Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة الانفطار: الآيات ٣ - ٩
مجتمعةٌ، فإذا فُجّرتْ تفرَّقَتْ، فذهب ماؤها. وهذه الأشياءُ بين يدي الساعة، على ما
تقدَّم في ((إذا الشمس كورت)).
و﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: قُلِبتْ فأُخرِجَ ما فيها من أهلها أحياءً؛ يقال: بَعثرتُ
المتاعَ: قلبته ظهراً لبَظْنٍ، وبَعثَرتُ الحوض وبحثَرته: إذا هدمته وجعلت أسفله أعلاه.
وقال قوم منهم الفرّاء(١): ((بعثِرت)): أَخْرجتْ ما في بطنها من الذهب والفضة. وذلك
من أشراط الساعة: أن تُخرِجَ الأرضُ ذَهبَها وفضَّتها.
﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ مثل: ﴿يُنَّوْ اَلْإِسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]،
وتقدَّم. وهذا جوابُ ((إذا السماءُ انْفَطَرَتْ)) لأنه قَسَمٌ في قولِ الحسنِ وَقَع على قوله
تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ﴾ (٢). يقول: إذا بَدَتْ هذه الأمورُ من أشراطِ الساعة خُتِمَت
الأعمالُ، فَعَلِمَتْ كلُّ نفسٍ ما كَسَبتْ، فإنَّها لا ينفعُها عملٌ بعد ذلك.
وقيل: أي: إذا كانت هذه الأشياءُ قامت القيامة، فحوسِبَتْ كلُّ نفسٍ بما عَمِلَتْ،
وأُوتِيَتْ كتابَها بيمينها أو بشمالها، فتذكَّرتْ عند قراءتِهِ جميعَ أعمالها.
وقيل: هو خبرٌ وليس بقَسَمٍ، وهو الصحيحُ إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الْإِسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيرِ ﴿ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ
فِىّ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَّكَّبَكَ ﴿﴿ كَلَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلِّينِ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ﴾ خاطَبَ بهذا مُنْكِري البعثِ. وقال ابن عباس:
الإنسانُ هنا: الوليدُ بن المغيرة(٣). وقال عكرمة: أبيّ بنُ خَلَف (٤). وقيل: نزلت في
(١) في معاني القرآن ٢٤٣/٣.
(٢) النكت والعيون ٢٢١/٦.
(٣) ذكره الرازي ٧٩/٣١ من طريق عطاء عن ابن عباس. وذكره الواحدي في الوسيط ٤٣٤/٤، والبغوي
٤/ ٤٥٥ عن عطاء قوله.
(٤) أخرجه ابن المنذر، كما في الدر المنثور ٣٢٣/٦ .

١٢٢
سورة الانفطار: الآيات ٦ - ٩
أبي الأشدِّ بنِ كَلَدة الجُمَحِيّ. عن ابن عباس أيضاً(١).
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: ما الذي غَرَّك حتى كَفَرْتَ بربِّك الكريم، أي:
المتجاوزِ عنك. قال قتادةُ: غرَّه شيطانُه المسلَّطُ عليه(٢). الحسن: غرَّه شيطانُه
الخبيث(٣).
وقيل: حُمْقُه وجَهْلُه؛ رواه الحسن عن عمر ﴾(٤).
وروى غالبٌ الحنفيُّ قال: لمَّا قرأ رسول اللـه ◌َ﴾: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ
اَلْكَرِيمِ﴾ قال: ((غرَّهُ الجَهْلُ))(٥).
وقال صالح بنُ مسمار: بلغنا أنَّ رسول اللـه ﴿ قرأ: ﴿يَأَيُّهَا الْإِسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ
الْكَرِيِ﴾؟ فقال: ((غرَّه جَهْلُه))(٦). وقاله عمر ﴾؛ قال: كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ
كَنَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢](٧) .
وقيل: غرَّه عَفْوُ اللهِ، إذ لم يُعاقِبْه في أوّل مرَّةٍ (٨). قال إبراهيم بن الأشعث: قيل
للفُضَيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يومَ القيامةِ بين يديه، فقال لك: ﴿مَا غَرَّكَ
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، ماذا كنتَ تقول؟ قال: كنتُ أقولُ: غَرَّني سُتُورُك الْمُرْخَاةُ؛ لأنَّ
الكريم هو الستّار. نَظَمه ابنُ السَّمَّاكِ فقال:
يا كاتمَ الذنبِ أمَا تستحي
واللهُ في الخُلْوةِ ثانيكًا
(١) النكت والعيون ٢٢١/٦، وزاد المسير ٩/ ٤٧ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٥٥، وأخرجه بنحوه الطبري ١٧٨/٢٤ .
(٣) الكشاف ٤/ ٢٢٧ .
(٤) النكت والعيون ٢٢٢/٦، وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٧١ ، والواحدي في الوسيط ٤٣٥/٤ . وصالح بن مسمار
بصريٍّ سكن الجزيرة، وروى عن الحسن البصري وابن سيرين. ذكره الحافظ في التهذيب ٢/ ٢٠٠
تمييزاً.
(٧) المحرر الوجيز ٤٤٦/٥ .
(٨) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٣٤، وفيه : ... في أول أمره.

١٢٣
سورة الانفطار: الآيات ٦ - ٩
غَرَّك من ربِّك إمهالُهُ وسَتْرُه طولَ مَسَاوِيكًا(١)
وقال ذو النون المِصْريُّ: كم من مغرورٍ تحت السَّتْرِ وهو لا يَشْعرُ.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأَبهريُّ:
وغرَّه طولُ تَمَادِيهِ
يا مَن غلا في العُجْبِ والقِّيهِ
ولم تَخَفْ غِبَّ مَعاصِيهِ(٢)
أَمْلَى لك الله فبارَزْتَه
وروي عن عليٍّ ﴾ أنه صاح بغلام له مرَّاتٍ فلم يُلَبِّه، فنظر فإذا هو بالباب،
فقال: مالك لم تُجِبْني؟ فقال: لِثقَتي بِحِلْمِكَ، وأَمْني من عقوبتك. فاستَحْسَنَ جوابَه
فأَعتقه(٣).
وناسٌ يقولون: ما غرَّك: ما خَدَعك وسَوَّل لك حتى أضعتَ ما وَجَبَ عليك؟
وقال ابن مسعود: ما منكم من أحدٍ إلَّا وسَيَخْلو الله به يومَ القيامة، فيقول له: يا
ابن آدمَ، ماذا غرَّك بي؟ يا ابن آدمَ ماذا عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ يا ابن آدمَ، ماذا أجبتَ
المُرْسَلين (٤)؟
﴿الَّذِى خَقَكَ﴾ أي: قدَّر خَلْقَكَ من نطفةٍ ﴿فَسَوَّنِكَ﴾ في بطن أمِّك، وجعل لك
يدين ورجلين وعينين، وسائرَ أعضائك ﴿فعدَّلكَ﴾ أي: جعلك معتدلاً سَوِيَّ الخَلْقِ؛
كما يقال: هذا شيءٌ معدَّلٌ. وهذه قراءةُ العامَّةِ(٥)، وهي اختيارُ أبي عبيد وأبي حاتم؛
قال الفرَّاء وأبو عبيد: يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
[التين: ٤](٦).
(١) الوسيط ٤٣٥/٤، وخبر الفضيل دون الأبيات في الكشاف ٢٢٨/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٥٥ .
(٢) الوسيط ٤ / ٤٣٥.
(٣) الكشاف ٢٢٧/٤ . قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٢ : لم أجده.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٥)، والطبراني في الكبير
(٨٨٩٩).
(٥) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر من السبعة. السبعة ص ٦٧٤، والتيسير ص ٢٢٠ .
(٦) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٤٤/٣.

