Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الأعلى: الآية ١
الأنباريُّ: حدَّثني محمد بنُ شَهْريار، قال: حدَّثنا حسين بن الأسود، قال: حدَّثنا عبد
الرحمن بن أبي حَمَّاد قال: حدَّثنا عيسى بن عمر، عن أبيه، قال: قرأ عليّ بن أبي
طالب ﴾ في الصلاة: ﴿سَبِحِ أَسْمَ رَئِكَ الْأَعلى﴾، فقال: سبحان ربِّي الأعلى، فلمَّا
انقضت الصلاةُ قيل له: يا أمير المؤمنين، أَتَزِيدُ هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ قالوا:
سبحان ربِّي الأعلى. قال: لا، إنَّما أُمِرنا بشيءٍ فقُلْتُه(١).
وعن عقبة بن عامر الجُهَنيّ قال: لمَّا نزلت (سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ قال رسول الله ◌ِ﴾:
((اجْعَلوها في سجودكم))(٢).
وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الاسم هو المسمَّى؛ لأنهم لم يقولوا: سبحان اسمِ ربِّي
الأعلى.
وقيل: إنَّ أوّلَ مَن قال: سبحان ربي الأعلى، ميكائيلُ عليه السلام. وقال
النبيُّ ◌َ﴾ لجبريل: ((يا جبريلُ، أَخْبِرْني بثوابٍ مَن قال: سبحان ربِّي الأعلى، في
صلاته أو في غيرٍ صلاته). فقال: ((يا محمدُ، ما مِن مؤمنٍ ولا مؤمنةٍ يقولها في
سجوده أو في غير سجوده، إلَّا كانت له في ميزانه أَثْقلَ من العرش والكرسيِّ وجبالٍ
الدنيا، ويقول الله تعالى: صَدَقَ عبدي، أنا فوقَ كلِّ شيءٍ، وليس فوقي شيءٌ،
اشْهَدوا يا ملائكتي أنِّي قد غَفَرْتُ له، وأَدْخَلْته الجنةَ. فإذا مات زاره ميكائيلُ كلَّ يومٍ،
فإذا كان يومُ القيامةِ حَمَلَه على جناحه، فأَوْقَفه بين يدي الله تعالى، فيقول: ياربّ،
شَفِّعني فيه، فيقول: قد شَفَّعْتُك فيه، فاذهَبْ به إلى الجنة))(٣).
وقال الحسن: ((سبِّحَ اسَمَ ربِّك الأعلى)) أي: صلِّ لربِّك الأعلى. وقيل: أي:
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٣٨/٦ وعزاه لابن الأنباري في المصاحف وللفريابي وابن أبي شيبة
وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٤١٤)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، وسلف عند تفسير الآية (٩٦) من
سورة الواقعة .
(٣) أخرجه القزويني في التدوين في أخبار قزوين ٢٥٧/٣-٢٥٨ دون قوله: فإذا كان يوم القيامة حمله على
جناحه ... ، وفي إسناده محمد بن الحسن النقاش المفسر، قال عنه البرقاني: كل حديث النقاش منكر.
الميزان ٥٢٠/٣ .

٢٢٢
سورة الأعلى: الآيات ١ - ٥
صلِّ بأسماء الله، لا كما يصلِّ المشركون بالمُكَاءِ والتَّصْدِية.
وقيل: ارفع صوتك بذِكرٍ ربّك. قال جرير:
سَبَحَ الحجيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا(١)
قَبَحَ الإلهُ وُجوهَ تَغْلِبَ كلَّما
وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ وَاَلَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَ
قوله تعالى: ﴿اَلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّكى
فَجَعَلَمُ غُثَمَ أَخْرَى
قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ فَوَّى﴾ قد تقدَّم معنى التَّسْويةِ في ((الانفطار)) وغيرِها (٢).
أي: سوَّى ماخَلَق، فلم يكن في خَلْقِه تَتْبِيج (٣). وقال الزجَّاج: أي: [خَلَقَ
الإنسانَ سَوِيًّا. ومعنى ((سوَى))] عدَّل قامَتَه(٤). وعن ابن عباس: حَسَّنَ ما خَلَق.
وقال الضحَّاك: خَلَق آدَمَ فسؤَّى خَلْقَه. وقيل : خَلَق في أصلاب الآباءِ، وسؤَّى
في أرحام الأمَّهات. وقيل: خَلَقَ الأجساد، فسوَّى الأفهام(٥). وقيل: أي: خَلَق
الإنسانَ وهيَّه للتكليف.
﴿وَلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قرأ عليٍّ ﴾ه والسُّلَميُّ والكسائيُّ: ((قَدَر)) مخفَّفةَ الدَّالِ، وشدَّد
الباقون(٦). وهما بمعنّ واحدٍ. أي: قدر ووفَّق لكلِّ شَكْلٍ (٧) شَكْلَه، ((فَهَدَى)) أي:
(١) النكت والعيون ٢٥١/٦، والتاج (سبح). وهو في ديوان جرير ٥٢/١ برواية:
قبح الإله وجوه تغلب كلما
شَبَح الحجيج وكبروا إهلالا
قال محمد بن حبيب شارح الديوان: الشبح: رفع الأيدي بالدعاء، والإهلال: رفع الصوت.
(٢) ينظر ص١٢٣ من هذا الجزء.
(٣) أي: تخليط. اللسان (ثبج).
(٤) الوسيط ٤٦٩/٤، وتفسير البغوي ٤٧٥/٤، وما بين حاصرتين منهما. وقول الزجاج في معاني القرآن
٣١٥/٥ دون قوله: ومعنى سوى ...
(٥) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٥٢ .
(٦) السبعة ص ٦٨٠، والتيسير ص٢٢١، ومعاني القرآن للفراء ٢٥٦/٣.
(٧) في (ظ): شيء.

