Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة المطففين: الآيات ٧ - ١٣ وقال عِكرمة: سِجِّين: خَسارٌ وضلال(١)، كقولهم لمن سَقَط قَدْرُه: قد زَلَق بالحضيض. وقال أبو عبيدةً والأخفشُ والزجَّاج: ((لفي سجِّين)) لفي حَيْسٍ وضيقٍ شديدٍ، فِعيِّل من السّجن، كما يقالُ: فِسِّيق وشِرِّيب(٢)؛ قال ابنُ مُقْبِلٍ: ورُفقَةً يَضْرِبون البَيْضَ ضاحِيةً ضَرْبًا تَوَاصَتْ بِه الأبطالُ سِجِّينا(٣) والمعنى: كتابُهم في حَبْسٍ، جُعل ذلك دليلاً على خساسةِ منزلتهم، أو لأنه يَخُلُّ من الإعراض عنه والإبعادِ له مَحَلَّ الزَّجْرِ والهَوَان. وقيل: أصلُه سجِّيل، فأُبْدِلَتْ اللامُ نوناً. وقد تقدَّم ذلك (٤). وقال زيد بنُ أَسْلَمَ: سِجين الأرضُ السَّافِلة، وسِجِّيل السماء الدنيا(٥). القُشيريُّ: سجِّين: موضعٌ في السَّافِلِينَ، يُدْفَنُ فيه كتابُ هؤلاء، فلا يَظْهَرُ بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون. وهذا دليلٌ على خُبْثِ أعمالهم، وتحقيرِ اللهِ إياها، ولهذا قال في كتاب الأبرار: ﴿يَشْهَدُهُ الْقُرَُّنَ﴾. ﴿وَمَآ أَذَرَكَ مَا بِينٌ﴾ أي: ليس ذلك ممَّا كنتَ تَعْلَمه يا محمدُ أنت ولا قومُك. ثم فسَّره له فقال: ﴿كِتَبٌ تَرْقُوٌ﴾ أي: مكتوبٌ كالرَّقْم في الثوب، لا يُنْسَى ولا يُمْحَى. وقال قتادة: ((مرقومٌ)) أي: مكتوبٌ، رُقَمَ له بَشَرٌ(٦)، لا يُزادُ فيهم أحدٌ ولا ينقصُ منهم أحد. (١) أخرجه ابن المنذر، كما في الدر المنثور ٣٢٥/٦ دون قوله: وضلال. (٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٨٩/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩٨/٥، وقول الأخفش في النكت والعيون ٢٢٨/٦ . (٣) ديوان ابن مقبل ص٣٣٣، والمعاني الكبير ٢/ ٩٩١، وتهذيب اللغة ٢٩/١١، والصحاح (سجن)، ومنتهى الطلب ٣٦٦/١، وفيها جميعاً: ورَجْلةٌ يضربون البيض عن عُرُضٍ. البيض جمع بيضة، وهي الخوذة. المعجم الوسيط (بيض). وسلف البيت ١٨٨/١١ . (٤) ١١ / ١٨٦ - ١٨٨ . (٥) النكت والعيون ٦/ ٢٢٧. (٦) في النسخ: رقم لهم بشر، والمثبت من النكت والعيون ٢٢٨/٦، والكلام منه. وأخرجه الطبري ١٩٨/٢٤ دون قوله: لا يزاد فيهم ... ، وهو في تفسير البغوي ٤٥٩/٤، وزاد المسير ٩/ ٥٥ بلفظ: رقم له بشرِّ كأنه عُلِّم بعلامة يعرف بها أنه كافر. وفي تفسير الرازي ٩٣/٣٢: رقم لهم بسوء، أي: كتب لهم بإيجاب النار. ١٤٢ سورة المطففين: الآيات ١٠ - ١٧ وقال الضخَّاك: مَرْقُومٌ: مختومٌ، بلغةٍ حِمْيَر (١). وأصلُ الرَّقْم: الكتابةُ؛ قال: سأَرقُمُ في الماءِ القَرَاحِ إليكُمُ على بُعْدِكم إِن كان للماءِ راقِمُ (٢) وليس في قوله: ((وما أدراك ما سِجِّين؟)) ما يدلُّ على أنَّ لَفْظَ سجينٍ ليس عربيًّا، كما لا يدلُّ في قوله: ﴿اَلْقَارِعَةٌ. مَا الْفَارِعَةُ. وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ بل هو تعظيمٌ لأمرِ سجِّينٍ. وقد مضى في مقدِّمة الكتاب - والحمدُ لله - أنه ليس في القرآن غيرُ عربيٍّ(٣). ﴿وَبِلِّ يَمِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: شدةٌ وعذابٌ يومَ القيامةِ للمكذِّبين. ثم بيَّن تعالى أَمْرَهم فقال: ﴿ الَّذِينَ يَّكَذِبُونَ بِيَوْمِ الّذِينِ﴾ أي: بيوم الحسابِ والجزاء والفَصْل بين العباد ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيرٍ﴾ أي: فاجرٍ جائرٍ عن الحقِّ، مُعْتَدٍ على الخَلْقِ في معاملته إياهم، وعلى نفسه، وهو أثيمٌ في تَرْكِ أمرِ الله. وقيل: هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهلٍ ونُظَرائِهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقراءةُ العامَّةِ: ((تُتْلَى)) بتاءين، وقرأ أبو حَيْوَة وأبو سِمَاكٍ وأشهبُ العُقَيليُّ والسُّلَميُّ: ((إذا يُتْلَى)) بالياءِ(٤). وأساطيرُ الأولين: أحاديثُهم وأَباطيلُهم التي كتبوها وزَخْرفوها. واحدُها أُسْطورة وإِسطارة، وقد تقدَّم(٥). ﴿ كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِمِ ﴿٨ ثُمَّ بُقَالُ هَذَا الَّذِى كُمْ بِ تُكَذِّبُونَ (9)﴾ ١٥ ◌َحْجُوبُونَ قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾: ((كلَا)): رَدْعٌ وَزَجْر، أي: ليس هو أساطيرَ الأَّولينَ. وقال الحسن: معناها: حقًّا رانَ على قلوبهم. (١) ذكره البغوي ٤٥٩/٤ دون نسبة، وذكره عن الضحاك الماوردي في النكت والعيون ٢٢٨/٦ دون قوله: بلغة حمير. (٢) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص ١١٦، واللسان (رقم)، وفيه: وقولهم: هو يَرقم في الماء، أي: بلغ من حذقه بالأمور أن يرقم حيث لا يثبت الرقم. اهـ. والقراح: الخالص. القاموس (فرح). (٣) ١١٠/١. (٤) القراءات الشاذة ص ١٧٠ . (٥) ٣٤٦/٨. ١٤٣ سورة المطففين: الآيات ١٤ - ١٧ وفي الترمذيِّ عن أبي هُريرة عن رسول الله ﴾ قال: ((إنَّ العبدَ إذا أَخْطَأَ خَطيئةً نُكِتَتْ في قلبه نُكْتَةٌ سوداء، فإذا هو نَزَعَ واستَغْفَرَ الله وتاب صُقِلَ قلبُه، فإن عاد زِيدَ فيها، حتى تَعْلُوَ على قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذَكَر اللهُ في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا گانُوا يَكْسِبُونَ﴾)). قال: هذا حديث حسن صحيح(١). وكذا قال المفسِّرون: هو الذنبُ على الذنبِ حتى يَسْودَّ القلبُ. قال مجاهد: هو الرجل يُذْنبُ الذَّنْبَ، فيحيطُ الذنبُ بقلبه، ثم يُذْنبُ الذَّنْبَ فيحيطُ الذَّنْبُ بقلبه، حتى تُغْشِّيَ الذنوبُ قلبه. قال مجاهد: هي مِثْلُ الآيةِ التي في سورة البقرة: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيْئَةٌ﴾ الآيةَ [الآية: ٨١](٢). ونحوه عن الفراء(٣)؛ قال: يقول: كَثُرتِ المعاصي منهم والذنوبُ، فأحاطَتْ بقلوبهم، فذلك الرَّيْنُ عليها. ورُوي عن مجاهد أيضاً قال: القلبُ مثلُ الكفِّ - ورَفَع كفَّه - فإذا أَذْنبَ العبدُ الذَّنْبَ انْقَبِضَ، وضمَّ إصْبِعَه، فإذا أَذْنبَ الذَّنْبَ(٤) انْقَبَضَ، وضمَّ أخرى - حتى ضمَّ أصابعَه كلَّها - حتى يُطْبَع على قلبه. قال: وكانوا يَرَوْنَ أنَّ ذلك هو الرَّين، ثم قرأ: ﴿ كَا بَلِّ رَنَ عَلَى قُلُوبِهِم ◌َّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(٥). ومثلُه عن حذيفةَ ﴾ سواء(٦). وقال بكر بن عبد الله: إنَّ العبد إذا أَذْنَبَ صار في قلبه كوخزةٍ الإبرة، ثم إذا أَذْنَبَ ثانياً صار كذلك، ثم إذا كثرتِ الذنوبُ صار القلبُ كالمُنْخُلِ، أو كالغِرْبالِ، لا يعي خيراً، ولا يثبُتُ فيه صلاحٌ. وقد بيَّنا في ((البقرة)) القولَ في هذا المعنى بالأخبارِ الثابتةِ عن رسول الله ﴾، فلا معنَى لإِعادتها(٧). وقد روى عبدُ الغنيِّ بنُ سعيد، عن موسى بنِ عبد الرحمن، عن ابن جُريجٍ، عن (١) سنن الترمذي (٣٣٣٤)، وهو عند أحمد (٧٩٥٢)، وسلف بنحوه ١/ ٢٨٧ . (٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٠١ و٢٠٤ . (٣) في معاني القرآن ٢٤٦/٣. (٤) في (د): أخرى. (٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ . (٦) أخرجه البيهقي في الشعب (٧٢٠٦). (٧) ينظر ما سلف ٢٨٧/١ - ٢٨٨. ١٤٤ سورة المطففين: الآيات ١٤ - ١٧ عطاءٍ، عن ابن عباس. وعن موسى، عن مقاتلٍ، عن الضخَّاكِ، عن ابن عباس شيئاً اللهُ أَعْلَمُ بصحَّته؛ قال: هو الرّانُ الذي يكونُ على الفخذينِ والساقِ والقدم، وهو الذي يُلْبَسُ في الحرب. قال: وقال آخرون: الران: الخاطِرُ الذي يَخْطُر بقلب الرجل(١). وهذا ممَّا لا يُضْمَنُ عُهْدةُ صِخَتهِ. فالله أعلم. فأمَّا عامَّةُ أهلِ التفسيرِ فَعَلَى ما قد مضى ذِكْرُه قبلَ هذا. وكذلك أهلُ اللغة عليه؛ يقال: رَانَ على قلبه ذَنْبُهُ يَرِين رَيْناً ورُيوناً، أي: غَلَبَ. قال أبو عبيدةً في قوله: ﴿كَلَّ بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: غَلَبَ. وقال أبو عُبيدٍ: كلُّ ما غَلَبك فقد رانَ بك، ورانَكَ، ورانَ عليك(٢)؛ وقال الشاعر: فتابَ مِن الذَّنْبِ الذي رَانَ وَانْجَلَى (٣) وكُمْ رانَ مِن ذنبٍ على قَلْبٍ فاچٍِ ورانت الخمرُ على عقله، أي: غلبته، وران عليه النُّعاسُ: إذا غظَّاه، ومنه قولُ عمرَ في الأُسَيفع - أُسَيْفع جُهَيْنةَ -: فأصبح قد رِيْنَ به(٤). أي: غَلَبَتْه الديون، وكان يَدَّانُ. ومنه قولُ أبي زُبَيدٍ يَصِفُ رجلاً شرب حتى غَلَبه الشرابُ سُكْراً، فقال: ثم لمَّا رآه رانَتْ به الخمـ ـرُ وَأَنْ لا تَرِينه باتِّقاءٍ(٥) فقوله: رانَتْ به الخمرُ، أي: غَلَبتْ على عَقْلِه وقلبه. وقال الأمويُّ: قد أَران (١) لم نقف عليه، وموسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، قال عنه ابن حبان: دجَّال، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير. الميزان ٢١١/٤ . (٢) الصحاح (رين). وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢٨٩/٢ . وقول أبي عبيد في غريب الحديث ٢٧٠/٣ . (٣) النكت والعيون ٢٢٩/٦. (٤) أخرجه مالك في الموطا ٢/ ٧٧٠، وسلف ٦/ ٥٣ . (٥) مجاز القرآن ٢٨٩/٢، وغريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٢٧٠، وتفسير الطبري ١٩٩/٢٤، والبيت في طبقات الفحول ٦٠٤/٢، والمعاني الكبير ٤٦٢/١، والأغاني ١٣٢/١٢ برواية: يريبه، بدل: ترينه. قال الأستاذ محمود شاكر في حاشية طبقات الفحول: رابه يريبه: شك في أمره. ودعاه إلى الريبة فيه، أراد: لم يشك فيه ولم يتق شره. ١٤٥ سورة المطففين: الآيات ١٤ - ١٧ القومُ فيهم مُرِينُون: إذا هَلَكَتْ مواشيهم أو هُزِلَتْ. وهذا من الأمر الذي أتاهم مما يغلبهم ولا يستطيعون احتمالَه. قال أبو زيد: يقال: قد رِينَ بالرجل رَيْناً: إذا وقع فيما لا يستطيعُ الخروجَ منه، ولا قِبَلَ له به(١). وقال أبو مُعاذِ النَّحْويُّ: الرَّينُ: أن يسودَّ القلبُ من الذنوب، والطّعُ: أن يُطْبَع على القلب، وهذا أشدُّ من الرَّين، والإقفالُ أشدُّ من الطَّع(٢). الزَّجَّاج: الرَّيْن: هو كالصَّدأ يُغَشِّي القلبَ كالغيم الرقيق، ومثلُه الغين، يقال: غِينَ على قلبه: غُطّي(٣). والغِيْنُ: شجرٌ ملتفٍّ، الواحدةُ غَيْناءُ، أي: خَضْراءُ كثيرةٌ الورقِ مُلْتَفَّةُ الأغصان(٤). وقد تقدَّم قولُ الفراءِ: أنه إحاطةُ الذَّنبِ بالقلوب. وذَكَر الثعلبيُّ عن ابن عباس: ((ران على قلوبهم))، أي: غّى عليها(٥). وهذا هو الصحيحُ عنه إن شاء الله. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ والأعمشُ وأبو بكر والمفضَّلُ: ((ران)) بالإمالة؛ لأنَّ فاءَ الفعل الراءُ، وعينه الألفُ منقلبة من ياء، فحَسُنَتِ الإمالةُ لذلك. ومَن فَتَحَ فعلَى الأصلِ؛ لأنَّ بابَ فاءِ الفعلِ في ((فَعَلَ)) الفتحُ، مثل: كالَ وباعَ ونحوه. واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم. ووقف حفصٌ (بَلْ)) ثم يبتدئُ ((رَانَ))(٦) وَقْفاً يُبيِّن اللامَ، لا للسَّكْت. قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَهُمْ﴾ أي: حقًّا، ((إنَّهم)) يعني الكفارَ ﴿عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَدٍ﴾ أي: يومَ القيامة: ﴿لََّحْبُونَ﴾. وقيل: ((كلَّا)) ردعٌ وزَجْر، أي: ليس كما يقولون، بل ((إنَّهم عن ربِّهم يومَئذٍ لمحجوبون». (١) غريب الحديث لأبي عبيد ٢٧١/٣، وتهذيب اللغة ٢٢٥/١٥ - ٢٢٦. (٢) تهذيب اللغة ٢٢٥/١٥. (٣) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٩٩/٥ . (٤) الصحاح (غين) . (٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٠٣ بلفظ: طبع على قلوبهم ما كسبوا. (٦) التيسير ص ١٤٢ و٢٢٠ . ١٤٦ سورة المطففين: الآيات ١٥ - ١٧ قال الزجَّاج (١): في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُرَى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآيةِ فائدةٌ، ولا خَسَّتْ منزلةُ الكفارِ بأنَّهم يُحْجَبون. وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] فأَعْلَمَ الله جلَّ ثناؤه أنَّ المؤمنين ينظرون إليه، وأَعْلَمَ أنَّ الكفار محجوبون عنه. وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لمَّا حَجَبَ أعداءَه فلم يَرَوْه تجلَّى لأوليائه حتى رَأَوْه. وقال الشافعيُّ: لمَّا حجب قوماً بالسُّخْطِ، دلَّ على أنَّ قوماً يَرونه بالرضا. ثم قال: أما واللهِ لو لم يُؤْقنْ محمد بنُ إدريس أنَّه يَرى ربَّه في المَعَادِ لَمَا عَبَدَه في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: كما (٢) حجبهم في الدنيا عن نور تَوْحيدِه حجبهم في الآخرة عن رؤيته (٣). وقال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿لَّحْجُوبُونَ﴾، أي: عن كرامته ورحمته ممنوعون (٤). وقال قتادةُ: هو أنَّ الله لا ينظرُ إليهم برحمته، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم(٥) . وعلى الأول الجمهورُ، وأنَّهم محجوبون عن رؤيته فلا یَرَوْنه. : ﴿ُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي: مُلازِمُوها ومُحْتَرِقون فيها غير خارِجِين منها ﴿كُلَّا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] و﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ويقال: الجحيم: البابُ الرابعُ من النار. ﴿ثُمَّ بُقَالُ﴾ لهم، أي: تقولُ لهم خَزَنةُ جهنّم ﴿هَذَا الَّذِى كُمْ بِهِ تُكَذُِّنَ﴾ رسلَ اللهِ في الدنيا. (١) في معاني القرآن ٢٩٩/٥ . (٢) في (م): لما. (٣) ذكره هذه الأقوال الواحدي في الوسيط ٤٤٦/٤. (٤) ذكره البغوي ٤ / ٤٦٠ دون نسبة. (٥) أخرجه الطبري ٢٠٤/٢٤ - ٢٠٥ . وذكره البغوي ٤ / ٤٦٠ . ١٤٧ سورة المطففين: الآيات ١٨ - ٢١ ١٩ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُّونَ قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ ٢١ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَبُونَ کِنَبُ تَقُوم (@) قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلَتِينَ﴾ (كَلَّا)) بمعنى: حقًّا، والوقفُ على ((تكذِّبون)). وقيل: أي: ليس الأمرُ كما يقولون ولا كما ظنُّوا، بل كتابُهم في سجِّين، وكتابُ المؤمنين في علِّيين. وقال مقاتل: كَلَّا، أي: لا يؤمنون بالعذاب الذي يَصْلَونه. ثم استأنف فقال: ((إِن كتاب الأبرارِ)) مرفوعٌ في عليين على قَدْرِ مَرْتَبتهم. قال ابن عباس: أي: في الجنة. وعنه أيضاً قال: أعمالُهم في كتابٍ [عند] الله في السماء. وقال الضحَّاك ومجاهدٌ وقتادةُ: يعني السماءَ السابعةَ فيها أرواحُ المؤمنين. ورَوَى الأَجْلَحُ عن الضخَّاك قال: هي سِدْرةُ المنتهى، ينتهي إليها كلُّ شيءٍ من أَمْرِ اللهِ لا يَعْدُوها، فيقولون: ربِّ! عَبْدُكَ فلان، وهو أَعْلَمُ به منهم، فيأتيه كتابٌ من الله عزَّ وجلَّ مختومٌ بأمانه من العذاب. فذلك قوله تعالى: ﴿كََّ إِنَّ كِتَبَ اُلْأَبْزَارِ﴾. وعن كعب الأحبار قال: إنَّ روحَ المؤمنِ إذا قُبِضَتْ صُعِدَ بها وفُتِحَتْ لها أبوابُ السماءِ، وتلقّتها الملائكةُ بالبُشْرَى، ثم يَخْرجون معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرجُ لهم من تحت العرشِ رَقٌّ، فيُرْقَم ويُختَم فيه النجاةُ من الحساب يومَ القيامة، ويَشْهِدُه المقرَّبون. وقال قتادةُ أيضاً: ((في علِّيين)) هي فوقَ السماءِ السابعةِ عند قائمةِ العرشِ اليمنى (١). وقال البَرَاء بن عازِبٍ: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((عِلِّيون في السماء السابعةِ تحت العرش))(٢). وعن ابن عباسٍ أيضاً: هو لوحٌ من زَبَرْ جَدَةٍ خضراءَ معلَّقٌ بالعرش، أعمالُهم مكتوبةٌ فيه(٣). (١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٤/ ٢٠٧ و٢١٠، وما بين سلف بين حاصرتين منه. (٢) أخرجه الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٤٧، وينظر الحديث (١٨٥٣٤) في مسند أحمد عن البراء . (٣) تفسير البغوي ٤ / ٤٦٠. ١٤٨ سورة المطففين: الآيات ١٨ - ٢١ وقال الفرَّاء: عِلِّيون: ارتفاعٌ بعد ارتفاع(١). وقيل: علِّيون: أَعْلَى الأمكنةِ(٢). وقيل: معناه: علوٌّ في علوٍّ مضاعَف كأنه لا غايةً له؛ ولذلك جُمْع بالواو والنُّون. وهو معنى قولِ الطبريِّ(٣). قال الفرَّاء: هو اسمٌ موضوعٌ على صفةِ الجمع، ولا