١٢٤
سورة الانفطار: الآيات ٧ - ٩
وقرأ الكوفيون عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿فَعَدَلَّكَ﴾ مخفَّفاً، أي: أَمالَكَ
وصَرَفَكَ إلى أيِّ صورةٍ شاء، إمَّا حَسَنًا وإمَّا قبيحاً، وإمَّا طويلاً وإمَّا قصيراً. وقال
[موسى بن عُليّ بن رَباحِ اللَّخْميُّ، عن أبيه، عن جده: ](١) قال لي النبيُّ ◌َ﴿1: ((إنَّ
النطفةَ إذا استقرَّتْ في الرَّحِم أَحْضَرها الله كلَّ نسبٍ بينها وبين آدم، أمَا قرأتَ هذه
الآية: ﴿فِىَ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَّكَّبَكَ﴾؟)) قال: ((فيما بينك وبين آدم))(٢).
[وقال عكرمةُ وأبو صالح: ((في أيِّ صورةٍ ما شاء ركَّبك))]: إنْ شاء في صورةٍ
إنسانٍ، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة
خنزير(٣).
وقال مكحول: إنْ شاء ذَكَراً، وإن شاء أنثى.
وقال مجاهد: ((في أيِّ صورةٍ)) أي: في أيِّ شَبَهِ؛ من أبٍ أو أمِّ أو عمّ أو خالٍ أو
غيرهم(٤).
و((في)) متعلّقةٌ بـ ((رَّبك)). ولا تتعلَّق بـ ((عَدَلك)) على قراءةٍ مَن خفّف؛ لأنك
تقول: عَدَلْتُ إلى كذا، ولا تقول: عَدَلتُ في كذا، ولذلك مَنَع الفرَّاء(٥) التخفيفَ؛
لأنه قدَّر ((في)) متعلّقةً بـ ((عذَّلك)).
و((ما)) يجوزُ أن تكون صِلَةً مؤكِّدةً، أي: في أيِّ صورةٍ شاء رَّبكَ. ويجوزُ أن
تكونَ شرطيةً، أي: إن شاء ركَّبك في غيرِ صورة الإنسانِ، من صورة قِرْدٍ أو حمارٍ أو
(١) ما بين حاصرتين من مصادر التخريج، على ما يأتي، ووقع بدلاً منه في (د) و(ي): نجدة، وفي (ظ):
أبو عبيدة.
(٢) أخرجه مطولاً الطبري ٢٤/ ١٨٠، والطبراني في الكبير (٤٦٢٤)، وعزاه السيوطي في الدر ٣٢٣/٦
للبخاري في تاريخه، وابن المنذر وابن شاهين وابن قانع. قال ابن كثير: وهذا الحديث لو صح لكان
فيصلاً في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٣٥: فيه مطهّر
ابن الهيثم، وهو متروك.
(٣) بنحوه في تفسير البغوي ٤٥٦/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه عن عكرمة وأبي صالح
الطبري ١٧٩/٢٤ .
(٤) أخرجه الطبري ١٧٩/٢٤ .
(٥) في معاني القرآن ٢٤٤/٣ .

١٢٥
سورة الانفطار: الآيات ٨ - ١٢
خنزير، فـ ((ما)) بمعنى الشَّرْطِ والجزاء، أي: في أيِّ صورةٍ ما شاء أن يُركِّبكَ فيها
رَّبك(١).
قوله تعالى: ﴿كَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلِينٍ﴾ يجوز أن تكون ((كَلَّا)) بمعنى: حقًّا و ((أَلَا))،
فيبتدأ بها. ويجوزُ أن تكون بمعنى ((لا))، على أن يكون المعنى: ليس الأمرُ كما
تقولون من أنكم في عبادتكم غيرَ اللهِ مُحِقُّون. يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ
بِيَّكَ الْكَرِيِ﴾ وكذلك يقول الفراء، يصير المعنى: ليس كما غُرِرْتَ به.
وقيل: أي: ليس الأمرُ كما تقولون، من أنه لا بعثَ. وقيل: هو بمعنى الرَّدْعِ
والزَّجْر، أي: لا تغترُّوا بِحِلْم الله وكرمه، فتتركوا التفكّر في آياته.
ابن الأنباريِّ: الوقفُ الجيِّد على ((الدِّينِ))، وعلى (ركَّبك))، والوقفُ على ((كَلَّا))
قبيح.
﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ يا أهلَ مكةَ ﴿يَالِدِينٍ﴾ أي: بالحساب. و((بل)) لنفي شيءٍ تقدَّمَ
وتحقيقٍ غيره. وإنكارُهم للبعث كان معلوماً، وإنْ لم يَجْرِ له ذكرٌ في هذه السورة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ ﴾ كِرَامًا كَئِينَ ﴿﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
١٢
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ﴾ أي: رُقباء من الملائكة ﴿كِرَامًا﴾ أي: على
الله، كقوله: ﴿كِرَمٍ بَرَقٍ﴾ [عبس: ١٦]. وهنا ثلاثُ مسائلَ:
الأولى: رُوِي عن رسول اللـه﴾: «أَكْرِمُوا الكرامَ الكاتبين الذين لا يُفارِقونكم
إلَّا عند إحدى حالتين: الخِرَاءةُ أو الجماعُ، فإذا اغتسل أحدُكم فلْيَسْتَتر بِجِذْمِ [حائطِ]
أو بغيره، أو ليَسْتُرْه أخوه)»(٢). ورُوي عن عليٍّ ◌َلُه قال: لا يزالُ المَلَك مُؤَلِّياً عن العبد
ما دام باديَ العورةِ (٣). ورُوِي: إنَّ العبد إذا دخل الحمَّامَ بغيرِ مئزِرٍ لَعَنه مَلَكاه(٤).
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٩٦/٥ .
(٢) أخرجه البزار (٣١٧ - كشف)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وابن مردويه
كما في الدر المنثور ٣٢٣/٦، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر. ووقع فيها: ببعيره، بدل:
بغيره. والجِدْم: الأصل. القاموس (جذم). وقوله الخراءة، ليس في المصادر، ووقع بدلاً منه عند البزار
وابن أبي الحاتم: الغائط، وعند ابن مردويه: حيث يكون الرجل على خلائه.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) أخرجه الشيرازي عن أنس ، كما ذكر السيوطي في الجامع الصغير، ورمز لضعفه. قال المناوي : =

