Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة النازعات: الآيات ٣ - ١٤
كما يقال للفرس الجواد: سابح، إذا أسرعَ في جَرْيِهِ(١). وعن مجاهد أيضاً: الملائكةُ
تَسْبحُ في نزولها وصُعودها(٢).
وعنه أيضاً: السابحات: الموتُ يَسْبِحُ في أنفُسٍ بني آدم (٣).
وقيل: هي الخيلُ الغُزاةُ؛ قال عنترة:
والخيلُ تعلَمُ حين تَسْـ
ـبَحُ في حِياضِ الموتِ سَبْحا (٤)
وقال امرؤُ القيس :
أَثَرْنَ غُباراً بالكَدِيد المُرَكَّلِ (٥)
مِسَحٌ إذا ما السَّابحاتُ على الوَنَى
قتادةُ والحسن: هي النجومُ تَسْبَحُ في أفلاكها، وكذا الشمسُ والقمر؛ قال الله
تعالى: ﴿وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠](٦).
عطاء: هي السُّفن تَسْبحُ في الماء(٧).
ابن عباس: السابحاتُ: أرواحُ المؤمنين تسبحُ شوقاً إلى لقاء الله ورحمته حين
(٨)
تخرج(٨).
(١) تفسير البغوي ٤/ ٤٤٢، وزاد المسير ١٦/٩، وأخرجه عن مجاهد الطبري ٢٤/ ٦٢ - ٦٣.
(٢) ذكر الطبري ٢٤/ ٦٣ هذا القول مع الذي قبله على أنهما قول واحد، ولم يفرق بينهما.
(٣) النكت والعيون ١٩٣/٦، وزاد المسير ١٦/٩، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٦٢.
(٤) النكت والعيون ٩/ ١٩٣، ولم نقف على البيت في المطبوع من ديوان عنترة، وذكر القول دون البيت
البغوي ٤ / ٤٤٢ .
(٥) ديوان امرئ القيس ص٢٠. قال النحاس في شرح المعلقات ٣٧/١: المِسَخُ: الكثير الجَرْي.
والسابحات: السريعات. والونى: الفتور. والكديد: المكان الغليظ. والمركَّل: الذي أثّرت فيه
بحوافرها. ومعنى البيت: أن الخيل السريعات إذا فترت وأثارت الغبار بأرجلها من التعب، جرى هذا
الفرس جَرْياً سهلاً كما تَسِخُ السحابُ المطرَ.
(٦) النكت والعيون ٦/ ١٩٣، وتفسير البغوي ٤٤٢/٤. وأخرجه عن عطاء الطبري ٦٣/٢٤، وعن الحسن
أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٣١١/٦ .
(٧) النكت والعيون ٦/ ١٩٣، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٦٣.
(٨) أخرجه جويبر في تفسيره، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ .

٤٢
سورة النازعات: الآيات ٤ - ١٤
قوله تعالى: ﴿فَالسَِّقَتِ سَبْقًا﴾ قال عليٍّ ه: هي الملائكةُ تَسْبِقُ الشياطين بالوحي
إلى الأنبياء عليهم السلام. وقاله مسروقٌ ومجاهد.
وعن مجاهدٍ أيضاً وأبي رَوْق: هي الملائكةُ سبقَتْ ابنَ آدمَ بالخير والعمل
الصالح. وقيل: تسبقُ بني آدمَ إلى العمل الصالح فتكتُبه.
وعن مجاهد أيضاً: الموتُ يسبقُ الإنسان.
مقاتل: هي الملائكة تسبقُ بأرواح المؤمنين إلى الجنة.
ابن مسعود: هي أنفُسُ المؤمنين تسبقُ إلى الملائكة الذين يَقْبضونها وقد عايَنَتِ
السرور، شوقاً إلى لقاء الله تعالى ورحمته. ونحوه عن الربيع، قال: هي النفوسُ
تسبقُ بالخروج عند الموت.
وقال قتادةُ والحسن ومعمر: هي النجومُ يسبقُ بعضُها بعضاً في السير.
عطاء: هي الخيلُ التي تسبقُ إلى الجهاد(١).
وقيل: يحتملُ أن تكون السابقاتُ ما يسبقُ من الأرواح قَبْلَ الأجسادِ إلى جنةٍ أو
نار؛ قاله الماوَرْديّ(٢).
وقال الجُرجانيُّ: ذَكَر ((فالسابقات)) بالفاء لأنَّها مشتقّةٌ من التي قبلها، أي:
والَّلائي يَسبَحْنَ فَيَسْبِقْنَ، تقول: قام فذهب؛ فهذا يوجبُ أن يكون القيامُ سبباً
للذهاب، ولو قلتَ: قام وذهب، لم يكن القيامُ سبباً للذهاب.
قوله تعالى: ﴿فَلْمُدَتَِّتِ أَغْرًا﴾ قال القُشَيريُّ: أجمعوا على أنَّ المرادَ الملائكة.
وقال الماورديُّ(٣): فيه قولان: أحدُهما: الملائكة؛ قاله الجمهور. والقول
(١) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٢٤/ ٦٤، والنكت والعيون ١٩٣/٦، وتفسير البغوي ٤/ ٤٤٢،
وزاد المسير ٩/ ١٧.
(٢) في النكت والعيون ٦/ ١٩٤.
(٣) المصدر السابق.
:

٤٣
سورة النازعات: الآيات ٥ - ١٤
الثاني: هي الكواكبُ السبعةُ؛ حكاه خالد مَعْدان عن معاذ بن جبل.
وفي تدبيرها الأمرَ وجهان: أحدُهما: تدبيرُ طُلوعِها وأُفولها. الثاني تدبيرُ ما
قضاه الله تعالى فيها من تقلُّب الأحوال. وحكى هذا القولَ أيضاً القُشيريُّ في تفسيره،
وأنَّ الله تعالى علَّق كثيراً من تدبير أمرِ العالَمِ بحركاتِ النجوم، فَأُضيفَ التدبيرُ إليها
وإن كان من الله، كما يسمَّى الشيءُ باسمِ ما يُجاوِرُه.
وعلى أنَّ المرادَ بالمدبِّرات الملائكةُ، فتدبيرُها: نزولُها بالحلال والحرام
وتَفصيلهِ؛ قاله ابن عباس وقتادةُ وغيرهما(١). وهو إلى الله جل ثناؤه، ولكنْ لمَّا نزلت
الملائكةُ به سمِّيتْ بذلك، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]
وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] يعني جبريل، نزَّله على قلبٍ
محمدٍ ﴾، واللهُ عزَّ وجلَّ هو الذي أنزله.
وروى عطاءٌ عن ابن عباس: ((فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)): الملائكةُ وُكِّلتْ بتدبيرِ أحوالِ
الأرضِ في الرياح والأمطار وغيرِ ذلك. قال عبد الرحمن بنُ سابطٍ : تدبيرُ أمرِ الدنيا
إلى أربعةٍ؛ جبريلُ وميكائيلُ وملكُ الموتِ - واسمُه عزرائيل - وإسرافيلُ. فأمَّا جبريلُ
فموكَّلٌ بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموّلٌ بالقَظْرِ والنبات، وأمَّا ملكُ الموتِ
فموكَّلٌ بقبضٍ الأنفسِ في البرِّ والبحر، وأما إسرافيلُ فهو ينزل بالأمر عليهم (٢). وليس
من الملائكة أقربُ من إسرافيل(٣)، وبينه وبين العرشِ مسيرةُ خمسٍ مئةٍ عامٍ.
وقيل: أي: وُكِّلوا بأمورٍ عرَّفهم الله بها (٤).
ومن أوَّلِ السورةِ إلى هنا قَسَمٌ أقَسمَ الله به، ولله أن يُقْسِمَ بما شاء مِن خَلْقِه،
(١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢٣٠/٣ دون نسبة.
(٢) سلف ١٧ /٨ .
(٣) قطعة من خبر أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٩٥) عن وهيب بن عروة قال: بلغني أن أقرب الخلق من
الله عز وجل إسرافيل ...
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤١٩/٤، والبغوي ٤/ ٤٤٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

