Indexed OCR Text

Pages 1-20

كَامِ الْقُرآن
الْجَامِعُ اللَّه
٧
وَالمُبَيِّنُ لَمْ تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الفُرْقَانِ
تَأليفُ
أِي عَبْدِاللَّهِ مُحَمَّدِبْنٍ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِ القُرُِيِّ
(ت ٦٧١ هـ )
تَحْقِيْق
الدكتور عبد اللهبن عبد المحسن التركيّ
شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء
كَامِل محمّد العَزَّاط ما هِرْ جُوَشْ
الجُزْعُ الثّانيْ وَالْعِشْرُون
مؤسسة الرسالة

جميع الحقوق محفوظة للنّشرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت - لبنان
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalah
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.Ib
PUBLISHERS

سورة ((عَمَّ)) مكية وتسمى سورة ((النبأ)) وهي
أربعون أو إحدى وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
كَلَّا
٣
عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ * الَّذِى هُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَّسَاءَلُونَ
سَيَعْلَمُونَ ﴿٣ ثُنَّ كَلَا سَيَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَلَلُونَ﴾؟ ((عَمَّ)) لَفْظُ استفهام؛ ولذلك سَقَطَت منها ألفُ ((ما))
ليتميَّز الخبرُ عن الاستفهام. وكذلك: ((فيمَ، ومَّ) إذا استَفْهَمْتَ. والمعنى: عن أيِّ
شيءٍ يَسألُ بعضُهم بعضاً. وقال الزجَّاج (١): أصلُ ((عَمَّ)): عن ما، فأُدغِمت النونُ في
الميم؛ لأنَّها تُشارِكُها في الغُنَّة.
والضميرُ في ((يتساءلون)) لقريش. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: كانت
قريشٌ تجلسُ لمَّا نزل القرآنُ فتتحدَّثُ فيما بينها، فمنهم المُصَدِّقُ ومنهم المكذِّبُ به،
فنزلت ((عَمَّ يَتَساءلونَ)).
وقيل: ((عمَّ) بمعنى: فيم يتشدَّدُ المشركون ويختَصِمون.
قوله تعالى: ﴿عَنِ النََّلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: يتساءلون عن النبأ العظيم، فـ((عن)) ليس
تَتعلَّقُ بـ«يتساءلون)» الذي في التلاوة؛ لأنَّه كان يلزمُ دخولُ حرفِ الاستفهام فيكون
((عن النبإ العظيم) كقولك: كم مالُك، أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لِمَا ذكرناه من
امتناعِ تَعَلَّقِهِ بـ((يتساءلون)) الذي في التلاوة، وإنَّما يتعلَّقُ بيتساءلون آخَرَ مُضمَرٍ. وحَسُنَ
ذلك لتقدُّم ((يتساءلون))؛ قاله المَهْدويّ.
وذكر بعضُ أهلِ العلم أنَّ الاستفهامَ في قوله: ((عن)) مكرَّرٌ، إلَّا أنه مضمَرٌ، كأنه
(١) في معاني القرآن ٢٧١/٥ .

٦
سورة النبأ: الآيات ١ - ٥
قال: عمَّ يتساءلون، أعن النبأ العظيم؟ فعلى هذا يكون متَّصلاً بالآية الأُولى(١).
و ((النبأ العظيم)) أي: الخبر الكبير.
﴿الَّذِى هُ فِيهِ مُخْلِفُونَ﴾ أي: يخالفُ فيه بعضُهم بعضاً، فيصدِّق واحدٌ ويكذِّبُ
آخرُ، فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو القرآن(٢)، دليلُه قولُه: ﴿قُلّ هُوَ نَؤًا
عَظِيمُ أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨] فالقرآنُ نبأٌ وخبرٌ وقَصَصٌ، وهو نبأ عظيمُ الشأن.
ورَوى سعيد عن قتادةَ قال: هو البعثُ بعد الموتِ، صار الناسُ فيه رجلين:
مصدِّق ومكذِّب(٣).
وقيل: أمْر النبيِّ #. وروى الضحَّاك عن ابن عباس قال: وذلك أنَّ اليهود سألوا
النبيَّ عن أشياء كثيرة؛ فأخبره الله جلَّ ثناؤه باختلافهم، ثم هذَّدهم فقال: ﴿كَلَّا
سَيَعْلَمُونَ﴾ أي: سَيَعْلَمون عاقبةَ القرآن، أو سيعلمون البعثَ: أحقُّ هو أم باطلٌ.
و ((كلَّا)) ردٌّ عليهم في إنكارهم البعثَ أو تَكذيبهم القرآنَ، فيوقَفُ عليها. ويَجوزُ أن
يكون بمعنى: حقًّا، أو: ألَا، فيُبدأ بها.
والأَظْهَرُ أنَّ سؤالَهم إنَّما كان عن البعث؛ قال بعضُ علمائنا (٤): والذي يدلُّ عليه
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنًا﴾ يدلُّ على أنَّهم كانوا يتساءلون عن البعث.
﴿قُرَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أي: حقًّا لَيَعْلَمُون(٥) صِدْقَ ما جاء به محمدٌ﴿ من القرآن،
وممَّا ذَكَرَه لهم من البعث بعد الموت. وقال الضحَّاك: ((كلَّا سيعلمون)) يعني الكافرين
عاقبةً تَكْذيبهم، ((ثم كلا سيعلمون)) يعني المؤمنين عاقبةً تَصديقهم(٦). وقيل: بالعكس
(١) تفسير الرازي ٤/٣١ .
(٢) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٠٥/٦ .
(٣) أخرجه الطبري ٦/٢٤-٧ .
(٤) هو الزجاج في معاني القرآن ٢٧١/٥ .
(٥) كذا في النسخ، ولعل الصواب: ليعلمنَّ.
(٦) أخرجه الطبري ٨/٢٤ .