١٢٦
سورة الانفطار: الآيات ١١ - ١٩
الثانية: واختلف الناسُ في الكُفَّار؛ هل عليهم حفَظَةٌ أم لا؟ فقال بعضهم: لا؛
لأنَّ أمرهم ظاهِرٌ، وعملهم واحدٌ؛ قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾
[الرحمن: ٤١].
وقيل: بل عليهم حفظةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلِدِينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
. كِرَامًا كَئِينَ. يَعْلَمُونَ مَا نَفْعَلُونَ﴾. وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]
وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِ،﴾ [الانشقاق: ١٠]، فأَخبر أنَّ الكفار يكونُ لهم
كتَابٌ، ويكونُ عليهم حفَظَةٌ. فإن قيل: الذي على يمينه أيَّ شيء يكتبُ ولا حسنةً له؟
قيل له: الذي يكتبُ عن شماله يكونُ بإذنٍ صاحبه، ويكونُ شاهداً على ذلك وإن لم
یکْتُبْ. والله أعلم.
الثالثة: سئل سفيان: كيف تَعْلَم الملائكةُ أنَّ العبدَ قد هَمَّ بحسنةٍ أو سيئة؟ قال:
إذا همَّ العبدُ بحسنةٍ وَجَدوا منه ريحَ المسك، وإذا همَّ بسيئةٍ وَجَدوا منه ريحَ النَّْن. وقد
مضى في ((ق)) عند قوله: ﴿َّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَفِبُ عِيدٌ﴾ [الآية: ١٨] زيادةُ بيانٍ
لمعنى هذه الآيةِ.
وقد كَرِهِ العلماءُ الكلامَ عند الغائطِ والجماع، لمفارَقةِ المَلَكِ العبدَ عند ذلك.
وقد مضى في آخر ((آل عمران)) القولُ في هذا(١).
وعن الحسن: ((يعلمون)): لا يَخْفَى عليهم شيءٌ من أعمالكم.
وقيل: يعلمون ما ظَهَرَ منكم دون ما حدَّثتُم به أنفسَكم. والله أعلم.
،وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َِيمٍ (
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ
١٣
يَصْلَوْنَهاَ يَوْمَ
١٤
الّذِينِ ﴿ وَمَا هُ عَنَهَا بِغَيِينَ ﴿ وَمَآ أَذْرَكَ مَا يَوْمُ الذِيْنِ
ثُمَّ مَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ
يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَّفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ
الدِّينِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِى ◌َحِيمٍ﴾ تقسيمٌ مثل قوله: ﴿فَرِيقٌ
= وفيه أن كشف العورة أو بعضها بحضرة من لا يحل له النظر حرام، فإن كان بحضرة مَن يحلُّ له
النظر إليها، أو كان خالياً وكشفها لحاجة جاز. فيض القدير ٦/ ١٢٤ .
(١) ٥/ ٤٦٦ .

١٢٧
سورة الانفطار: الآيات ١٣ - ١٩
فِى الْجَنَّةِ. وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال: ﴿يَوْمَذٍ يَنَفَرَّقُونَ (١). فَأَمَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ الآيتين [الروم: ١٤ - ١٥].
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: يصيبُهم لهبُها وحَرُّها ﴿يَوْمَ الِدِينِ﴾ أي: يومَ الجزاءِ والحساب،
وكرَّر ذِكْرَه تعظيماً لشأنه، نحو قوله تعالى: ﴿اَلْقَارِعَةُ. مَا الْقَارِعَةُ. وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا
اٌلْقَارِعَةُ﴾ وقال ابن عباس فيما روي عنه: كلُّ شيءٍ من القرآن من قوله: ((وما أَدْرَاكَ))،
فقد أَدْرَاه، وكلُّ شيءٍ من قوله: ((وما يُدْرِيكَ))، فقد ◌ُوِيَ عنه(٢).
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((يومُ) بالرفع(٣)، على البدل من
(يومُ الدينِ))، أو ردًّا على اليوم الأوّل، فيكون صفةً ونعتاً لـ ((يوم الدينِ)). ويجوزُ أن
يُرفع بإضمارِ (هو)). الباقون بالنصب على أنه في موضع رفع، إلَّا أنه نُصِبَ لأنه
مضاف غير مَخْضٍ (٤)، كما تقول: أَعْجبني يومَ يقومُ زيدٌ. وأنشد المبرِّد:
أيومَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدِرُ (٥)
مِن أَيِّ يَومَيَّ من الموتِ أَفِرّ
فاليومان الثَّانيان مخفوضان على الترجمة (٦) عن اليومين الأوَّلَيْن، إلَّا أنَّهما نُصِبا
في اللفظ لأنَّهما أُضيفا إلى غيرِ مَحْضٍ(٧). وهذا اختيارُ الفرَّاء والزجَّاج(٨).
(١) في النسخ: يصدعون، والمثبت هو الصواب.
(٢) لم نقف عليه عن ابن عباس، وسلف في بداية تفسير سورة الحاقة عن يحيى بن سلام وسفيان بن عيينة.
(٣) السبعة ص ٦٧٤، والتيسير ص ٢٢٠ .
(٤) في (د) و(م): غير متمكن، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إيضاح الوقف والابتداء
٩٦٩/٢، والكلام منه.
(٥) نسبه صاحب العقد الفريد ١٠٥/١ لعلي ، وهو دون نسبة في سر صناعة الإعراب ٧٥/١،
والخصائص ٩٤/٣، والخزانة ٤٥١/١١ . والكلام من إيضاح الوقف والابتداء ٩٦٩/٢ . قوله: لم
يُقْدَرَ، قال البغدادي: يريد: لم يقدّرَن. وقال ابن جني: أراد: لم يُقْدَرْ أم، ثم خفف همزة أم، فحذفها
وألقى حركتها على راء يُقْدَر.
(٦) في (د) و(م): مخفوضان بالإضافة عن الترجمة، وفي (ظ) و(ي): مخفوضان بالإضافة على الترجمة،
والمثبت من إيضاح الوقف والابتداء.
(٧) في (ظ) و(ي): إلى غير متمكن، والمثبت من باقي النسخ وإيضاح الوقف والابتداء.
(٨) معاني القرآن للفراء ٢٤٥/٣، وللزجاج ٢٩٦/٥، وقال فيه: يكون في موضع رفع وهو مبني على =

١٢٨
سورة المطففين: الآيات ١ - ٣
وقال قومٌ: اليومُ الثاني منصوبٌ على المحلِّ، كأنه قال: في يوم لا تَملِكُ نفسٌ
لنفسِ شيئاً(١).
وقيل: بمعنى: إنَّ هذه الأشياءَ تكون يومَ، أو على معنى: يُدَانون يومَ؛ لأنَّ
((الدِّين)) يدلُّ عليه، أو بإضمارِ اذكُر (٢).
﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَِّ﴾ لا يُنازِعُه فيه أحدٌ، كما قال: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِ
اُلْوَجِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦-١٧]. تمت
السورة والحمد لله.
سورة المطففين
مكيةٌ في قول ابنٍ مسعود والضحاك(٣). ومدنية في قولِ الحسنٍ وعكرمةَ
ومقاتل(٤). قال مقاتل: وهي أولُ سورةٍ نزلتْ بالمدينة. وقال ابنُ عباس وقتادةُ: مدنيةٌ
إلَّا ثمان آياتٍ من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ إلى آخِرِها مكيٍّ. وقال الكلبيُّ وجابر بنُ
زيد: نزلتْ بين مكّةَ والمدينة. وهي ستٍّ وثلاثون آيةٌ(٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحِيَةِ
وَإِذَا
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿﴿ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
٣
كَالُوُهُمْ أَوِ وَزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
فيه أربع مسائل :
= الفتح لإضافته إلى قوله: ((لا تملك))؛ لأن ما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح وإن كان في
موضع رفع أو جر.
(١) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٦٩ .
(٢) الكشاف ٢٢٩/٤ .
(٣) بعدها في النسخ: ومقاتل، والمثبت من النكت والعيون ٢٢٥/٦ ، والكلام منه.
(٤) قوله: ومقاتل، ليس في (د) و(م)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون.
(٥) النكت والعيون ٢٢٥/٦.