٢٢٣
سورة الأعلى: الآيات ٣ - ٥
أَرْشَدَ. قال مجاهد: قدَّر الشقاوةَ والسعادةَ، وهَدى للرُّشدِ والضلالة. وعنه(١) قال:
هَدَى الإنسانَ للسعادة والشَّقاوة، وهَدَى الأنعامَ لمراعيها.
وقيل: قدَّر أقواتَهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إنْ
كانوا وَحْشاً.
وروي عن ابن عباس والسُّديِّ ومقاتلٍ والكلبيِّ في قوله: ((فَهَدَى))، قالوا: عَرَّفَ
خَلْقَه كيف يأتي الذَّكَرُ الأنثى، كما قال في ((طه)): ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى﴾ [الآية: ٥٠] أي: الذَّكَرَ للأنثى.
وقال عطاء: جَعَل لكلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها، وهداها له(٢).
وقيل: خَلَق المنافعَ في الأشياء، وهدى الإنسانَ لوجه استخراجِها منها.
وقيل ((قَدَّر فهدَى)): قدَّر لكلِّ حيوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فهداه إليه، وعرَّفه وجهَ الانتفاع
به. يُحكَى أنَّ الأفعى إذا أتت عليها ألفُ سنةٍ عَمِيتْ، وقد أَلْهمَها الله أنَّ مَسْحَ العينِ
بورقِ الرازيانج الغضِّ يردُّ إليها بَصَرَها، فربما كانت في برِّيّةٍ بينها وبين الريف مسيرةٌ
أيامٍ، فَتَطوِي تلك المسافة على طولها وعلى عَمَاها، حتى تهجُم في بعض البساتين
على شجرةٍ الرازيانج لا تخطئُها، فتحكُّ بها عينها وترجع باصرةً بإذن الله تعالى(٣).
وهداياتُ الإنسانِ إلى مالا يُحَدُّ من مصالحه، ومالا يُخْصَرُ من حَوَائجه، في
أغذيته وأدويته، وفي أبوابٍ دنياه ودِينِهِ، وإلهاماتُ البهائمِ والطيورِ وهوامِ الأرضِ
بابٌ واسعٌ، وشَوْطٌ بَطِينٌ(٤)، لا يحيظُ به وصفُ واصفٍ؛ فسبحان ربِّي الأعلى.
وقال السُّدِّيُّ: قدَّر مدَّةَ الجنينِ في الرَّحِم تسعةَ أشهرٍ، وأقلَّ وأكثرَ، ثم هداه
(١) بعدها في (ظ): أيضاً.
(٢) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٧٩/١٦-٨٠ و٣١١/٢٤-٣١٢، والنكت والعيون ٦/ ٢٥٢،
وتفسير البغوي ٤/ ٤٧٥، وزاد المسير ٨٨/٩ .
(٣) الكشاف ٢٤٣/٤، والرازيانج: نبات يعرف اليوم بالشَّمَر. معجم متن اللغة (رزن).
(٤) أي: بعيد. القاموس (بطن)، والكلام من الكشاف ٢٤٣/٤ .

٢٢٤
سورة الأعلى: الآيات ٣ - ٥
للخروج من الرَّحِم(١).
وقال الفراء(٢): أي: قدَّر فهدى وأضلَّ؛ فاكتفَى بذِكْرِ أحدِهما، كقوله تعالى:
﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١].
ويحتملُ أن يكون بمعنى: دعا إلى الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى
صِرَطِ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: لتَدْعو، وقد دعا الكلَّ إلى الإيمان.
وقيل: ((فهدى))، أي: دلَّهم بأفعاله على توحيده، وكونِه عالماً قادراً.
ولا خلافَ أنَّ مَن شدَّد الدال مِن ((قَدَّر)) أنه مِن التقدير، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ
كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. ومَن خفَّف، فيحتملُ أن يكون من التقدير فيكونان
بمعنى. ويحتملُ أن يكون من القُدْرة والمُلْك، أي: مَلَكَ الأشياءَ، وهَدَى مَن يشاء.
قلت: وسمعتُ بعضَ أشياخي يقول: ((الذي خَلَق فسوَّى والذي قدَّر فهدَى)) هو
تفسيرُ العلوِّ الذي يليقُ بجلالِ الله سبحانه علی جمیع مخلوقاته.
:.
قوله تعالى: ﴿وَلَِّىّ أَخْرِجَ الْعَى﴾ أي: النباتَ والكلأَ الأخضَر. قال الشاعر:
وَتبقَى حَزازاتُ النفوسِ كما هِيَا(٣)
وقد ينْبُتُ المَرْعَى على دِمَنِ الثَّرَى
﴿فَجَعَلَمُ غُنَاءُ أَحْوَ﴾ الغُثاء: ما يَقْذِفُ به السيلُ على جوانب الوادي من الحشيش
والنبات والقُماش(٤). وكذلك الغُثَّاء بالتشديد. والجمع: الأغثاء. قتادة: الغُثَاء:
(١) تفسير البغوي ٤/ ٤٧٥، وزاد المسير ٩/ ٨٨.
(٢) في معاني القرآن ٢٥٦/٣ .
(٣) البيت لزُفَر بن الحارث الكلابي، كما في مجالس ثعلب ص٣٦٧، والمعاني الكبير ٨٤٨/٢ ،
وجمهرة الأمثال ١٧/١، وديوان المعاني ٢٠٠/٢، والحماسة البصرية ٢٦/١. قال العسكري:
معناه: أن الدِّمْنة هي الموضع الذي تبرك فيه الإبل، فتبول وتبعر فيه فلا يُثْبِتُ شيئاً، فإذا أصابته السماء
وسَفَتْه الرياح أنبت، فيقول: إن ذلك الموضع قد يُنبت بعد أن لم يكن ينبت، فيتغير بالنبات، وتبقى
حزازات النفوس لا تتغير.
(٤) القماش: هو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء. القاموس (قمش).

٢٢٥
سورة الأعلى: الآية ٥
الشيء اليابس(١). ويقال للبقل والحشيش إذا تحظّم ويَبِس: غُثاءٌ وهَشِيم. وكذلك
للَّذي يكون حولَ الماء من القُماش: غثاء، كما قال:
كأنَّ طَمِيَّةَ المُجَيْمِرِ غُدْوةً من السَّيْلِ والأَغثاء فَلْكَةُ مِغْزَلٍ(٢)
وحكى أهلُ اللغةِ: غثا الوادي وجفَأً(٣). وكذلك الماء إذا علاه من الزَّبَد
والقُماش مالا يُنْتَفَعُ به.
والأَحوى: الأسود، أي: أنَّ النبات يَضْرِبُ إلى الحُوَّة من شدَّة الخضرةِ
كالأسود. والحوَّةُ: السَّوَاد؛ قال الأعشى:
لَمْيَاءُ في شَفَتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّئاتِ وفي أَنيابها شَنَبُ(٤)
وفي ((الصحاح)): والحوَّةُ: سُمْرةُ الشَّفةِ. يقال: رجلٌ أَحْوَى، وامرأةٌ حوَّاء، وقد
حَوِيَتْ. وبعيرٌ أَحْوَى: إذا خالَطَ خضرتَه سوادٌ وصُفْرَةٌ. وتصغيرُ أَحْوَى: أُحَيْرٍ، في لغةٍ
مَن قال: أُسَيْوِد(٥).
ثم قيل: يجوزُ أن يكون ((أَحْوَى)) حالاً من ((المَرْعَى))، ويكون المعنى: كأنه من
(١) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٧/٢، والطبري ٣١٣/٢٤-٣١٤.
(٢) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٢٥ برواية: من السيل والغُثَّاء. ووقع في (ظ): كأن ذرى رأس
المجيمر ... ، وهو موافق لرواية البيت في شرح المعلقات للنحاس ٤٨/١، وللتبريزي ص ٧٠ . قال
التبريزي: روى الأصمعي: كأن طمية المجيمر، والمجيمر أرض لبني فزارة، وطميةُ: جبل في بلادهم،
يقول: قد امتلأ المجيمر، فكأن الجبل في الماء فلكة مغزل؛ لِمَا جمع السيلُ حوله من الغثاء. ورواه
الفراء: من السيل والأغثاء، جمع الغُثَاء وهو قليل في الممدود.
(٣) في النسخ: وانجفى، والمثبت من المعاجم، وفي الصحاح (جفأ): جَفَأَ الوادي جَفْأْ: إذا رمى بالقذى
والزَّبَد
(٤) البيت ليس للأعشى كما ذكر المصنف، وإنما هو لذي الرمة، وهو في ديوانه ٣٢/١ . قال أبو نصر
الباهلي شارح الديوان: اللَّمى: سُمْرةٌ في الشفتين، وكذلك الحُوَّة شبيهة باللمى تضرب إلى السواد،
وكذلك اللَّعَس يكون بالشفتين واللثة. والشنب، قال الأصمعي: بردٌ وعذوبة في الأسنان، وغيره يقول:
تمديد الأسنان ودقتها، والأول أجود.
(٥) في الصحاح (حوا).

