Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة البلد: الآيتان ١٢ - ١٣ سـ فهلَا صَيَّر نفسَه بحيث يُمكِّنُه اقتحامُ عقبةِ جهنَّمَ غداً. واختار البخاريُّ قولَ مجاهدٍ: إنه لم يقتحم العقبةَ في الدنيا. قال ابن العربيّ(١): وإنَّما اختار ذلك لأجْلِ أنه قال بعد ذلك في الآيةِ الثانيةِ: ((وما أدراكَ ما العَقَبةُ))، ثم قال في الآيةِ الثالثة: ((فَكُّ رَقَبةٍ))، وفي الآية الرابعة: ((أوْ إطْعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبةٍ»، ثم قال في الآية الخامسة: ((يتيماً ذا مَقْرَبةٍ))، ثم قال في الآيةِ السادسةِ: ((أو مسكيناً ذا مَتْرَبةٍ))، فهذه الأعمالُ إنَّما تكون في الدنيا. المعنى: فلم يأتِ في الدنيا بما يُسَهِّل عليه سلوكَ العقبةِ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿فَقُ رَقَبَةٍ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قولُه تعالى: ﴿فَكُّ رَقَةٍ﴾ فكُها: خلاصُها من الأسْرِ. وقيل: من الرِّقِّ. وفي الحديث: ((وفكُ الرقبةِ أنْ تُعينَ في ثَمَنِها)) من حديث البرَاء، وقد تقدَّم في سورة براءة(٢). والفكُّ: هو حَلُّ القيدِ، والرِّقُّ قَيْدٌ. وسمِّي المرقوقُ رَقَبَةً؛ لأنه بالرِّق كالأسيرِ المربوطِ في رقبته(٣). وسُمِّي عتقُها فَكًا [لأنه] كَفَكِّ الأسيرِ من الأسر؛ قال حسان : وجَزِّ ناصيةٍ كنَّا مَوَاليها(٤) كَمْ من أسيرٍ فَكَكناه بلا ثَمَنٍ وروى عُقبةُ بنُ عامرٍ الجهنيُّ أنَّ رسول اللـه :﴿ قال: ((مَن أَعْتقَ رقبةً مؤمنةً كانت فداءَه من النار))(٥). (١) في أحكام القرآن ١٩٢٦/٤-١٩٢٧، وينظر صحيح البخاري قبل الحديث (٤٩٤٢). (٢) ٢٦٩/١٠ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٢٦/٤. (٤) ديوان حسان ص ٤٨٥، والكلام من النكت والعيون ٢٧٩/٦، وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) أخرجه أحمد (١٧٣٢٦) و(١٧٣٥٧). ونقله المصنف عن الماوردي في النكت والعيون ٢٧٩/٦. ٣٠٢ سورة البلد: الآيات ١٣ - ١٦ قال الماوَزْدِيُّ(١): ويحتمِلُ ثانياً: أنه أراد فكّ رقبتِه وخلاصَ نفسِه، باجتناب المعاصي، وفِعْلِ الطاعات، ولا يمتنع(٢) الخبرُ من هذا التأويل، وهو أَشْبهُ بالصّواب. الثانية: قوله تعالى: ﴿رَقَّبَةٍ﴾ قال أصبَغُ: الرقبةُ الكافرةُ ذاتُ الثَّمنِ أفضلُ في العِتق من الرقبةِ المؤمنةِ القليلةِ الثَّمنِ؛ لقول النبيِّ ﴾ وقد سُئل: أيُّ الرقابِ أفضلُ؟ قال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسُها عند أهلها))(٣). ابن العربيّ(٤): والمرادُ في هذا الحديثِ: مِن المسلمين. بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أعْتَقَ امرَأَ مُسْلماً)) و(مَن أعتقَ رقبةً مُؤمِنَةً)). وما ذكره أصبغُ وَهْلَةٌ(٥)، وإنَّما نَظَرَ إلى تنقيص المال، والنظرُ إلى تجريد المعتَقِ للعبادة، وتفريغِه للتوحيد، أَوْلَى. الثالثة: العِثْقُ والصَّدقةُ من أفضل الأعمال. وعن أبي حنيفةً: أنَّ العتقَ أفضلُ من الصدقة. وعند صاحبيه الصدقةُ أفضلُ. والآيةُ أدلُّ على قولِ أبي حنيفةً؛ لتقديم العتقِ على الصدقة. وعن الشعبيِّ في رجلٍ عنده فَضْلُ نفقةٍ: أيضَعُه في ذي قرابةٍ، أو يعتقُ رقبةً؟ قال: الرقبةُ أفضلُ؛ لأنَّ النبيَّ لَ ﴾ قال: ((مَن فكَّ رقبةً فكَّ الله بكلِّ عضوٍ منها عضواً من النار))(٦). يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطِعَهٌ في يَوْمٍ ذِى مَسْغَبـٍ (١) مَتْرَبَةِ قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوٍْ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ أي: مَجَاعةٍ. والسَّغَبُ: الجوع. (١) في النكت والعيون ٢٧٩/٦ . (٢) في النكت والعيون: ولا يمنع. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٢٧/٤، والحديث أخرجه أحمد (٢١٣٣١)، والبخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) عن أبي ذر ﴾، وسلف ٥٨/١٠ . (٤) في أحكام القرآن ١٩٢٨/٤ . (٥) أي: سهو وغلط، وَهَل فلان: سَها، ووَهِل عنه: غلط فيه ونسيه. المعجم الوسيط (وهل). (٦) الكشاف ٢٥٦/٤، وسلف الحديث عند تفسير الآية (١١) من هذه السورة. ٣٠٣ سورة البلد: الآيات ١٤ - ١٦ والساغبُ: الجائع. وقرأ الحسن: ((أو إطعامٌ في يوم ذا مَسْغَبةٍ)) بالألف في ((ذا))(١). وأنشد أبو عبيدة(٢): فَلَوْ كنتَ جاراً يا ابنَ قيس بنِ عاصمٍ لَمَا بِثَّ شَبْعاناً وجارُك ساغِبًا(٣) وإطعامُ الطعامِ فضيلةٌ، وهو مع السَّغَبِ الذي هو الجوعُ أفضلُ. وقال النَّخَعيُّ في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ قال: في يومٍ عزيزٍ فيه الطعامُ(٤). ورُوي عن النبيِّ﴿ أنه قال: ((مِن مُؤْجِباتِ الرَّحمةِ إطعامُ المُسْلِمِ السَّغْبان)»(٥). ﴿يَتِيِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: قَرابةٍ. يقال: فلانٌ ذو قَرابتي وذو مَقْرَبتي. يعلِّمكَ أنَّ الصَّدقةَ على القرابة أفضلُ منها على غيرِ القرابة، كما أنَّ الصَّدقة على اليتيم الذي لا كافلَ له أفضلُ من الصدقة على اليتيم الذي يجدُ مَن يَكْفُلُه. وأهلُ اللغةِ يقولون: سُمِّي يتيمًا لضَعْفِه. يقال: يَتُمَ الرجلَ يُتْماً: إذا ضَعُفَ. وذَكَروا أنَّ الْيَتِيمَ في الناس مِن