١٢٩
سورة المطففين: الآيات ١ - ٣
الأولى: روى النَّسائيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لمَّا قَدِمَ النبيُّ ﴾
المدينةَ كانوا من أَخْبثِ الناسِ كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فَأَحْسَنُوا
الكيلَ بعد ذلك(١). قال الفرَّاء(٢): فهم من أَوْفَى الناسِ كيلاً إلى يومهم هذا.
وعن ابن عباس أيضاً قال: هي أوّلُ سورةٍ نزلت على رسول اللـه 18 ساعةً نزل
المدينةَ، وكان هذا فيهم؛ كانوا إذا اشتَرَوا استَوْفَوا بكيلٍ راجحٍ، فإذا باعوا بَخَسوا
المكيالَ والميزانَ، فلمَّا نزلت هذه السورةُ انتهوا، فهم أَوْفَى الناسِ كيلاً إلى يومهم
هذا(٣).
وقال قومٌ: نزلتْ في رجلٍ يُعْرَفُ بأبي جهينةَ - واسمُه عمرو - كان له صاعان
يأخذُ بأحدهما، ويعطي بالآخَرِ (٤)؛ قاله أبو هريرةَ ﴾(٥).
الثانية: قوله تعالى: ((ويْلٌ)) أي: شدةُ عذابٍ في الآخرة. وقال ابن عباس: إنَّه
وادٍ في جهنمَ يسيلُ فيه صَديدُ أهلِ النار(٦)، فهو قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أي:
الذين يَنْقُصُون مَكاييلَهم ومَوازينَهم.
ورُوِي عن ابن عمر قال: المطفّف: الرجلُ يَستأجِرُ الكَّالَ وهو يَعْلمُ أنه يَحِيفُ
في كيله، فوِزْرُه عليه(٧).
(١) السنن الكبرى للنسائي (١١٥٩٠)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٢٢٣).
(٢) في معاني القرآن ٢٤٥/٣ .
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وهو في معنى خبر ابن عباس الذي سلف. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في
الدلائل عن ابن عباس قال: أول ما نزل بالمدينة ((ويل للمطففين)). الدر المنثور ٣٢٣/٦.
(٤) أخرجه الثعلبي عن السدي، كما في الإصابة ٦٩/١١، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٨٣.
(٥) ينظر ما سيأتي ص ١٣٤ - ١٣٥ من هذا الجزء.
(٦) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٥١٥) عن ابن مسعود ، ولم نقف عليه عن ابن عباس، وقد
سلف عنه أن الويل: المشقة والعذاب. ينظر ٢/ ٢٢١ .
(٧) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥١٧ . وفي إسناده إبراهيم بن يزيد، قال عنه الذهبي في التلخيص:
واه.

١٣٠
سورة المطففين: الآيات ١ - ٣
وقال آخرون: التطفيفُ في الكيلِ والوزنِ والوضوءِ والصلاةِ والحديث. وفي
(الموطأ))(١) قال مالك: ويقالُ: لكلِّ شيءٍ وفاءٌ وتَظْفِيفٌ، وروي عن سالم بن أبي
الجَعْد قال: [قال سلمان: الصلاةُ مِكْيالٌ]، فَمَن أوفَى أُوْفيَ له، ومَن طَفَّف فقد
عَلِمْتُم ما قال الله عز وجل في ذلك: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ﴾(٢) .
الثالثة: قال أهلُ اللغةِ: المطفّفُ مأخوذٌ من الطَّفِيف، وهو القليلُ، والمطفِّفُ هو
المقلِّلُ حقَّ صاحبهِ بنقصانه عن الحقِّ في كيلٍ أو وَزْنٍ. وقال الزجَّاج: إنَّما قيل للفاعل
من هذا مطفّفٌ؛ لأنه لا يكاد يسرقُ من المكيال والميزان إلَّ الشيءَ الطفيفَ
الخفيّ(٣)، وإنَّما أُخِذَ من طَفِّ الشيءٍ، وهو جانبه.
وِفَافُ المِكُوكِ وطَفَافُه بالكسر والفتح: ما ملأ أصْبارَه، وكذلك طَفُّ المَكُوكِ
وظَفَفُه؛ وفي الحديث: ((كلُّكم بنو آدمَ، طَفّ الصَّاعِ لم تَمْلَؤوه). وهو أن يَقْرُبَ أن
يمتلئَ فلا يفعل(٤)؛ والمعنى: بعضُكم قريبٌ من بعضٍ، فليس لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ
إلّا بالتقوى(٥). والظّفَافُ والظّفَافةُ بالضم: ما فوقَ المِكيالِ، وإناءٌ طَفَّانُ: إذا بلغ
الكيلُ(٦) طفافَه؛ تقول منه: أَظْفَفْتُ. والتطفيفُ: نَقْصُ المِكيالِ، وهو ألَّا تَملَأَه إلى
أَصبارِهِ، أي: جوانبه؛ يقال: أَذْهَقْتُ الكأسَ إلى أصبارها، أي: إلى رأسها. وقولُ
ابنِ عمرَ حین ذَكَر [أن] النبيَّ :﴿ سَبَّق [بينَ] الخيلِ: كنتُ فارساً يومئذٍ فسبقتُ الناسَ،
حتى طَفَّف بي الفرسُ مسجدَ بني زُرَيقٍ، حتى كاد يساوي المسجد. يعني: وثب بي(٧).
(١) ١ / ١٢.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩٢)، وعبد الرزاق (٣٧٥٠)، والدولابي في الكنى ١٤١/٢، وما
سلف بين حاصرتين من هذه المصادر.
(٣) في (م): الخفيف، وفي معاني القرآن للزجاج ٢٩٧/٥ : الحقير.
(٤) الصحاح (طفف)، والحديث أخرجه أحمد (١٧٣١٣) و(١٧٦٤٦) عن عقبة بن عامر﴾. قال السندي
كما في حاشية المسند: أي: كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن
غاية التمام. وهو بالرفع خبرٌ بعد خبر، وقيل: بدلٌ أو خبرُ محذوفٍ، أو بالنصب حالٌ مؤكّدة.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٥، وقوله: فليس لأحد ... ، قطعة من الحديث.
(٦) في (م) واللسان: الملء، والمثبت من النسخ الخطية والصحاح (طفف) والكلام منه.
(٧) الصحاح (طفف)، وما سلف بين حاصرتين منه. والحديث أخرجه أحمد (٤٤٨٧)، وبنحوه البخاري
(٢٨٦٩)، ومسلم (١٨٧٠).