٧
سورة النبأ: الآيات ٥ - ١٦
أيضاً. وقال الحسن: هو وعيدٌ بعد وعيدٍ(١). وَقراءةُ العامَّةِ فيهما بالياء على الخبر؛
لقوله تعالى: ((يتساءلون))، وقوله: ((هم فيه مختلفون)). وقرأ الحسن وأبو العاليةِ
ومالك بنُ دينار بالتاء فيهما(٢).
٨
وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا
٧
وَالِبَالَ أَوْتَادًا
قوله تعالى: ﴿أَزْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا
وَجَعَلْنَا النَّهَرَ مَعَاشًا ﴿ وَبَنَّيْنَا
وَجَعَلْنَا الَيْلَ بَِاسًا (٥)
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا
فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا !
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّامًا (٣)
وَأَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَاءَ نَّجَّامَا
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافَ (@)
لِتُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَنَبَاتًا ®
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا﴾: «لَّهم على قُدْرَته على البعث، أي: قُدْرتُنا
على إيجادِ هذه الأمور أغْظَمُ من قدرتنا على الإعادة. والمِهادُ: الوطاءُ والفِراش. وقد
قال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقُرِئَ: ((مَهْدَا))(٣)، ومعناه:
أنَّها لهم كالمهدِ للصَّبيِّ، وهو ما يُمهَدُ له فينوَّمُ عليه.
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي: لتَسْكُنَ ولا تتكَفَّأَ ولا تَميلَ بأهلها. ﴿وَخَقْتَكُمْ أَزْوَبًا﴾ أي:
أصنافاً : ذَكراً وأنثى. وقيل: ألواناً. وقيل: يدخلُ في هذا كلُّ زوجٍ؛ من قبيحٍ وحَسَنٍ،
وطويلٍ وقصيرٍ؛ لتختلفَ الأحوالُ فيقع الاعتبار، فيشكر الفاضلُ ويصبر المفضول.
﴿وَجَعَلْنَا تَوْمَكُ﴾ ((جعلنا)) معناه: صَيَّرنا؛ ولذلك تعدَّتْ إلى مفعولين. ﴿سُبَاتًا﴾
المفعولُ الثاني، أي: راحةً لأبدانكم، ومنه يومُ السَّبْتِ، أي: يومُ الراحة، أي: قيل
لبني إسرائيلَ: استريحوا في هذا اليوم، فلا تَعمَلوا فيه شيئاً. وأنكر ابنُ الأنباريِّ هذا
وقال: لا يُقالُ للراحةِ سُبَات (٤). وقيل: أصلُه التمدُّد؛ يقال: سَبَتَتِ المرأةُ شعرها:
إذا حلَّته وأرسلته، فالسُّبَاتُ كالمدِّ، ورجلٌ مسبوتُ الخَلْق، أي: ممدود. وإذا أراد
(١) أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٣٠٥/٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٨٣/٦.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٧١/٥، والمحرر الوجيز ٤٢٤/٥ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٧ عن مجاهد وعيسى الهمداني.
(٤) بنحوه في تهذيب اللغة ٣٨٦/١٢ .

٨
سورة النبأ: الآيات ٦ - ١٦
الرجلُ أن يستريح تَمدَّدَ، فسمِّيت الراحةُ سَبْتاً. وقيل: أصلُه القَطْعُ؛ يقال: سَبَتَ شعرَه
سَبتاً: حَلَقه، وكأنه إذا نام انقطع عن الناس وعن الاشتغال، فالسُّباتُ يشبه الموتَ،
إلَّا أنه لم تُفارِقْه الروح. ويقال: سَيْرٌ سَبتٌ: أي سهلٌ لين؛ قال الشاعر:
وَمظْوِيَّةُ الأقرابِ أَمَّا نهارُها فَسَبْتٌ وأمَّا ليلُها فِذَمِيلُ(١)
﴿وَجَعَلَنَا أَيْلَ لَِاسًا﴾ أي: تَلبَسُكم ظُلمتُه وتَغْشَاكم؛ قاله الطبريُّ(٢). وقال ابن
جُبير والسُّدِّيُّ: أي: سَكناً لكم(٣).
﴿وَجَعَلْنَا النَّارَ مَعَاشًا﴾ فيه إضمارٌ، أي: وقتَ مَعَاشٍ، أي: مُتَصَرَّفاً لِطَلَبٍ
المعاشِ، وهو كلُّ ما يُعاشُ به من المَطعَمِ والمَشْرَبِ وغيرِ ذلك، فـ((معاشاً)) على هذا
اسمُ زمان، ليكون الثاني هو الأول. ويجوزُ أن يكون مصدراً بمعنى العيش، على
تقدير حَذْفِ المُضاف.
﴿وَبَيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ أي: سبعَ سماواتٍ مُحكَماتٍ، أي: مُحْكَمة الخَلْقِ
وثيقة البنيان.
﴿وَجَعَلْنَا بِرَاجًا وَهَاجًا﴾ أي: وَقَّاداً، وهي الشمس. وجَعَلَ هنا بمعنى خَلَق؛ لأنها
تَعدَّثْ لمفعولٍ واحد، والوهَّاجِ الذي له وَهَج؛ يقال: وَهَجَ يَهِجُ وَهْجاً ووَهَجاً
ووَهَجَاناً. ويقال للجوهر إذا تَلَأْلاَ: تَوَهَّج. وقال ابنُ عباس: وهَّاجاً: منيراً مُتلألئاً(٤).
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَاءَ نَّجَّاجًا﴾ قال مجاهدٌ وقتادةُ: والمعصِراتُ: الرياح. وقاله
(١) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ص١١٦، وإصلاح المنطق ص١١، وجمهرة اللغة ١٩٥/١.
.قال ابن دريد: السبت ضرب من سير الإبل، والذميل: ضرب من السير أيضاً. وقال السيرافي في شرح
أبيات إصلاح المنطق ص٦٨ : يريد أنها تسير سبتاً في نهارها وذميلاً في ليلها، والذَّميل أشد من
السبت. ومطوية رفع عُطف على مرفوع متقدم. والأقراب: الخواصر.
(٢) في التفسير ٩/٢٤ .
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٨٣.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ١١ .