٤٤
سورة النازعات: الآيات ٥ - ١٤
وليس لنا ذلك إلَّا به عزَّ وجلّ. وجوابُ القسم مُضمَرٌ، كأنه قال: والنازِعاتِ وكذا
وكذا لَتْبَعثُنَّ ولتحاسَبُنَ. أُضْمِرَ لمعرفةِ السامِعِينَ بالمعنى؛ قاله الفراء (١). ويدلُّ عليه
قولُه تعالى: ﴿أَوِذَا كُنَّا عِظَمًا غِخِرَةٌ﴾ أَسْتَ تَرى أنه كالجواب لقولهم: ((أئِذا كنّا
عِظاماً نَخِرَةً)) نُبْعَث؟ فاكتفى بقوله: ((أئِذا كنَّا عِظاماً نَخِرةً)).
وقال قومٌ: وقع القسمُ على قوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْتَ﴾ وهذا اختيارُ
التِّرمذيِّ ابن عليٍّ. أي: فيما قصصتُ مِن ذِكْرِ يومِ القيامةِ، وذِكْرٍ موسى وفرعونَ
((لعِبرةً لِمن يخشى)).
ولكنَّ وَقْعَ القسمِ على ما في السورة مذكوراً ظاهراً بارزاً أحرى وأقْمنُ مِن أنْ
يُؤتَى بشيءٍ ليس بمذكورٍ فيها، قال ابن الأنباريِّ: وهذا قبيح؛ لأنَّ الكلامَ قد طال
فيما بينهما.
وقيل: جوابُ القسم: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ لأنَّ المعنى: قد أتاك(٢).
وقيل: الجوابُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّجِفَةُ﴾ على تقدير: لَيوم ترجُف، فحذف اللام(٣).
وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرُه: يومَ ترجُف الراجفةُ وتَتْبَعها الرادفةُ
والنازعاتِ غرقاً (٤).
وقال السِّجِسْتانيُّ: يجوزُ أن يكون هذا من التقديم والتأخير، كأنه قال: فإذا هم
بالساهرة والنازعاتِ. ابن الأنباريِّ: وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الفاء لا يُفتحُ بها الكلام،
والأوّلُ الوَجْهُ.
وقيل: إنَّما وقع القسمُ على أنَّ قلوبَ أهل النار تجفُّ، وأبصارهم تخشعُ،
(١) في معاني القرآن ٢٣٠/٣-٢٣١.
(٢) ذكره أبو حيان في البحر ٨/ ٤٢٠ وقال: ليس بشيء ..
(٣) المحرر الوجيز ٤٣١/٥ .
(٤) تفسير البغوي ٤ / ٤٤٢ .

٤٥
سورة النازعات: الآيات ٦ - ١٤
فانتصابُ (يومَ ترجُف الراجفة)) على هذا المعنى، ولكن لم يقع عليه. قال الزجَّاج(١):
أي: قلوبٌ واجفةٌ يومَ تَرْجُف. وقيل : انتَصَبَ بإضمارٍ: اذْكُر.
و ((ترجُف)) أي: تَضْطَرِبُ. و((الراجفة)) أي: المُضطَرِبة، كذا قال عبد الرحمن بن
زيد؛ قال: هي الأرضُ، والرادِفةُ: الساعة(٢).
مجاهد: الراجفةُ: الزلزلة، ﴿تَبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ الصيحة.
وعنه أيضاً وابن عباس والحسن وقتادة: هما الصيحتان. أي: النفختان. أمَّا
الأُولى فتُمِيتُ كلَّ شيءٍ بإذن الله تعالى، وأمَّا الثانيةُ فتُحيي كلَّ شيءٍ بإذن الله
تعالى (٣). وجاء في الحديث عن النبيِّ ﴾ قال: ((بينهما أربعون سنة)) (٤).
وقال مجاهد أيضاً: الرادفةُ حين تنشقُّ السماء، وتُحملُ الأرضُ والجبال فتدَةُ
دَّةً واحدة، وذلك بعد الزلزلة(٥).
وقيل: الراجفةُ تحرِّكُ الأرض، والرادفةُ: زلزلةٌ أخرى تُفني الأرضين. فالله
أعلم. وقد مضى في آخرِ ((النمل)) ما فيه كفايةٌ في النفخ في الصور (٦).
وأصلُ الرجفةِ الحركة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ [المزمل: ١٤] وليست
الرجفةُ هاهنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجَف الرعدُ يرجُف رَجْفاً ورَجيفاً،
أي: أَظْهَر الصوتَ والحركة، ومنه سمِّيت الأراجيفُ؛ لاضطراب الأصوات بها،
وإفاضةِ الناس فيها ؛ قال :
(١) في معاني القرآن ٢٧٨/٥.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٨.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٥ - ٦٦ عن ابن عباس والحسن وقتادة.
(٤) سلف ١٦/ ٢١٨ .
(٥) أخرجه الطبري بنحوه ٢٤ / ٦٧ .
(٦) ١٦ :٢١٨ فما بعد .