١٣١
سورة المطففين: الآيات ١ - ٣
الرابعة: المطفِّفُ: هو الذي يُخْسِرُ في الكَيْلِ والوزن، ولا يُوفي، حَسْبَ ما بَّناه.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنه قرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فقال: لا تُطَفِّفْ ولا
تَخْلُب(١)، ولكنْ أَرْسِلْ وصُبَّ عليه صَبًّا، حتى إذا استوى(٢) أَرْسِلْ يَدَكَ ولا تُمْسِك.
وقال عبد الملك بن الماجشون: نهى رسول اللـه ﴿ عن مَسْح الظُّفاف، وقال: إنَّ
البركةَ في رأسه. قال: وبلغني أنَّ كيلَ فرعونَ كان مسحاً بالحديدة(٣).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ قال الفرَّاء: أي: مِن الناس؛
يقال: اكْتَلْتُ منكَ، أي: استَوْفَيتُ منك، ويقال: اكتلتُ عليك(٤)، أي: أخذتُ ما
عليك. وقال الزجَّاج: أي: إذا اكتالوا من الناس استَوْفَوْا عليهم الكيلَ(٥). والمعنى:
الذين إذا استَوْفَوا أخذوا الزيادة، وإذا أَوْفَوا أو وَزَنوا لغيرهم نَقَصُوا، فلا يَرْضَوْن
للناس ما يرضون لأنفسهم. الطبريُّ: ((على)) بمعنى عند (٦).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُهُمْ أَو ◌َزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ﴾: أي: كالوا لهم أو وَزَنوا لهم،
فحذفت اللام، فتعدَّى الفعلُ فَنَصب، ومثلُه: نَصَحتُك ونصحتُ لك، وأَمَرْتُك به
وأَمَرْتُكَه؛ قاله الأخفشُ والفرَّاء(٧). قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيةً تقولُ: إذا صَدَرَ
(١) أي: لا تخدع. القاموس (خلب).
(٢) في (م): استوفى، والمثبت من النسخ الخطية، وأحكام القرآن لابن العربي ١٨٩٦/٤، والكلام منه.
(٣) في أحكام القرآن لابن العربي: كان طفافاً مسحاً بالحديدة.
(٤) في النسخ: اكتلت ما عليك، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢٤٦/٣، والكشاف ٢٣٠/٤، وزاد
المسير ٩/ ٥٢ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٩٧/٥ .
(٦) كذا ذكر المصنف، والذي في تفسير الطبري ١٨٦/٢٤: ((الذين إذا اكتالوا على الناس)): الذين إذا
اكتالوا من الناس، و((على)) و((من)) في هذا الموضع يتعاقبان.
(٧) معاني القرآن للأخفش ٧٣٤/٢، وللفراء ٢٤٥/٣ - ٢٤٦، وما سيأتي منه أيضاً.

١٣٢
سورة المطففين: الآية ٣
الناسُ أتينا التاجِرَ فَكِيلُنا المُدَّ والمُدَّينِ إلى الموسم المقبل. قال: وهو مِن كلام أهل
الحجازِ ومَن جاورهم من قیس.
قال الزجاج(١): لا يجوزُ الوقفُ على ((كالُوا)) و((وَزَنوا)) حتى تَصِلَ به ((هُمْ)) قال:
ومِن الناس مَن يجعلُها توكيداً، ويُجيز(٢) الوقفَ على ((كالُوا)) و((وزَّنوا))، والأوّلُ
الاختيارُ؛ لأنها حرفٌ واحدٌ. وهو قولُ الكسائيِّ(٣).
قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلُها حرفين، ويقفُ على ((كالوا))
و ((وزنوا))، ويبتدئُ: ((هُمْ يُخسِرون))، قال: وأحسبُ قراءةَ حمزةَ كذلك أيضاً (٤).
قال أبو عبيد: والاختيارُ أن يكونا كلمةً واحدةً من جهتين :
إحداهما: الخُ؛ وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا:
(كالوا)) و((وزنوا))، بالألف.
والأخرى: أنه يقال: كِلْتُكَ ووزنتُك، بمعنى: كِلْتُ لك، ووزنتُ لك، وهو
كلامٌ عربيٍّ، كما يقال: صِدْتُك وصِدْتُ لك، وكَسَبتُك وكَسَبْتُ لَك، وكذلك شكرتُكَ
ونَصَحْتُكَ ونحو ذلك.
قوله: ((يُخْسِرون))، أي: يَنْقُصون، والعربُ تقول: أَخْسَرتُ الميزانَ وخَسَرتُه.
و((هم)) في موضع نصبٍ على قراءةِ العامَّة، راجعٌ إلى الناس، تقديرُه: وإذا كالوا
الناسَ أو وزنوهم يُخْسِرون. وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد كالوا لهم أو وَزَنُوا لهم،
فحُذف الجارُّ، وأُوْصِلَ الفعلُ، كما قال:
(١) في معاني القرآن ٢٩٨/٥ .
(٢) في (د) و(ظ): ويجوز، وفي معاني القرآن: فيجوز.
(٣) ذكره عنه أبو الليث ٤٥٦/٣.
(٤) ذكر قول أبي عبيد البغوي ٤٥٨/٤ دون قوله: وأحسب قراءة حمزة كذلك أيضاً، وذكرها عن حمزة
ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٤٥٠، والمشهور عنه كقراءة الجماعة.

١٣٣
سورة المطففين: الآية ٣
ولقد جَنَيْتُكَ أَكْمُؤْاً وعَساقِلًا ولقد نهيتُكَ عن بناتِ الأَوْبَرِ(١)
أراد: جنيتُ لك.
والوجهُ الآخرُ: أن يكون على حذفِ المضافِ، وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه،
والمضافُ هو المكيلُ والموزون(٢).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّكم معاشرَ الأَعاجِم وَلِيتُم أمرين بهما هَلَكَ
مَن كان قبلكم: المِكيالَ والمِيزان. وخَصَّ الأعاجِمَ لأنَّهم كانوا يجمعون الكيلَ
والوزنَ جميعاً، وكانا مُفَرَّقينٍ في الحَرَمين؛ كان أهلُ مكةَ يَزِنون، وأهلُ المدينةِ
یکیلون(٣).
وعلى القراءةِ الثانيةِ ((هُمْ)) في موضعِ رفعٍ بالابتداء، أي: وإذا كالوا للناس أو
وَزَنوا لهم فهم يُخْسِرون. ولا يصحُّ؛ لأنه تكوّن الأُولى مُلْغاةً ليس لها خبر، وإنَّما
كانت تستقيمُ لو كان بعدها : وإذا كالواهم يَنْقُصون، أو وَزَنوا هم يُخْسِرون.
الثانية: قال ابن عباس: قال النبيُّ ﴾: «خمسٌ بخمسٍ: ما نَقَضَ قومٌ العهدَ إلَّا
سَلَّط الله عليهم عدوَّهم، ولا حَكَموا بغيرِ ما أَنْزَلَ اللهُ إلَّا فشا فيهم الفقرُ، وما
ظَهَرَت الفاحشةُ فيهم إلا فشا فيهم الطاعون، وما طَفَّفوا الكيلَ إلَّا مُنِعوا النَّبَاتَ،
وأُخِذوا بالسِّنين، ولا مَنعوا الزكاةَ إلا حَبَس الله عنهم المَطَر))(٤) خرَّجه أبو بكر البزارُ
بمعناه، ومالك بن أنس أيضاً من حديث ابن عمر(٥). وقد ذكرناه في كتاب
((التذكرة))(٦).
(١) المقتضب ٤٨/٤، ومجالس ثعلب ص ٥٥٦، وإعراب القرآن للنحاس ١٧٤/٥، وسر صناعة
الإعراب ٣٦٦/١، والخصائص ٥٨/٣، والإنصاف في مسائل الخلاف ٣١٩/١، والكشاف ٢٣٠/٤،
والكلام منه. قال ثعلب: وعساقل وبنات أوبر: ضربان من الكمأة.
(٢) الكشاف ٤ / ٢٣٠ .
(٣) المصدر السابق، وخبر ابن عباس أخرجه هناد في الزاهد (٦٨١).
(٤) الوسيط ٤٤٠/٤ - ٤٤١، وتفسير الرازي ٨٨/٣١.
(٥) حديث ابن عمر في مسند البزار (١٦٧٦)، وأخرجه من طريق مالك ابن عبد البر في الاستذكار
٢١١/١٤، وهو في الموطأ ١ / ٤٦٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً.
(٦) ص ٥٨٠ .