واحدَ له من لَفْظِه، كقولك: عشرون وثلاثون، والعربُ إذا جَمَعَتْ جمعاً ولم يكن له بناءٌ مِن واحدِهِ ولا تثنيةٌ، قالوا في المذكَّر والمؤنَّث بالنون (٤). وهو معنى قولِ الطبريِّ(٥). وقال الزجَّاج (٦): إعرابُ هذا الاسم كإعرابِ الجمع [لأنه على لفظ الجمع]، كما تقول: هذه قِنَّسرون، ورأيتُ قِنَسرین. وقال يونس النحويُّ: واحدُها: علِّيٌ وعِلِيةٌ. وقال أبو الفتح: عِلِّيين: جمعُ عِلِّيٌّ، وهو فِعِّيل من العُلُوِّ. وكان سبيلُه أن يقول: عِلِّية، كما قالوا للغرفة عِلِّية؛ لأنَّها من العلوِّ، فلمَّا حُذِفَتِ التاءُ من عِلِّية عوَّضوا منها الجمعَ بالواو والنون، كما قالوا في أَرضين(٧) . وقيل: إنَّ علِّيين صفةٌ للملائكة، فإنَّهم الملأُ الأعلى، كم يقال: فلانٌ في بني فلانٍ؛ أي: هو في جُمْلتهم وعندهم. والذي في الخبر من حديثٍ ابنِ عمر أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((إنَّ أهلَ عِلْيين لَيَنْظُرون إلى الجنة من كذا(٨)، فإذا أَشْرَفَ رجلٌ (١) معاني القرآن للفراء ٢٤٧/٣. (٢) هو قول الزجاج في معاني القرآن ٢٩٩/٥ . (٣) في تفسيره ٢٤/ ٢١٠ . (٤) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٤٧/٣. (٥) في تفسيره ٢٤/ ٢١٠ . (٦) في معاني القرآن ٥/ ٣٠٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٧) يعني أن كلمة أرض اسم مؤنث، فكأن فيها هاءُ مُرادةً، وكأن تقديرها: أرْضة، فلما حذفت التاء التي كان القياس يوجبها، عوَّضوا منها الجمع بالواو والنون، فقالوا: أرضون. ينظر سر صناعة الإعراب لابن جني ٦١٤/٢ و٦٢٥ . (٨) كذا في النسخ، والذي في مصنف ابن أبي شيبة ١٢٢/١٣: كوى، وكذا نقلها عنه السيوطي في الدر المنثور ٣٢٧/٦. ١٤٩ سورة المطففين: الآيات ١٨ - ٢١ من أهل عِلِّيين أشرقت الجنةُ لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟! فيقال: أَشْرفَ رجل من أهل علِّيين الأبرارِ أهلِ الطّاعةِ والصِّدْقِ)). وفي خبرٍ آخَرَ: ((إنَّ أهل الجنة لَيَرْون أهلَ عِلِّيين كما يُرى الكوكبُ الدُّرِّيُّ في أُفُقِ السماء)»(١) يدلُّ على أنَّ عِلِّيين اسمُ الموضعِ المرتفعِ. وروى ناسٌ عن ابن عباس في قوله: ((عِلِّيين))، قال: أَخْبَرَ أنَّ أعمالهم وأرواحَهم في السماء الرابعة(٢). ثم قال: ﴿وَمَآ أَذَرَئِكَ مَا عِلَيُونَ﴾ أي: ما الذي أَعْلَمَكَ يا محمدُ أيُّ شيءٍ علِّيون؟ على جهةِ التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة. ثم فسَّره له فقال: ﴿كِنَبٌ تَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْقُرَبُونَ﴾ . وقيل: إنَّ (كتابٌ مرقومٌ)) ليس تفسيراً لعلِيين، بل تمَّ الكلام عند قوله: ((علِّيون))، ثم ابتدأ وقال: ((كتاب مرقوم)) أي: كتابُ الأبرارِ كتابٌ مَرْقومٌ، ولهذا عكس الرقم في كتاب الفجَّار؛ قاله القشيريُّ. وروي: أنَّ الملائكة تصعَدُ بعمل العبد، فَيَسْتقِلُّونه(٣) فإذا انتَهَوْا به إلى ما شاء الله من سلطانه أَوْحَى إليهم: إنَّكم الحفَظَةُ على عبدي، وأنا الرقيبُ على ما في قلبه، وإنَّه أَخْلَصَ لي عملَه، فاجعلوه في علِّين، فقد غَفَرْتُ له، وإنَّها لتصعدُ بعملِ العبد، فيزُونه، فإذا انتَهَوْا به إلى ما شاء الله أَوْحَى إليهم: أنتم الحفظةُ على عبدي وأنا الرقيبُ على ما في قلبه، وإنه لم يُخْلِصْ لي عملَه، فاجعلوه في سِجِّين(٤). (١) أخرجه أحمد (١١٥٨٨) من حديث أبي سعيد الخدري ـه. (٢) في (ظ) و(ي): السابعة، وهما روايتان عن ابن عباس ذكرهما الرازي ٣١/ ٩٧ . (٣) في النسخ عدا (د): فيستقبلونه، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في المصادر، على ما يأتي. (٤) الكشاف ٢٣٢/٤، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٥٢)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٢٢) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب، عن النبي 8﴾ .. وابن أبي مريم ضعيف، كما ذكر الحافظ في التقريب، كما أن الخبر مرسل. ١٥٠ سورة المطففين: الآيات ٢١ - ٢٨ قوله تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُرَُّنَ﴾ أي: يَشْهدُ عملَ الأبرارِ مقرَّبو كلِّ سماءٍ من الملائكة. وقال وهبٌّ وابنُ إسحاقَ: المقرَّبون هنا إسرافيلُ عليه السلامُ، فإذا عَمِلَ المؤمنُ عَملَ البِرِّ، صَعدت الملائكةُ بالصحيفة وله نورٌ يتلألأً في السماوات کنورٍ الشمس في الأرض، حتى يُنْتَهى بها إلى إسرافيل، فيختمُ عليها ويكتبُ، فهو قولُه: ((يشهده المقربون)) أي: يشهدُ كتابتهم (١). عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنْظُرُونَ (٣ تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِمٍ (9): خِتَمُهُ مِسْكٌّ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ تَّخْتُومٍ (٥) نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيمٍ (١٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ اٌلْمُنَنَفِسُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ أي: أهلَ الصِّدْقِ والطاعة. ﴿لَفِى نَصِيمٍ﴾ أي: نَعْمةٍ، والنَّعمةُ بالفتح: التنعيم؛ يقال: نَعَّمه الله وناعَمَه فتنعَّم، وامرأةٌ منعَّمةٌ ومنَاعَمةٌ بمعنى (٢). أي: إنَّ الأبرار في الجنات يتنعَّمون. ﴿عَلَى الْأَرَابِ﴾ وهي الأَسِرَّةُ في الحِجال(٣) ﴿يَظُرُونَ﴾ إلى ما أعدَّ الله لهم من الكرامات؛ قاله عكرمةُ وابن عباسٍ ومجاهد(٤). وقال مقاتل: ينظرون إلى أهل النار. وعن النبيِّ ﴾: ((ينظرون إلى أعدائهم في النار))(٥) ذكره المَهْدَوِيُّ. وقيل: على أرائكِ أَفْضالِه ينظرون إلى وجهه و جلاله. قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ التَّعِيمِ﴾ أي: بهجَتْه وغَضَارتَه ونورَه؛ يقال: نَضَر النبات؛ إذا ازْهَرَّ ونَوَّر (٦). وقراءةُ العامَّةِ: ((تَعرِفُ)) بفتح التاءُ وكَسْرِ الراء «نَضْرَةَ» (١) في (ظ): كتابهم. (٢) الصحاح (نعم). (٣) جمع حَجَلة، وهو موضع مثل القبة يتخذ للعروس، يزين بالثياب والسُّتور والأَسِرَّة. معجم متن اللغة (حجل). (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٤٨، والبغوي ٤ / ٤٦١ دون نسبة. (٥) ذكره مرفوعاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥٣/٥. وذكره الواحدي ٤٤٨/٤، والبغوي ٤ / ٤٦١ عن مقاتل قوله. (٦) نوَّر: أخرج نَوْرَه، والنَّوْر: الزَّهر. القاموس (نور). ١٥١ سورة المطففين: الآيات ٢٤ - ٢٨ نصباً، أي: تَعْرِفُ يا محمد. وقرأ أبو جعفر بنُ القعقاع ويعقوبُ وشيبةُ وابن أبي إسحاق: ((تُعْرَف)) بضمِّ التاء وفتحِ الراء على الفعل المجهول، ((نضرةُ)) رفعاً(١). ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ﴾ أي: من شرابٍ لا غِشَّ فيه. قاله الأخفشُ والزجَّاجِ(٢). وقيل: الرحيقُ: الخمرُ الصافية. وفي ((الصحاح)) (٣): الرحيقُ صفوةُ الخمر. والمعنى واحدٌ. الخليل: أَضْفى (٤) الخمرِ وأجودُها. وقال مقاتل وغيره: هي الخمرُ العتيقةُ البيضاءُ الصافيةُ من الغشِّ النِّرةُ، قال حسان: يَسْقُونَ مَن وَرَدَ البَريصَ عليهِمُ وقال آخر : بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ(٥) أمْ لا سبِيلَ إِلى الشباب وذِكْرُه أَشْهى إليَّ مِن الرحيقِ السَّلْسَلِ(٦) ﴿مَخْتُومٍ. خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾ قال مجاهدٌ: يُختمُ به آخِرُ جُرْعةٍ. وقيل: المعنى: إذا شربوا هذا الرحيقَ فَفَني ما في الكأس، انختم ذلك بخاتم المِسْكِ. وكان ابنُ مسعود يقول: يجدون عاقبتها طَعْمَ المِسْكِ(٧). ونحوه عن سعيد بن جبير وإبراهيمَ النخعيِّ قالا: ختامُه: آخِرُ طَعْمِهِ (٨). وهو حسنٌ؛ لأنَّ سبيل الأشربةِ أن يكون الكَدَرُ في آخرها، فوصف شراب أهلِ الجنة بأنَّ رائحةَ آخِرِه رائحةُ المِسْكِ. (١) النشر ٢/ ٣٩٧ عن يعقوب وأبي جعفر. (٢) في معاني القرآن ٣٠٠/٥، وذكره عن الأخفش الماوردي في النكت والعيون ٢٣٠/٦ . (٣) مادة (رحق). (٤) في النسخ: أقصى، والمثبت من النكت والعيون ٢٣٠/٦، والكلام منه. وفي العين ٤٥/٣ : الرحيق من أسماء الخمر. (٥) ديوان حسان ص ١٨٠، وسلف ٢١/ ٤٧٨. (٦) البيت لأبي كبير، وهو في ديوان الهذليين ص ٨٩ . قال شارح الديوان: السلسل: السهلُ في الحَلْقِ السَّلِسُ. (٧) أخرجه هناد في الزهد (٦٤). (٨) أخرجه بهذا اللفظ عن سعيد بن جبير ابن أبي شيبة ١٤٣/٣. وأخرجه عن إبراهيم الطبري ٢١٨/٢٤ بلفظ : عاقبته مسك. ١٥٢ سورة المطففين: الآيات ٢٦ - ٢٨ وعن مسروق عن عبد الله. قال: المختومُ: الممزوج(١). وقيل: مختوم، أي: خُتِمِتْ ومُنِعتْ عن أن يمسَّها ماسٌّ إلى أن يَفُكَّ ختامَها الأبرارُ. وقرأ عليٍّ وعلقمةُ وشقيقٌ والضحاكُ وطاوسٌ والكسائيُّ: ((خاتَمه)) بفتح الخاء والتاء وألفٌ بينهما(٢). قال علقمةُ: أمَا رأيتَ المرأةَ تقولُ للعطار: اجْعَلْ خاتَمه مِسْكاً، تريدُ آخِرَه. والخاتمَ والخِتام متقارِبان في المعنى، إلَّا أنَّ الخاتم الاسمُ، والخِتامِ المصدرُ؛ قاله الفراء(٣). وفي (الصحاح)): والخِتامُ: الطِّينُ الذي يُخْتَم به (٤). وكذا قال مجاهدٌ وابن زيد: خُتم إناؤه بالمسك بدلاً من الطّين. حكاه المهدويُّ. وقال الفرزدق: وبِتُّ أَفُضُّ أَغلاقَ الخِتَامِ(٥) وقال الأعشى : وأَبْرزَها وعليها خَتَمْ(٦) أي: عليها طينةٌ مختومةٌ، مثل نَفَضٍ بمعنى منفوضٍ، وقَبَض بمعنى مقبوضٍ(٧). وذكر ابنُ المبارك وابنُ وَهْبٍ، واللفظُ لابنٍ وَهْبٍ، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ((خِتامه مِسْك)): خِلْطُه، ليس بخاتمِ يَخْتِم، ألا ترى إلى قولِ المرأةِ من (١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٢/١٣، وهناد في الزهد (٦٦)، والطبري ٢١٦/٢٤. (٢) السبعة ص ٦٨٦، والتيسير ص ٢٢١ عن الكسائي. وذكرها عن علي وعلقمة الفراء في معاني القرآن ٢٤٨/٣. (٣) في معاني القرآن ٢٤٨/٣ . (٤) الصحاح (ختم). (٥) وصدره: فبتن بجانبيَّ مُصَرَّعات، وسلف ١٤٨/١٣ . (٦) وصدره: وصهباءً طاف يَهوديُّها. وهو في ديوان الأعشى ص ٨٥، والصحاح (ختم). قال الشارح: أي: يبرزها صاحبها اليهودي مختومة لم تُفَضَّ ولم تعبث بها يد. والصهباء: الخمر. القاموس (صهب). (٧) الصحاح (ختم). والنَّفَض: ما تساقط من ورق الشجر والثمر. الصحاح (نفض). ١٥٣ سورة المطففين: الآيات ٢٦ - ٢٨ نسائكم: إنَّ خِلْطَه من الطَّيب كذا وكذا. إنَّما خِلْطُه مسك(١). قال [أبو الدرداء]: شرابٌ أبيضُ مثلُ الفضةِ يَخْتِمون به آخِرَ أَشْرِبَتهم، لو أنَّ رجلاً من أهل الدنيا أَدْخَل فيه يده ثم أَخْرَجَها، لم يَبْقَ ذو روحٍ إِلَّ وَجَدَ ریحَ طِيْبِها(٢). وروى أُبَيُّ بنُ كعب قال: قيل: يا رسول الله، ما الرحيقُ المختوم؟ قال: ((غُدْرانُ الخمر))(٣). وقيل: مختومٌ في الآنية، وهو غيرُ الذي يجري في الأنهار. فالله أعلم. ﴿وَفِ ذَلِكَ﴾ أي: وفي الذي وصفناه من أمر الجنة ﴿فَلْيَتَنَافَ الْمُنْنَفِسُونَ﴾ أي: فَلْيَرْغَب الراغبون؛ يقال: نَفِسْتُ عليه الشيءَ أَنْفَسُه نفاسةً، أي: ضَنِنتُ به، ولم أُحِبَّ أنْ يصيرَ إليه(٤). وقيل: الفاءُ بمعنى إلى، أي: وإلى ذلك فليتبادرِ المتبادِرون في العمل، نظيرُه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. ﴿وَمِنَابُهُ﴾ أي: ومِزَاجُ ذلك الرحيقِ ﴿مِن تَسْنٍِ﴾ وهو شرابٌ ينصبُّ عليهم من علوٍّ، وهو أشرفُ شرابٍ في الجنة. وأصلُ التسنيم في اللغة: الارتفاعُ، فهي عينُ ماءٍ تجري من علوِّ إلى أسفل، ومنه: سنام البعير؛ لعلوِّه من بَدَنِهِ، وكذلك تسنيمُ القبور. وروي عن عبد الله قال: ((تسنيم)) عينٌ في الجنة يشربُ بها المقرَّبون صِرْفاً، ويُمزجُ منها كأسُ أصحابِ اليمين فتطيب(٥). وقال ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿وَمِنَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ قال: هذا ممَّا قال الله (١) الزهد لابن المبارك (٢٧٧ - زوائد نعيم)، وأخرجه أيضاً الطبري ٢١٦/٢٤، والطبراني في الكبير (٩٠٦٢). (٢) الزهد لابن المبارك (٢٧٦ - زوائد نعيم)، وتفسير مجاهد ٧٣٩/٢، وتفسير الطبري ٢١٨/٢٤، والبعث والنشور للبيهقي (٢٦٥)، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. (٣) النكت والعيون ٦/ ٢٣٠. (٤) تفسير الرازي ١٠٠/٣١. (٥) أخرجه الحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٥٢٢)، وابن أبي شيبة ١٤٢/١٣، وهناد في الزهد (٦٥)، والطبري ٢٤/ ٢٢١ . ١٥٤ سورة المطففين: الآيات ٢٧ - ٣٦ تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧](١). وقيل: التسنيم: عينٌ تجري في الهواء بقدرة الله تعالى، فتنصبُّ في أواني أهلٍ الجنةِ على قَدْرِ مائها، فإذا امتلأتْ أَمْسَكَ الماء، فلا تقع منه قطرةٌ على الأرض، ولا يحتاجون إلى الاستقاء؛ قاله قتادة(٢). ابن زيد: بَلَغَنا أنَّها عينٌ تجري من تحت العرش(٣). وكذا في مراسيلِ الحسن. وقد ذكرناه في سورة الإنسان(٤). ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَُّونَ﴾ أي: يشربُ منها أهلُ جنةِ عَدْنٍ - وهم أَفاضِلُ أهلٍ الجنةِ - صِرْفًا، وهي لغيرهم مِزَاجٌ. و((عيناً)) نصب على المدح. وقال الزجَّاج: نصب على الحال من تسنيم، وتسنيم معرفةٌ، ليس يُعرفُ له اشتقاق، وإن جَعَلْته مصدراً مشتقًّا من السَّنام فـ((عيناً)) نصب لأنه مفعولٌ به، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْخَبَةٍ. يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ -١٥] وهذا قولُ الفراءِ: أنه منصوبٌ بتسنيم. وعند الأخفش بـ ((يُسْقَون)) أي: يُسقونَ عيناً، أو: من عين. وعند المبرِّد بإضمارٍ أعني على المدح(٥). ) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ ٢٩ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضَْكُونَ وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴿ وَإِذَا رَأَوَهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ يَثَغَامَنُونَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ لَضَآَلُونَ هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ عَلَى الْأَرَّبِكِ يَنْظُرُونَ (يَا ٣٤ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ وَصَفَ أحوالَ الكفَّارِ في الدنيا مع المؤمنين في (١) ذكره الرازي ١٠٠/٣١، والبغوي ٤ /٤٦٢، والواحدي في الوسيط ٤٤٩/٤. (٢) ذكره البغوي ٤/ ٤٦١ . (٣) تفسير الطبري ٢٢٤/٢٤. (٤) عند تفسير الآية السادسة منها. (٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٤٩/٣، وللزجاج ٣٠١/٥، وللأخفش ٧٣٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٨٢/٥. ١٥٥ سورة المطففين: الآيات ٢٩ - ٣٦ استهزائهم(١) بهم، والمرادُ رؤساءُ قريشٍ من أهلِ الشِّرْك. رَوَى ناسٌ عن ابن عباسٍ قال: هو الوليدُ بنُ المغيرةِ، وعُقْبَةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغوث، والعاصُ بن هشام، وأبو جهل، والنَّضْرُ بنُ الحارثِ، وأولئك ﴿كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ من أصحاب محمدٍ ﴾، مثل عَمارٍ وخَبَّبٍ وصُهَيبٍ وبلال ﴿يَضْحَكُونَ﴾ على وجهِ السُّخْرِية(٢). ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ﴾ عند إتيانهم رسولَ الله :﴿ ﴿يَغَمَُّونَ﴾ يغمزُ بعضُهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم. وقيل: أي: يعيِّرونهم بالإسلام ويَعِيْبونَهم به. يقال: غَمَزْتُ الشيءَ بيدي، قال : وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ قوِم كَسَرْتُ كُعوبَها أو تستقِيمًا(٣) وقالت عائشةُ: كان النبيُّ # إذا سجد غَمزَني، فقبضتُ رِجْليَّ، الحديثَ، وقد مضى في ((النساء)) (٤). وغمزتُه بعيني. وقيل: الغمز: بمعنى العيب، يقال: غمزه، أي: عابَه، وما في فلانٍ غَمْزة (٥)، أي: عيب. وقال مقاتل: نزلت في عليّ بنِ أبي طالب؛ جاء في نَفَرٍ من المسلمين إلى النبيَِّ﴿ فَلَمَزهم المنافقون، وضحكوا عليهم وتَغامَزوا(٦). ﴿وَ إِذَا أَنْقَلَبُوًا﴾ أي: انْصَرَفوا إلى أهلهم وأصحابهم وذويهم ﴿انقلبوا فاكِهِين﴾ أي: مُعَجِّبين منهم. وقيل: مُعْجَبون بما هم عليه من الكفر، متفكُّهون بِذِكْرِ المؤمنين. وقرأ ابنُ القعقاعِ وحَفْصٌ والأعرِجُ والسُّلميُّ: ((فَكِهِين)) بغيرِ ألفٍ. الباقون بألف(٧). (١) في (د) و(م): باستهزائهم، وفي (ظ): واستهزاءهم. (٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٤٩/٤، والبغوي ٤/ ٤٦٢، والرازي ١٠١/٣١ دون نسبة. (٣) سلف ١٧٣/٥ . (٤) ٦ / ٣٧٥ . (٥) كذا في النسخ، وفي المعاجم: غميزة. (٦) تفسير أبي الليث ٤٥٨/٣، والكشاف ٢٣٣/٤، وتفسير الرازي ١٠١/٣١. (٧) السبعة ص ٦٧٦، والتيسير ص ٢٢١، والنشر ٢٥٤/٢ - ٢٥٥ و٣٩٩. ١٥٦ سورة المطففين: الآيات ٣١ - ٣٦ قال الفرَّاء(١): هما لغتان، مثل: طَمِع وطامِع، وحَذِر وحاذِر، وقد تقدَّم في سورة الدخان(٢)، والحمد لله. وقيل: الفَكِهُ: الأَشِرُ البَطِرُ، والفاكِه: الناعِم المتنعِّم. ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أي: إذا رأى هؤلاء الكفارُ أصحابَ محمدٍ ﴿ ﴿قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَلُونَ﴾ في اتِّباعهم محمداً ﴾ ﴿وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيِهِمْ حَفِظِينَ﴾ لأعمالهم، مُوَكَّلين بأحوالهم، رُقَباءَ عليهم. ﴿فَلْيَوْمَ﴾ يعني هذا اليوم الذي هو يومُ القيامة ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بمحمدٍ ﴿ ﴿مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ كما ضحك الكفارُ منهم في الدنيا. نظيرُه في آخِر سورةِ المؤمنين، وقد تقدَّم(٣). وذكر ابن المبارك: أخبرنا محمد بن يسار عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ﴾ قال: ذُكِر لنا أنَّ كعباً كان يقول: إنَّ بين الجنة والنارِ كُوّى، فإذا أراد المؤمنُ أن ينظر إلى عدوٍّ كان له في الدنيا اطَّلَع من بعضِ الكُوَى؛ قال الله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿فَأَطَّلَعَ فَرَاهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قال: ذُكِر لنا أنه اطّلع فرأى جماجمَ القومِ تَغْلِي(٤). وذكر ابن المبارك أيضاً: أخبرنا الكلبيُّ عن أبي صالح في قوله تعالى: ﴿اللـه يستهزِى بِهِم﴾ [البقرة: ١٥] قال: يقال لأهل النارِ وهم في النار: اخرجوا، فتفتَحُ لهم أبوابُ النارِ، فإذا رَأَوْها قد فُتِحَتْ أَقْبَلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انْتَهَوْا إلى أبوابها غُلِّقتْ دونهم، فذلك قوله: ﴿الله يستهزئ بِهِم﴾ ويَضْحكُ منهم المؤمنون حين غُلِّقتْ دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿قَالَيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرَّبِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾(٥) وقد (١) في معاني القرآن ٢٤٩/٣ بنحوه. (٢) ١٩ /١١٧ - ١١٨ . (٣) ١٥ / ٩٥ . (٤) لم نقف عليه عند ابن المبارك، وأخرجه الطبري ٢٢٨/٢٤ . (٥) لم نقف عليه عند ابن المبارك، وأخرجه ابن المنذر، كما في الدر المنثور ٣١/١ . ١٥٧ سورة الإنشقاق: الآيات ١ - ٥ مضى هذا في أولِ سورة البقرة(١). ومعنى «هل تُوِّب)) أي: هل جُوزي [الكفار] بسُخْرِيتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فُعِل بهم ذلك(٢). وقيل: إنه متعلّق بـ ((ينظرون)) أي: ينظرون: هل جُوزيَ الكفار؟ فيكون معنى هل وموضعُها نصباً بـ ((ينظرون)). وقيل: استئنافٌ لا موضعَ له من الإعراب. وقيل: هو إضمارٌ على القول، والمعنى: يقول بعضُ المؤمنين لبعضٍ: ((هل تُوِّب الكفار)) أي: أُثيبَ وجُوزي. وهو مِن ثابَ يثوبُ، أي: رجع، فالثَّوابُ ما يرجع على العبد في مقَابَلَةِ عَمَلِه، ويُستعمل في الخير والشَّرّ. خُتِمَتِ السورةُ والله أعلم. سورة الانشقاق مكية في قول الجميع، وهي خمس وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَتْ ٣ وَأَذِنَتْ لِمَهَا وَحُقَّتْ قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَشَقَّتْ () .@ وَأَلَقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ أي: انْصَدَعَتْ(٣) وَتَفَظَّرَتْ بالغَمام، والغَمامُ مثلُ السَّحاب الأبيض. وكذا رَوَى أبو صالح عن ابن عباس. وروي عن عليٍّ عليه السلامُ قال: تُشَقُّ من المَجَرَّةُ (٤). وقال: المَجرَّةُ بابُ السماء(٥). وهذا من أشراطِ الساعةِ (١) ١/ ٣١٥. (٢) بنحوه في مجمع البيان ٧٤/٣٠، وما سلف بين حاصرتين منه. قال الطبرسي: وهو استفهام يراد به التقرير، ويكون استئنافَ كلام لا موضع له من الإعراب. (٣) في (د) و(ظ): تصدعت. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٢٩/٦ . (٥) أخرجه الطبراني (١٠٥٩١)، وأبو الشيخ في العظمة (٧٩٦) عن ابن عباس بلفظ: المجرة باب السماء الذي تنشق منه. ١٥٨ سورة الإنشقاق: الآيات ١ - ٥ وعلاماتها. ﴿وَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ﴾ أي: سمِعتْ، وحُقَّ لها أن تسمع. رُوي معناه عن ابن عباس ومجاهدٍ وغيرهما (١)؛ ومنه قولُه ◌َ ﴾: ((ما أَذِن الله لشيءٍ كَأْذَنِهِ لنبيِّ يتغنَّى بالقرآن))(٢) أي: ما استمع الله لشيءٍ؛ قال الشاعر: وإِنْ ذُكرتُ بسوءٍ عندهم أَذِنوا(٣) صُمّ إذا سمِعوا خيراً ذُكِرْتُ بِه أي: سمعوا: وقال قَعْنَب بنُ أمِّ صاحب : إِنْ يأذِنُوا رِيبةٌ طاروا بها فرحاً وما هُمُ أَذِنوا من صالحِ دَفَنُوا (٤) وقيل: المعنى: وحقَّق الله عليها الاستماعَ لأمره