Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٢
معه كتاب وتُخْفة من ربِّ العالمين، أفيؤذن له؟ فيقول: نعم! فأذنوا له. فيقول ذلك
الحاجب الذي يليه: نَعَم فأذنوا له. فيقول الذي يليه للآخر كذلك، حتى يبلغ
الحاجب الآخر، فيقول له: نَعَم أيها المَلَك؛ قد أذن لك، فيدخل، فيسلِّم عليه
ويقول: السَّلامُ يُقرئك السَّلام، وهذه تحفة، وهذا كتاب من ربِّ العالمين إليك. فإذا
هو مكتوب عليه: من الحيّ الذي لا يموت، إلى الحيِّ الذي لا يموت(١). فيفتحه فإذا
فيه: سلام على عبدي ووليّي ورحمتي وبركاتي. يا وليّي، أما آن لك أن تشتاق إلى
رؤية ربِّك؟ فيستخفُّه الشوق، فيركب البُرَاق، فيطير به البُرَاق شوقًا إلى زيارة علَّام
الغيوب، فيعطيه ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقال سفيان الثوريّ: بلغَنا أنَّ المُلْك الكبير تسليمُ الملائكة عليهم(٢)؛ دليلُه
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبّرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٣ -٢٤].
وقيل: المُلْك الكبير: كون التِّيجان على رؤوسهم كما تكون على رأس مَلِك من
الملوك (٣).
وقال الترمذيُّ الحكيم: يعني مُلْك التكوين، فإذا أرادوا شيئًا قالوا له: كن. وقال
أبو بكر الورَّاق: مُلْك لا يتعقَّبه هُلْك. وفي الخبر عن النبيِّ ◌َ﴾: ((إنَّ المُلك الكبير
هو: أدناهم منزلة ينظر في مُلْكه مسيرة ألفي عام، يَرَى أقصاه كما يرى أدناه)) قال:
(وإنَّ أفضلهم منزلةً مَن ينظر في وجه ربِّه تعالى كلَّ يومٍ مرتين))(٤).
قوله تعالى: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ﴾ قرأ نافع وحمزة وابن محيصن :
(١) كذا في النسخ، ولعل المراد أنه خالدٌ فيها لا يموت.
(٢) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٦٧.
(٣) تفسير أبي الليث ٣/ ٤٣٢.
(٤) بعدها في (م): سبحان المنعم. والخبر لم نقف عليه، وأخرجه الترمذي (٣٣٣٠) بنحوه من حديث ابن
عمر رضي الله عنهما .

٤٨٢
سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٢
((عَالِيْهِم)) ساكنةَ الياء(١)، واختاره أبو عبيد اعتباراً بقراءة ابن مسعود وابن وثَّاب
وغيرهما: ((عالِيَتُهُم))(٢) وبتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثيابٌ يعلوها أفضلُ
منها.
الفرَّاء: وهو مرفوع بالابتداء، وخبرُه: ((ثِيَابُ سُنْدُسٍ)) واسم الفاعل يراد به
الجمع. ويجوز في قول الأخفش أن يكون إفراده على أنه اسم فاعل متقدِّم، و((ثيابُ))
مرتفعة به وسَدَّت مسدّ الخبر، والإضافة فيه في تقدير الانفصال؛ لأنه لم يمضٍ(٣)،
وابتدئ به لأنه اختصَّ بالإضافة.
وقرأ الباقون: ((عَالِيَهُمْ)) بالنصب. وقال الفرَّاء(٤): هو كقولك: فَوْقَهم، والعرب
تقول: قومُك داخلَ الدار، فينصبون ((داخل)) على الظرف، لأنه مَحلّ. وأنكر الزجَّاج
هذا وقال(٥): هو مما لا نعرفه في الظروف، ولو كان ظرفًا لم يجز إسكان الياء،
ولكنه نصب على الحال من شيئين: أحدهما: الهاء والميم في قوله: ((يُطُوفُ عَلَيْهِمْ))
أي: على الأبرار ((وِلْدانٌ» عالياً الأبرارَ ثيابُ سندس؛ أي: يطوف عليهم في هذه
الحال، والثاني: أن يكون حالًا من الولدان، أي: ((إِذا رأَيتَهم حَسِبْتَهم لؤلؤًا منثورًا))
في حال علوِّ الثيابِ أبدانَهم.