٩
سورة النبأ: الآيات ١٤ - ١٦
ابن عباس(١). كأنَّها تَعْصِرُ السَّحاب.
وعن ابن عباس أيضاً: أنَّها السحابُ. وقال سفيان والربيع وأبو العاليةِ
والضَّّاكُ: أي: السحائبُ التي تَنْعصِرُ بالماء ولمَّا تُمْطِرْ بَعدُ، كالمرأةِ المُعصِرِ التي
قد دنا خَيْضُها ولم تَحِض(٢)، قال أبو النجم(٣):
ثَلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَان ومُعصِرُ(٤)
فكان مِجَنِّي دون مَن كنتُ أنَّقي
وقال آخر:
ذِهابُ الصَّبَا والمُعصِراتُ الرَّوائِحُ(٥)
وذِي ◌ُشُرٍ كالأُقِحُوانِ يَزِينُهُ
فالرياح تسمَّى مُعصِرات؛ يقال: أعصَرَت الريح تُعصِرُ إعصاراً؛ إذا أثارت
العجاجَ، وهي الإعصار، والسُّحبُ أيضاً تسمَّى المُعصِرات لأنَّها تُمْطِر.
وقال قتادةُ أيضاً: المُعصِراتُ: السماء (٦).
النَّحاس: هذه الأقوالُ صحاحٌ؛ يقال للرياح التي تأتي بالمطر: مُعْصِرات،
والرياحُ تُلقِحُ السَّحابَ، فيكون المطر، والمطر ينزل من الريح على هذا. ويجوزُ أن
تكون الأقوال واحدةً، ويكون المعنى: وأنزلنا من ذواتِ الرياحِ المُعْصِرات ماءً
تَجَّاجاً. وأصحُ الأقوالِ أنَّ المعصراتِ: السحاب. كذا المعروفُ أنَّ الغيث منها. ولو
(١) أخرج قولهم أحمد كما في مسائل ابنه صالح ٥٨/٢-٦٠، والطبري ٢٤/ ١٢ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٧، وأخرجه عن ابن عباس وسفيان والربيع الطبري ٢٤/ ١٣.
(٣) كذا في النسخ، والصواب عمر بن أبي ربيعة، وانظر التعليق الذي بعده.
(٤) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص٦٦ . قوله: مجنِّي، المجن: الترس، يريد أنه استتر بثلاث نسوة عن أعين
الرقباء، والكاعب التي نَهَدَ ثديها. ينظر شرح الزرقاوي على موطأ مالك ٤/ ١٥٤ .
(٥) البيت للبعيث، كما في تهذيب اللغة ١٦/٢، والصحاح (ذهب)، واللسان (عصر)، والخزانة ٨/ ٥١١ ،
وهو في هذه المصادر برواية: تشوفه، بدل: يزينه، والدوالح، بدل: الروائح. قال الأزهري: الدوالح
هي السحاب التي أثقلها الماء فهي تدلح، أي: تمشي مَشْيَ المثقل، والذّهاب: الأمطار. اهـ
والأُقْحوان: البابونج. القاموس (قحو).
(٦) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٢/٢، والطبري ١٣/٢٤.

١٠
سورة النبأ: الآيات ١٤ - ١٦
كان: بالمعُصِرات، لكان الريح أَوْلَى(١).
وفي ((الصِّحَاح)): والمُعْصِراتُ: السحائبُ تعتصر بالمطر. وأُعصِر القومُ، أي:
أُمْطِروا، ومنه قرأ بعضُهم: ((وفيه يُعْصَرون))(٢) [يوسف: ٤٩]. والمُعْصِرُ: الجاريةُ أول
ما أدْركَتْ وحاضَتْ؛ يقال: قد أعْصَرتْ، كأنها دَخَلتْ عَصْرَ شبابِها أو بلغَته، قال
الرَّاحِزُ:
جارِيةٌ بسَفَوانَ دارُها تَمشي الهُوَينَى ساقِطاً خِمَارُها
قد أعَصَرتْ أو قَدْ دَنا إعصارُها(٣)
والجمعُ: مَعَاصِر. ويقال: هي التي قاربت الحيض؛ لأنَّ الإعصار في الجارية
كالمراهَقَةِ في الغلام. سمعتُه من أبي الغَوْثِ الأعرابيّ(٤).
قال غيره: والمُعْصِرُ: السحابةُ التي حان لها أن تُمْطِر؛ يقال: أجَزَّ الزرعُ فهو
مُجِزٌّ، أي: صار إلى أنْ يُجزَّ، وكذلك السحابُ إذا صار إلى أن يُمطِر فقد أعْصَر(٥).
وقال المبرِّد: يقال: سحابٌ مُعصِر، أي: مُمسِكٌ للماء، ويُعتَصَر منه شيءٌ بعد شيءٍ،
ومنه: العَصَر - بالتحريك - للملجأ الذي يُلْجَأُ إليه، والعُصرةُ بالضم أيضاً الملجأ. وقد
مضى هذا المعنى في سورة يوسف (٦)، والحمدُ لله. وقال أبو زبيد:
صادِياً يستغِيثُ غير مُغاثٍ ولقدْ كان عُصرةَ المنجودِ (٧)
ومنه: المُعصِرُ للجارية التي قد قَرُبتَ من البلوغ؛ يقال لها: مُعصِر؛ لأنها تُحْبَس
(١) الكلام بنحوه مختصراً في إعراب القرآن للنحاس ١٢٦/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص٦٤، والمحتسب ٣٤٤/١، وينظر ما سلف ٣٧٠/١١.
(٣) الصحاح (عصر)، ونسبه ابن دريد في الجمهرة ٣٥٤/٢ لمنظور بن مرثد الأسدي، وهو بلا نسبة في
العين ٢٩٥/١، وتهذيب اللغة ١٧/٢. وسَفَوان بفتح أوله وثانيه، ماء على قَدْر مرحلة من باب المربد
بالبصرة. معجم البلدان ٢٢٥/٣ .
(٤) الصحاح (عصر).
(٥) زاد المسير ٩/ ٦، وبنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٧٢/٥، وتهذيب اللغة ١٦/٢.
(٦) ٣٦٩/١١-٣٧٠.
(٧) سلف ٣٧٠/١١، وأبو زبيد هو حرملة بن منذر الطائي، ويقال: المنذر بن حرملة . .