قِبَلِ الأب، وفي البهائم مِن قِبَلِ الأمهات. وقد مضى في سورة البقرة مُستوفّى(٦)، وقال بعضُ أهلِ اللغةِ: اليتيمُ الذي يموتُ أبواه. وقال قيس بن الملوِّح : (١) القراءات الشاذة ص١٧٤، والمحتسب ٣٦٢/٢، وستأتي. (٢) في (ط): عبيد. (٣) ذكره السمعاني في تفسيره ٦/ ٢٣٠ برواية: ساغبُ. (٤) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ . (٥) أخرجه الحاكم ٥٢٤/٢، والبيهقي في الشعب (٣٣٦٥) من طريق محمد بن المنكدر عن جابر ، وفي إسناده طلحة بن عمرو المكي، ضعفه ابن معين وغيره، وقال أحمد والنسائي: متروك، وقال البخاري وابن المديني: ليس بشيء. الميزان ٢/ ٣٤٠. وأخرجه البيهقي في الشعب (٣٣٦٣) بإسناد آخر عن محمد بن المنكدر قوله، و(٣٣٦٤) عن محمد بن المنكدر عن النبي 8# مرسلاً. وأخرجه هناد في الزهد (٦٣٤) عن مجاهد قوله. (٦) ٢٢٩/٢ - ٢٣٠. ٣٠٤ سورة البلد: الآيتان ١٥ -١٦ إلى اللهِ أشكو فقدَ لَيْلَى كما شَكا إلَى اللهِ فَقْدَ الوالِدَيْنِ يَتِيمُ(١) قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَ﴾ أي: لا شيءَ له، حتى كأنه قد لَصِقَ بالتُّراب من الفقر، ليس له مَأْوَى إلَّا الترابُ. وقال ابن عباس: هو المطروحُ على الطريق، الذي لا بيتَ له. مجاهد: هو الذي لا يَقيه من التراب لِباسٌ ولا غيرُه. وقال قتادةُ: إنَّه ذو العيال(٢). عكرمةُ: المديون. أبو سنان: ذُو الزَّمانَةِ. ابن جبير: الذي ليس له أحد. وروى عكرمةُ عن ابن عباس: ذو المَتْرَبَةِ: البعيدُ التُّرْبةِ، يعني الغريب البعيد عن وطنه(٣). وقال أبو حامد الخارْزَنْجِيُّ: المَتْربةُ هنا: من التَّرِيب، وهي شدَّةُ الحالِ؛ يقال: تَرِبَ، إذا افتقرَ. قال الهُذَليُّ: وكُنَّا إذا ما الضيفُ حَلَّ بأرْضِنا سَفَكْنا دِماءَ البُدْنِ في تُرْبةِ الحالِ (٤) وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو والكسائيُّ: ((فَكَّ)) بفتح الكاف على الفعل الماضي، ((رقبةً)) نَصْباً لكونها مفعولاً، ((أو أطْعَمَ)) بفَتْحِ الهمزةِ ونَصْبِ الميم، من غيرِ ألف، على الفعل الماضي أيضاً؛ لقوله: ((ثم كان مِن الذين آمنوا))، فهذا أَشْكَلُ بـ«فكَ)) و((أطعمَ)). وقرأ الباقون: (فَكُّ)) رفعاً على أنَّه مصدرُ فَكَكْتُ، ((رقبةٍ)) خفض بالإضافة، ((أو إطعامٌ)) بكَسْرِ الهمزة وألفٍ ورفَع الميم وتَنوينِها، على المصدر أيضاً(٥). واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم؛ لأنه تفسيرٌ لقوله تعالى: ((وما أدْرَاكَ ما العَقَبةُ))، ثم أخْبَرَه فقال: (١) ديوان مجنون ليلى ص٢٤٤ . (٢) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٢٧٩/٦، وأخرجها الطبري ٢٤/ ٤٢٦ - ٤٣٠. (٣) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٢٧٩/٦ ، وخبر ابن عباس أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٥٥/٦ . (٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٩٣، واللسان (حول) دون نسبة. قال ابن هشام: يعني بالحال: الطين الذي يخالطه الرمل. (٥) السبعة ص ٦٨٦، والتيسير ص ٢٢٣ . ٣٠٥ سورة البلد: الآيات ١٦ - ٢٠ ((فَكُّ رَقَبةٍ. أو إظْعَامٌ)). المعنى: اقتحامُ العقبةِ: فُّ رقبةٍ أو إطعامٌ. ومَن قرأ بالنَّصْب فهو محمولٌ على المعنى، أي: ولا فَكَّ رقبةً، ولا أطعمَ في يومٍ ذي(١) مَسْغَبة، فكيف يُجاوِزُ العَقَبَةِ. وقرأ الحسن وأبو رَجاء: ((ذا مَسْغبةٍ)) بالنَّصب على أنه مفعولُ ((إطعامٌ))، أي: يُظْعِمون ذا مَسْغَبةٍ، و(يَتيماً)) بدلٌ منه. الباقون: ((ذِي مَسْغَبةٍ))، فهو صفةٌ لـ«يومٍ)). ويجوزُ أنْ تكونَ قراءةُ النَّصْبِ صفةً لموضعِ الجارِّ والمجرور؛ لأنَّ قوله: ((في يومٍ)) ظَرْفٌ منصوبُ الموضعِ، فيكونُ وصفاً له على المعنى دونَ اللَّفْظِ(٢). قوله تعالى: ﴿ثُقَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْهَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ اَلْمَشْتَمَةِ ◌َ عَلَيْهِمْ نَارٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلْيَمَنَِّ (@) مُؤْصَدَةٌ )) قوله تعالى: ﴿ثُمَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: أنَّه لا يقتحمُ العقبَةَ مَن فكَّ رقبةً، أو أطعمَ في يومٍ ذي(٣) مَسْغَبةٍ، حتى يكون مِن الذين آمنوا، أي: صدَّقوا، فإنَّ شَرْطَ قَبولِ الطاعاتِ الإيمانُ بالله. فالإيمانُ بالله بَعْدَ الإنفاقِ لا ينفعُ، بل يجبُ أن تكونَ الطاعةُ مصحوبةً بالإيمان، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقالت عائشة: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَ جُدْعَانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُظْعِمُ الطعامَ، ويَفُكُ العانيَ، ويُعتقُ الرقابَ، ويحملُ على إبله لله، فهل ينفعُه ذلك شيئاً؟ قال: ((لا، إنَّه لم يَقُلْ يوماً: ربِّ اغفرْ لي خطيئتي يومَ الدِّين)» (٤). وقيل: (ثُمَّ كانَ مِن الذِينَ آمَنَوا)) أي: فَعَلَ هذه الأشياءَ وهو مؤمنٌ، ثم بقي على (١) في (م): ذا. (٢) المحتسب ٣٦٢/٢، وسلفت القراءة في بداية تفسير هذه الآية. (٣) في (م): ذا. (٤) أخرجه أحمد (٢٤٦٢١)، ومسلم (٢١٤) من حديث عائشة رضي الله عنها، وسلف ٤٠/١٦ . ٣٠٦ سورة البلد: الآيات ١٧ - ٢٠ إيمانه حتى الوفاة، نظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأنَّ هذا نافعٌ لهم عند الله تعالى. وقيل: أتَى بهذه القُرَبِ لوجهِ الله، ثم آمَنَ بمحمدٍ ﴾؛ وقد قال حكيم بن حزام بعدَ ما أسْلَم: يا رسول الله، إنَّا كنَّا نَتَحتَّثُ بأعمالٍ في الجاهلية، فهل لنا منها شيءٌ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من الخير))(١). وقيل: إنَّ (ثم)) بمعنى الواو، أي: وكان هذا المُعْتِقُ الرقبةَ، والمُطْعِمُ في المسغبة، من الذين آمنوا. ﴿وَصَوْاْ﴾ أي: أوْصَى بعضُهم بعضاً ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلايا والمصائب ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: بالرَّحمة على الخَلْق؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك رَحِموا اليتيمَ والمسكين. ﴿ أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ اَلْيَنَةِ﴾ أي: الذين يُؤْتَوْنَ كتبَهم بأيمانهم؛ قاله محمد بن كعب القُرَظِيُّ وغيرُه. وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامينُ على أنفسهم. زيد بن أسلم: لأنهم أُخِذوا من شِقِّ آدَمَ الأيمنِ. وقيل: لأنَّ منزلتهم عن اليمين؛ قاله ميمون بن مهران. ﴿وَالَّذِيْنَ كَفَرُواْ بِثَايَئِنَا﴾ أي: القرآن. ﴿هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ﴾ أي: يأخذون كُتُبَهم بشَمائلهم؛ قاله محمد بن كعب. يحيى بن سلام: لأنَّهم مَشائيمُ على أنفسهم. زيد بن أسلم(٢): لأنهم أُخِذوا من شِقٌّ آدَمَ الأيسرٍ. ميمون: لأنَّ منزلتهم عن اليسار. قلت: ويجمعُ هذه الأقوالَ أن يُقال: إنَّ أصحاب الميمنةِ أصحابُ الجنةِ، وأصحابَ المَشأمةِ أصحابُ النارِ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَعْحَبُ الْيَمِينِ مَآ أَضْحَبُ الْيَمِينِ فِى سِدْرٍ تَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٧- ٢٨] وقال: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ فِ سَهُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١-٤٢]. وما كان مِثْلَه. (١) أخرجه أحمد (١٥٣١٨)، والبخاري (١٤٣٦)، ومسلم (١٢٣)، وسلف ٢٣٧/١٠، والتحنث: التعبُّد. (٢) وقع في النسخ: ابن زيد، بدل: زيد بن أسلم، في الموضعين، والمثبت من النكت والعيون ٦/ ٢٨٠ ، والكلام منه، وسلف هذا القول عن زيد بن أسلم في تفسير الآية (٨) من سورة الواقعة. ٣٠٧ سورة الشمس: الآية ١ ومعنى ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مُطْبَقة مُغْلَقَة، قال: تَحِنُّ إلى أجبالِ مكةَ ناقَتي ومِن دُونِها أبوابُ صنعاءَ مُؤْصَدَهْ(١) وقيل: مُبْهمة، لا يُذْرَى ما داخِلُها. وأهلُ اللُّغةِ يقولون: أوْصَدْتُ البابَ وآصدْتُهُ، أي: أغلقتُه. فَمَن قال: أوْصَدْتُ، فالاسمُ الوِصَاد، ومَن قال: آضْدْتُه، فالاسمُ الإصاد. وقرأ أبو عمرو وحفصٌ وحمزةُ ويعقوبُ، والشَّيزَريُّ عن الكسائيِّ: ((مُؤْصَدَة)) بالهَمْزِ هنا وفي ((الهُمَزة))(٢). الباقون بلا هَمْزٍ. وهما لُغتان. وعن أبي بكر بن عياش قال: لنا إمامٌ يهمزُ ((مُؤْصَدَة))، فأشْتَهي أنْ أسُدَّ أذنيَّ إذا سمعتُه(٣). سورة ((الشمس)) وهي مكِيةٌ باتِّفاقٍ، وهي خَمْسَ عَشْرةَ آيَةٌ بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَصُحَنْهَا قال مجاهد: ﴿وَفُحَهَا﴾ أي: ضوئها وإشْراقِها. وهو قَسَمٌ ثانٍ. وأضاف الضُّحَى إلى الشمس؛ لأنه إنَّما يكون بارتفاع الشمس. وقال قتادةُ: نَهارها(٤). السُّدِّيُّ: (١) إصلاح المنطق ص ١٨٠، وأنشده ابن عباس لنافع بن الأزرق، كما في الدر المنثور ٣٥٥/٦ عن الطستي. (٢) السبعة ص ٦٨٦، والتيسير ص٢٢٣، والنشر ٣٩٥/١ عن أبي عمرو وحفص وحمزة ويعقوب وخلف. والمشهور عن الكسائي: ((موصدة)» بغير همز. (٣) الكشاف ٤/ ٢٥٧ . قال السمين في الدر المصون ١٢/١١: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمز، مع حِفْظِ حفص إياه (يعني الهمز) عنه. (٤) أخرجه الطبري ٤٣٤/٢٤، ووقع في (م): بهاؤها. ٣٠٨ سورة الشمس: الآية ١ حرّها (١). وروى الضحاك عن ابن عباس: ((وضحاها))، قال: جَعَلَ فيها الضوءَ وجَعَلَها حارَّةٍ(٢). وقال اليزيديُّ: هو انبساطُها. وقيل: ما ظَهَر بها من كلِّ مخلوقٍ، فيكون القَسَمُ بها وبمخلوقاتِ الأرض كلِّها. حكاه الماوردِيّ(٣). والضُّحَى: مؤنثةٌ. يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصُّخور. وقد تُذَكَّر. فَمَن أَنَّث ذهب إلى أنها جمعُ ضَحْوَةٍ. ومَن ذِكَّر ذهب إلى أنه اسمٌ على فُعَل، نحو صُرَدٍ ونُغَرٍ. وهو ظرفٌ غيرُ متمكّنٍ مثل سَحَر. تقول: لقِيتُه ضحّى وضُحَى؛ إذا أردتَ به ضُحا يومِك لم تنوِّنه(٤). وقال الفرَّاء(٥): الضُّحى هو النهار، كقول قتادة(٦). والمعروفُ عند العرب: أنَّ الضُّحى إذا طلعت الشمسُ ويُعَيد ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضَّحَاء بالمدِّ. ومَن قال: الضُّحى: النهارُ كلُّه، فذلك لدوامِ نورِ الشمس. ومَن قال: إنه نورُ الشمسِ أو حرُّها، فنورُ الشمسِ لا يكون إلَّا مع حرِّ الشمس. وقد استدلَّ مَن قال: إنَّ الضحى حرُّ الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أي: لا يؤذيك الحرّ. وقال