٤٦
سورة النازعات: الآيات ٧ - ١٤
وفي الأرَاجيفِ خِلتُ اللؤمَ والخوَرَا(١)
أبِالأَراجِيفِ يا ابنَ اللؤمِ تُوعِدِنِيِ
وعن أُبيّ بن كعبٍ: أنَّ رسول اللـه :﴿ كان إذا ذهب ربعُ الليلِ قام ثم قال:
((يا أيها الناسُ، اذكُرُوا الله، جاءتِ الرِّاجِفةُ تَتْبُعها الرَّادِفَةُ، جاء الموتُ بما فيه))(٢).
﴿قُلُوبٌ يَؤْمَيِذٍ وَاحِفَةٌ﴾ أي: خائفةٌ وَجِلَةٌ؛ قاله ابنُ عباس، وعليه عامَّةُ
المفسِّرين(٣). وقال السُّدِّيُّ: زائلةٌ عن أماكنها، نظيرهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَاجِرِ﴾
[غافر: ١٨] (٤). وقال المؤرِّج: قلقة مُستوفِزة، مُرْتكِضَةٌ غيرُ ساكنة(٥). وقال المبرد:
مضطربةٌ. والمعنى متقارب.
والمرادُ قلوبُ الكفارِ؛ يقال: وجَفَ القلبُ يجِفُ وجِيفاً: إذا خَفَقَ، كما يقال:
وجَب يَجِب وَجيباً، ومنه: وَجيفُ الفرسِ والناقةِ في العَدْو، والإيجافُ: حَملُ الدابَّةِ
على السَّيرِ السريع، قال:
بُدِّلْنَ بعد جِرَّةٍ صَرِيفًا وبعد طولِ النَّفَسِ الوجِيفا (٦)
و((قلوبٌ)) رفع بالابتداء، و((واجِفةٌ)) صفتُها، و﴿أَبْصَرُهَا خَشِمَةٌ﴾ خبرُها، مثل
قوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] ومعنى ((خاشِعة)): مُنْكَسِرة ذليلة من
هَوْلِ ما ترى، نظيره: ﴿خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُ تَرْهَفُهُمْ زِلَّةٌ ﴾ [القلم: ٤٣](٧). والمعنى: أبصارُ
(١) ١٧ / ٢٣٤ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٣١/٥، وأخرجه بنحوه أحمد (٢١٢٤١)، والترمذي (٢٤٥٧).
(٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٦٩ .
(٤) تفسير البغوي ٤ / ٤٤٣ .
(٥) تفسير الرازي ٣٤/٣١، وقوله: مرتكضة، أي: مضطربة، في القاموس (ركض): ارتكض: اضطرب.
(٦) ذكرهما بهذا اللفظ الطبري ٥١٩/١٧ ضمن خبر عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقائلهما لبيد، وهما
في ديوانه ص٣٥١ برواية :
وبعد طول الخبرة الصريفا
بدِّلن بعد النَّفَش الوجيفا
الجرة: ما يفيض به البعير فيأكله ثانية، واللقمة يتعلل بها البعير إلى وقت علفه. والصريف: صرير ناب
البعير، القاموس (جرر) و(صرف).
(٧) الكشاف ٤/ ٢٠٢

٤٧
سورة النازعات: الآيات ٩ - ١٤
أصحابِها، فحذف المضاف.
﴿يَقُولُونَ أَوِّنَا لَمَرْدُودُونَ فِ اٌلْحَافِرَةِ﴾ أي: يقولُ هؤلاء المكذِّبون المنكِرون للبعث، إذا
قيل لهم: إنكم تُبعثون، قالوا مُنكِرين متعجِّبين: أنردُ بعد موتنا إلى أولِ الأمر، فنعودَ
أحياءً كما كنَّا قبل الموت؟ وهو كقولهم: ﴿أَوِنَّا لَمَبْعُوُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]
يقال: رجع فلانٌ في حافِرته، وعلى حافرته، أي: رجع مِن حيثُ جاء؛ قاله قتادة(١).
وأنشد ابن الأعرابيّ:
أَحَافِرةً على صَلَع وشَيبٍ مَعَاذَ اللهِ مِن سَفَهِ وعارٍ (٢)
يقول: أأَرْجِعُ إلى ما كنتُ عليه في شبابي من الغَزَل والصِّبا بعد أن شِبْتُ
وصَلِعت! ويقال: رجع على حافرته، أي: الطَّريقِ الذي جاء منه. وقولُهم في المثل:
النقدُ عند الحافرة. قال يعقوب: أي عند أوَّلِ كلمة. ويقال: التقى القومُ فاقتتلوا عند
الحافرة، أي: عند أولٍ ما التقَوْا(٣).
وقيل: الحافرةُ: العاجلة، أي: أنَّا لمردودون إلى الدنيا فنَصِيرَ أحياءً كما كنّا؟
قال الشاعر :
أَلَيْتُ لا أنساكُمُ فاعلَمُوا حَتى يُردَّ الناسُ في الحافِرَةُ(٤)
وقيل: الحافرة: الأرضُ التي تُحفَر فيها قبورُهم، فهي بمعنى المحفورة، كقوله
(١) بنحوه في تفسير الطبري ٢٤/ ٧١ .
(٢) أدب الكاتب ص ٤١٥، وإصلاح المنطق ص ٣٢٧، وأمالي القالي ٢٧/١، والصحاح (حفر). قال
البَطَلْيَوْسي في الاقتضاب ص٣٩٤: هذا البيت لا أعلم قائله. اهـ. ونصب حافرة على أنه اسم في معنى
المصدر أقيم مقامه، والتقدير: أرُجوعاً إلى أول أمري، يريد: أأرجع رجوعاً، فحذف الفعل واكتفى
بمصدره. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ٤٦٧ .
(٣) الصحاح (حفر) وقول يعقوب (وهو ابن السكيت) في إصلاح المنطق ص٣٢٧ . وقولهم: النقد عند
الحافرة، هو لما يباع نقداً، وأصله من بيع الفرس؛ كان يقال: لا يزول حافره حتى ينقد ثمنه. مفردات
الراغب (حفر)، وعمدة الحفاظ ١/ ٦٩٥ .
(٤) ذكره أبو حيان في البحر ٨/ ٤٢٠، والسمين في الدر المصون ١٠/ ٦٧١ .

٤٨
سورة النازعات: الآيات ١٠ - ١٤
تعالى: ﴿َّآءِّ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] و﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]. والمعنى: أثنا لمردودون
في قبورنا أحياء. قاله مجاهدٌ والخليلُ والفرَّاء(١).
وقيل: سمِّيت الأرضُ الحافرة؛ لأنَّها مستَقَرُّ الحوافر، كما سمِّيتِ القدمُ أرضاً؛
لأنها على الأرض. والمعنى: أئنًّا لراجِعون بعد الموت إلى الأرض فنمشي على
أقدامنا.
وقال ابن زيد: الحافرة: النار، وقرأ: ﴿تِلْكَ إِذَا كَرَّةً خَاسِرَةٌ ﴾(٢). وقال مقاتلٌ
وزيد بن أسلم: هي اسمٌ من أسماء النار.
وقال ابن عباس: الحافِرة في كلام العرب: الدنيا(٣).
وقرأ أبو حَيوةَ: ((الحَفِرة)) بغير ألف(٤)، مقصورٌ من الحافر، وقيل: الحفِرة:
الأرضُ المُنتِنةُ بأجسادِ مَوْتاها، من قولهم: حَفِرتْ أسنانُه، إذا ركبها الوسخُ من
ظاهرها وباطنها(٥). يقال: في أسنانه حَفْر، وقد حَفَرت تحفِر حَفْراً، مثل كَسَر يَكسِر
كسْراً، إذا فَسَدتْ أصولُها. وبنو أَسدٍ يقولون: في أسنانه حَفَرٌ - بالتحريك - وقد
حَفِرت، مثال: تعِبَ تَعَباً، وهي أردأُ اللغتين؛ قاله في ((الصحاح))(٦).
﴿أَِذَا كُنَّا عِظَمًا تَّخِرَةً﴾ أي: بالية متفتِّةً. يقال: نَخِرَ العظمُ بالكسر، أي: بَلِيَ
وتَفتَّتَ؛ يقال: عظام نخِرة. وكذا قرأ الجمهورُ من أهلِ المدينة ومكةً والشام
والبصرة (٧)، واختاره أبو عُبيد؛ لأنَّ الآثار التي تُذكَر فيها العظام، نظَرْنا فيها
(١) في معاني القرآن ٢٣٢/٣، وذكره عن مجاهد والخليل ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٢/٥،
وأخرجه بنحوه عن مجاهد الطبري ٢٤/ ٧١ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧١-٧٢ .
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري ٢٤/ ٧٠ عن ابن عباس ، قال: الحافرة: الحياة.
(٤) القراءات الشاذة ص١٦٨، والمحتسب ٢/ ٣٥٠ .
:
(٥) المحتسب ٢/ ٣٥٠ .
(٦) مادة (حفر).
(٧) قرأ بها من السبعة ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص. السبعة ص ٦٧٠، والتيسير ص٢١٩ .