بالانشقاق. وقال الضحاك: حُقَّتْ: أَطاعَتْ(٥)، وحُقَّ لها أن تُطيعَ ربَّها؛ لأنه خَلَقها؛ يقال: فلانٌ مَحقوقٌ بكذا. وطاعةُ السَّماء: بمعنى أنها لا تمتنعُ مما أراد الله بها، ولا يَبْعدُ خَلْقُ الحياةِ فيها حتى تُطِيعَ وتُجيبَ. وقال قتادة: حُقَّ لها أن تفعل ذلك؛ ومنه قولُ كثير: فإن تَكُنِ العُثْبَى فأهلاً ومَرْحباً وحُقَّتْ لها العُثْبَى لدينا وقَلَّتِ (٦) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرُّ مُدَتْ﴾ أي: بُسِطَت ودُكَّتْ جِبالُها. قال النبيُّ﴾: («تُمدُّ (١) تفسير الطبري ٢٣١/٢٤ - ٢٣٢. (٢) أخرجه أحمد (٧٦٧٠)، والبخاري (٥٠٢٣)، ومسلم (٧٩٢) من حديث أبي هريرة ، وسلف ٢٨/١. (٣) البيت لقعنب بن أم صاحب، كما في عيون الأخبار ٣/ ٨٤، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ٤/ ١٢، وبهجة المجالس ٧٢٤/١، ومختارات ابن الشجري ص ٧ ، واللسان (أذن) و(شور)، وهو دون نسبة في تفسير الطبري ٢٣٠/٢٤، ومعاني القرآن للزجاج ٣٠٣/٥ . (٤) عيون الأخبار ٨٤/٣، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١٢/٤، وللمرزوقي ٣/ ١٤٥٠، وبهجة المجالس ٧٢٥/١، ومختارات ابن الشجري ص ٧، واللسان (أذن) و(شور)، وهو في هذه المصادر برواية : إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً مني وما سمعوا من صالح دفنوا (٥) أخرجه الطبري ٢٣٢/٢٤ بلفظ: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ﴾ قال: سمعت وأطاعت. (٦) ديوان كثير ص٧٩، والنكت والعيون ٦/ ٢٣٤، والكلام منه. ١٥٩ سورة الإنشقاق: الآيات ٣ - ٥ مَدَّ الأديم))(١) لأنَّ الأديم إذا مدَّ زال كُلُّ انثناءٍ فيه وامتدَّ واسْتَوَى. قال(٢) ابنُ عباسٍ وابنُ مسعود: ويُزادُ في سَعَتها كذا وكذا؛ لوقوفِ الخلائقِ عليها للحساب، حتى لا يكون لأحدٍ من البشر إلَّا موضعُ قدمه، لكَثْرةِ الخلائقِ فيها. وقد مضى في سورة ((إبراهيم)) أنَّ الأرض تبدَّلُ بأرضٍ أخرى(٣)، وهي السَّاهرةُ في قولِ ابنِ عباسٍ على ما تقدَّم عنه (٤). ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أي: أَخْرِجَتْ أمواتَها، وتخلَّتْ منهم(٥). وقال ابن جُبير: أَلْقَتْ ما في بطنها من الموتى، وتخلَّتْ ممَّن على ظَهْرِها من الأحياء(٦). وقيل: أَلْقَتْ ما في بطنها من كنوزها ومَعادِنها، وتخلَّت منها، أي: خلا جوفُها، فليس في بطنها شيءٌ، وذلك يُؤْذِنُ بعِظَم الأمر، كما تُلْقي الحاملُ ما في بَطْنها عند الشدَّة. وقيل: تَخَلَّت مما على ظهرها من جبالها وبحارها. وقيل: أَلْقَتْ ما استُودِعتْ، وتَخلَّتْ ممَّا استُحْفِظَتْ؛ لأنَّ الله تعالى استَوْدَعَهَا عِبَادَه أحياءً وأمواتاً، واستحفظها بلادَه مزارعةً وأقواتاً (٧). ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ أي: في إلقاءِ مَوْناها ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحُقَّ لها أنْ تَسْمِعَ أمرَه. واختُلف في جوابٍ ((إِذا))؛ فقال الفرَّاء(٨): ((أذِنت))، والواوُ زائدةٌ، وكذلك (١) سلف ١٦٨/١٢. (٢) في (ي): وقاله، وفي (د) و(ظ): وقال، وينظر ما سلف ١٦٨/١٢. (٣) ١٦٩/١٢ . (٤) ص٥١ من هذا الجزء. (٥) في (م): عنهم. (٦) النكت والعيون ٢٣٥/٦ . (٧) النكت والعيون ٢٣٥/٦، وفيه: مزارع وأقواتاً. (٨) في معاني القرآن ٢٤٦/٣ . ١٦٠ سورة الإنشقاق: الآية ٥ ((وأَلْقَتْ)). ابن الأنباريِّ: قال بعضُ المفسِّرين: جوابُ ((إذا السماء انشقَّتْ)): ((أَذِنَتْ))، وزَعَم أنَّ الواوَ مُفْحَمَةٌ، وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ العرب لا تُفْحِمُ الواوَ إلَّا مع ((حتى إذا)) كقوله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ومع ((لمَّا)) كقوله تعالى: ﴿فَلََّّآ أَسْلَمَا وَتَلَُّ لِلْجَبِينِ. وَدَيْنَهُ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٤] معناه: ((ناديناهُ))، والواوُ لا تُقْحمَ مع غيرِ هذين. وقيل: الجوابُ فاءٌ مُضْمَرةٌ، كأنه قال: ((إذا السماء انشقَّت)) فيا أيها الإنسانُ إنَّك كادح(١) . وقيل: جوابُها ما دلَّ عليه ((فمُلاقِيهِ))، أي: إذا السماء انشقَّتْ لاقَى الإنسانُ گذْحه(٢). وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ((يا أيها الإنسانُ إِنك كادحٌ إِلى ربِّك كَذْحاً فملاقِيهِ)) ((إِذا السماء انشقَّت)). قاله المبرد(٣). وعنه أيضاً: الجوابُ: ((فأمَّا مَن أوتيَ كتابه بيمينه)) وهو قولُ الكسائيِّ(٤)؛ أي: إذا السماء انشقَّتْ فَمَن أُوتَيَ كتابه بيمينه فحُكْمُه كذا. قال أبو جعفر النخَّاس: وهذا أصحُّ ما قيل فيه وأَحْسَنُه. وقيل: هو بمعنى: اذْكُرْ إِذا السماءُ انشقَّتْ(٥). وقيل: الجوابُ محذوفٌ لِعلْم المخاطَبينَ به، أي: إذا كانت هذه الأشياءُ عَلِمَ المكذِّبون بالبعث ضلالتَهم وخُسْرانَهم. وقيل: تقدَّم منهم سؤالٌ عن وقتِ القيامة، فقيل لهم: إذا ظَهَرَتْ أشراطُها كانت القيامةُ، فرأيتم عاقبةَ تكذيبِكم بها. والقرآنُ كالآيةِ الواحدةِ في دلالةِ البعضِ على البعض. (١) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٧١ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٠٣/٥ . (٣) زاد المسير ٩/ ٦٣. (٤) ذكره عنه الرازي ١٠٥/٣١. (٥) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٨٥/٥ وقال: فعلى هذا لا تحتاج إلى جواب.