١٣٤
سورة المطففين: الآية ٣
وقال مالك بن دينار: دَخَلْتُ على جارٍ لي قد نزل به الموتُ، فجعل يقول:
جَبَلَيْنِ من نار! جَبَلَيْنٍ من نار! فقلتُ: ما تقولُ؟ أتَهْجُر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي
مكيالان؛ أَكيلُ بأحدهما، وأكتالُ بالآخر؛ فقمتُ فجعلتُ أضربُ أَحدَهما بالآخَر،
حتى كَسَرتُهما، فقال: يا أبا يحيى، كلَّما ضربتُ أحدَهما بالآخَرِ ازدادَ عِظماً، فمات
من وَجَعِهِ(١).
وقال عكرمةُ: أشهدُ على كلِّ كَيَّالٍ أو وزَّانٍ أنه في النار. قيل له: فإنَّ ابنك كيالٌ -
أو وَزَّان - فقال: أشهدُ أنه في النار(٢).
قال الأصمعيُّ: وسمعتُ أعرابيةً تقولُ: لا تَلْتَمِس المروءةَ ممَّن مروءتُه في
رؤوسِ المكاييل، ولا أَلْسِنّةِ الموازين(٣). ورُوي ذلك عن عليٍّ ﴾. وقال عبدُ خير:
مرَّ عليّ ه على رجلٍ وهو يَزِنُ الزعفرانَ وقد أَرْجَحِ، فَأَكْفَأَ الميزانَ ثم قال: أَقِمِ
الوزنَ بالقِسْطِ؛ ثم أَرْجِحْ بعد ذلك ما شئت. كأنه أَمَرَه بالتسويةِ أولاً؛ ليعتادها،
ويَفْصِلَ الواجبَ من النفل (٤).
وقال نافع: كان ابنُ عمر يمرُّ بالبائع فيقول: اتَّقِ اللهَ وأَوْفِ الكيلَ والوزنَ
بالقسط، فإنَّ المطفِّفين يومَ القيامة يُؤْقَّفون حتى إنَّ العَرَق ليُلْجِمُهم إلى أنصاف
(٥)
آذانهم(٥) .
وقد رُوِي أنَّ أبا هريرةَ قَدِمَ المدينةَ وقد خرج النبيُّ ◌َ﴾ إلى خيبرَ واستَخْلَفَ على
المدينة سِباع بنَ عُرْفُطة، فقال أبو هريرةَ: فوجدناه في صلاةِ الصُّبحِ، فقرأ في الركعةِ
(١) الوسيط ٤٤١/٤ دون قوله: حتى كسرتهما. وقوله: أتهجر، أي: أتهذي، في القاموس (هجر): هَجَر
في نومه ومرضه هُجْراً بالضم: هذى.
(٢) الكشاف ٢٣٠/٤، وأخرجه الطبري ١٨٦/٢٤ مطولاً دون قوله: قيل له إن ابنك ..
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢٣٠/٤، عن أبيٍّ ﴾. وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٩/٤ عن
بعض العرب.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٣٠ .
(٥) تفسير البغوي ٤٥٨/٤ .

١٣٥
سورة المطففين: الآيات ٣ - ٦
الأولى: ﴿كَهِيعَصَ﴾ وقرأ في الركعة الثانية: ﴿وَيَلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. قال أبو هريرة:
فأقولُ في صلاتي: ويْلٌ لأبي فلان؛ كان له مكيالان، إذا اكتالَ اكتالَ بالوافي، وإذا
كالَ كالَ بالناقِص(١).
قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُونُونٌ جَ لِيَوْمَ عَظِيمِ
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
۵
قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَكَ﴾ إنكارٌ وتَعْجيبٌ عظيمٌ من حالهم في الاجتراء على
التطفيف، كأنهم لا يُخْطِرون(٢) ببالهم، ولا يُخمِّنون تخميناً ﴿أَّهُ مَبْعُوثُونٌ ﴾
فمسؤولون عمَّا يفعلون. والظنُّ هنا بمعنى اليقينِ، أي: أَلا يُوقنُ أولئك، ولو أَيْقنوا
ما نَقَصوا في الكيل والوزن. وقيل: الظُّ بمعنى التردُّدِ، أي: إن كانوا لا يستيقنون
بالبعث، فهلَا ظَنُّوه، حتى يتدبَّروا ويبحثوا عنه، ويأخذوا بالأَحْوَط ﴿لِيَوَمْ عَظِيمٍ﴾ شأنُه
وهو يومُ القيامة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فيه أربعُ مسائلَ:
الأولى: العاملُ في ((يومَ)) فعلٌ مُضْمَرٌ دلَّ عليه ((مبعوثون))، والمعنى: يُبْعثون يومَ
يقومُ الناسُ لربِّ العالمين. ويجوز أن يكونَ بدلاً من ((يوم) في ((ليومٍ عظيم))، وهو مبنيٌّ.
وقيل: هو في موضع خفضٍ؛ لأنَّه أُضيفَ إلى غيرِ متمكِّن. وقيل: هو منصوبٌ على
الّرف، أي: في يوم. ويقال: أَقِمْ إلى يومَ يَخْرِجُ فلان، فتنصبُ يوم، فإنْ أضافوا
إلى الاسم فحينئذٍ يخفضون ويقولون: أَقم إلى يوم خُروج فلان(٣). وقيل: في الكلام
(١) أخرجه أحمد (٨٥٥٢). وسباع بن عُرفُطة الغفاري، ويقال له: الكناني، له ذكر في حديث أبي هريرة
هذا، وقال أبو حاتم: استعمله النبي # في غزوة دُومة الجندل. الإصابة ١١٩/٤ .
(٢) بعدها في (م): التطفيف، والمثبت من النسخ الخطية والكشاف ٢٣١/٤، والكلام منه.
(٣) وهذا على مذهب الكوفيين، وهو بناء الظرف على الفتح إذا أضيف إلى الجملة الفعلية وإن كانت
معربة، وأما البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صدِّرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض. الدر المصون
٥٢٠/٤ ٠