٤٩
سورة النازعات: الآيات ١١ - ١٤
فرأينا نخِرة لا ناخرة.
وقرأ أبو عمرو وابنُه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وحمزةٌ
والكسائيُّ وأبو بكر: ((ناخِرةً» بألفٍ (١)، واختاره الفرَّاء والطبريُّ وأبو معاذِ النحويُّ؛
لِوفاق رؤوسِ الآي(٢). وفي «الصحاح)): والناخِرُ من العظام: الذي تدخلُ الريحُ فيه
ثم تخرج منه ولها نَخِير. ويقال: ما بها ناخِرٌ، أي: ما بها أحدٌ. حكاه يعقوبُ عن
الباهليّ(٣). وقال أبو عمرو بن العلاء: الناخِرةُ: التي لم تنخر بعد، أي: لم تَبْلَ،
ولا بدَّ أن تنخر(٤). وقيل الناخرة: المُجوَّفة(٥).
وقيل: هما لغتان بمعنى، كذلك تقول العرب: نَخِرَ الشيءُ فهو نُخِرٌ وناخِر،
كقولهم: طَمِعَ فهو طَمِعٌ وطامِع، وحَذِرٌ وحاذِر، وبَخِلٌ وباخِل، وفَرِه وفارِه (٦)؛ قال
الشاعر :
يظَلُّ بها الشيخُ الذي كان بادِناً يَدِبُّ على عُوْج له نَخِراتٍ(٧)
عُوج: يعني قوائم.
وفي بعض التفسير: ناخِرة بالألف: بالِية، ونَخِرة: تَنخُرُ فيها الريح(٨)، أي تمرُّ
(١) السبعة ص ٦٧٠، والتيسير ص٢١٩، وإعراب القرآن للنحاس ٥/ ١٤٢، دون ذكر أبي عمرو وابنه،
والمشهور عن أبي عمرو: ((نخرة))، كما في التعليق السابق.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٣١/٣، وتفسير الطبري ٢٤/ ٧٢ .
(٣) الصحاح (نخر).
(٤) بنحوه في المحرر الوجيز ٤٣٢/٥ .
(٥) ذكره الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٣٢ عن بعض المفسرين أنه قال: النخرة: البالية، والناخرة: العظم
المجوف الذي تمر فيه الريح فینخر.
(٦) معاني القرآن للفراء ٢٣١/٣-٢٣٢، والكشاف ٢١٣/٤ . قال الزمخشري: وفَعِلٌ أبلغ من فاعِل.
(٧) البيت للحطيئة، وهو في شرح ديوانه برواية:
يَدِفُّ على عوج له نخرات
فظل به الشيخ الذي كان فانياً
قال الشارح: يَدِفُ: كأنه يسرع ويمشي وفيه إبطاء لكبره، والعوج: أراد قوائمه قد اعوَجَّتْ من الكبر.
(٨) النكت والعيون ٦/ ١٩٦ .

٥٠
سورة النازعات: الآيات ١١ - ١٤
فيها، على عَكسِ الأولِ؛ قال:
مِن بعدٍ ما صِرْتَ عِظاماً ناخِرة(١)
وقال بعضُهم: الناخِرةُ: التي أُكِلتْ أطرافُها وبقيتْ أوساطُها. والنَّخِرةُ: التي
فَسَدتْ كُّها.
قال مجاهد: نَخِرة، أي: مَرْفوتة(٢)، كما قال تعالى: ﴿عِظَامًا وَرُقَنَا﴾
[الإسراء: ٩٨] ونُخْرةُ الريح بالضم: شدَّةُ هُبوبِها. والنُّخْرةُ أيضاً والنُّخَرةُ مثال الهُمَزةِ:
مقدَّمُ أنفِ الفرسِ والحمارِ والخنزير؛ يقال: هشَّم نُخْرَته، أي: أنفه (٣).
﴿قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ﴾ أي: رَجعةٌ خائبة، كاذبة باطلة، أي: ليست كائنةً؛
قاله الحسن وغيره (٤). الربيع بن أنس: خاسِرةٌ على مَن كذَّب بها. وقيل: أي: هي
كَرَّةُ خُسْران. والمعنى: أهلُها خاسرون؛ كما يقال: تجارةٌ رابِحةٌ، أي: يَرْبَحُ
صاحبها. ولا شيءَ أخسَرُ من كَرَّةٍ تقتضي المَصِيرَ إلى النار.
وقال قتادةُ ومحمد بن كعب: أي: لئن رَجَعْنا أحياءً بعد الموتِ لنحشَرَنَّ
بالنار(٥). وإنَّما قالوا هذا لأنَّهم أُوْعِدوا بالنار.
والكَرُّ: الرجوع؛ يقال: كَرَّهُ، وكَرَّ بنفسه، يتعدَّى ولا يتعدَّى. والكَرَّةُ المَرَّة،
والجمعُ: الكَرَّات(٦).
﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ﴾ ذَكَر جلَّ ثناؤه سهولةَ البعثِ عليه فقال: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ
(١) سيأتي قريباً.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٣ .
(٣) الصحاح (نخر).
(٤) المحرر الوجيز ٤٣٢/٥، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٧٣ عن قتادة بلفظ: رجعة خاسرة.
(٥) النكت والعيون ١٩٦/٦، وفيه لنخسرن، بدل: لنحشرن.
(٦) الصحاح (كرر).