١١
سورة النبأ: الآيات ١٤ - ١٦
في البيت، فيكون البيت لها عَصَراً.
وفي قراءةِ ابن عباس وعكرمةَ: ((وأَنزلنا بِالمعصِراتِ)) (١). والذي في المصاحف:
﴿مِنَ الْمُعْصِرَتِ﴾ قال أبيّ بن كعب والحسنُ وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بنُ
حيان: ((مِن المعصِراتِ))، أي: من السماوات(٢).
﴿مَ تَجًَّا﴾ صباباً متتابعاً؛ عن ابن عباس ومجاهدٍ وغيرهما(٣). يقال: نَجَجْتُ
دَمَه فأنا أَثُجُّه ثَجًّا، وقد نجَّ الدَّمُ يَتُجُّ ثُجوجاً، وكذلك الماء، فهو لازِمٌ ومتعدٍّ،
والثّجَّاجُ في الآية: المنصَبُّ. وقال الزجَّاج: أي: الصَّبَّاب(٤)، وهو متعدٍّ كأنه يَئُجُّ
نفسه، أي: يصبّ. وقال عَبید بن الأبرص:
فتجَّ أعلاه ثم ارتَجَّ أسفلُه وضاقَ ذَرعاً بِحملِ الماءِ مُنصاحٍ(٥)
وفي حديث النبيِّ ﴿ أنه سُئلَ عن الحجِّ المبرور فقال: ((العَجُّ والثَّجُ)) (٦) فالعجُّ:
رَفْعُ الصوتِ بالتلبية، والثجُّ: إراقةُ الدماءِ وذبحُ الهدايا. وقال ابن زيد: نجَّاجاً
كثيراً(٧). والمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء ﴿حَبًّ﴾ كالحنطة والشعير وغيرِ ذلك
﴿وَاتًا﴾ من الأبِّ، وهو ما تأكلُه الدوابُّ من الحشيش. ﴿وَجَنَّتٍ﴾ أي: بساتين
(١) القراءات الشاذة ص١٦٧، والمحتسب ٣٤٧/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٢٤/٥ وتفسير البغوي ٤٣٧/٤، وأخرجه عن الحسن الطبري ١٣/٢٤، وسلف هذا
القول عن قتادة.
(٣) تفسير الطبري ١٤/٢٤ - ١٥ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٧٢/٥ .
(٥) ديوان عبيد بن الأبرص ص٥٣، ومنتهى الطلب من أشعار العرب ٢/ ٢٢٠ ، ومختارات ابن الشجري
٤٨/٢. وهو في هذه المصادر برواية: فالتج أعلاه. والبيت برواية المصنف في النكت والعيون ٦/ ١٨٤.
وقوله: منصاح، أي: منشق بالماء، في اللسان (صوح): يقال: صاحه يصوحه فهو منصاح: إذا شقَّه.
(٦) سلف ٥/ ٢٢٢ .
(٧) أخرجه الطبري ٢٤ /١٥.

١٢
سورة النبأ: الآيات ١٦ - ٢٠
﴿أَلْقَافًا﴾ أي: ملتقَّةً بعضُها ببعضٍ لتَشَغُّب أغصانها، ولا واحدَ له كالأوْزاع،
والأخياف(١). وقيل: واحدُ الألفافِ لِفِّ بالكسر، ولُفِّ بالضم؛ ذكره الكسائيّ(٢)،
قال :
جنةٌ لفِّ وعيشٌ مُغْدِق ونَدامَى كلُّهم بِيضُ زُهُرْ (٣)
وعنه أيضاً وأبي عبيدةَ: لفيفٌ، كشريفٍ وأشراف(٤).
وقيل: هو جمعُ الجمع؛ حكاه الكسائيُّ. يقال: جنّةٌ لَفَّاءُ ونَبْتٌ أَلَفُّ، والجمعُ:
لُفِّ بضم اللام، مثل: حُمْر، ثم يُجمع اللُّفُّ ألفافاً (٥).
الزمخشري(٦): ولو قيل: جمع مُلْتَفَّة، بتقديرِ حذفِ الزوائدِ لكان وجيهاً. ويقال:
شجرةٌ لَقَّاءُ وشَجرٌ لُفِّ، وامرأةٌ لقَّاءُ، أي: غليظةُ الساقِ مجتمعةُ اللَّحم.
وقيل: التقدير: ونُخرجُ به جناتٍ ألفافاً، فحذف لدلالةِ الكلام عليه. ثم هذا
الالتفافُ والانضمامُ معناه أنَّ الأشجار في البساتين تكونُ متقاربة، فالأغصانُ(٧) من
كلِّ شجرةٍ متقاربةٌ لقوَّتها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ اُلْفَصْلِ كَانَ مِيقَنَّا (٧ يَوْمَ يُفَخُ فِي الْضُّورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا
٢٠
وَفُتِحَتِ السَّمَةُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا ٨ وَسُبِرَتِ اَلِجَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
١٨
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتًا﴾ أي: وقتاً ومَجمعاً وميعاداً للأوَّلين
(١) الكشاف ٢٠٨/٤. الأوزاع: الجماعات المتفرقة. والأخياف: الضروب المختلفة في الأشكال
والأخلاق، والإخوة لأم واحدة من آباء شتى. معجم متن اللغة (وزع) و(خيف).
(٢) تفسير الرازي ٩/٣١ .
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢٠٨/٤ .
(٤) ذكره عن الكسائي ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٥/٤، ولم نقف عليه في مجاز القرآن لأبي عبيدة.
(٥) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٥٠٩، وإعراب القرآن للنحاس ١٢٧/٥، ومشكل إعراب القرآن
٧٩٥/٢.
(٦) في الكشاف ٢٠٨/٤ .
(٧) في (د): الأغصان.