وقال أبو عليّ(٦): العامل في الحال إِمَّا ((لقَّاهم نَضْرةً وسرورًا)) وإِمَّا ((جزاهم بما
صبروا)) قال: ويجوز أن يكون ظرفًا فصُرِف.
المهدوي: ويجوز أن يكون اسم فاعل ظرفًا؛ كقولك: هو ناحيةً من الدار،
(١) السبعة ص٦٦٤، والتيسير ص٢١٨ . وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز ٤١٣/٥ .
(٢) قراءة ابن مسعود في معاني القرآن للفراء ٢١٩/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٥.
(٣) في (م): يخصّ، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في الحجة لأبي علي ٣٥٦/٦.
(٤) في معاني القرآن ٢١٨/٣ - ٢١٩.
(٥) في معاني القرآن ٢٦٢/٥ .
(٦) في الحجة ٦/ ٣٥٤ .

٤٨٣
سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٢
وعلى أنَّ ((عاليًا)) لمَّا كان بمعنى ((فوق)) أُجْرِي مُجْراه فجعل ظرفًا.
وقرأ ابن محيصن وابن كثير وأبو بكر عن عاصم: ((خُضْرٍ)) بالجرِّ على نعت
السُّنْدس، ((وَإِسْتَبْرَقٌ)) بالرفع نَسْقًا على الثياب، ومعناه: عاليهم(١) سندسٌ وإستبرقٌ.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب: ((خُضْرٌ)) رفعًا نعتًا للثياب ((وَإِسْتَبْرَقٍ))
بالخفض نعتًا للسُّنْدس، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم لجودة معناه؛ لأنَّ الخضر أحسنُ
ما كانت نعتًا للثياب، فهي مرفوعة، وأحسن ما عطف الإستبرق على السُّنْدس عطفَ
جنسٍ على جنس، والمعنى: عاليَهم ثيابٌ خُضْرٌ مِن سندسٍ وإستبرقٍ، أي: من هذين
النوعين.
وقرأ نافع وحفص كلاهما بالرفع، ويكون ((خُضْرٌ)) نعتًا للثياب؛ لأنهما جميعًا
بلفظ الجمع ((وإِسْتَبْرَقٌ)) عطفًا على الثياب.
وقرأ الأعمش وابن وَثَّاب وحمزة والكسائيُّ كلاهما بالخفض(٢)، ويكون قوله:
(خُضْرٍ)) نعتًا للسُّندس، والسُّندس اسم جنس، وأجاز الأخفش(٣) وصفَ اسم الجنس
بالجمع على استقباح له؛ وتقول: أهلك الناسَ الدينارُ الصُّفْرُ والدرهمُ البِيضُ؛ ولكنه
مستبعَدٌ في الكلام. والمعنى على هذه القراءة: عالِيهم ثِيابُ سُندسٍ خضرٍ وثيابُ
إِستبرقٍ.
وكلُّهم صرف الاستبرق إلا ابنَ محيصن، فإنه فتحه ولم يصرفه، فقرأ:
(وإستبرقَ)) نصبًا في موضع الجرّ، على منع الصرف(٤)، لأنه أعجميّ، وهو غلط،
لأنه نكرة يدخله حرفُ التعريف؛ تقول: الإستبرق؛ إلَّا أن يزعم ابن محيصن أنه قد
(١) في النسخ الخطية: عليهم، والمثبت من (م).