٢٢٦
سورة الأعلى: الآيات ٥ -٨
خُضْرته يَضْرِبُ إلى السواد، والتقدير: أَخْرجَ المرعَى أَحْوَى، فجعله غُثاءً. يقال: قد
حَوِيَ النَّتُ؛ حکاه الكسائيُّ. وقال:
وغَيثٍ من الوسْمِيِّ حُوَّ تِلاعُه تَبطِّئْتُه بَشِيظَمَ صَلَتَانٍ(١)
ويجوزُ أن يكون («أحوى)) صفةً لـ ((غُثاء)). والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته.
قال أبو عبيدةً(٢): فجعله أسودَ من احتراقه وقِدَمِه؛ والرَّطْبُ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ. وقال عبد
الرحمن بن زيد: أخرج المرعى أخضرَ، ثم لمَّا يَبِسَ اسودّ(٣)، فصار غُثاءً تذهبُ به
الرياحُ والسيول(٤). وهو مَثَلُ ضربه الله تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها(٥).
٧
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنْسَ ﴿﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى
قوله تعالى: ﴿سَنُفْرِتُكَ﴾ أي: القرآنَ يا محمدُ، فنُعلِّمُكَه ﴿فَلَا تَنسَ﴾ أي:
فتحفظُ؛ رواه ابنُ وهبٍ عن مالك(٦). وهذه بُشْرَى من الله تعالى؛ بشَره بأنْ أعطاه آيةً
بيِّنَةً، وهي أنْ يقرأ عليه جبريلُ ما يَقْرأُ عليه من الوحي، وهو أُميّ لا يَكتبُ ولا يقرأ،
فيحفظُه ولا ينساه.
وعن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: كان يتذكّر مخافةَ أنْ يَنْسى(٧)، فقيل:
(١) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٨٧. قوله: الوسمي، هو مطر الربيع الأول . والتلاع جمع
التَّلعة، وهي مسيل الماء، أو ما اتسع من فوهة الوادي، أو القطعة المرتفعة من الأرض. والصَّلَتان:
الحديد الفؤاد من الخيل. القاموس (وسم) و(تلع) و(صلت). وقال شارح الديوان: الحوَّة لون يضرب
إلى السواد، يصف أن نبات التِّلاع حُوٌّ ناعم ريَّان، فخضرته تضرب إلى السواد، وقوله: تبطَّنته، أي:
سلكت بطنه وسرت فيه. والشيظم: الطويل.
(٢) في مجاز القرآن ٢٩٥/٢ .
(٣) بعدها في (م): من احتراقه.
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٣١٤/٢٤ .
(٥) النكت والعيون ٢٥٣/٦.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٠٧ .
(٧) أخرجه الطبري ٣١٥/٢٤ .
:

٢٢٧
سورة الأعلى: الآيات ٦ - ٨
كَفَيْتُكَه. قال مجاهد والكلبيُّ: كان النبيُّ:﴿ إذا نزل عليه جبريلُ بالوحي، لم يَفْرَغْ
جبريلُ من آخرِ الآيةِ، حتى يتكلّم النبيُّ # بأوَّلها مخافةَ أن يَنْساها، فنزلت: ((سَنُقْرِئكَ
فلا تَنْسَى)) بعد ذلك شيئاً(١)، فقد كَفَيْتُكَه.
ووجهُ الاستثناءِ على هذا، ما قاله الفرَّاءُ: إلَّا ما شاء الله، وهو لم يشأ أن تنسى
شيئاً، كقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]
ولا يشاءُ. ويقال في الكلام: لأُغْطينَكَ كلَّ ما سألتَ إلَّ ما شئتُ، وإلَّ أنْ أشاء أنْ
أمنعكَ، والنيةُ على ألَّ يمنعه شيئاً. فعلى هذا مَجارِي الأَيمان؛ يُسْتثنَى فيها ونيةُ
الحالفِ التمامُ (٢).
وفي رواية أبي صالحٍ عن ابن عباس: فلم يَنْسَ بعد نزولِ هذه الآيةِ حتى مات،
إلَّا ما شاء الله. وعن سعيد عن قتادة، قال: كان رسول الله ﴾ لا ينسى شيئاً، إلَّا ما
شاء الله(٣). وعلى هذه الأقوالِ قيل: إلَّا ما شاء اللهُ أن يَنْسَى، ولكنه لم يَنْسَ شيئاً منه
بعد نزول هذه الآية.
وقيل: إلَّا ما شاء الله أن يَنْسَى، ثم يَذْكُر بعد ذلك، فإذا قد نسي، ولكنه يتذكَّر
ولا ينسَى نسياناً كُلِيّاً. وقد رُوِي أنه أَسْقَطَ آيَةً في قراءته في الصلاة، فحسِبَ أَبَيِّ أنها
نُسِخَتْ، فسأله فقال: ((نُسِّيتُها))(٤).
وقيل: هو من النسيان، أي: إلَّا ما شاء الله أن يُنْسِيَكَ. ثم قيل: هذا بمعنى
النسخ، أي: إلَّا ما شاء الله أن يَنْسَخَه. والإنساءُ(٥) نوعٌ من النَّسْخِ. وقيل: النسيانُ
بمعنى التَّرك، أي: يَعْصِمُكَ مِن أنْ تتركَ العملَ به، إلَّا ما شاء الله أن تتركه لنَسْخِه
إياه. فهذا في نَسْخِ العملِ، والأوّلُ في نَسْخِ القراءة.
(١) تفسير البغوي ٤ /٤٧٦ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٥٦/٣.
(٣) أخرجه الطبري ٣١٥/٢٤ .
(٤) أخرجه أحمد (١٥٣٦٥)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٩٣)، والنسائي في الكبرى (٨١٨٣).
(٥) في النسخ: والاستثناء، والمثبت من الوسيط ٤/ ٤٧٠، وتفسير البغوي ٤ /٤٧٦ .