٥١
سورة النازعات: الآيات ١٣ - ١٤
وَجِدَةٌ﴾. ورَوى الضخَّاك عن ابن عباس قال: نفخةٌ واحدة(١) ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: الخلائقُ
أجمعون ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ أي: على وَجْهِ الأرض، بَعْدَ ما كانوا في بطنها. قال الفرَّاء:
سُمِّيتْ بهذا الاسم؛ لأنَّ فيها نَومَ الحيوانِ وسَهَرَهم(٢). والعربُ تُسمِّي الفَلاةَ ووَجْهَ
الأرضِ: ساهِرة، بمعنى: ذات سَهَرٍ؛ لأنَّه يُسهَرُ فيها خوفاً منها(٣)، فَوصَفَها بصِفَةِ ما
فيها. واستدلَّ ابنُ عباسٍ والمفسِّرون بقولِ أميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ:
وما فاهُوا به لَهُمُ مُقِيمُ(٤
وفيها لَحمُ ساهِرةٍ وبحرٍ
وقال آخَرُ يومَ ذي قارٍ لفرسه :
ولا يَهُولَنَّكَ رِجِلٌ نادِرَةْ
أَقْدِمْ مَحَاج إنَّها الأساوِرَهْ
ثم تعودُ بعدَها في الحافِرة
فإنَّما قَصرُك تُربُ الساهِرِهْ
مِن بعدِ ما صِرتَ عِظاماً ناخِرَةُ(٥)
وفي ((الصحاح)): ويقال: السَّاهور: ظِلُّ الساهِرة، وهي وجهُ الأرض. ومنه قولُه
تعالى: ((فإذا هُمْ بالساهِرةِ))، قال أبو كبير الهذليُّ :
يَرْتَدْنَ ساهِرةٌ كأنَّ جَميمَها .
وعَمِيمَها أسدافُ ليلٍ مُظلِم(٦)
(١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٤ عن ابن زيد، وذكر الماوردي ١٩٦/٦ عن الربيع بن أنس، ولم نقف عليه عن
ابن عباس.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٣٣/٣ .
(٣) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ١٤٢/٥، وتفسير الرازي ٣٨/٣١.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٣٣/٣ ومجاز القرآن ٢٨٥/٢، وتفسير الطبري ٧٤/٢٤-٧٥، والنكت والعيون
١٩٦/٦ والبيت في ديوان أمية ص١٢١. قوله: فاهوا، قال أبو عبيدة: أي تكلموا.
(٥) تفسير الطبري ٢٤/ ٧٥، والنكت والعيون ١٩٦/٦. وذكرها القالي في أماليه ٢٦/١، وابن دريد
في الجمهرة ٢/ ٢١٥، على أنها قيلت في القادسية، مع اختلاف يسير فيها. ونسبت في سمط اللآلي
١٢٣/١-١٢٤ الحارث بن سمي بن رؤاس الهمداني. وقال البكري: وكان قد ضُربت رجله فَنَدرتْ،
أي: بانت، وقوله: فإنما قَصْرُك، أي: قُصَارُك.
(٦) الصحاح (سهر)، والبيت في شرح ديوان الهذليين ٣/ ١٠٩٠ . قال شارح الديوان: الجميم: النبت
الذي قد نبت وارتفع قليلاً ولم يتم كل التمام، والعميم: المكتهل التام من الثَّبت. اهـ والأسداف جمع
سّدّفٍ بالتحريك، وهو ظلمة الليل. اللسان (سدف).

٥٢
سورة النازعات: الآية ١٤
ويقال: الساهور: كالغِلافِ للقمر يَدْخُلُ فيه إذا كُسِف، وأنشدوا قولَ أميةَ بنِ أبي
الصَّلْت:
قَمرٌ وساهورٌ يُسَلُّ ويُغْمَدُ(١)
..
وأنشدوا لآخَر في وَصْفِ امرأةٍ :
أو شُقَّةٌ خرجَتْ مِن جَوْفِ ساهورٍ (٢)
كأنَّها عِرْقُ سامٍ عند ضارِبِهِ
يريد شُقَّةَ القمر.
وقيل: الساهرة: هي الأرضُ البيضاء.
ورَوى الضَّحاك عن ابن عباس قال: أرضٌ من فِضَّةٍ لم يُعْصَ الله جلَّ ثناؤه عليها
قطّ، خلَقَها حينئذٍ.
وقيل: أرضٌ جدَّدها الله يوم القيامة. وقيل: الساهرةُ اسمُ الأرضِ السابعةِ يأتي
بها الله تعالى فيحاسِبُ عليها الخلائق، وذلك حين تبذَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض.
وقال الثوريُّ: الساهرة: أرضُ الشام(٣). وهب بنُ منبه: جبلُ بيتِ المَقْدِس.
عثمان بنُ أبي العاتِكَةِ: إنه اسمُ مكانٍ من الأرض بعَيْنه بالشام، وهو الصُّقْعُ الذي بين
جبل أرِيحاء وجبلِ حسَّان يَمدُّه الله كيف يشاء(٤).
قتادة: هي جهنم(٥)، أي: فإذا هؤلاء الكفارُ في جهنّم. وإنَّما قيل لها: ساهرة؛
(١) ديوان أمية ص٤٩، والصحاح (سهر)، والخزانة ٢٤٩/١، وصدره: لا نقص فيه غير أن خبيئه.
(٢) تهذيب اللغة ٦/ ١٢٠، وأساس البلاغة (سهر)، واللسان (سهر). وصدره في تهذيب اللغة وأساس
البلاغة: كأنها بُهْتَةٌ ترعى بأقرية. وفي اللسان: أو فلقة، بدل: أو شقة. والسام: عروق الذهب والفضة،
واحدتها سامَة. والبهتة: البقرة. اللسان (سهر) و(سوم).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤٢/٥، وتفسير البغوي ٤/ ٤٤٤، ووقع في إعراب القرآن: أرض بالشام.
(٤) النكت والعيون ١٩٦/٦-١٩٧، وأخرج القولين الطبري ٢٤/ ٧٧-٧٨ . وحسان: قرية بين دير العاقول
وواسط. معجم البلدان ٢٥٨/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ٧٨/٢٤ .

٥٣
سورة النازعات: الآيات ١٤ - ٢٦
لأنَّهم لا ينامون عليها حينئذٍ.
وقيل: الساهرة: بمعنى الصحراء على شفير جهنم، أي: يُوقَفون بأرض القيامة،
فیدومُ السَّھرُ حينئذ.
ويقال: السَّاهرة: الأرضُ البيضاءُ المستويةُ، سمِيتْ بذلك لأنَّ السَّراب يجري
فيها، من قولهم: عينٌ ساهرةٌ: جاريةُ الماء، وفي ضدِّها: نائمة؛ قال الأشعثُ بنُ
قیس :
وساهرة يُضْحي السَّرابُ مُجَلِّلاً لأقطارِها قد جِئْتُها مُتْلَئِماً
أو لأنَّ سالِكَها لا ينامُ خَوفَ الهَلَكة(١).
إِذْ نَادَنُهُ رَبُُّ بِآلْوَادِ الْمُقَدَّسِ تُوَى
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَ @
أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَی
فَحَشَرَ فَنَادَى (®
فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَذَبَرَ يَسْعَى
٢٠
فَرَبُهُ آلْآَيَّةَ الْكُبْرَى
فَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ اٌلَْخِرَةِ وَالْأُوْلَ ٥ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ
فَقَالَ أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى
يَخْشَى
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَتُهُ رَبُُّ بِلْوَادِ الْعَدَّسِ تُوَى﴾ أي: قد جاءك
وبَلَغكَ حديثُ موسى، وهذا تسليةٌ للنبيِّ ◌َ﴾. أي: إنَّ فرعون كان أقوى من كفَّار
عَضْرِك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء. وقيل: ((هل)) بمعنى ((ما))، أي: ما أتاك، ولكنْ
أُخْبِرْتَ به، فإنَّ فيه عِبرةً لمن يخشَى. وقد مضى من خَبَرِ موسى وفرعونَ في غيرِ
موضعٍ ما فيه كفاية.
وفي ((طُوى)) ثلاثُ قراءاتٍ: قرأ ابنُ مُحيصٍِ وابنُ عامرٍ والكوفيون: ((طُوّى))
منوَّناً، واختاره أبو عبيد لخفَّةِ الاسم. الباقون بغير تنوين(٢)؛ لأنَّه معدولٌ، مثل: عُمر
(١) الكلام مع البيت في الكشاف ٢١٣/٤ .
(٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو من السبعة. السبعة ص٦٧١، والتيسر ص١٥٠.