(٢) السبعة ص ٦٦٥، والتيسير ص٢١٨، والنشر ٣٩/٢. وقراءة الأعمش في إعراب القرآن للنحاس
١٠٤/٥، والمحرر الوجيز ٤١٤/٥، وقراءة ابن وثاب في معاني القرآن للفراء ٢١٩/٣.
(٣) كلامه في الحجة للفارسي ٦/ ٣٥٧.
(٤) نسب هذه القراءة لابن محيصن الزجاج في معاني القرآن ٢٦٢/٥، وذكرها الزمخشري في الكشاف
١٩٩/٤ - والكلام منه - دون نسبة.

٤٨٤
سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٢
يجعل علمًا لهذا الضرب من الثياب. وقرئ: ((وَاسْتَبْرَقَ)) بوصل الهمزة والفتح على أنه
مسمَّى باستفعل من البريق(١)، وليس بصحيح أيضًا؛ لأنه مُعرَّب مشهور تعريبه، وأنَّ
أصله: اسْتبْرَه(٢).
والسُّندس: ما رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظ منه. وقد تقدَّم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَحُلُوا﴾ عطف على ((ويطوف))(٤) ﴿أَسَاوِرَ مِنْ فِضَةِ﴾ وفي سورة
فاطر: ﴿يُحَلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الآية: ٣٣] وفي سورة الحج: ﴿يُحَلَوْنَ فِيَهَا مِنْ
أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الآية: ٢٣]، فقيل: حُليُّ الرجل الفضة، وحُليُّ المرأة الذهب.
وقيل: تارةً يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضَّة. وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران
من ذهب وسواران من فضَّة وسواران من لؤلؤ، ليجتمع لهم محاسنُ الجنة؛ قاله سعيد
ابن المسيّب. وقيل: أي: لكل قومٍ ما تميل إليه نفوسُهم.
﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ قال عليٍّ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَسَقَتُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا
لَهُورًا﴾ قال: إذا توجَّه أهلُ الجنة إلى الجنة، مرُّوا بشجرة يخرج من تحت ساقها
عينان، فيشربون من إحداهما، فتجري عليهم بنضرة النَّعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا
تتشغَّث أشعارهم أبدًا، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم
تستقبلهم خَزنة الجنة، فيقولون لهم: ((سَلَامٌ عليكم طِبتُم فادخلوها خالدين)»
[الزمر : ٧٣].
وقال النَّخَعيُّ وأبو قِلابة: هو إذا شربوه بعد أكلهم طَهَّرهم، وصار ما أكلوه وما
(١) هي قراءة ابن محيصن كما في القراءات الشاذة ص١٦٦، والمحتسب ٣٤٤/٢، وإعراب القرآن
للنحاس ١٠٤/٥ ، والمحرر الوجيز ٤١٤/٥ .
(٢) في النسخ: استبرق، والمثبت من الكشاف ١٩٩/٤ والكلام منه، ومعاني القرآن للزجاج ٢٦٢/٥ .
وفي القاموس (برق): استروه، وينظر التاج (برق).
(٣) ٢٦٦/١٣.
(٤) الكشاف ٤/ ١٩٩ .

٤٨٥
سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٢
شربوه رَشْحَ مِسْك، وضَمَرت بطونهم(١).
وقال مقاتل: هو من عينٍ ماءٍ على باب الجنة، تنبع من ساق شجرة، مَن شرب
منها نزع اللهُ ما كان في قلبه من غِلّ وغشِّ وحسدٍ، وما كان في جوفه من أذّى
وقَذَر(٢).
وهذا معنى ما روي عن عليّ، إلَّا أنه في قول مقاتل عينٌ واحدة، وعليه فيكون
فَعولًا للمبالغة، ولا يكون فيه حُجَّةٌ للحنفيّ أنه بمعنى الطاهر. وقد مضى بيانه في
سورة الفرقان، والحمد لله(٣).