٢٢٨
سورة الأعلى: الآيات ٦ - ٨
قال الفَرْغانيُّ(١): كان يَغْشَى مجلسَ الجنيد أهلُ البَسْطِ من العلوم، وكان يغشاه
ابنُ كَيْسانَ النحويُّ، وكان رجلاً جليلاً، فقال يوماً: ما تقولُ يا أبا القاسم في قوله
تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنَ﴾؟ فأجابه مسرعاً - كأنه تقدَّم له السؤالُ قبل ذلك بأوقاتٍ -:
لا تَنسَى العملَ به. فقال ابن كيسانَ: لا يَفْضُضِ الله فاكَ مِثْلُكَ مَن يُصْدَر عن رأيه(٢).
وقوله: ((فلا)): للنفي لا للنهي. وقيل: للنهي، وإنَّما أُثبتتِ الياء لأنَّ رؤوسَ الآي
على ذلك(٣). والمعنى: لا تَعْفَلْ عن قراءته وتَكْرارِهِ فتنساه، إلَّا ما شاء الله أن يُنْسِيَكَه
برفع تلاوته للمصلحة(٤). والأوّلُ هو المختار؛ لأنَّ الاستثناء من النهي لا يكاد يكون
إلَّا مؤقّتاً معلوماً. وأيضاً فإنَّ الياء مُثْبتَةٌ في جميع المصاحف، وعليها القرَّاءُ.
وقيل: معناه: إلَّا ما شاء الله أن يؤخّر إنزالَه. وقيل: المعنى: فجعله غثاءً أَخوى
إلَّا ما شاء الله أن يناله بنو آدمَ والبهائمُ، فإنَّه لا يصير كذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ اُلْجَهْرَ﴾ أي: الإعلانَ من القول والعمل. ﴿وَمَا يَخْفَى﴾
من السرِّ. وعن ابن عباس: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم(٥): يعلم
إعلانَ الصدقةِ وإخفاءَها. وقيل: الجهرُ ما حَفِظْتَه من القرآن في صدرك، ((وما يَخْفَى))
هو ما نُسِخِ من صدرك(٦).
﴿وَنُيَسِرُكَ﴾: معطوفٌ على ((سنُقْرِئك))، وقولُه: ((إِنَّه يعلمُ الجهرَ وما يَخْفَى))
(١) هو أبو جعفر أحمد بن عباد، ولقبه حمدون وهو الغالب عليه، توفي سنة (٢٧٠هـ). تاريخ بغداد
٤/ ٢٧١ و١٧٧/٨ ٠
(٢) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٢٤٦ عن جعفر بن محمد الخلدي قال: حضرت شيخنا جنيداً، وسأله
ابن كيسان ... ، وذكر القصة بنحوها.
(٣) بنحوه في المحرر الوجيز ٤٦٩/٥، والكشاف ٢٤٣/٤، وتفسير الرازي ١٤٢/٣١، ويعني بالياء
الألف في ((تنسى))، والتي أصلها ياء.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٤٣ .
(٥) لعله محمد بن حاتم بن ميمون المروزي ثم البغدادي السمين، الحافظ المفسِّر، جمع كتاباً في تفسير
القرآن، كتبه الناس عنه ببغداد. توفي سنة (٢٣٥ هـ). السير ١١/ ٤٥٠ .
(٦) النكت والعيون ٢٥٣/٦، وفيه :... وما يخفى هو ما نسخ من حفظك.

٢٢٩
سورة الأعلى: الآيات ٨ - ١٠
اعتراضٌ. ومعنى ﴿لِلْيُسْرَى﴾ أي: للطّريقة اليُسْرَى؛ وهي عملُ الخير. قال ابن عباس:
نيسِركَ لأنْ تعملَ خيراً. ابن مسعود: ((لِليُسْرى)) أي: للجنة. وقيل: نوفّقُكَ للشريعة
الْيُسْرى؛ وهي الحنيفيةُ السَّمْحةُ السَّهْلةُ؛ قال معناه الضحَّاك. وقيل: أي: نهوِّنُ عليك
الوحيَ حتى تَحْفَظَه وتعملَ به(١).
قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى
قوله تعالى: ﴿فَذَكِرْ﴾ أي: فَعِظْ قومَكَ يا محمدُ بالقرآن. ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىَ﴾ أي:
الموعظةُ. وروى يونس عن الحسن قال: تذكرةٌ للمؤمن، وحجةٌ على الكافر. وكان(٢)
ابن عباس يقول: تنفعُ أوليائي، ولا تنفعُ أعدائي.
وقال الجُرْجانيُّ: التذكيرُ واجبٌ وإنْ لم يَنْفَعْ، والمعنى: فذكِّر إنْ نفعت
الذكرى، أو لم تَنْفَع، فحذف، كما قال: ﴿سَرَّبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١](٣).
وقيل: إنه مخصوصٌ بأقوام بأعيانهم. وقيل: ((إنْ)) بمعنى ما ، أي: فذكِّر ما
نَفَعتِ الذكرى، فتكون ((إنْ)) بمعنى ما، لا بمعنى الشَّرْطِ؛ لأنَّ الذكرى نافعةٌ بكلٌ
حالٍ؛ قاله ابنُ شَجَرة.
وذكر بعضُ أهلِ العربية: أنَّ((إنْ)) بمعنى إذْ، أي: إذْ نَفَعْت، كقوله تعالى:
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أي: إذ كنتم، فلم يُخْبِرْ بعلُوِّهم
إلَّا بعد إيمانهم. وقيل: بمعنى قد.
قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى
أي: مَن يَتَّقي اللهَ ويخافُه. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلتْ في ابنِ أمّ
(١) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٦/ ٢٥٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٧٦.
(٢) في (د): وقال.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٥، والوسيط ٤/ ٤٧٠ .

٢٣٠
سورة الأعلى: الآيات ١٠ - ١٣
مكتوم(١). الماوَرْديُّ(٢): وقد يذَّكَّرُ مَن يرجوه، إلَّا أنَّ تَذْكِرةَ الخاشِي أَبْلَغُ من تذكرة
الراجي، فلذلك علَّقها بالخشية دون الرجاء، وإنْ تَعلَّقتْ بالخشية والرجاء.
وقيل: أي: عَمِّمْ أنت التذكيرَ والوَعْظَ، وإنْ كان الوعظُ إنَّما ينفعُ مَن يَخْشَى،
ولكنْ يحصلُ لك ثوابُ الدعاءِ؛ حكاه القُشيرِيُّ.
قوله تعالى: ﴿وَيَنَجَنَُّهَا الْأَثْقَىِ ﴿ الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ٧ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا
وَلَا يَحْبَ
قوله تعالى: ﴿وَيَنَجَنَُّها﴾ أي: ويتجنَّبُ الذكرى ويبعدُ عنها ﴿اَلْأَثْقَى﴾ أي: الشقيُّ
في علم الله. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبةَ بنِ ربيعة(٣).
﴿الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُرَّ﴾ أي: العُظْمَى، وهي السُّفْلى من أطباقِ النار؛ قاله
الفرَّاء(٤). وعن الحسن: الكبرى نارُ جهنم، والصغری نارُ الدنیا. وقالہ یحیی بن
سلام(٥).
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْمَ﴾ أي: لا يموتُ فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياةً
تنفعُه، كما قال الشاعر:
أَلَّا مَا لنفسٍ لا تموتُ فينقضِي عَناها ولا تَحيا حياةٌ لها طَعْمُ (٦)
وقد مضى في ((النساء)) وغيرِها حديثُ أبي سعيد الخُدْريِّ، وأنَّ الموحّدين من
(١) ذكره الرازي ١٤٦/٣١ دون نسبة.
(٢) في النكت والعيون ٢٥٤/٦ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٥ .
(٤) في معاني القرآن ٢٥٦/٣ .
:
(٥) تفسير الرازي ١٤٩/٣١ عن الحسن، والنكت والعيون ٦/ ٢٥٤ عن يحيى بن سلام.
(٦) البيت لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كما في مجالس ثعلب ص٢٣٦، والأغاني ٩/ ١٥٠،
ومصارع العشاق ٣٢١/١، ووقع في هذه المصادر: ألا مَن لنفسي ... ، والبيت برواية المصنف في
اللسان (طعم).
... ..