المبرِّد: أصلُ الضُّحَى من الضّحِّ، وهو نورُ الشمسِ، والألفُ مقلوبةٌ من الحاءِ الثانية. تقول: ضَحوَة وضَحَوات(٧) وضُحِى، فالواوُ من ضَحْوَة مقلوبةٌ عن (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٨١ . (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الحاكم ٢/ ٥٢٤ من طريق مجاهد عن ابن عباس: ﴿وَالشَّمْسِ وَمُحَنَهَا﴾ قال : ضوءها. (٣) في النكت والعيون ٦/ ٢٨١ . (٤) الصحاح (ضحا)، وينظر ما سلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ فَيْنَهُم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وتفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه: ٥٩]. (٥) في معاني القرآن ٢٦٦/٣ . (٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٣٤، وسلف قريباً. (٧) بعدها في (م) و(ي): وضحوات. وكل اسم واحدة فَعْلة فإنَّ جَمعه على فَعَلات بفتح العين، فإن كان نعتاً فإنك تدع ثانيه ساكناً، مثل: ضَخْمَة، تجمعها: ضَخْمات، وربما سكنت العين في الأسماء، كما قال الشاعر: فتستريح النفس من زَفْراتها. ينظر تفسير الطبري ٣٢/٣. ٣٠٩ سورة الشمس: الآيات ١ - ٣ الحاء الثانية(١)، والألفُ في ضُحا مقلوبةٌ عن الواو. وقال أبو الهيثم: الضِّح: نقيض الظُّلِّ، وهو نورُ الشمس على وجه الأرض، وأصلُه: الضِّخْيُ، فاستَثْقَلوا الياءَ مع سكونِ الحاءِ، فقَلَبوها ألفاً(٢). قوله تعالى: ﴿وَاَلْقَمَرِ إِذَا نَهَا (٣) أي: تَبِعَها، وذلك إذا سقطت رُئي الهلال. يقال: تَلَوْتُ فلاناً: إذا تَبِعته. قال قتادة: إنَّما ذلك ليلةَ الهلال، إذا سَقَطت الشمس رُئي الهلال(٣). وقال ابن زيد: إذا غَرَبت الشمسُ في النصف الأول من الشهر، تلاها القمرُ بالطّلوع، وفي آخِرِ الشهرِ يتلُوها بالغروب (٤). الفرَّاء: ((تلاها)): أخذ منها. يذهبُ إلى أنَّ القمر يأخذُ من ضوء الشمس(٥). وقال قومٌ: ((والقمرِ إذا تَلاَها)) حين استوى واستدار، فكان مِثلَها في الضياء والنور؛ وقاله (٦) الزجَّاج(٦). قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّنَا أي: كَشَفَها. فقال قومٌ: جلَّى الظُّلْمةَ، وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ، كما تقول: أضْحَتْ باردةً، تريد: أَضْحَتْ غَداتُنا باردةً. وهذا قولُ الفرّاءِ(٧) والكلبيِّ وغيرِهما. وقال قومٌ: (١) قال أبو حيان في البحر ٨/ ٤٧٨ لعله مختلَقٌ عليه؛ لأن المبرد أجلُّ من أن يذهب إلى هذا، وهاتان مادتان مختلفتان لا تشتقُّ إحداهما من الأخرى. (٢) كذا في النسخ، ومثله في تفسير الرازي ٣١/ ١٩٠، والذي في تهذيب اللغة ٣٩٨/٣ عن أبي الهيثم: ... فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء فثقلوها؛ قالوا: ضِحّ. ومثلُه العبدُ القِنُّ، وأصله: قِنْي من القِنْية. (٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٣٦. (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٨٢ بلفظ: في النصف الأول يتلوها، وتكون أمامه وهو وراءها، وإذا كان في النصف الأخير كان هو أمامها وهي وراءه، ونحوه في تفسير الطبري ٢٤/ ٤٣٦. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٥/٥، وقول الفراء في معاني القرآن ٢٦٦/٣ . (٦) في معاني القرآن ٣٣١/٥. (٧) في معاني القرآن ٢٦٦/٣ . ٣١٠ سورة الشمس: الآيات ٣ - ٥ الضمير في ((جَلاَّها)) للشمس، والمعنى: أنه يُبينُ بضوئه جرمَها. ومنه قولُ قیس بنِ الخَطِیم : تَجَلَّت لنا كالشَمسِ تحتَ غَمامةٍ بدا حاجبٌ منها وضَنَّت بحاجِبٍ(١) وقيل: جَلَّى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر؛ لاستتاره ليلاً وانتشاره نهاراً(٢). وقيل: جَلَّى الدنيا. وقيل: جَلَّى الأرض، وإنْ لم يَجْرٍ لها(٣) ذِكْرٌ، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿حَّ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] على ما تقدَّم آنفاً. قوله تعالى: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا (١) أي: يغشَى الشمس، فَيَذْهَبُ بَضوْئها عند سقوطها؛ قاله مجاهدٌ وغيره. وقيل: يغشى الدنيا بالظُّلَم، فتُظلم الآفاق. فالكنايةُ تَرْجعُ إلى غيرِ مذكور. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا أي: وبنيانها. فـ((ما)) مَصْدَريةٌ، كما قال: ﴿بِمَا غَفَرَ لِ رَبٍ﴾ [يس: ٢٧] أي: بغفران ربِي؛ قاله قتادة، واختاره المبرِّد. وقيل: المعنى: ومَن بناها؛ قاله الحسن ومجاهد(٤)؛ وهو اختيارُ الطَّبَرِيّ(٥). أي: ومَن خَلَقَها ورَفَعَها، وهو الله تعالى. وحُكِي عن أهل الحجاز: سُبحان ما سَبَّحت له، أي: سبحان مَنْ سَبَّحت له(٦). (١) طبقات فحول الشعراء ٢٢٨/١، وجمهرة أشعار العرب ١٤٦/٢، وديوان المعاني ٢٢٩/١، والحماسة البصرية ٨٥/٢، واللسان (حجب). وورد البيت في ديوان مجنون ليلى ص ٧٥ . قال صاحب اللسان: حاجب الشمس: ناحيةٌ منها. (٢) النكت والعيون ٦/ ٢٨٢. (٣) في (د) و (ز) و(ي): لهما. (٤) النكت والعيون ٢٨٢/٦، وزاد المسير ١٣٩/٩. (٥) في تفسيره ٢٤/ ٤٣٧، قال: وبناؤه إياها تصييره إياها للأرض سقفاً. (٦) ينظر ما سلف ٢٦/٦، وما سيأتي ص ٣٢٠ من هذا الجزء. ٣١١ سورة الشمس: الآيتان ٦ - ٧ قوله تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضِ وَمَا عَنْهَا أي: وطَحْوِها. وقيل: ومَن طحاها؛ على ما ذكرناه آنفاً. أي: بَسَطَها؛ كذا قال عامَّةُ المفسِّرين، مثل دحاها. قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها واحدٌ(١)، أي: بَسَطَها من كل جانب. والطّحْو: البَسْطُ؛ طَحَا يطحُو طحْواً، وطَحَى يَطْحَى طَحْياً. وطَحَيْتُ: اضطجعتُ؛ عن أبي عمرو (٢). وعن ابن عباس: طحاها: قَسَمها(٣). وقيل: خَلَقها؛ قال الشاعر: وما تَدْرِي جذيمة مَن طَحَاها ولا مَنْ ساكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ(٤) الما وَزْديُّ(٥): ويحتمل أنه ما خرج منها من نباتٍ وعيونٍ وكنوز؛ لأنه حياةٌ لِمَا خُلِق علیھا. ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمرِ الطَّاحِي، أي: المُشرِف المُشْرِق المرتفع(٦). قال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض. يقال: ما أدري أين طَحًا! ويقال: طحا به قلبُه: إذا ذهب به في كلِّ شيء؛ قال علقمة: بُعيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشيبُ (٧) طَحَا بكَ قَلْبٌ في الحِسَانِ طَروبُ قوله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنها ٧ قيل: المعنى: وتَسْوِيَتِها. ((فما)): بمعنى المصدر. وقيل: المعنى: ومَن سَوَّاها، وهو اللهُ عزَّ وجلَّ. (١) أخرجه عن مجاهد الطبري ٢٤/ ٤٣٩ بنحوه. (٢) ذكره عنه الجوهري في الصحاح (طحا). (٣) أخرجه الطبري ٢٤ / ٤٤٠ . (٤) النكت والعيون ٦/ ٢٨٣ . (٥) في النكت والعيون ٦/ ٢٨٣ . (٦) تهذيب اللغة ١٨٤/٥. (٧) ديوان علقمة الفحل ص٣٣، والصحاح (طحا) والكلام منه. قال الأعلم شارح الديوان: قوله: طحا بك قلب، أي: اتَّسع بك في حب الحِسان، وذَهب بك كلَّ مذهب. ٣١٢ سورة الشمس: الآيتان ٧ - ٨ وفي النفس قولان: أحدهما آدمُ. الثاني: كلُّ نفسٍ منفوسة. وسؤَّى: بمعنى هيَّأ. وقال مجاهد: سوَّاها: سَوَّى خَلْقَها وعَدَّل(١). وهذه الأسماءُ كلُّها مجرورةٌ على القَسَم؛ أَقسمَ جلَّ ثناؤه بخَلْقِه لما فيه من عجائب الصَّنْعةِ الدالَّةِ عليه. قوله تعالى: ﴿فَأَهَمَهَا ◌ُورَهَا وَتَقْوَهَا قوله تعالى: ﴿فَأَمَهَا﴾ أي: عَرَّفها؛ كذا رَوَى ابنُ أبي نَجِيح عن مجاهد(٢). أي: عرَّفها طريقَ الفجورِ والتقوى؛ وقاله ابن عباس(٣). وعن مجاهدٍ أيضاً: عَرَّفها الطاعةَ والمعصية. وعن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله عزَّ وجلَّ بعَبْدهِ خيراً، أَلْهمَه الخيرَ فَعَمِل به، وإذا أراد به السوءَ، أَلْهمَه الشرَّ فعمِل به. وقال الفرَّاء(٤): ((فألهمها))، قال: عَرَّفها طريقَ الخيرِ وطريقَ الشرِّ، كما قال: ﴿وَهَدَيْنَهُ اٌلْتَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. وروى الضخَّاكُ عن ابن عباس قال: ألْهَمَ المؤمنَ المتَّقَيَ تقواه، وألهْمَ الفاجرَ فُجورَه(٥). وعن سعيد عن قتادة قال: بَيَّن لها فُجورها وتقواها (٦). والمعنى متقارب . ورُوِي عن أبي هريرةَ قال: قرأ رسولُ اللـهِلَ﴾: ﴿فَمَهَا لُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ فقال: (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٨٣ . (٢) أخرجه الطبري ٢٤ / ٤٤١ . (٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٤٠-٤٤١، والوسيط ٤٩٥/٤، وتفسير البغوي ٤٩٢/٤ ولفظه: علَّمها الطاعة والمعصية، وفي رواية: بيَّن لها طريق الخير والشر. وفي رواية: عرَّفها ما تأتي وما تتقي. (٤) في معاني القرآن ٢٦٦/٣ . (٥) ذكره الرازي ١٩٣/٣١ دون نسبة. (٦) أخرجه الطبري ٤٤١/٢٤ . ٣١٣ سورة الشمس: الآيات ٨ - ١٠ ((اللهمَّ آتِ نفسي تَقْواها، وزكِّها أنت خيرُ مَن زَّاها، أنت وَلِيُّها ومَولاها))(١). ورواه جُوَيبر عن الضحاك عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﴾ كان إذا قرأ هذه الآيةَ: ﴿ فَمَهَا تُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ رفع صوته بها، وقال: ((اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، أنت ولِيُّها ومولاها، وأنت خيرُ مَن زَكَاها))(٢). وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي الأسود الدِّيْليّ(٣) قال: قال لي عِمران بنُ حصين: أرأيتَ ما يعملُ الناسُ اليومَ، ويَكْدَحون فيه، أشيءٌ قُضِي عليهم ومَضَى عليهم من قَدَرِ ما سَبَق، أو فيما يُسْتَقْبَلون به ممَّا أتاهم به نبيُّهم، وثَبتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقلت: بل شيءٌ قُضِي عليهم، ومَضى عليهم. قال: فقال: أفَلا يكونُ ظُلماً؟ قال: ففزِعْتُ من ذلك فَزَعاً شديداً، وقلت: كلُّ شيءٍ خَلْقُ الله ومِلْكُ يَدِهِ، فلا يُسألُ عمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسألون. فقال لي: يرحمُكَ الله! إنِّي لم أُرِدْ بما سألتُك إلَّا لأخْزِرَ عقلكَ، إنَّ رجلين من مُزَينة أتَّيَا رسول اللـه :﴾ فقالا: يا رسولَ الله، أرأيتَ ما يعملُ الناسُ اليومَ ويَكْدَحون فيه، أشيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم مِن قَدرٍ قد سَبَق، أو فيما يُستقبلون به ممّا أتاهم به نبيُّهم، وثَبتَتِ الحجةُ عليهم؟ فقال: ((لا، بل شيءٌ قُضِي عليهم ومَضَى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا فَلَهُمَهَا بُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾(٤). والفجورُ والتقوى: مصدران في موضعِ المفعولِ به. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنْهَا (٣] وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا﴾ هذا جوابُ القَسَم، بمعنى: لقد أفْلَح. قال (١) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٤٨١)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وفي إسناده يعقوب بن حميد المدني وهو ضعيف، وعبد الله بن عبد الله الأموي وهو مجهول. (٢) النكت والعيون ٢٨٤/٦، وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية. قال ابن كثير: وجويبر هذا هو ابن سعيد متروك الحديث، والضحاك لم يلقَ ابن عباس. اهـ. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١١٩١) بإسناد آخر عن ابن عباس به، وفيه ابن لهيعة وهو سيءُ الحفظ. (٣) في (م): الدؤلي. قال الحافظ في التقريب: الدِّيْلي بكسر المهملة وسكون التحتانية، ويقال: الدُّؤَلي بالضم بعدها همزة مفتوحة، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان. (٤) صحيح مسلم (٢٦٥٠)، وهو عند أحمد (١٩٩٣٦). ٣١٤ سورة الشمس: الآيتان ٩ - ١٠ الزجَّاج: اللامُ حُذِفَتْ لأنَّ الكلام طال، فصار طولُهُ عِوضاً منها(١). وقيل: الجوابُ محذوفٌ، أي: والشمسِ وكذا وكذا لَتُبْعُثُنَّ. الزمخشريُّ: تقديرُه: لَيُدَمْدِمنَّ الله عليهم، أي: على أهلِ مكة، لتكذيبهم رسولَ الله ﴾، كما دَمْدَم على ثمود؛ لأنهم كذَّبوا صالحاً. وأمَّا ((قد أفلح من زگًاها)» فكلامٌ تابعٌ لقوله(٢): «فألهْمَها فجورها وتقواها»، على سبيل الاستِطْرادِ، وليس من جواب القَسَمِ في شيء. وقيل: هو على التقديم والتأخير بغيرِ حذفٍ، والمعنى: قد أَفْلِحَ مَن زَكَّاها، وقد خاب مَن دَسَّاها، والشمس وضحاها. ﴿أَفْلَحَ﴾ فاز ﴿مَنْ زَّكَّتِهَا﴾ أي: مَن زَّى اللهُ نفسَه بالطاعة ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنهَا﴾ أي: خَسِرتْ نفسٌ دَسَّها الله عزَّ وجلَّ بالمعصية. وقال ابن عباس: خابت نفسٌ أضَلَّها الله وأَغْواها(٣). وقيل: أفلحَ مَن زَّى نفسَه بطاعة الله وصالح الأعمال، وخاب مَن دسَّ نفسَه في المعاصي؛ قاله قتادةُ وغيره(٤). وأصلُ الزكاة: النموُّ والزيادةُ، ومنه: زكا الزرع: إذا كَثُر رَيْعُه، ومنه تزكيةُ القاضي للشاهد؛ لأنه يرفعُه بالتعديل وذِكْرِ الجميل. وقد تقدَّم هذا المعنى في أوّل سورة البقرة مستوفّى(٥). فمصْطَنِعُ المعروفِ والمبادِرُ إلى أعمال البِرِّ، شَهَر نفسَه ورفعَها. وكانت أجوادٌ (١) زاد المسير ١٤١/٩، ولم نقف على هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج، وذكره ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٩٧٨/٢ دون نسبة، ثم قال: والاختيار عندنا أن يكون جواب القسم محذوفاً لبيان معناه، يراد به: والشمس وضحاها لقد سعد أهل الطاعة وشقي أهل المعصية، فدل على المحذوف: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنِهَا﴾. (٢) قبلها في (م): لأوله، والمثبت والنسخ الخطية، والكشاف ٢٥٩/٤ . (٣) الوسيط ٤/ ٤٩٧، وأخرجه الطبري ٤٤٥/٢٤ بلفظ: قد خاب مَن دسَّ الله نَفْسَه فأضلَّه. (٤) أخرجه عن قتادة بنحوه عبد الرزاق ٣٧٦/٢، والطبري ٤٤٤/٢٤ و٤٤٦ . (٥) ٢٣/٢ . ٣١٥ سورة الشمس: الآيات ٩ - ١٤ العربِ تنزلُ الرُّبا وارتفاعَ الأرضِ؛ ليَشْتَهِر مكانُها للمُعْتَفِين (١)، وتُوقِدُ النارَ في الليل للطَّارِقين. وكانت اللئامُ تنزلُ الأوْلاجَ والأطرافَ والأهْضامَ(٢)، ليَخْفَى مكانُها عن الطَّالِبين. فأولئك عَلَّوْا أنفسَهم وزَكَّوْها، وهؤلاء أخْفَوْا أنفسَهم ودَسّوها. وكذا الفاجِرُ أبداً خَفِيُّ المكان، زَمِرُ المروءةِ(٣)، غامِضُ الشَّخصِ، ناكِسُ الرأسِ بركوب المعاصي. وقيل : دسَّاها: أغواها؛ قال: وأَنتَ الذي دَسَّيْتَ عَمْراً فأصبحَتْ حلائلهُ منه أرامِلَ ضُيَّعا (٤) قال أهلُ اللغة: والأصل: دسَّسَهَا، من التدسيس، وهو إخفاءُ الشيءٍ في الشيء، فأُبدلتْ سِينُه ياءً، كما يقال: قَصَّيْتُ أظفاري؛ وأصلهُ: قَصَّصْتُ أظفاري. ومثلُه قولهم في تَقَضَّضَ: تَقَضَّى(٥). وقال ابن الأعرابيّ: ((وقدْ خَابَ من دَسَّاها)) أي: دسَّ نفسَه في جملةِ الصالحين وليس منهم(٦). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا ﴿ إِذِ أَنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا (٧) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَفَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فسونها قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا﴾ أي: بِطُغْيانها، وهو خروجُها عن الحدِّ في (١) المعتفي: الضيف، وكل طالب فضل أو رزق. القاموس (عفو). (٢) الأولاج: جمع وَلَجة: كهف تستتر فيه المارة من مطر وغيره، ومَعْطِفُ الوادي. والأهضام: جمع هَضْم، وهو المطمئن من الأرض، وبطن الوادي. القاموس (ولج) و(هضم). (٣) أي: قليل المروءة. القاموس (زمر). (٤) جمهرة اللغة ٢٤٢/٣، وتهذيب اللغة ٤١/١٣، والنكت والعيون ٢٨٤/٦، واللسان (دسا)، ووقع في التهذيب واللسان: نساؤهم منهم، بدل: حلائله منه. وفي