وقال طيِّب (٤) الجمَّال: صَلِيْتُ خَلْف سهل بنِ عبد الله العَتَمة، فقرأ: ﴿وَسَقَنْهُمْ
رَُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ وجعل يُحرِّك شفتيه وفمه، كأنه يَمَصُّ شيئًا، فلما فرغ قيل له:
أتشرب أم تقرأ؟ فقال: واللهِ لو لم أجد للَّته عند قراءته كلذَّته عند شربه ما قرأته.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءُ﴾ أي: يقال لهم: إنما هذا جزاءٌ لكم، أي:
ثواب. ﴿وَكَانَ سَعْيُّكُ﴾ أي: عملكم ﴿مَشْكُورًا﴾ أي: من قبل الله، وشكره للعبد قبول
طاعته، وثناؤه عليه، وإثابتُه إياه.
وروى سعيد عن قتادة قال: غَفَرَ لهم الذَّنْب، وشَكّرَ لهم الحَسَن(٥). وقال
مجاهد: ((مَشْكُورًا)) أي: مقبولًا، والمعنى متقارب؛ فإنه سبحانه إذا قبل العمل
شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل؛ إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم.
روي عن ابن عمر: أنَّ رجلًا حَبَشِيًّا قال: يا رسول الله! فُضِّلتم علينا بالصُّوَر
(١) أخرجه الطبري ٥٦٩/٢٣ - ٥٧٠ عن إبراهيم التيمي وأبي قلابة بنحوه. ونسبه للنخعي وأبي قلابة ابن
عطية في المحرر الوجيز ٤١٤/٥، وينظر الوسيط للواحدي ٤/ ٤٠٥، وتفسير البغوي ٤/ ٤٣٠ .
(٢) الوسيط للواحدي ٤/ ٤٠٥، وتفسير البغوي ٤٣١/٤ بنحوه.
(٣) ٤٢٢/١٥ فما بعد.
(٤) في النسخ الخطية: طبيب، ولم نقف عليه.
(٥) في (م): الحسنى. والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في تفسير الطبري ٥٧١/٢٣ .

٤٨٦
سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٦
والألوان والنبوَّة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به، وعملتُ بما عملت، أكائنٌ أنا معك
في الجنة؟ قال: ((نعم، والذي نفسي بيده إنه ليُرَى بياضُ الأسود في الجنة وضياؤه من
مسيرة ألفٍ عام)) ثم قال النبيُّ﴾: ((مَن قال: لا إله إلا الله، كان له بها عند الله
عَهْد، ومَن قال: سبحان الله والحمد لله، كان له بها عند الله مئة ألفٍ حسنةٍ وأربعةٌ
وعشرون ألف حسنة))، فقال الرجل: كيف نَهلِك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال: ((إِنَّ
الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وُضع على جبل لأثقله. فتجيء النعمة من نعم الله،
فتكاد أن تستنفد ذلك كلّه، إلَّا أن يلطف اللهُ برحمته)). قال: ثم نزلت: ﴿هَلْ أَ عَلَ
اُلْإِنَّنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلًَا كَبِيرًا﴾ قال الحبشيّ: يا رسول الله! وإنَّ عينيَّ
لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((نعم)) فبكى الحبشيُّ حتى فاضت نَفْسُه.
قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله :﴿ يُدْليه في حفرته(١) ويقول: ((إنَّ هذا كان لكم
جزاءً وكان سعيكُم مشكوراً)) قلنا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: ((والذي نفسي بيده
لقد أوقفه الله ثم قال: أي عبدي! لأبيضنَّ وجهك، ولَأُ بؤِّثَنَّك من الجنة حيث شئت،
فنعم أجر العاملین)).