٢٣١
سورة الأعلى: الآيات ١٣ - ١٥
المذنبين(١) إذا دخلوا جهنم ــ وهي النارُ الصُّغرى على قول الفرَّاء - احترقوا فيها
وماتوا؛ إلی أن يُشفع فيهم. خرَّجه مسلم(٢).
وقيل: أهلُ الشَّقاءِ متفاوتون في شقائهم، وهذا الوعيدُ للأشقى، وإن كانَ ثَمَّ
شقيٍّ لا يبلغُ هذه المرتبة.
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى (٤) وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى
(١٥)
فيه ثلاثُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ تَزَّ﴾ أي: قَد صادفَ البقاءَ في الجنة، أي:
مَن تَطَهَّر من الشِّرك بالإيمان؛ قاله ابن عباس وعطاءٌ وعكرمة(٣). وقال الحسن
والربيع: مَن كان عملُه زاكياً نامِياً (٤). وقال مَعْمر عن قتادة: ((تزَكَّى))، قال: بعملٍ
صالح (٥).
وعنه وعن عطاءٍ وأبي العالية: نزلت في صدقة الفِطْرِ. وعن ابن سِيرينَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ تَزََّى وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلَّى﴾ قال: خرج فصلَّى بعد ما أَدَّى. وقال عكرمة: كان الرجل
يقول: أقدِّم زكاتي بين يَدَيْ صلاتي. فقال سفيان: قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى.
وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلّ﴾. وروي عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ وابنِ عمر: أنَّ ذلك في صدقة
الفطر، وصلاةٍ العيد(٦). وكذلك قال أبو العالية، وقال: إنَّ أهلَ المدينةِ لا يَرَوْنَ
(١) في (م): المؤمنين.
(٢) في صحيحه (١٨٥)، وسلف ٦/ ٩٢ .
(٣) تفسير الطبري ٣١٩/٢٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٧٦ .
(٤) النكت والعيون ٢٥٥/٦، وأخرجه عن الحسن الطبري ٣١٩/٢٤.
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٧/٢ .
(٦) تنظر أقوالهم في الوسيط ٤٧١/٤-٤٧٢، وتفسير البغوي ٤٧٦/٤-٤٧٧، وأحكام القرآن لابن العربي
١٩٠٨/٤، والمحرر الوجيز ٤٧٠/٥، والدر المنثور ٣٤٠/٦.

٢٣٢
سورة الأعلى: الآيتان ١٤ - ١٥
صدقةً أفضلَ منها، ومن سِقاية الماء(١).
وروى كَثير بن عبد الله عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ﴾ في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَقْلَحَ
مَنْ تَزََّ﴾ قال: ((أَخْرِجَ زكاةَ الفِظْرِ))، ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ قال: ((صلاة العيد))(٢).
وقال ابن عباس والضحاك: ((وذَكَر اسمَ ربِّه )) في طريقِ المُصَلَّى، ((فصلَّى)) صلاةً
العيد(٣).
وقيل: المرادُ بالآية زكاةُ الأموالِ كلِّها؛ قاله أبو الأحوص وعطاء(٤). وروى ابن
جُرَيج قال: قلت لعطاء: ((قد أَفْلِحَ مَن تَزَكَّى)) للفِظْرِ؟ قال: هي للصَّدَقات كلِّها(٥).
وقيل: هي زكاةُ الأعمال، لا زكاةُ الأموال، أي: تطهّر في أعماله من الرياء
والتقصير؛ لأنَّ الأكثر أن يقال في المال: زَتَّى، لا تَزَلَّى. وروى جابر بن عبد الله
قال: قال النبيُّ ﴾: ((﴿قَدْ أَقْلَحَ مَنْ تَزَّ﴾ أي: مَن شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ، وخَلَعَ
الأندادَ، وشَهِدَ أَنِّي رسولُ الله))(٦). وعن ابن عباس: ((تزَّى))، قال: لا إلهَ إِلَّ الله(٧).
وروى عنه عطاءٌ قال: نزلت في عثمان بن عفان﴾. قال: كان بالمدينة منافقٌ
كانت له نخلةٌ مائلةٌ في دار رجلٍ من الأنصار، إذا هبَّتِ الرياحُ أَسْقَطَتِ الْبُسْرَ والرُّطَبَ
(١) أخرجه الطبري ٣٢٠/٢٤ مطولاً.
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٢٤٢٠)، والبزار (٣٣٨٣)، وابن عدي ٦/ ٢٠٨٠، والواحدي في الوسيط ٤/ ٤٧١ .
وكثير بن عبد الله، قال عنه الحافظ في مختصر زوائد مسند البزار ٣٩٨/١: ضعيف جدًّا.
(٣) الكشاف ٢٤٥/٤ عن الضحاك.
(٤) زاد المسير ٩/ ٢٢ عن أبي الأحوص، وسيأتي عن عطاء، وأخرجه عن أبي الأحوص بنحوه الطبري
٣١٩/٢٤ -٣٢٠.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ ، وفيه أن السائل هو عطاء والمسؤول ابن عباس.
(٦) أخرجه البزار (٢٢٨٤ - كشف) والواحدي في الوسيط ٤٧١/٤، وفي إسناده عباد بن أحمد العرزمي،
قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٧/٧ : متروك.
(٧) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٥)، وهو عند الطبري ٣١٩/٢٤ بلفظ: تزكَّى من الشرك.