٥٥
سورة النازعات: الآيات ١٩ - ٢٦
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: وأُرْشِدَك إلى طاعةِ ربِّك ﴿فَخْشَى﴾ أي: تخافه وتَتَّقيه.
وقرأ نافع وابن كثير: ((تَزَّكَّى)» بتشديدِ الزاي، على إدغام التاء في الزاي، لأنَّ
أصلها: تتزَّى. الباقون: ((تَزَكَّى) بتخفيفِ الزاي، على معنَى طَرْح التاءُ (١). وقال أبو
عمرو: (تَزَّكَّى)) بالتشديد [تَتَصَدَّق بـ](٢) الصدقة، و(تَزَكَّى)): تكون زَكِيًّا مؤمناً، وإنَّما
دعا فرعونَ ليكون زكيًّا مؤمناً. قال: فلهذا اختَرْنا التخفيف.
وقال صخر بنُ جُوَيرية: لمَّا بعث الله موسى إلى فرعون قال له: ﴿أَذْهَبْ إِلَى
فِرْعَونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ولن يَفْعَلَ. فقال: يا رب، وكيف أذهبُ
إليه وقد علمتَ أنه لا يفعل؟ فأوْحَى الله إليه: أن امضٍ إلى ما أمرْتُكَ به، فإنَّ في
السماء اثني عَشَرَ ألفَ مَلَكِ يطلبون علمَ القَدر، فلم يَبْلُغوه ولا يُدْرِكوه(٣).
﴿فَرَنَّهُ الْآَيَّةَ الْكُبْرَى﴾ أي: العلامةَ العُظمَى وهي المعجزة. وقيل: العصا. وقيل:
اليد البيضاء تَبرُقُ كالشمس. وروى الضحَّاك عن ابن عباس: ((الآية الكبرى)) قال:
العصا. الحسن: يده وعصاه(٤). وقيل: فَلْق البحر. وقيل: الآية: إشارةٌ إلى جميع
آياته ومعجزاته.
﴿فَكَذَّبَ﴾ أي: كذَّب نبيَّ الله موسى ﴿وَعَصَ﴾ أي: عصى ربَّه عزَّ وجلَّ ﴿ثُمَّ أَذْبَرَ
يَعَى﴾ أي: ولَّى مُدِراً مُعْرِضاً عن الإيمان، ((يسعَى)) أي: يعملُ بالفساد في الأرض.
وقيل: يعملُ في نكاية موسى. وقيل: ((أدبر يسعَى)) هارباً من الحية. ﴿فَحَشَرَ﴾ أي:
جَمعَ أصحابه ليمنعوه منها. وقيل: جَمعَ جنودَه للقتال والمُحاربة، والسَّحَرَةَ
للمعارَضَة. وقيل: حشر الناس للحضور. ﴿فَنَادَى﴾ أي: قال لهم بصوتٍ عالٍ ﴿فَقَالَ
(١) السبعة ص٦٧١، والتيسير ص٢١٩.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من تفسير الطبري ٢٤/ ٨١، والكلام فيه بنحوه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٦/٢ . وصخر بن جويرية هو الإمام المحدث أبو نافع التميمي مولاهم، وقيل:
مولى بني هلال، البصري، توفي سنة بضع وستين ومئة. السير ٧/ ٤١٠ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٨٢ .

٥٤
سورة النازعات: الآيات ١٥ -٢٦
وقُثَم. قال الفرَّاء(١): طُوَى: وادٍ بين المدينةِ ومصرَ. قال: وهو معدولٌ عن طاوٍ، كما
عُدِلَ عُمَرُ عن عامر.
وقرأ الحسنُ وعِكرمةُ: (طِوَى)) بكَسْرِ الظَّاء، ورُوي عن أبي عمرو. على معنى:
المُقَدَّس مرةً بعد مرة؛ قاله الزجَّاج وأنْشَد :
عليَّ طِوَى مِن غَيِّكِ المتردِّدِ (٢)
أَعَاذِل إنَّ اللومَ في غیرِ كُنْهِهِ
أي: هو لومٌ مُكرَّرٌ عليَّ. وقيل: ضمُّ الظَّاءِ وكَسْرُها لغتان، وقد مضى في ((طه))
القولُ فيه(٣).
﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ أي: ناداه ربُّه، فحذف؛ لأنَّ النداء قولٌ، فكأنه: قال له ربُّه:
((اذْهَبْ إلى فِرِعونَ)). ﴿إِنَّهُ لَغَى﴾ أي: جاوَزَ القَدْرَ في العِصْيان.
ورُوي عن الحسن قال: كان فرعون عِلجًا من هَمْدان(٤). وعن مجاهدٍ قال: كان
من أهلِ إصْطَخْر(٥). وعن الحسن أيضاً قال: من أهلِ أصبهان، يقال له: ذو ظفر،
طولُه أربعةُ أشبار.
﴿فَقُّلَ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّ﴾ أي: تُسْلِم فَتَظْهُر من الذنوب. وروى الضحَّاك عن ابن
عباس قال: هل لك أنْ تشْهَد أن لا إلهَ إلاَّ اللـه (٦).
(١) في معاني القرآن ٢٣٢/٣-٢٣٣.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٧٩/٥، ونسبه الزجاج لطرفة وكذلك الفارسي في الحجة ٣٧٢/٦ ، وليس
في ديوانه. ونسب لعدي بن زيد، كما في مجاز القرآن ٢٨٥/٢، ومعجم البلدان ٤/ ٤٥، وزاد المسير
٢٧٤/٥، واللسان (طوي). والقراءة بكسر الطاء في القراءات الشاذة ص١٦٨، وتفسير الطبري
٠٨٠/٢٤
(٣) ١٤ / ٢٥.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ١٠٥/٣.
(٥) أخرجه الطبري ١٨/ ١٨٨.
(٦) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري
٢٤/ ٨١ عن عكر مة.