فَأَصْبِرْ لِشُكْرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا مَّـ
ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا ◌َـ
وَأَذْكُرِ أَسْمَ رَبِّكَ بُّكّرَةً وَأَصِيلًا (١٥) وَمِنَ الَّلِ فَأَسْجُّدْ لَهُمْ
٢٦
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَّكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا﴾ ما افتريتَه ولا جئتَ به مِن عندك،
ولا من تلقاء نفسك كما يدَّعيه المشركون. ووجه اتصال هذه الآيةِ بما قبلُ أنه سبحانه
لمَّا ذكر أصناف الوعد والوعيد، بيَّن أنَّ هذا الكتابَ يتضمن ما بالناس حاجةٌ إليه،
فليس بسحر ولا كَهانة، ولا شِعر، وأنه حقّ. وقال ابن عباس: أُنزل القرآن متفرِّقًا،
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٠٤)، والكبير (١٣٥٩٥)، وأبو نعيم في الحلية ٣١٩/٣ دون الزيادة
الآتية. بعده. قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به عفيف عن أيوب بن عتبة
اليمامي. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤٢٠: فيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف.

٤٨٧
سورة الإنسان: الآيات ٢٣ - ٢٦
آية بعد آيَةً، ولم ينزل جملةً واحدة (١)؛ فلذلك قال: (نَزَّلْنَا)). وقد مضى القولُ في هذا
مبيّنًا، والحمد لله(٢).
قوله تعالى: ﴿فَأْضِرْ ◌ِّكْرِ رَيِّكَ﴾ أي: لقضاء ربِّك. وروى الضخَّاك عن ابن عباس
قال: اصبر على أذى المشركين؛ هكذا قضيت. ثم نسخ بآية القتال(٣). وقيل: أي:
اصبر لما حكم به عليك من الطاعات، أو انتظر حكم الله إذا وَعَدَك أنه ينصرك
عليهم، ولا تستعجل فإنه كائنٌ لا محالة.
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا﴾ أي: ذا إثم ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكفار. فروى مَعْمَر
عن قتادة قال: قال أبو جهل: إنْ رأيتُ محمدًا يُصلِّي لأطأنَّ على عنقه. فأنزل الله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٤).
ويقال: نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا أتيا رسولَ الله ﴾.
يَعْرِضان عليه الأموالَ والتزويج، على أن يترك ذكر النبوّة، ففيهما نزلت: ﴿وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْ مَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال مقاتل: الذي عرض التزويج عُتبة بنُ ربيعة؛ قال: إنَّ بناتي
من أجمل نساء قريش، فأنا أزوِّجك ابنتي بغير مهر وارجع عن هذا الأمر. وقال
الوليد: إن كنتَ صنعت ما صنعتَ لأجل المال، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى
وارجع عن هذا الأمر. فنزلت(٥).
ثم قيل: ((أو)) في قوله تعالى: ﴿وَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أَوْكَد من الواو؛ لأنَّ الواو إذا
قلت: لا تطع زيدًا وعَمرًا، فأطاع أحدهما كان غيرَ عاص؛ لأنه أمرَه ألَّا يطيع
الاثنين، فإذا قال: ﴿لَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ فـ((أو)) قد دلَّت على أنَّ كلَّ واحد
(١) تفسير البغوي ٤/ ٤٣١ .
(٢) ٤٠٦/١٥ فما بعد.
(٣) قال ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٠/٨: والمفسرون يقولون: هذا منسوخ بآية السيف، ولا يصح.
(٤) أخرجه الطبري ٥٧٢/٢٣ .
(٥) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤/ ٤٣١، وينظر تفسير أبي الليث ٤٣٢/٣ - ٤٣٣.

٤٨٨
سورة الإنسان: الآيات ٢٣ - ٢٦
منهما أهلٌ أن يُعصَى؛ كما أنك إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابنَ سيرين، أو اتَّبع
الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت: هذان أهلٌ أن يُتَّبعا، وكلُّ واحد منهما أهلٌ لأن
يُتَّبَع؛ قاله الزجَّاجِ(١).