النكت: حلائلهم فيهم. قال صاحب اللسان: عمرو قبيلة. وقال ابن دريد عن البيت: زعم أبو حاتم أنه مصنوع. (٥) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٦٧/٣، وللزجاج ٣٣٢/٥-٣٣٣، وتفسير الغريب لابن قتيبة ص ٥٣٠ وتهذيب اللغة ٢٨١/١٢ و٤١/١٣، والصحاح (دسا). (٦) تهذيب اللغة ١٢ / ٢٨١ . ٣١٦ سورة الشمس: الآيات ١١ - ١٤ العصيان؛ قاله مجاهدٌ وقتادةُ وغيرُهما. وعن ابن عباس ((بِطَغْواها)) أي: بعذابها الذي وُعِدَتْ به. قال: وكان اسم العذابِ الذي جاءها: الطَّغْوى؛ لأنه طَغَى عليهم. وقال محمد بن كعب: ((بِطغواها)) بأَجْمَعِها(١). وقيل: هو مصدرٌ، وخرج على هذا المخرج لأنَّه أَشْكَلُ برؤوسِ الآي(٢). وقيل: الأصلُ: بطَغْياها، إلَّا أنَّ((فَعْلَى)) إذا كانت من ذوات الياءِ أُبدِلَتْ في الاسم واواً، لِيُفْصَل بينَ الاسمِ والوصف(٣). وقراءةُ العامَّة بفتح الطَّاء. وقرأ الحسن والجَحْدري وحماد بن سلمة بضم الطاء،. على أنَّه مصدر كالرُّجْعَى والحُسْنى وشِبْهِهما في المصادر(٤). وقيل: هما لغتان. ﴿إِذِ اُنْبَعَثَ﴾ أي: نهض. ﴿أَشْقَنهَا﴾ لعَقْرِ الناقة. واسمُه: قُدَار بنُ سالِفِ، وقد مضى في ((الأعراف)»(٥) بيانُ هذا. وهل كان واحداً أو جماعةً. وفي البخاريِّ عن عبد الله بن زَمَعةَ أنَّه سمع النبيَّ ﴾ يخطُب، وذَكَر الناقةَ والذي عَقَرها، فقال رسول الله ﴾: ((﴿إِذ ◌ْبَعَثَ أَشْقَنْهَا﴾ انبعث لها رجلٌ عزيزٌ عارِمٌ، منيعٌ في رَهْطِه مثلُ أبي زَمَعةً)) وذَكَر الحديث. خرَّجه مسلم أيضاً (٦). وروى الضخَّاك عن عليٍّ: أنَّ النبيَّ ﴾ قال له: ((أَتَدْري مَن أشَقَى الأوَّلِينَ)) قلتُ: الله ورسولُه أَعْلَم. قال: ((عاقرُ الناقة)). قال: ((أَتَدْري مَن أَشْقَى الآخِرِين)) قلتُ: الله (١) أخرج هذه الأخبار الطبري ٢٤/ ٤٤٧-٤٤٨ . (٢) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٦٧/٣، وتفسير الطبري ٤٤٨/٢٤، وقال الفراء: ألا ترى أنه قال: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلِّ﴾ [يونس: ١٠] ومعناه: آخر دعائهم. (٣) يعني: أنهم يقرُّون ياء فَعْلَى بالفتح صفةً نحو: امرأة خَزْيَا وصَدْيا، ويقلبونها في الاسم نحو: تقوى. ينظر معاني القرآن للزجاج ٣٣٣/٥، والكشاف ٢٥٩/٤، والدر المصون ٢٣/١١. (٤) المحتسب ٣٦٣/٢، والكشاف ٢٥٩/٤، وذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧٤ . (٥) ٩/ ٢٧٠-٢٧١ . (٦) صحيح البخاري (٤٩٤٢)، وصحيح مسلم (٢٨٥٥) وهو عند أحمد (١٦٢٢٢)، وسلف ٩/ ٢٧٠ . ٣١٧ سورة الشمس: الآيات ١٢ - ١٤ ورسولُه أعلم. قال: ((قاتِلُكَ))(١). ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني صالحاً ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾﴾ ((ناقةَ)) منصوبٌ على التحذير؛ كقولك: الأسدَ الأسدَ، والصبيَّ الصبيَّ، والحِذارَ الحِذارَ. أي: احذَروا ناقةَ الله، أي: عَقْرَها. وقيل: ذَرُوا ناقةَ الله، كما قال: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ﴿وَسُفْيَهَا﴾ أي: ذَرُوها وشِرْبَها. وقد مضى في سورة الشعراء (٢) بيانُه والحمد للهِ. وأيضاً في سورة ((اقتربت الساعة))(٣). فإنَّهم لمَّا اقترحوا الناقةَ، وأخرجها لهم من الصخرة، جعل لهم شِرْبَ يومٍ من بئرهم، ولها شِرب يوم مكانَ ذلك، فشقَّ ذلك عليهم. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذَّبوا صالحاً عليه السلامُ في قوله لهم: إنُكْم تُعَذَّبونَ إنْ عَقَرْتُموها. ﴿فَعَقَرُهَا﴾ أي: عَقَرَها الأشقى، وأُضيفَ إلى الكلِّ لأنهم رَضُوا بفعله. وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنه لم يعقرها حتى تابَعَه(٤) صغيرُهم وكبيرهم، وذَكَرُهم وأُنَتاهم(٥). وقال الفرَّاء (٦): عَقَرَها اثنان، والعربُ تقولُ: هذان أفضلُ الناسِ، وهذان خیرُ الناسِ، وهذه المرأةُ أشْقَى القوم، فلهذا لم يَقُلْ: أَشْفَياها. قوله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: أَهْلَكُهُم وأظْبقَ عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفرُ والتكذيبُ والعَقْر. وروى الضحاكُ عن ابن عباس قال: ((دَمْدم (١) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٩٥٣)، وروي بإسناد آخر عن علي ﴾ بنحوه عند عبد بن حميد في المنتخب (٩٢)، وأبي يعلى (٥٦٩)، والطبراني في الكبير (١٧٣). وله شاهد من حديث صهيب طه عند أبي يعلى (٤٨٥)، والطبراني في الكبير (٧٣١١). وآخر من حديث جابر بن سمرة ﴾ عند الطبراني في الكبير (٢٠٣٧)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣٥/١ . وثالث من حديث عمار عند أحمد (١٨٣٢١). وينظر مجمع الزوائد ١٣٦/٩-١٣٧. (٢) عند تفسير الآية (١٥٤) منها. (٣) عند تفسير الآيتان (٢٧) و(٢٨) منها. (٤) في (د): بايعه. (٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٥٠ . (٦) في معاني القرآن ٢٦٨/٣. ٣١٨ سورة الشمس: الآية ١٤ عليهم) قال: دَمَّر عَلَيْهم ربُّهم بذنبهم(١)، أي: بجُرْمهم. وقال الفرَّاء(٢): ((دَمْدم)) أي: أَرْجَفَ. وحقيقةُ الدَّمْدمةِ: تَضْعيفُ العذابِ وترديدُه. ويقال: دَمَمْتُ(٣) على الشيء، أي: أطبقْت عليه، ودَمَم(٤) عليه القبرَ: أَظْبقَه. وناقةٌ مدمومةٌ: أُلْبِسَها الشَّحمُ. فإذا كرَّرْتَ الإطباقَ قلتَ: دَمْدَمْتُ. والدمدمةُ: إهلاكٌ باستئصالٍ؛ قاله المؤرِّج(٥). وفي ((الصِّحاح)): ودَمْدَمْتُ الشيءَ: إذا أُلْزقته بالأرض وطَحْطَحْته. ودَمْدَمَ الله عليهم، أي: أَهْلَكَهم(٦). القُشَيرِيُّ: وقيل: دَمْدَمتُ على المَيِّتِ الترابَ، أي: سَوَّيْتُ عليه. فقولُه: ((فدَمْدَمَ عليهم)) أي: أهْلَكهم، فجعلهم تحتَ التراب، ((فَسَوَّاها)) أي: سَوَّى عليهم الأرضَ. وعلى الأولِ: ((فسؤَّاها))، أي: فسوَّى الدَّمدمةَ والإهلاكَ عليهم. وذلك أنَّ الصيحةَ أهلكتهم، فأُتتْ علی صغيرهم وكبيرهم. وقال ابن الأنباريِّ: دَمْدَمَ، أي: غَضِب. والدمدمةُ: الكلامُ الذي يزعجُ الرجلَ(٧). وقال بعض اللغويين: الدمدمةُ: الإدامةُ؛ تقول العربُ: ناقةٌ مُدْموَمةٌ(٨)، أي: سمينة. وقيل: ((فسوَّاها)) أي: فسوَّى الأمَّةَ في إنزال العذاب بهم، صغيرهم وكبيرهم، وَضِيعهم وشَريفهم، ذَكَرهم وأُنْثاهم. (١) ذكره البغوي ٤/ ٤٩٤ عن عطاء ومقاتل. (٢) في معاني القرآن ٢٦٩/٣. (٣) في (د) و(ظ): دمدمت، والمثبت من كتاب الغريبين للهروي (دمم)، والكلام منه. (٤) في (د) و(ظ): ودمدم، والمثبت من الغريبين. (٥) الوسيط ٤/ ٥٠٠، وزاد المسير ١٤٣/٩. (٦) الصحاح (دمدم). (٧) تهذيب اللغة ١٤/ ٨١ . (٨) في (د) و(م): مدمدمة. ٣١٩ سورة الشمس: الآيتان ١٤ - ١٥ وقرأ ابن الزُّبير: ((فَدَهْدَم)) (١)، وهما لغتان، كما يقال: امتُقِع لونُه وانْتُقِع. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا (٣) أي: فعل الله ذلك بهم غيرَ خائفٍ أنْ تَلْحَقه تَبِعُ الدَّمدمةِ من أحَدٍ؛ قاله ابنُ عباسٍ والحسن وقتادة ومجاهد(٢). والهاءُ في ((عُقْباها)) تَرْجعُ إلى الفعلة، كقوله: ((مَن اغْتَسلَ يومَ الجمعة فبها ونعمتْ))(٣) أي: بالفِعْلةِ والخَصْلَة. وقال السدِّيُّ والضخَّاك والكلبيُّ: ترجع إلى العاقِر، أي: لم يَخَفِ الذي عَقَرها عُقبَى ما صَنَع(٤). وقاله ابن عباس أيضاً. وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، مجازهُ: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عُقباها(٥). وقيل: لا يخافُ رسول اللهِ صالحٌ عاقبةَ إهلاكٍ قومِه، ولا يخشى ضرراً يعودُ عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، ونجَّاه الله تعالى حين أهْلَكَهم(٦). وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((فلا)) بالفاء(٧)، وهو الأجودُ؛ لأنَّه يرجع إلى المعنى الأولِ، أي: فلا يخاف الله عاقبةَ إهلاكهم. الباقون بالواو، وهي أشبهُ بالمعنى الثاني، أي: ولا يخافُ الكافر عاقبةَ ما صنع. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسم عن مالكٍ قالا : أخرج إلينا مالكٌ مصحفاً لجدِّه، وزعم أنه كتبه في أيامٍ عُثمانَ بنِ عفان حين (١) المحرر الوجيز ٤٨٩/٥ . (٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٥١ -٤٥٢ . (٣) أخرجه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي في المجتبى ٩٤/٣ من حديث سمرة بن جندب بلفظ: ((مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومَن اغتسل فالغسل أفضل)) وقد سلف بهذا اللفظ عند تفسير الآية (٨) من سورة الجمعة في المسألة العاشرة. (٤) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٥٢-٤٥٣ عن الضحاك والسدي. (٥) يعني: وهو لا يخاف عقباها. معاني القرآن للزجاج ٣٣٣/٥ . (٦) النكت والعيون ٢٨٥/٦. (٧) السبعة ص٦٨٩، والتيسير ص٢٢٣ . ٣٢٠ سورة الليل: الآيات ١ - ٤ كتب المصاحف، وفيه: ((ولا يخاف)) بالواو(١). وكذا هي في مصاحفِ أهلِ مكةَ والعراقيين بالواو، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم، اتِّباعاً لمصحفهم. سورة ((والليل)) مَكِّيَّةٌ، وقيل: مَدَنيَّةٌ. وهي إحدى وعشرون آيةً بإجماعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ ٠ ﴾ وَاُلَّهَارِ إِذَا تَجَّى ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ (٣) إِنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَيْلِ إِذَا يَغْشَى سَعْيَكُمْ لَشَقَّ قوله تعالى: ﴿وَلَّيْلِ إِذَا يَغْثَى﴾ أي: يُغَطِّي. ولم يَذْكُر مفعولاً للعِلْم به. فقيل: يَغْشَى النهارَ. وقيل: الأرضَ. وقيل: الخلائقَ. وقيل: يغشى كلَّ شيءٍ بظُلْمتِهِ. وروى سعيد عن قتادة قال: أولُ ما خَلَق الله النورَ والظُلْمةَ، ثم مَيَّز بينهما، فجعل الُلْمةَ ليلاً أسودَ مُظْلِماً، والنورَ نهاراً مضيئاً مبصراً. ﴿وَلَّهَارِ إِذَا تَجَلَى﴾ أي: انكشفَ ووَضحَ وظَهرَ، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ﴾ قال الحسن: معناه: والذي خَلَقَ الذَّكرَ والأنثى(٢)، فيكون قد أَقْسَم بنَفْسِه عزَّ وجلَّ. وقيل: معناه: وخَلْقِ الذَّكَرَ والأنثى، فـ«ما)) مَصْدَريةٌ على ما تقدَّم(٣). وأهلُ مكةً يقولون للرَّعْد: سُبحان ما سَبَّحْتَ له (٤)! فـ((ما)) على هذا بمعنى ((مَن))، وهو قولُ أبي (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٢٩/٤. (٢) أخرجه الطبري ٤٥٨/٢٤، والكلام من النكت والعيون ٢٨٦/٦ . (٣) ينظر ما سلف من هذا الجزء ص٢٩١ و٣١٠ . (٤) أخرجه الطبري ٤٥٨/٢٤ عن أبي عمرو ضمن خبر الحسن السالف.