١٣
سورة النبأ: الآيات ١٧ - ٢٠
والآخِرِين؛ لمَا وَعَد الله من الجزاء والثواب. وسمِّي يومَ الفَصلِ لأنَّ الله تعالى يَفْصِلُ
فیه بین خَلْقِه.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ أي: للبعث ﴿فَأْتُونَ﴾ أي: إلى موضع
العَرْضِ ﴿أَفْوَاجًا﴾ أي: أُمماً. كلُّ أَمَّةٍ مع إمامهم. وقيل: زمراً وجماعاتٍ. الواحد:
فوجٌ. ونَصَبَ يوماً بدلاً من اليوم الأول.
وروي من حديث معاذ بن جبل: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ قولَ الله تعالی:
﴿يَوْمَ يُنفَعُ فِ الْصُورِ فَأْتُونَ أَفْوَجًا﴾؟ فقال النبيُّ :﴿: (يا معاذ، لقد سألتَ عن أمرٍ عظيم))
ثم أرسل عينيه باكياً، ثم قال: ((يُحشَرُ عشرةُ أصنافٍ من أمَّتي أشتاتاً قد مَيَّزهم الله
تعالى من جماعاتِ المسلمين، وبذَّل صُورَهم، فمنْهم على صورة القِرَدة، وبعضُهم
على صورةِ الخنازير، وبعضُهم مُنكَّسون: أرجُلُهم أعلاهم، ووجوهُهم يُسحَبون
عليها، وبعضُهم عُمْيٌ يتردّدون، وبعضُهم صُمِّ بُكْمٌ لا يعقلون، وبعضُهم يمضغون
ألسنتَهم، فهي مُدَّاةٌ على صدورهم، يسيلُ القَيح من أفواههم لعاباً، يتقذَّرُهم أهلُ
الجمع، وبعضُهم مقطّعةٌ أيديهم وأرجلُهم، وبعضُهم مُصَلَّبون على جذوعٍ من النار،
وبعضُهم أشدُّ نْئاً من الجيف، وبعضُهم مُلبَسون جلابيبَ سابغةً من القَطِران لاصقةً
بجلودهم. فأمَّا الذين على صورة القردة: فالقَتَّات من الناس - يعني النَّمَّام - وأمَّا
الذين على صورة الخنازير: فأهلُ السُّخت والحرام والمَكْس. وأمَّا المنكّسون
رؤوسهم ووجوههم: فأكلَّةُ الربا، والعُمْيُ: مَن يَجورُ في الحكم، والصم البكم:
الذين يُعجَبون بأعمالهم. والذي يمضغون ألسنتَهم: فالعلماءُ والقُصَّاص الذين يخالفُ
قولَهم فِعْلُهم. والمقطّعةُ أيديهم وأرجلُهم: فالذين يؤذون الجيران. والمصلّبون على
جذوع النار: فالسُّعاةُ بالناس إلى السلطان. والذين هم أشدُّ نَتناً من الجِيف: فالذين
يتمثَّعون بالشهوات واللَّذات، ويمنعون حقَّ الله من أموالهم. والذين يُلْبَسون
الجلابيب: فأهلُ الكِبرِ والفَخْرِ والخَيَلاء))(١).
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه: كما في الدر المنثور ٣٠٧/٦، وتخريج أحاديث الكشاف ص١٨١ .
وفي إسناده حنظلة السدوسي، قال عنه أحمد: منكر الحديث يحدث بأعاجيب. وقال ابن معين: ليس
بشيء تغيَّر في آخر عمره. الميزان ٧/ ٦٢١ .

١٤
سورة النبأ: الآيات ١٩ - ٣٠
قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبَوَبًا﴾ أي: لنزولِ الملائكة، كما قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَهُ بِلْغَمَِ وُزِلَ الْمُكَبِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تَقطّعتْ، فكانت
قِطعاً كالأبواب، فانتصابُ الأبوابِ على هذا التأويل بحذفِ الكاف.
وقيل: التقديرُ: فكانت ذاتَ أبوابٍ؛ لأنها تصير كلّها أبواباً. وقيل: أبوابها
ظُرُقها. وقيل : تنحلُّ وتتناثر، حتى تصير فيها أبوابٌ . وقيل: إنَّ لكلِّ عبدٍ بابين في
السماء: باباً لعمله، وباباً لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب.
وفي حديث الإسراء: ((ثُم عرج بنا إلى السماء، فاستَفْتح جبريل، فقيل: مَن
أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقَد بُعِث إليه؟ قال: قد
بُعِث إليه. ففُتح لنا))(١).
﴿وَسُئِرَتِ الْجَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: لا شيءَ، كما أنَّ السراب كذلك: يظنُّه الرائي
ماءً وليس بماء. وقيل: ((سُيِّرت)): نُسِفتْ من أصولها. وقيل: أُزيلَتْ عن مواضعها(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا ﴿ لَّغِينَ مَثَابًا (٨) لَّبِثِينَ فِهَا أَحْفَابًا
٢٣
لَا يَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿ إِلَّا حَيمًا وَغَسَّاقًا (٥)
جَزَآءُ وِفَاقًا
وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ
وَكَذَّبُواْ ◌َِايَِنَا كِذَّابًا
إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرَجُونَ حِسَابًا أَ
٣٠
كِتَبًا ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن تَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا﴾: مِفعال من الرَّصَد، والرَّصَد: كلُّ شيءٍ
كان أمامك. قال الحسن: إنَّ على النار رَصَدًا، لا يدخل أحدٌ الجنةَ حتى يجتازَ عليه،
فَمَن جاء بجوازٍ جاز، ومَن لم يَجِئ بجوازٍ حُبِس. وعن سُفيان ه قال: عليها ثلاثُ
قَناطِر (٣).
(١) أخرجه أحمد (١٢٥٠٤)، والبخاري (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢) من حديث أنس .
(٢) النكت والعيون ١٨٥/٦.
(٣) أخرج القولين الطبري ٢٤/ ٢٠-٢١.