١٣٦
سورة المطففين: الآية ٦
تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: إنَّهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين ليومٍ عظيم.
الثانية: وعن عبد الملك بن مروان: أنَّ أعرابيًّا قال له: قد سمعتَ ما قال الله
تعالى في المطفّفين - أراد بذلك أنَّ المطفِّفين قد تَوَجَّه عليهم هذا الوعيدُ العظيمُ الذي
سمعتَ به - فما ظنُّك بنفسك وأنت تأخُذُ أموالَ المسلمين بلا كيلٍ ولا وزْن(١)؟
وفي هذا الإنكارِ والتعجيبٍ وكلمةِ الظَّنِّ، ووَصْفِ اليومِ بالعظيم، وقيام الناس
فيه لله خاضعين، ووصفِ ذاته بربِّ العالمين، بيانٌ بليغٌ لِعظَمِ الذَّنْبِ، وتَفاقُمِ الإِثم
في التَّظْفيف، وفيما كان في مثلِ حاله من الحَيْفِ وتركِ القيامِ بالقِسْطِ، والعَمَلِ على
التسوية والعَذْل في كلِّ أَخْذٍ وإعطاءٍ، بل في كلِّ قولٍ وعمل(٢).
الثالثة: قرأ ابن عمر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
فبكى حتى سَقَط، وامتنع من قراءةٍ ما بَعْدَه، ثم قال: سمعتُ النبيَّ # يقول: ((يومَ
يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ، فمنهم مَن يَبْلُغ
العرَقُ كعبيه، ومنهم مَن يَبْلُغُ ركبتيه، ومنهم مَن يبلغُ حِقْوَيْهِ، ومنهم مَن يبلغُ صدرَه،
ومنهم مَن يبلغُ أذنيه، حتى إنَّ أحدهم ليغيبُ في رَشْحِه كما يغيبُ الصِّفدع)»(٣).
وروى ناسٌ عن ابن عباس قال: يقومون مقدارَ ثلاثٍ مئة سنة. قال: ويَهونُ علی
المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة (٤).
(١) الكشاف ٢٣١/٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) لم نقف عليه بهذا السياق، والموقوف منه أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٤٠، وهناد في الزهد (٣٣٠)،
وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٠٥. وأخرج المرفوع مختصراً أحمد (٥٩١٢). وللمرفوع شاهد من حديث
المقداد ﴾ عند أحمد (٢٣٨١٣)، ومسلم (٢٨٦٤). وآخر من حديث عقبة بن عامر عند أحمد
(١٧٤٣٩). وثالث من حديث أبي أمامة عند أحمد (٢٢١٨٦). وينظر ما سيأتي من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما.
(٤) ذكر الجزء الثاني منه الرازي ٩١/٣١، وأخرجه بتمامه ابن مردويه عن حذيفة، وعبد بن حميد عن
قتادة، كما في الدر المنثور ٣٢٤/٦ .

١٣٧
سورة المطففين: الآية ٦
ورُوي عن عبد الله بن عمر عن النبيِّ ل﴿ قال: ((يقومون ألفَ عام في الظُّلْمَة))(١).
وَرَوَى مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ :﴿ قال: ((يومَ يقومُ الناسُ لربِّ
العالمين، حتى إنَّ أحدهم ليقومُ في رَشْحِه إلى أنصافٍ أُذنيه)»(٢). وعنه أيضًا عن
النبيِّ ﴿: (يقوم مئةَ سنةٍ)) (٣).
وقال أبو هريرةَ: قال النبيُّ:﴿ لبشيرِ الغِفاريِّ: «كيف أنت صانعٌ في يومٍ يقومُ
الناسُ فيه مقدارَ ثلاثٍ مئة سنةٍ لربِّ العالمين، لا يأتيهم فيه خبرٌ، ولا يؤمَرُ فيه بأمرٍ)»
قال بشير: المستعانُ الله(٤).
قلت: قد ذكرناه مرفوعاً من حديث أبي سعيدِ الخُدْريِّ عن النبيِّ ◌َ﴿: ((إنَّه لَيُخفَّفُ
عن المؤمن، حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةِ المكتوبة يصلِّيها في الدنيا)» في ﴿سَأَلَ
سَبٌِ﴾(٥) .
وعن ابن عباس: يَهونُ على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة(٦).
وقيل: إنَّ ذلك المقامَ على المؤمن كزوال الشمس. والدليلُ على هذا من الكتاب
قولُه الحقُّ: ﴿أَلَآَ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم وَصَفَهم فقال:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٣] جَعَلَنا الله منهم بفضله وكرمه
وجُوده ومَنِّه آمین.
وقيل: المرادُ بالناسِ جبريلُ عليه السلام يقومُ لربِّ العالمين؛ قاله ابن جُبير(٧).
(١) في (د) و(م): في الظلة. ولم نقف عليه، وأخرج نحوه مطولاً الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٧/١٠ وقال: فيه هشام بن بلال لم أعرفه،
وبقية رجاله وثقوا.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٧، وأخرجه من طريق مالك البخاري (٤٩٣٨)، ومسلم (٢٨٦٢).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٧، وأخرجه موقوفاً الطبري ٢٤/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٩٠، وفي إسناده عبد السلام بن عجلان، قال الذهبي في الميزان ٦١٨/٢: قال
أبو حاتم: يكتب حديثه، وتوقّف غيره في الاحتجاج به.
(٥) ٢٢٥/٢١، وسلف أيضاً ٣٩٩/١٥، وأخرجه أحمد (١١٧١٧).
(٦) سلف قريباً.
(٧) النكت والعيون ٦/ ٢٢٧ .