٥٦
سورة النازعات: الآيات ٢٤ - ٢٦
أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي: لا ربَّ لكم فوقي.
ويُروَى: أنَّ إبليسَ تَصَوَّر لفرعون في صورة الإنس بمصرَ في الحمام، فأنكره
فرعون. فقال له إبليس: ويْحَك! أمَا تَعْرفُني؟ قال: لا. قال: وكيف وأنت خلقتني؟
أَسْتَ القائلَ: أنا ربُّكم الأعلى! ذكره الثعلبيُّ في كتاب ((العرائس))(١).
وقال عطاء: كان صنع لهم أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها، فقال: أنا ربُّ
أصنامِكم. وقيل: أراد القادةَ والسادةَ، هو ربُّهم، وأولئك هم أربابُ السَّفِلة.
وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ: فنادى فحشر (٢).
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾ أي: نكالَ قولِه: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرِى﴾
[القصص: ٣٨] وقولِه بَعْدُ: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ قاله ابن عباس ومجاهدٌ وعِكرمة(٣). وكان
بين الكلمتين أربعون سنة؛ قاله ابن عباس(٤). والمعنى: أمْهَلَه في الأُولى، ثم أخَذَه
في الآخرة، فعذَّبه بكلِمتَيْه.
وقيل: نكالُ الأُولى: هو أن أغرقَه، ونكالُ الآخرة: العذابُ في الآخرة. وقاله
قتادةُ وغيرُه(٥).
وقال مجاهدٌ: هو عذابُ أولِ عمرِهِ وآخِرِه(٦).
وقيل: الآخرةُ قولُه: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ والأُولى تكذيبُه لموسى. عن قتادة أيضاً(٧).
(١) لم نقف عليه في المطبوع منه.
(٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٣/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) تفسير الطبري ٨٤/٢٤-٨٥ عن ابن عباس ومجاهد، وأخرجه عن عكرمة عبد بن حميد كما في الدر
المنثور ٣١٣/٦.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٨٤، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٩٨/٦. وأخرجه الطبري أيضاً ٢٤/
٨٦ عن مجاهد.
(٥) النكت والعيون ١٩٨/٦، والوسيط ٤٢٠/٤.
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٩٨/٦، وأخرجه الطبري ٨٧/٢٤، وفيه: عمله، بدل: عمره.
(٧) ذكره الرازي ٣١/ ٤٣ دون نسبة.

٥٧
سورة النازعات: الآيات ٢٥ -٣٣
و(نكالَ)) منصوبٌ على المصدر المؤكِّدِ في قول الزجَّاج؛ لأنَّ معنى أخَذَه الله:
نَكَّل الله به(١)، فأخَرْجَ مكانَ مصدرٍ من معناه، لا من لَفْظِه. وقيل: نُصِبَ بنزْعِ حرفِ
الصّفَة، أي: فأخَذَه الله بنكال الآخرة، فلمَّا نُزِعَ الخافِضُ نُصِب. وقال الفرَّاء: أي:
أخَذَه الله أخذاً نكالاً(٢)، أي: للنكال.
والنكال: اسمٌ لما جُعِلَ نَكالاً للغير، أي: عقوبةً له حتى يَعْتَبِر به. يقال: نَكَّلَ
فلانٌ بفلان: إذا أثْخَنه عقوبةً. والكلمةُ من الامتناع، ومنه النُّكولُ عن اليمين،
والنّكْلُ: القيد. وقد مضى في سورة المزَّمل(٣)، والحمد لله. ﴿إنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ﴾
أي: اعتباراً وعِظَةً. ﴿لِمَنْ يَخْشَ﴾ أي: يخافُ الله عزَّ وجلَّ.
وَأَغْطَشَ
٣٨
قوله تعالى: ﴿َأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًّا أَمِ اُلَّمَاءُ بَنَهَا (٣٧ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا
لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنَهَا (٦َ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنِهَا (٢ أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا
وَالْجِبَالَ أَرْسَنَهَا (٣ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعِكُ (﴾﴾
٣١
قولُه تعالَى: ﴿،َأَثُ أَشَدُ خَلًا﴾: يريدُ أهلَ مكةَ، أي: أخَلْقُكم بعدَ الموتِ أشدُّ في
تقديركم ﴿أَمِ اٌلَمَاءُ﴾، فَمَنْ قَدَر على السماء قَدَر على الإعادة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، فمعنى الكلامِ التقريعُ
والتوبيخُ.
ثم وَصَف السماءَ فقال: ﴿بَهَا﴾ أي: رَفَعها فوقكم كالبناء. ﴿رَفَعَ سَمَّكَهَا﴾ أي:
أَعْلَى سَقْفَها في الهواء؛ يقال: سَمَكتُ الشيءَ، أي: رفعته في الهواء، وسَمَكَ الشيءُ
سُمُوكاً : ارتفع. وقال الفرَّاء: كلُّ شيءٍ حَمَل شيئاً من البناء وغيره فهو سَمْك. وبناءٌ
مَسْمُوك، وسَناٌ سامِكٌ تامك، أي: عالٍ، والمسموكات: السَّمَاوات. ويقال:
سـ
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٨٠/٥ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٣٣/٣ وإعراب القرآن، للنحاس ١٤٤/٥ والعبارة فيهما: فأخذه الله أخذاً نكالاً
للآخرة والأولى.
(٣) ٣٣٥/٢١ - ٣٣٦ .