١٥
سورة النبأ: الآيات ٢١ - ٣٠
وقيل: ((مِرصاداً)): ذات أرصادٍ على النسب، أي: تَرصُدُ مَن يمرُّ بها. وقال
مقاتل: مَحبِساً. وقيل: طريقاً وممرّاً، فلا سبيل إلى الجنة حتى يَقْطَع جهنم. وفي
(الصِّحَاح)): والمِرصاد: الطريق(١).
وذكر القُشَيريُّ: أنَّ المرصادَ: المكانُ الذي يَرصُد فيه الواحدُ العدوَّ، نحو
المِضمار: الموضعُ الذي تُضمَّر فيه الخيل. أي: هي معدَّةٌ لهم، فالمِرصادُ بمعنى
المحلّ، فالملائكةُ يرصدون الكفارَ حتى ينزلوا بجهنم.
وذكر الماوردِيّ(٢) عن أبي سِنان أنَّها بمعنى: راصِدة، تُجازيهم بأفعالهم.
وفي (الصِّحَاح)): الراصِدُ للشيء: الراقبُ له؛ تقول: رَصَدِه يَرْصُدُه رَضْداً
ورَصَدًا، والتَّرصُّد: الترقُّب. والمَرصَد: موضعُ الرَّصد. الأصمعيُّ: رَصَدته أرصُده:
ترقَبته، وأرْصَدْتُ له(٣): أعْدَدْتُ له. والكسائيُّ مِثْله.
قلت: فجهنّمُ مُعدَّةٌ مترصِّدةٌ، مُتفعِّل من الرصد وهو الترقُّب، أي: هي متطلِّعةٌ
لِمَن يأتي. والمِرْصادُ مِفْعالٌ من أبنية المبالَغة، كالمِعطار والمِغيار، فكأنه يكثُر من
جهنّم انتظارُ الكفار.
﴿لِلَّغِينَ مَثَابًا﴾ بدلٌ من قوله: ((مِرصاداً))، والمآبُ: المَرْجِعُ، أي: مَرْجِعاً
يرجعون إليها؛ يقال: آب يَؤُوبُ أوْبةً: إذا رجع. وقال قتادةُ: مَأوَى ومنزلاً (٤).
والمرادُ بالطاغين: مَن طغى في دِينه بالكفر، أو في دنياه بالظُّلم.
قوله تعالى: ﴿لَّبِينَ فِهاَ أَحْقَاًا﴾ أي: ماكِثين في النار مادامت الأحقاب، وهي لا
تَنْقطعُ، فكلَّما مضى حُقُبٌّ جاء حُقُبٌّ. والحُقُب بضمَّتين: الدَّهْرُ، والأحقابُ:
(١) الصحاح (رصد).
(٢) في النكت والعيون ١٨٥/٦.
(٣) في النسخ: وأرصدته، والمثبت من الصحاح (رصد)، وهو موافق لما في تهذيب اللغة ١٢/ ١٣٧،
واللسان (رصد)، والتاج (رصد).
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢١ .

١٦
سورة النبأ: الآيات ٢٣ - ٣٠
الدُّهور. والحِقبة بالكسر: السَّنة؛ والجمع حِقَب؛ قال متمم بن نُويرة التميميُّ:
من الذَّهرِ حتى قيل لن يتصدَّعا
وكنَّا كنَذْمانَيْ جَذِيمةَ حِقْبةٌ
لِطولِ اجتماعٍ لم نَبِت ليلةً معا (١)
فلمَّا تفرَّقْنا كأنِّي ومالِكاً
والحُقبُ بالضمِّ والسكون: ثمانون سنةً. وقيل: أكثر من ذلك وأقلّ، على ما
يأتي، والجمع: أحقاب.
والمعنى في الآية: لا بِثين فيها أحقاب الآخرةِ التي لا نهايةً لها، فحذف الآخرة
لدلالةِ الكلام عليه، إذ في الكلام ذِكرُ الآخرة، وهو كما يقال: أيام الآخرة، أي:
أيامٌ بعدَ أيامٍ إلى غير نهاية، وإنما كان يدلُّ على التوقيت لو قال: خمسة أحقابٍ، أو
عشرة أحقاب، ونحوه. وذَكَر الأحقابَ لأنَّ الحُقُب كان أبْعَدَ شيءٍ عندهم، فتكلَّم بما
تَذْهبُ إليه أوهامُهم ويعرفونها، وهي كنايةٌ عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً. وقيل:
ذكر الأحقاب دون الأيام؛ لأنَّ الأحقابَ أهوَلُ في القلوب، وأدلُّ على الخلود.
والمعنى متقاربٌ، وهذا الخلودُ في حقِّ المشركين.
ويمكن حَمْلُ الآية على العُصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب(٢).
وقيل: الأحقابُ وقتٌّ لشُرْبِهِم الحميمَ والغَساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوعٌ
آخرُ من العقاب؛ ولهذا قال: ﴿لَِّنَ فِهَا أَحْقَابًا لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حِيمًا
وَغَسَاقًا﴾.
و((لا بِئِين)) اسمُ فاعلٍ من لَبِثَ، ويقوِّيه أنَّ المصدر منه اللَّبْث بالإسكان،
(١) الكامل للمبرد ١٣٩١/٣ و١٤٤٠، والمفضليات ص٢٦٧، ومعجم الشعراء ص٤٣٢ -٤٣٣،
والخزانة ٢٧٢/٨ . قوله: كندماني جذيمة، هما مالك وعقيل ابنا فارج بن كعب، نادّما جذيمة الأبرش
بعد أن ردًّا عليه ابن أخته، وينظر تفصيل قصتهما في الخزانة ٨/ ٢٧٠-٢٧٣ . وذكر المرزباني أن متمم
ابن نويرة أدرك الإسلام وأسلم فحسن إسلامه، واستفرغ شعره في مراثي أخيه مالك بن نويرة، وكان
خالد قتله في الردة.
(٢) ويردُّ هذا القول بأن بعده: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. إعراب القرآن للنحاس ١٣٠/٥، والمحرر
الوجيز ٤٢٦/٥ .