٢٣٣
سورة الأعلى: الآيتان ١٤ - ١٥
إلى دار الأنصاريِّ، فيأكلُ هو وعيالهُ، فخاصمه المنافقُ، فشكا ذلك إلى رسول الله ◌ِ﴾،
فأرسل إلى المنافق وهو لا يعلم بنفاقه، فقال: ((إنَّ أخاك الأنصاريَّ ذكر أن بُسْركَ
ورَُبك يقع إلى منزله، فيأكل هو وعيالهُ، فهل لك أنْ أُعطيكَ نخلةً في الجنة بَدَلَها؟))
فقال: أبيعُ عاجلاً بآجلٍ! لا أَفْعلُ. فَذَكَروا أنَّ عثمان بن عفان أعطاه حائطاً من نخلِ
بَدَلَ نخلته، ففيه نزلتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَّ﴾. ونزلت في المنافق ﴿وَيَنَجَنَّهَا الْأَشْقَى﴾(١).
وذكر الضحاك: أنَّها نزلت في أبي بكر الصدِّيقِ ﴾(٢).
الثانية: قد ذَكَرنا القولَ في زكاة الفِطْرِ في سورة البقرة مستوفىَ(٣). وقد تقدَّم أنَّ
هذه السورةَ مكيةٌ، في قول الجمهور، ولم يكن بمكةَ عِيدٌ ولا زكاةُ فِظْرٍ. القشيرِيُّ :
ولا يَبْعِدُ أن يكون أَثْنَى على مَن يَمتثلُ أمره في صدقة الفِطر وصلاةِ العيد، فيما يأمُر به
في المستقبل.
الثالثة: قولهُ تعالى: ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَيْهِ، فَصَلَّى﴾ أي: ذَكَر ربَّه. وروى عطاءٌ عن ابن
عباس قال: يريدُ ذَكَر مَعَادَه وموقفَه بين يدي اللهِ جلَّ ثناؤه، فعَبَدَه وصلَّى له(٤).
وقيل: ذَكَر اسمَ ربِّه بالتكبير في أوّل الصلاة؛ لأنَّها لا تنعقدُ إلَّ بِذِكْره، وهو
قولُه: الله أكبر، وبه يُحتَجُّ على وجوب تكبيرةِ الافتتاح، وعلى أنَّها ليست من
الصلاة؛ لأنَّ الصلاة معطوفةٌ عليها. وفيه حجةٌ لمن قال: إنَّ الافتتاح جائزٌ بكلِّ اسمٍ
من أسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ (٥). وهذه مسألةٌ خلافيةٌ بين الفقهاء. وقد مضى القولُ في هذا
في أوَّلِ سورة البقرة(٦).
(١) ذكره البغوي ٤/ ٤٩٥ عن عطاء في سبب نزول سورة الليل، وفيه: أبو الدحداح، بدل: عثمان. وأخرجه
بنحوه مطولاً عن ابن عباس الواحدي في أسباب النزول ص ٤٨٥ في سبب نزول سورة الليل أيضاً.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢٥٥ .
(٣) ينظر ما سلف ٢٤/٢ و٣٦٨/٤.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٤٥ .
(٥) الكشاف ٤/ ٢٤٥، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٩٠٩/٤-١٩١٠.
(٦) ١/ ٢٦٩ .

٢٣٤
سورة الأعلى: الآيتان ١٥ -١٦
وقيل: هي تكبيراتُ العيد؛ قال الضحاك: ((وذَكَر اسمَ ربِّهِ)) في طريقِ المُصَلَّى،
((فصلَّى))، أي: صلاةَ العيد(١).
وقيل ((وذكر اسم ربِّهِ)) هو أنْ يَذْكُره بقلبه عند صلاته، فيخافُ عقابَه، ويرجو
ثوابَه؛ ليكون استيفاؤه لها، وخشوعُه فيها، بحَسَبِ خوفه ورجائه(٢).
وقيل: هو أنْ يفتتحَ أوّلَ كلِّ سورةٍ ببسم الله الرحمن الرحيم(٣). ((فصلَّى)) أي:
فصلَّى وذكر. ولا فَرْقَ بين أن تقول: أَكْرمتني فزُرْتني، وبين أن تقول: زُرْتَني
فَأَكْرَمْتني. قال ابن عباس: هذا في الصلاة المفروضة، وهي الصلواتُ الخمس (٤).
وقيل: الدعاء، أي: دعاء الله بحوائج الدنيا والآخرة. وقيل: صلاة العيد؛ قاله أبو
سعيد الخُدرِيُّ وابنُ عمر وغيرهما. وقد تقدَّم(٥).
وقيل: هو أن يتطوَّع بصلاةٍ بعد زكاته؛ قاله أبو الأحوص(٦)، وهو مقتضى قولٍ
عطاء. ورُوِيَ عن عبد الله قال: مَن أقام الصلاةَ ولم يُؤْتِ الزكاةَ فلا صلاةً له(٧).
قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنيا
11
قراءة العامة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بالتاء، تصديقُه قراءةُ أبيٍّ: ((بل أنتم تُؤْثِرون))(٨). وقرأ
أبو عمرو ونصر بن عاصم: ((بل يؤثِرون)) بالياء على الغيبة(٩)، تقديرهُ: بل يؤثِرُون
(١) الكشاف ٢٤٥/٤، وسلف في المسألة الأولى.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢٥٥ .
(٣) المصدر السابق.
(٤) أخرجه الطبري ٣٢١/٢٤.
(٥) في المسألة الأولى.
(٦) النكت والعيون ٦/ ٢٥٥، وأخرجه الطبري ٣١٩/٢٤-٣٢٠ .
(٧) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٩٧٤).
(٨) معاني القرآن للفراء ٢٥٧/٣، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧٢ عن ابن مسعود ﴾.
(٩) السبعة ص ٦٨٠، والتيسير ص٢٢١ عن أبي عمرو.

٢٣٥
سورة الأعلى: الآيتان ١٦ - ١٧
الأَشْقَونَ الحياةَ الدنيا (١). وعلى الأوّل فيكونُ تأويلُها: بل تُؤثرون أيُّها المسلمون
الاستكثارَ من الدنيا على الاستكثار (٢) من الثواب.
وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: أَتَدْرون لم آثَرْنا الحياةَ الدنيا على
الآخرة؟ لأنَّ الدنيا حَضَرتْ وعُجِّلَتْ لنا طيباتُها، وطعامُها وشرابُها، ولذَّاتُها
وبَهْجَتُها، والآخرة غُيِّتْ عنَّا. فَأَخَذْنا العاجلَ، وتَرَكْنا الآَجِلَ(٣).
وروى ثابتٌ عن أنسٍ قال: كُنَّا مع أبي موسى في مَسِيرٍ، والناسُ يتكلَّمون
ويَذْكُرون الدنيا. قال أبو موسى: يا أنس، إنَّ هؤلاء يكادُ أحدُهم يَفْرِي الأديمَ بلسانه
فَرْياً، فتعال فلْنَذْكُر ربَّنا ساعةً. ثم قال: يا أنس، ما ثَبَرَ الناس! ما بَطَّأَ بهم؟ قلت:
الدُّنيا والشيطانُ والشهواتُ. قال: لا، ولكنْ عُجِّلَتِ الدنيا، وغُيِّبت الآخرة، أمَا
واللهِ لو عاينوها ما عَدَلوا ولا مَيَّلوا (٤).
قوله تعالى: ﴿وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَآَبْقَ
أي: والدارُ الآخرةُ، أي: الجنة ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أفضلُ ﴿وَأَبْقَ﴾ أي: أَدْوَمُ من
الدنيا. وقال النبيُّ﴾: ((ما الدنيا في الآخرة إلَّا كما يضعُ أحدُكم أصبعَه في اليمِّ،
فلْيَنْظُرْ بِمَ يرجع)) صحيح. وقد تقدم(٥). وقال مالك بنُ دينارٍ: لو كانت الدنيا من ذهبٍ
يَفْنَى، والآخرةٌ من خزفٍ يبقَى، لكان الواجبُ أنْ يُؤْثَر خزفٌ يبقَى على ذهبٍ يفْنَى.
(١) يعني أنه مردود على الأشقى في قوله تعالى: ﴿وَيَنَجَنَُّّاَ الْأَثْقَى﴾.
(٢) في النسخ: للاستكثار، بدل: على الاستكثار، والمثبت من اللباب ٢٨٦/٢٠.
(٣) أخرجه الطبري ٣٢٢/٢٤، والطبراني في الكبير (٩١٤٧). قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا
منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٨٦/١٣، وأحمد في الزهد ص ٢٤٧، وأبو نعيم في الحلية ٢٥٩/١ .
قوله: يفري الأديم، الفَرْي: الشَّق، والأديم: الجلد. القاموس (أدم) و(فري).
وقوله: ما ثبر الناس، أي: مالذي صدَّهم ومنعهم. قوله: ما عدلوا، أي: ما ساوَوا بها شيئاً. ولا
ميَّلوا، أي: ما شُوا ولا تردَّدوا. النهاية (ثبر) و(ميل).
(٥) ٥/ ٤٨١، وهو في صحيح مسلم (٢٨٥٨).