١٣٨
سورة المطففين: الآيات ٦ - ١٣
وفيه بُعدٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا من الأخبار في ذلك، وهي صحيحةٌ ثابتٌ، وحَسْبُك بما في
(صحيح)) مسلم والبخاريِّ والترمذيِّ من حديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ لَ#: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال: ((يقومُ أحدُهم في رَشْحِه إلى نِصْفٍ أُذُنَيْه))(١).
ثم قيل: هذا القيامُ يومَ يقومون من قبورهم. وقيل: في الآخرة بحقوقِ عبادهِ في
الدنيا. وقال يزيد الرشك: يقومون بين يديه للقضاء(٢).
الرابعة: القيامُ لله ربِّ العالمين سبحانه حَقيرٌ بالإضافة إلى عَظَمتِهِ وحَقُّه، فأمَّا
قيامُ الناسِ بعضِهم لبعضٍ فاختَلفَ فيه الناس؛ فمنهم مَن أجازه، ومنهم مَن مَنَعه. وقد
رُوي أنَّ النبيَّ ﴾ قام إلى جعفر بن أبي طالب واعْتَنَقَه، وقام طلحةُ لكعب بنِ مالكٍ
يومَ تِيبَ عليه. وقال النبيُّ # للأنصار حين طلع عليه سعد بنُ مُعاذ: ((قوموا إلى
سيدكم)). وقال أيضاً: ((مَن سرَّه أن يَتَمثَّلَ له الناسُ قياماً فليتبوَّأُ مقعده من النار)).
وذلك يرجعُ إلى حالِ الرجلِ ونيَّته، فإن انتظرَ ذلك واعتقده لنفسه [حقًّا]، فهو
ممنوعٌ، وإن كان على طريق البشاشةِ والوُصْلةِ فإنَّه جائز، وخاصةً عند الأسباب،
كالقدوم من السَّفر ونحوِه(٣). وقد مضى في آخر سورة يوسف شيءٌ من هذا(٤).
وَمَّ أَذَرَئِكَ مَا بِينٌ ﴾ كِنَبٌ
٧
قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِبِينٍ
قَرْقُومٌ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِةٍ إِلَّا كُلُّ
مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (٧ إِذَا تْلَى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِتِينٍ﴾ قال قومٌ من أهل العلم بالعربية:
!
(١) صحيح البخاري (٤٩٣٨)، وصحيح مسلم (٢٨٦٢)، وسنن الترمذي (٣٣٣٦)، وهو عند أحمد
(٤٦١٣)، وسلف قريباً.
(٢) النكت والعيون ٢٢٦/٦ - ٢٢٧ . ويزيد الرشك هو ابن أبي يزيد الضُّبَعيُّ مولاهم، أبو الأزهر
البصري، قيل: كان غيوراً فسمي بالفارسية أرشك، فقيل: الرشك. وقيل: الرشك بالفارسية: الكبير
اللحية، توفي سنة (١٣٠هـ). التهذيب ٤ / ٤٣٤ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٧، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) ٤٥٧/١١، وسلف ثمة حديث: ((قوموا إلى سيدكم)) وحديث: ((من سره ... )). أما حديث قيام طلحة
لكعب فسلف ٤١٨/١٠ ضمن حديث كعب بن مالك الطويل في التخلف عن غزوة تبوك.

١٣٩
سورة المطففين: الآيات ٧ - ١٣
(كَلَّا)): رَذْعٌ وتنبيهٌ، أي: ليس الأمرُ على ما هم عليه من تَطْفيفِ الكَيْلِ والميزان، أو
تكذيبٍ بالآخرة، فليرتَدِعوا عن ذلك. فهي كلمةُ رَدْعِ وزَجْرٍ، ثم استأنفَ فقال: ﴿إِنَّ
كِتَبَ الْفُبَّارِ﴾.
وقال الحسن: ((كلَّا)) بمعنى حَقًّا (١). ورَوَى ناسٌ عن ابن عباس: ((كَلَّا)) قال: أَلَا
تصدِّقون(٢). فعلى هذا: الوقفُ ((لِربِّ العالِمِين)).
وفي تفسير مقاتل: إنَّ أعمالَ الفجَّار. وروى ناسٌ عن ابن عباس قال: إنَّ أرواحَ
الفجَّارِ وأعمالَهم (لَفي سِجِّينٍ)».
وروى ابنُ نَجيح عن مجاهد قال: سجِّين صخرةٌ تحت الأرضِ السابعة، تُقْلَبُ
فيُجْعَلُ كتابُ الفجَّار تحتها(٣). ونحوه عن ابن عباسٍ وقتادةَ وسعيد بن جُبير ومقاتلٍ
وكعبٍ؛ قال كعب: تحتها أرواحُ الكفَّارِ تحت خدِّ إبليس (٤).
وعن كعب أيضاً قال: سجِّين صخرةٌ سوداءُ تحت الأرضِ السابعة، مكتوبٌ فيها
اسمُ كلِّ شيطانٍ، تُلْقَى أَنْفُسُ الكفَّارِ عندها.
وقال سعيد بن جبير: سجِّين تحت خدٍّ إبليس(٥). يحيى بنُ سلام: حجرٌ أسودُ
تحت الأرض، يُكْتَبُ فيه أرواحُ الكفار(٦). وقال عطاءٌ الخُراسانيُّ: هي الأرضُ
السابعةُ السُّفْلَى، وفيها إبليسُ وذرِّيته(٧).
وعن ابن عباس قال: إنَّ الكافر يَحْضُرِه الموت، وتَحْضُره رسلُ الله، فلا
(١) الوسيط ٤٤٣/٤، وتفسير البغوي ٤٥٨/٤ ولفظه: ((كلا)) ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًّا.
(٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٤٥١ عن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٩٧.
(٤) تفسير الطبري ٢٤/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٥) أخرجه الطبري ١٩٦/٢٤ .
(٦) النكت والعيون ٢٢٨/٦.
(٧) تفسير البغوي ٤ /٤٥٩ .

١٤٠
سورة المطففين: الآيات ٧ - ١٣
يستطيعون لبُغْضِ اللهِ وبُغْضِهم إياه أنْ يؤخِّروه ولا يعجلوه حتى تجيءَ ساعتُه، فإذا
جاءت ساعتُه قَبَضوا نَفْسَه، ورفعوه إلى ملائكة العذاب، فأَرَوْه ما شاء الله أَنْ يُرُوه
من الشرِّ، ثم هَبَطوا به إلى الأرض السابعة، وهي سِجِّين، وهي آخِرُ سلطانِ إبليسَ،
فَأَثْبَتوا فيها كتابه(١).
وعن كعب الأحبارِ في هذه الآية قال: إنَّ رُوحَ الفاجِرِ إذا قُبضَتْ يُصْعَدُ بها إلى
السماء، فتأبَى السماء أن تقبلها، ثم يُهْبَطُ بها إلى الأرض، فتأبى الأرضُ أن تَقْبَلَها،
فتدخلُ في سبعٍ أَرَضِينَ، حتى يُنْتَهى بها إلى سِجِّين، وهو خذُّ إبليسَ، فيُخرجُ لها من
سجينٍ من تحت خدِّ إبليس رَقٌّ، فيُرْقَم فيوضعُ تحت خدِّ إبليس(٢). وقال الحسن:
سجين في الأرض السابعة.
وقيل: هو ضربُ مثلٍ وإشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى يَردُّ أعمالَهم التي ظنُّوا أنَّها
تنفعُهم.
قال مجاهد: المعنى: عملُهم في الأرضِ السابعةِ لا يصعدُ منها شيءٍ(٣). وقال:
سجين صخرةٌ في الأرض السابعة (٤).
وروى أبو هريرةً عن النبيِّ# قال: ((سجين جُبٌّ في جهنمَ وهو مفتوحٌ)) وقال في
الفَلَقَ: ((إنه جُبٌّ مُغَِّى))(٥).
وقال أنس: هي دَرَكَةٌ في الأرض السُّفلى. وقال أنس: قال النبيُّ ﴾: ((سجِّين
أسفلَ سبع أرضين))(٦).
(١) قطعة من خبر طويل أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣٢٧/٦، وهو فيه من كلام كعب
الأحبار في جوابه على سؤال ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَبَ الْفُبَّارِ لَّفِى سِبِينٍ﴾.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٩٤ .
(٣) الصدر السابق .
(٤) سلف قريباً.
(٥) أخرجه الطبري ١٩٦/٢٤. وذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية أن هذا الحديث غريب منكر لا يصح.
(٦) ذكره الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (٣٥٢٠)، والماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٢٧،
والبغوي ٤٥٩/٤ من حديث البراء بن عازب ، ولم نقف عليه عن أنس ﴾.