١٧
سورة النبأ: الآيات ٢٣ - ٣٠
كالشَّرْب. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: (لَبِثِينَ)) بغير ألف(١)، وهو اختيارُ أبي حاتمٍ وأبي
عبيد، وهما لغتان؛ يقال: رجل لابِتٌ ولَبِثْ، مثل طَمِعٍ وطامِعٍ، وفَرِهِ وفارِهِ. ويقال:
هو لَبِثْ بمكان كذا، أي: قد صار اللَّبْتُ شأنُه، فشُبِّه بما هو خِلْقةٌ في الإنسان،
نحو: حَذِر وفَرِق؛ لأنَّ باب فَعِل إنَّما هو لِمَا يكونُ خِلْقةً في الشيء في الأغلب،
وليس كذلك اسمُ الفاعلِ مِن لابثٍ.
والحُقبُ: ثمانون سنةً في قول ابنِ عمرَ وابنِ مُحَيصنٍ وأبي هريرة (٢)؛ والسنةُ
ثلاثُ مئةٍ يومٍ وستُّون يوماً، واليومُ ألفُ سنةٍ من أيام الدنيا. قاله ابنُ عباس(٣). وروى
ابنُ عمَرَ هذا مرفوعاً إلى النبيِّ ◌َ﴾(٤).
وقال أبو هريرةَ: والسنةُ ثلاثُ مئةٍ يومٍ وسُّون يوماً، كلٌّ يومٍ مثلُ أيامِ الدنيا (٥).
وعن ابن عمر أيضاً: الحُقبُ: أربعون سنةً. السُّدِّيُّ: سبعون سنةً. وقيل: إنه ألفُ
شهرٍ. رواه أبو أمامةَ مرفوعاً. بشير بن كعب: ثلاث مئة سنةٍ(٦).
الحسن: الأحقابُ لا يَدرِي أحدٌ كم هي، ولكنْ ذَكَروا أنَّها مئةُ حُقبٍ، والحُقبُ
(١) السبعة ص٦٦٨، والتيسير ص٢١٩ عن حمزة. وقراءة الكسائي: ((لا بثين)) كقراءة الباقين.
(٢) أخرجه عن أبي هريرة هناد في الزهد (٢١٩)، والطبري ٢٤/٢٤، وما بعده قطعة منه. وأخرجه
سعيد بن منصور وابن المنذر كما في الدر المنثور ٣٠٨/٦ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما،
وروي عن ابن عمر مرفوعاً على ما يأتي.
(٣) ذكره الرازي في التفسير ١٣/٣١.
(٤) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٣٣٢/١، وابن عدي في الكامل ١١٣٤/٣، وذكره الذهبي في
الميزان ٢٢٣/٢ مع حديث آخر، وقال: هما موضوعان في نَقْدي. وسيأتي متن الحديث منسوباً
لعمر ه﴾.
(٥) من قوله: وقال أبو هريرة والسنة ثلاث مئة يوم، إلى هذا الموضع ليس في (ظ)، ووقع في (ي): كل
يوم مثل الدنيا. وقد سلف عن أبي هريرة نحوه، وفيه : ... واليومُ ألفُ سنة من أيام الدنيا.
(٦) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ١٨٦/٦. وحديث أبي أمامة ( أخرجه مطولاً ابن أبي
حاتم، كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وهو من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي
أمامة، عن النبي ﴾. قال ابن كثير: هذا حديث منكر جدًّا، والقاسم (وهو ابن عبد الرحمن) والراوي
عنه - وهو جعفر بن الزبير - كلاهما متروك.

١٨
سورة النبأ: الآيات ٢٣ - ٣٠
الواحدُ منها سبعون ألفَ سنةٍ، اليومُ منها كألفِ سنةٍ ممّا تَعدُّون(١).
وعن أبي أمامةَ أيضاً، عن النبيِّ ◌َ﴾: ((إنَّ الحُقُبَ الواحدَ ثلاثون ألفَ سنةٍ))(٢)
ذكره المَهْدَويُّ. والأولُ الماوَرْديُّ(٣).
وقال قُطرب: هو الدهرُ الطويل غيرُ المحدود.
وقال عمر بن الخطاب﴾: قال النبيُّ﴾: ((واللهِ لا يَخْرُجُ من النار مَن دَخَلَها
حتى يكونَ فيها أحقاباً، الحُقبُ بضعٌ وثمانون سنةً، والسنةُ ثلاثُ مئةٍ وستُّون يوماً،
كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ ممَّا تَعُدُّون، فلا يَتَّكِلنَّ أحدُكم على أنه يخرجُ من النار))(٤). ذكره
الثعلبيُّ.
القُرظيُّ: الأحقابُ: ثلاثةٌ وأربعون حُقباً، كلُّ حُقبٍ سبعون خَريفاً، كلٌّ خریفٍ
سبعُ مئةٍ سنةٍ، كلٌّ سنةٍ ثلاثُ مئةٍ وستُّون يوماً، كلٌّ يومٍ ألفُ سنة.
قلت: هذه أقوالٌ مُتعارِضةٌ، والتحديدُ في الآية للخلود يحتاج إلى توقيفٍ يقطعُ
العُذْر، وليس ذلك بثابتٍ عن النبيِّ ◌َ﴾. وإنَّما المعنَى - والله أعلم - ما ذكرناه أوَّلاً،
أي: لا بثين فيها أزماناً ودهوراً، كلَّما مضى زمنٌ يَعقُبه زمنٌ، ودهرٌ يَعقُبه دهرٌ، هكذا
أَبَدَ الآبِدينَ من غير انقطاع.
وقال ابن كَيسان: معنى ﴿لَّبِينَ فِهَا أَحْقَابًا﴾: لا غايةَ لها ولا انتهاء، فكأنه قال:
أبداً.
وقال ابن زيد ومُقاتلٌ: إنَّها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن تَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.
(١) أخرجه الطبري ٢٥/٢٤.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٩٥٧)، وفي إسناده جعفر بن الزبير والقاسم بن عبد الرحمن، وقد سلف
الكلام عليهما.
(٣) في النكت والعيون ١٨٦/٦، وما سيأتي من قول قطرب منه.
(٤) لم نقف عليه عن عمر ﴾، وسلف من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