٢٣٦
سورة الأعلى: الآيتان ١٨ - ١٩
قال: فكيف والآخرةُ من ذهبٍ يبقَى، والدنيا من خزفٍ يفنَی!
صُحُفٍ إِزَهِيَمَ وَمُوسَى
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ اَلْأُولَى ®
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ الْأُولَى﴾ قال قتادة وابنُ زيد: يريد قوله:
﴿وَأَلْأَخِرَةُ خَيْرٌ وَبَقَ﴾ وقالا: تتابعتْ كتبُ اللهِ جلَّ ثناؤه - كما تسمعون - أنَّ الآخرة
خيرٌ وأبقَى من الدنيا (١).
وقال الحسن: ((إِنَّ هذا لَفي الصحفِ الأُولى)) قال: كُتُبِ الله جلَّ ثناؤه كلِّها(٢).
الكلبيُّ: ((إِنَّ هذا لفي الصُّحفِ الأُولى)): من قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى آخر
السورة(٣)؛ لحديث أبي ذرٍّ على ما يأتي.
ورَوى عِكرمةُ عن ابن عباس: ((إِنَّ هذا لفي الصحف الأولى)) قال: هذه
السورة (٤).
وقال الضحاك: إنَّ هذا القرآنَ لفي الصُّحُفِ الأُولى(٥)، أي: الكتبِ الأُولى.
﴿مُحُفِ إَِّهِيمَ وَمُوسَى﴾ يعني الكتب المنزلةَ عليهما. ولم يُرِدْ أنَّ هذه الألفاظَ بعينها
في تلك الصحف، وإنَّما هو على المعنى، أي: إنَّ معنَى هذا الكلامِ واردٌ في تلك
الصُّحف. وروى الآجُرِّيُّ من حديث أبي ذرِّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، فما كانت
صحفُ إبراهيم؟ قال: ((كانت أمثالاً كلُّها: أيها الملكُ المتسلِّطُ المُبْتَلَى المغرورُ، إِنِّي
لم أَبْعثْكَ لتَجْمَعَ الدنيا بعضَها على بعضٍ، ولكنْ بَعثتُكَ لتردَّ عني دعوةَ المظلوم، فإنِّي
لا أردُّها ولو كانت من فم كافٍ. وكان فيها أمثالٌ: وعلى العاقلِ أن يكون له ساعاتٌ:
ساعةٌ يُناجي فيها ربَّه، وساعةٌ يحاسبُ فيها نفسَه، يفكّر فيها في صُنْعِ اللهِ عزَّ وجلَّ
(١) أخرجه قولهما الطبري ٣٢٤/٢٤-٣٢٥ .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٤١/٦.
(٣) ذكره الطبري ٢٤/ ٣٢٥ واختاره.
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٠٤)، وسعيد بن منصور، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٤١ .
(٥) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٩١٠ وقال: قول ضعيف؛ لأنه باطل قطعاً.

٢٣٧
سورة الأعلى: الآية ١٩
إليه، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المَظْعَم والمَشْرَب. وعلى العاقل ألَّا يكون ظاعنًا
إلَّا في ثلاثٍ: تزوُّدٌ لمعَادٍ، وَمَرمَّةٌ لمعاشٍ، ولذةٌ في غير محرَّم. وعلى العاقل أن
يكون بصيراً بزمانه، مُقْبلاً على شأنه، حافظاً للسانه. ومَن عدَّ (١) كلامَه من عمله قلَّ
كلامُه إلَّا فيما يعنيه)). قال: قلتُ : يا رسول الله، فما كانت صحفُ موسى؟ قال:
((كانت عِبراً كلُّها: عجِبْتُ لمن أَيْقَنَ بالموت كيف يفرح! وعجبتُ لمن أيقنَ بالقَدَر
كيف ينْصَب! وعجبتُ لمن رأى الدنيا وتقلَُّها بأهلها كيف يطمئنُّ إليها! وعجبتُ لمن
أيقنَ بالحساب غداً ثم هو لا يعمل!)) قال: قلتُ: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيءٌ
ممَّا كان في يَدَيْ إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك؟ قال: ((نعم، اقرأ يا أبا ذرّ:
﴿قَدْ أَقْلَحَ مَنْ تَزََّ. وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْاَ. وَالْآَخِرَةُ خَّرُ وَأَبْقَ. إِنَّ
هَذَا لَفِى الضُّحُفِ اُلْأُوْلَى. مُحُفٍ إِزَهِيَمَ وَمُوسَى﴾. وذَكَر الحديث(٢).
(١) في المصادر: ومن حسب.
(٢) أخرجه ابن حبان (٣٦١) مطولاً، وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال عنه أبو حاتم:
كذاب، كما في الجرح والتعديل ١٤٢/٢-١٤٣. وأخرجه ابن عدي ٢٦٩٩/٧ ، وابن عساكر في
تاريخه ٢٧٨/٢٣ بإسناد آخر عن أبي ذر، وفيه يحيى بن سعد السعدي عن ابن جريج، قال ابن عدي:
هذا حديث منكر من هذا الطريق عن ابن جريج، ويحيى بن سعد هذا يعرف بهذا الحديث.

سورة ((الغاشية))
وهي مكية في قول الجميع، وهى ستٍّ وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
((هل)) بمعنى قد، كقوله: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ [الإنسان: ١]؛ قاله قُظْرب(١). أي:
قد جاءك يا محمدُ حديثُ الغاشية، أي: القيامةِ التي تَغْشَى الخلائقَ بأهوالها
وأَفْزاعِها؛ قاله أكثرُ المفسِّرين.
وقال سعيد بن جُبير ومحمد بن كعب: ((الغاشية)): النار تَغْشَى وجوهَ الكفارِ -
ورواه أبو صالحٍ عن ابن عباس - ودليلهُ قولهُ تعالى: ﴿وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾
[إبراهيم: ٥٠](٢). وقيل: تَغْشَى الخَلْقِ.
وقيل: المرادُ النفخةُ الثانيةُ للبعث؛ لأنها تَغْشَى الخلائق. وقيل: ((الغاشية)): أهلُ
النار يَغْشَوْنها، ويقتحمون فيها. وقيل: معنى ((هل أتاك))، أي: هذا لم يكن مِن
عِلْمِك، ولا مِن عِلْم قومِك، قال ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل
المذکورِ هاهنا.
وقيل: أنَّها خرجتْ مخرجَ الاستفهامِ لرسوله، ومعناه: إنْ لم يكن أتاك حديث
الغاشيةِ فقد أتاك؛ وهو معنى قولِ الكلبيِّ.
عَامِلَةٌ تَصِيَةٌ
قوله: تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ خَشِمَةً (@)
قال ابن عباس: لم يكن أتاه حديثُهم، فأخبره عنهم، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ﴾ أي:
(١) النكت والعيون ٢٥٧/٦، وزاد المسير ٩/ ٩٤.
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤٧٢ دون قوله: ورواه أبو صالح عن ابن عباس. وأخرجه عن سعيد بن جبير الطبري
٣٢٧/٢٤.

