَكَر. وهذا النعيمُ في كلِّ نعمةٍ.
(١) النكت والعيون ٣٣٢/٦.
(٢) في النكت والعيون ٣٣٢/٦، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، كما في الدر المنثور ٣٨٧/٦،
وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، ووقع فيه: عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه.
(٣) تفسير أبي الليث ٥٠٧/٣، وتفسير الرازي ٣٢/ ٨٠ - ٨١، وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن
ابن عباس. وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (١٠٤٩٦) من طريق الكلبي عن الشعبي عن الحارث عن
ابن مسعود . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١٩/١٠: وفيه الكلبي وهو كذاب. قوله: قد ذنَّب،
المذنِّب من البسر: الذي بدا فيه الإرطاب من قِبَل ذنبه. النهاية (ذنب).
(٤) الوسيط ٥٤٩/٤ .