٥٨
سورة النازعات: الآيات ٢٨ - ٣٣
اسمُكْ في الرَّيْم، أي: اصْعَدْ في الدرجة(١).
قوله تعالى: ﴿فَسَوَّنِهَا﴾ أي: خَلَقها خَلْقاً مستوياً، لا تَفاوُتَ فيه، ولا شُقوقَ،
ولا فُطُور. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: جَعَلَه مُظْلماً؛ غَطَشَ الليلُ وأغْطَشَه الله، كقولك:
ظَلِمِ وأظْلَمه الله. ويقال أيضاً: أغْطَشَ الليلُ بنَفْسِه، وأغْطَشَه الله، كما يقال: أَظْلَم
الليلُ، وأظْلَمه الله. والغَطَشُ والغَبَش: الظُلْمةُ. ورجلٌ أغْطَشُ، أي: أَعْمَى، أو شبيهٌ
به، وقد غَطِشَ، والمرأةُ غَطشاءُ، ويقال: ليلةٌ غَطشاءُ، وليلٌ أغْطَشُ. وفلاةٌ غَطِشَى:
لا يُهتدَى لها؛ قال الأعشى:
ويَهْماءَ بالليلِ غَظْشَى الفَلاةِ يُؤْنِسني صوتُ فَيَّادِها(٢)
وقال الأعشى أيضاً :
عَقَرْتُ لَهُمْ مَوْهِنًا ناقتي وغامِرُهُمْ مُدْلَهِمٌ غَطِشْ(٣)
يعني بغامرِهم: ليلَهم؛ لأنه غَمَرَهم بسواده.
وأضاف الليلَ إلى السماء لأنَّ الليل يكونُ بغروب الشمس، والشمسُ مضافٌ إلى
السماء، ويقال: نجومُ الليلِ، لأنَّ ظهورها بالليل.
﴿وَأَخْرَجَ شُعَهَا﴾ أي: أبرزَ نهارَها وضوءَها وشمسها. وأضاف الضُّحى إلى
السماء كما أضاف إليها الليل(٤)؛ لأنَّ فيهاسببَ الظَّلام والضياءِ، بغُروب(٥)
(١) الصحاح (سمك). وذكر القالي في الأمالي ١/ ١٦٠ عن أبي عمرو بن العلاء قال: أتيت دار قوم باليمن
أسأل عن رجل، فقال لي رجل منهم: اسمُك في الرَّيم، أي: اعل في الدرجة.
(٢) ديوان الأعشى ص١٢٣، وتهذيب اللغة ١٦١/١٦، والصحاح (غطش)، واللسان (غطش) وفيه:
الأرض اليهماء: التي لا يُهتَدى فيها لطريق، والغطش مثله. وقوله: فيادها، هو ذَكَر البوم. القاموس
(فید).
(٣) لم نقف عليه في ديوان الأعشى، وهو في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي ١٢١/١، والنكت
والعيون ١٩٨/٦، والمحرر الوجيز ٤١٤/٥ ووقع في الجمهرة: وغامرنا، وفي المحرر: وليلهم.
قوله: موهناً، هو نحوٌ من نصف الليل، أو بعد ساعة منه. القاموس (وهن).
(٤) في النسخ الخطية: كما أضاف الظلمة.
(٥) في (م): وهو غروب.

٥٩
سورة النازعات: الآيات ٣٠ - ٣٣
الشمسِ وطلوعها.
و﴿وَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا﴾ أي: بَسَطَها (١). وهذا يشيرُ إلى كونِ الأرضِ بعدَ
السماء. وقد مضى القولُ فيه في أول ((البقرة)) عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم
مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا * ثُمَّ أُسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الآية: ٢٩] مستوفّى. والعربُ تقول:
دَحَوْتُ الشيءَ أذحُوه دَخْواً: إذا بَسَطْته. ويقال لعشُ النعامة: أُدحِيٌّ؛ لأنَّه مبسوطٌ
على وجه الأرض(٢). وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
وبَثَّ الخَلْقَ فيها إذ دَحاها فَهُمْ قُظَّانُها حتى التَّنادي(٣)
وأنشد المبرِّد:
دَحَاها فلمَّا رآها اسْتَوتْ على الماءِ أرْسَى عليها الجبالا(٤)
وقيل: دحاها: سواها، ومنه قولُ زيد بنِ عمرو :
له الأرضُ تحمِل صَخْراً ثِقالا
وأسْلَمتُ وجهي لمَن أسْلَمَتْ
بأيدٍ وأرْسَى عليه الجبالا(٥)
دحاها فلمَّا اسْتَوتْ شَدَّها
وعن ابن عباس: خَلَق الله الكعبةَ ووَضَعَها على الماء على أربعةِ أركان قبل أن
يخلُقَ الدنيا بألْفَيْ عامٍ، ثم دُحِيت الأرضُ من تحت البيت(٦).
وذَكَر بعضُ أهلِ العلم: أنَّ ((بعد)) في موضع ((مع)) كأنه قال: والأرضَ مع ذلك
(١) أخرج الطبري ٢٤/ ٩٥ هذا القول على قتادة والسدي وسفيان.
(٢) في الصحاح (دحا): وأدْحِيُّها (يعني النعامة): موضعها الذي تفرِّخ فيه؛ لأنها تَدْحوه برجلها ثم تبيض
فيه، وليس للنعام عُشِّ. ومثله في غريب الحديث للخطابي ٨١/٣، واللسان (دحا).
(٣) النكت والعيون ١٩٩/٦، وسلف ٣٥٣/١٨ برواية: سكانها، بدل: قطانها.
(٤) البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، وهو بهذه الرواية في سيرة ابن هشام ٢٣١/١، وسيكرره المصنف
بنحوه مع بيت آخر من القصيدة نفسها.
(٥) الأغاني ١٢٨/٣، والنكت والعيون ١٩٩/٦، واللفظ منه، ووقع في الأغاني: سواء، بدل: بأيد.
(٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ٩٣ .

٦٠
سورة النازعات: الآيات ٣٠ - ٣٣
دحاها، كما قال تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ومنه قولُهم: أنت أحمقُ
وأنت بعد هذا سَيِّئُ الخُلُقِ(١)؛ قال الشاعر:
فقلتُ لها فِيئي(٢) إليكِ فإنَّني
حَرَامٌ وإِنِّي بعدَ ذاكَ لَبِيبُ (٣)
أي: مع ذلك لبيب.
وقيل: ((بعدَ)) بمعنى: قَبْلَ، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
الذِكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي: من قَبْلِ الفرقان؛ قال أبو خِرَاش الهذلي:
خِراشٌ وبعضُ الشرِّ أهْوَنُ من بَعْضٍ (٤)
حَمِدْتُ إلهي بَعْدَ عروةَ إذ نجا
وزَعَموا أنَّ خِراشاً نجا قبلَ عروة.
وقيل: ((دحاها)) حَرَثَها وشقّها. قاله ابن زيد(٥). وقيل: ((دحاها)): مهَّدها
للأقْوات. والمعنى مُتَقَارِب.
وقراءةُ العامة: ((والأرضَ)) بالنصب، أي: دحا الأرض. وقرأ الحسن وعمرو بن
ميمون: ((والأرضُ)) بالرفع(٦) على الابتداء؛ لرجوع الهاء.
ويقال: دحا يَدْحُو دَخْواً، ودَحَى يَدحَى دَخْياً، كقولهم: طَغَى يَظْغَى ويَظْغُو،
(١) تفسير الطبري ٩٣/٢٤، والأضداد لابن الأنباري ص ١١٠ . وأخرج الطبري هذا القول عن مجاهد
والسدي.
(٢) في (م): عني.
(٣) البيت للمضرَّب بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، كما في مجاز القرآن ٢/ ٣٠٠، وأمالي القالي
١٧١/٢، والاقتضاب ص ٤٧٥، وهو دون نسبة في أدب الكاتب ص ٦١٥، والأضداد لابن الأنباري
ص١١٠. قال البطليوسي: ويروى لشبل بن الصامت المرِّي، وقال في شرحه: معنى فيئي: ارجعي،
والحرام: المُحْرِمِ. ولبيب هنا بمعنى مُلَبٍّ، وصف أن محبوبته لقيها وهو مُحرِمٌ مُلبٌّ فتورَّع عن الكلام
معها.
(٤) الأضداد لابن الأنباري ص ١٠٨، والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٥٧. قال الشارح: عروة أخوه،
وخراش ابنه.
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٩٥، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٩٩/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص١٦٨ عن الحسن.