٢٣٩
سورة الغاشية: الآيتان ٢ -٣
يومَ القيامة. ﴿خَشِعَةُ﴾ قال سفيان: أي: ذليلةٌ بالعذاب. وكلُّ متضائلٍ ساكنٍ : خاشعٌ.
يقال: خَشَع في صلاته: إذا تذلَّل ونَكَّس رأسَه. وخَشَع الصوتُ: خَفِيَ؛ قال الله
تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨].
والمرادُ بالوجوه أصحابُ الوجوه. وقال قتادةُ وابن زيد: ((خاشعةٌ))، أي: في
النار (١). والمرادُ وجوهُ الكفارِ كلِّهم؛ قاله يحيى بن سلام. وقيل: أراد وجوهَ اليهودِ
والنصارى؛ قاله ابنُ عباس(٢).
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾ فهذا في الدنيا؛ لأنَّ الآخرة ليست دارَ عَمَلٍ. فالمعنى:
وجوهٌ عاملةٌ ناصبةٌ في الدنيا، ((خاشعةٌ)) في الآخرة. قال أهلُ اللغة: يقال للرجل إذا
دَأَبَ في سيره: قد عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلاً. ويقال للسَّحَاب إذا دام بَرْقُه: قد عَمِلَ يَعْمَلُ
عَمَلاً. وذا سحابٌ عَمِلٌ. قال الهذليُّ :
حتى شَآها كَليلٌ مَوْهِنًا عَمِلٌ
باتَتْ طِرَاباً وباتَ الليلَ لم يَنَم(٣)
﴿فَصِيبَةٌ﴾ أي: تَعِبةٌ. يقال: نَصِبَ - بالكَسْر - يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، ونَصْبًا
أيضاً، وأَنْصَبه غيرُه. فروى الضخّاك عن ابن عباس قال: هم الذين أَنْصَبوا أنفسَهم في
الدنيا على معصية اللهِ عزَّ وجلَّ، وعلى الكفر، مثل عَبَدةِ الأوثان، وكفَّارِ أهلِ
الكتاب مثل الرهبان وغيرِهم، لا يقبلُ الله جلَّ ثناؤه منهم إلَّا ما كان خالصاً له(٤).
وقال سعيد عن قتادة: ((عاملةٌ ناصبةٌ)) قال: تكبَّرتْ في الدنيا عن طاعة الله عزَّ
وجلَّ، فأَعْمَلَها الله وأَنْصَبَها في النار، بجرِّ السلاسل الثِّقال، وحَمْلِ الأغلال،
(١) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٨/٢، والطبري ٣٢٨/٢٤ عن قتادة.
(٢) النكت والعيون ٢٥٧/٦-٢٥٨، وأخرج قول ابن عباس ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠.
(٣) البيت لساعدة بن جؤية، وهو في ديوان الهذليين ١٩٨/١، والكتاب ١١٤/١، والخزانة ١٥٥/٨.
قوله: شآها، أي: ساقها. كليل، أي: برق ضعيف. والموهن: القطعة من الليل. والعَمِل: الدائب
المجتهد في أمره، الذي لا يفتر. وباتت طراباً. يعني البقر الوحشية طراباً إلى السير إلى الموضع الذي
فيه البرق. وبات الليلَ لم ينم، أي: بات البرق يبرق ليلته. الخزانة ٨/ ١٦٠ .
(٤) ذكره الوحدي في الوسيط ٤٧٣/٤ من طريق عطاء عن ابن عباس.

٢٤٠
سورة الغاشية: الآية ٣
والوقوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصات، في يومٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة(١). قال
الحسن وسعيد بن جبير: لم تَعْمَلْ لله في الدنيا، ولم تَنْصَبْ له، فَأَعْملَها وأَنْصبها في
جهنّم(٢).
وقال الكلبيُّ: يُجَرُّون على وجوههم في النار. وعنه وعن غيره: يُكَلَّفون ارْتِقاءً
جبلٍ من حديدٍ في جهنّم، فيَنْصَبون فيها أشدَّ ما يكونُ من النَّصَب، بمعالجةِ السلاسل
والأغلال، والخوضِ في النار كما تخوضُ الإبلُ في الوَحَل، وارتقائها في صَعُودٍ من
نار، وهبوطِها في حَدُورٍ منها؛ إلى غير ذلك من عذابها. وقاله ابن عباس (٣).
وقرأ ابن مُحيصٍِ وعيسى وحميد، ورواها عبيد عن شبل عن ابن كثير:
((ناصبةً))(٤) بالنصب على الحال. وقيل: على الذمّ. الباقون بالرفع على الصِّفة، أو
على إضمارٍ مبتدأ، فيوقَفُ على ((خاشعة)). ومَن جَعَل المعنى في الآخرة، جاز أن
يكون خبراً بعد خبرٍ عن ((وجوه))، فلا يوقَفُ على ((خاشعة)).
وقيل: ((عاملة ناصبة))، أي: عاملةٌ في الدنيا ناصبةٌ في الآخرة. وعلى هذا
يحتمل: وجوهٌ يومئذٍ عاملةٌ في الدنيا، ناصبةٌ في الآخرة، خاشعةٌ. قال عكرمةٌ
والسدِّيُّ: عَمِلتْ في الدنيا بالمعاصي(٥). وقال سعيد بن جبير وزيد بنُ أَسْلَمَ: هم
الرُّهبان أصحابُ الصوامع. وقاله ابن عباس(٦). وقد تقدَّم في روايةِ الضخَّاك عنه.
وروي عن الحسن قال: لمَّا قَدِمَ عمر بنُ الخطاب ﴾ الشامَ أتاه راهبٌ شيخٌ كبيرٌ
(١) أخرجه الطبري ٣٢٨/٢٤ دون قوله: بجر السلاسل ... ، والعَرَصات جمع عَرْصة، وهي كلُّ موضعٍ
واسع لا بناء فيه. اللسان (عرص).
(٢) أخرجه الطبري ٣٢٨/٢٤ .
(٣) تفسير البغوي ٤٧٨/٤ .
(٤) المحتسب ٣٥٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٧٢/٥ .
(٥) ذكر قولهما البغوي ٤٧٨/٤، وابن الجوزي ٩/ ٩٥ ولفظه: عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار
يوم القيامة.
(٦) ذكر قولهم الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٧٣ .