١٩
سورة النبأ: الآيات ٢٣ - ٣٠
يعني أنَّ العدد قد انقَطَع، والخلود قد حصل(١).
قلت: وهذا بعيدٌ؛ لأنه خَبَرٌ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى
سَمِّ الْخِيَالِ﴾ [الأعراف: ٤٠] على ما تقدَّم. هذا في حقِّ الكفار، فأمَّا العُصاةُ الموحِّدون
فصحيحٌ، ويكونُ النَّسخُ بمعنى التخصيصِ. والله أعلم.
وقيل: المعنى ((لا بِثين فيها أحقاباً»، أي: في الأرض؛ إذ قد تقدَّم ذكرُها،
ويكونُ الضمير في ((لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً)) لجهنم (٢).
وقيل: واحدُ الأحقاب حُقُبٌ وحِقِبَةٌ(٣)؛ قال:
فإن تَنْأ عنها حِقْبَةٌ لا تُلاقِهَا فأنك ممَّا أحدَثَتْ بِالمُجَرَّبِ(٤)
وقال الگُميت:
مَرَّ لها [من] بعد حِقْبَةٍ حِقَبُ (٥)
قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ أي: في الأحقاب ﴿بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ البردُ:
النومُ في قول أبي عبيدةً وغيرِه(٦)؛ قال الشاعر:
ولو شِئتُ حَرَّمتُ النساءَ سِواكُمُ وإن شِئْتُ لم أظْعَمْ نُقاخاً ولا بردا(٧)
(١) تفسير البغوي ٤٣٨/٤، وفيه: يعني أن العدد قد ارتفع والخلود ...
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٥.
(٣) العين ٥٣/٣، وتهذيب اللغة ٧٣/٤ .
(٤) في (م): فأنت بما أحدثته بالمجرب. والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٤٢، قال: شارح
الديوان: أي: سيبدو لك وَصْلُها أو هجرها، فتكون على تجربة منها.
(٥) وصدره: ولا حُمولٍ غدتْ ولا دِمَنٍ، وهو في شرح هاشميات الكميت ص١٠١ ، وما بين حاصرتين
منه، قال أبو رياش القيسي شارح الهاشميات: الدِّمَن: آثار الرماد، يقول: لم تُطربني حُمول (وهي
الهوادج) غدت مفارِقَةٌ لي، ولا دِمَنٌّ وقفتُ بها أتذكر فيها أهلها.
(٦) مجاز القرآن ٢/ ٢٨٢، وتفسير الغريب لابن قتيبة ص ٥٠٩، والأضداد لابن الأنباري ص ٦٤ .
(٧) البيت للعَرْجي، كما في الأضداد لابن الأنباري ص٦٤ ، والصحاح (نقخ)، وهو بلا نسبة في تفسير
الغريب لابن قتيبة ص١٤٦ و٥٠٩ ، قال الجوهري: النقاخ: الماء العذب.

٢٠
سورة النبأ: الآيات ٢٤ - ٣٠
وقاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ والكسائيُّ والفَضْلُ بنُ خالد ومعاذٌ النحويُّ(١)، وأَنْشَدوا
قولَ الكِنديِّ:
بَردتْ مَراشِفُها عليَّ فصَدَّني
عنها وعن تَقْبيلها البَرْدُ(٢)
يعني النوم. والعربُ تقول: مَنعَ البَرْدُ البَرْدَ، يعني: أذهبَ البردُ النوم.
قلت: وقد جاء الحديثُ أنه عليه الصلاة والسلام سُئل: هل في الجنَّة نومٌ؟
فقال: ((لا، النومُ أخو الموتِ، والجنةُ لا موتَ فيها))(٣) فكذلك النار، وقد قال
تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦].
وقال ابن عباس: البَرْدُ: بردُ الشراب(٤). وعنه أيضاً: البردُ: النوم، والشرابُ
الماء (٥).
وقال الزجَّاج: أي: لا يذوقون فيها بَرْدَ ربحٍ ولا ظلِّ ولا نومٍ (٦). فجعل البردَ بردَ
كلِّ شيءٍ له راحةٌ، وهذا بردٌّ ينفعُهم، فأمَّا الزمهريرُ فهو بردٌ يَتَأْذَّونَ به، فلا ينفعُهم،
فلهم منه من العذاب ما اللهُ أعلمُ به.
وقال الحسنُ وعطاءٌ وابن زيد: (بَردًا))، أي: رَوْحًا وراحة(٧)؛ قال الشاعر:
(١) في النسخ: وأبو معاذ النحوي، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٢٦/٥، والبحر ٤١٤/٨، وروح
المعاني ١٦/٣٠. والفضل بن خالد هو أبو معاذ النحوي. ينظر الثقات لابن حبان ٥/٩، والجرح
والتعديل لابن أبي حاتم ٦١/٧، وبغية الوعاة ٢/ ٢٤٥ . ومعاذ النحوي المذكور لعله معاذ بن مسلم
الهراء، نحوي كوفي، وهو أستاذ الكسائي. ينظر إنباه الرواة ٢٨٨/٣، وبغية الوعاة ٢٩٠/٢ .
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٢٣١ برواية : ... فردّني عنها وعن قبلاتها البرد. قال شارح
الديوان: مراشفها: شفاهها.
(٣) سلف ٥/ ١٥٣ .
(٤) أخرجه الفراء ٢٢٨/٣ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ٤١٤ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٧٣/٥ .
(٧) تفسير البغوي ٤٣٨/٤ عن الحسن وعطاء.
:
----