وقال الفرَّاء: ((أو)) هنا بمنزلة ((لا))، كأنه قال: ولا كفورًا؛ قال الشاعر:
وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّها رُبَعُ
لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ ولا
يومَ تَوافَى الحجيجُ فاندفعوا
أَو وَجْدُ شيخِ أَضلَّ ناقَتَه
أراد: ولا وجدُ شيخ(٢).
وقيل: الآثم: المنافق، والكفور: الكافر الذي يُظهر الكفر، أي: لا تطع منهم
آئمًا ولا كفورًا. وهو قريبٌ من قول الفرَّاء.
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بَُّةُ وَأَصِيلًا﴾ أي: صلِّ لربِّك أولَ النهار وآخرَه،
ففي أوَّله صلاةُ الصبح، وفي آخره صلاةُ الظهر والعصر ﴿وَمِنَ الَِّلِ فَأَسْجُدْ لَهُ﴾ يعني
صلاة المغرب والعشاء الآخرة ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ يعني التطوُّع في الليل؛ قاله ابن
حبيب.
وقال ابن عباس وسفيان: كلُّ تسبيح في القرآن فهو صلاة(٣). وقيل: هو الذِّكر
المطلَق، سواءٌ كان في الصلاة أو في غيرها.
وقال ابن زيد وغيره: إنَّ قوله: ﴿وَسَبِّعْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ منسوخٌ بالصلوات
(١) في معاني القرآن ٢٦٣/٥ .
(٢) معاني القرآن ٢١٩/٣ - ٢٢٠، والبيتان في أمالي أبي علي ١٢٣/٢ منسوبين لمالك بن حريم،
والبيت الثاني في الكامل ٦٠٩/٢ غير منسوب، وذكر محققه: أنه جاء في زيادات إحدى النسخ: لرجل
من قضاعة يقال له: مالك بن عمرو. قوله: العجول: الثَّكلى، والواله من النساء والإبل؛ لعجلتها في
حركاتها جزءاً. رُبَع: الفصيل يُنتج في الربيع، وهو أول النّتاج. القاموس (عجل) (ربع).
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٧٢ - ١٧٣، وليس فيه: قاله ابن حبيب.

٤٨٩
سورة الإنسان: الآيات ٢٦ - ٢٨
الخمس. وقيل: هو ندب. وقيل: هو مخصوصٌ بالنبيِّ ﴾(١). وقد تقدَّم القولُ في مثله
في سورة المزّمِّل(٢). وقول ابن حبيب حسن.
وجمع الأصيل: الأصائل والأُصُل؛ كقولك: سَفَائن وسُفُن؛ قال:
ولا بأحسنَ منها إذا دنا الأُصُلُ(٣)
وقال في الأصائل، وهو جمع الجمع:
لَعَمْرِي لَأَنْتَ البيتُ أُكْرِمُ أَهلَه وأَقعدُ في أَقْيائه بالأَصائلِ(٤)
وقد مضى هذا في آخر ((الأعراف)) مستوفّى. ودخلت ((مِن)) على الظرف
للتبعيض، كما دخلت على المفعول في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾(٥)
[نوح: ٤].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا
خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِْنَا بَدَّلْنَاً أَثَلَهُمْ تَبْدِيلًا (٨)﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَلِلَةَ﴾: توبيخٌ وتقريع، والمراد أهل مكة.
والعاجلة: الدنيا ﴿وَيَذَرُونَ﴾ أي: ويَدَعون ﴿وَرَآءَهُمْ﴾ أي: بين أيديهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾
أي: عسيرًا شديدًا(٦)، كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِّ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي:
يتركون الإيمان بيوم القيامة.
(١) الكلام بنحوه في إعراب القرآن ١٠٨/٥، والناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٣/٣، وأحكام القرآن لابن
العربي ١٨٨٧/٤، وتفسير أبي الليث ٤٣٣/٣. ورجح ابن العربي أنه للندب.
(٢) ص ٣٢٠ من هذا الجزء.
(٣) قائله الأعشى، وهو في ديوانه ص١٠٧، وصدره: يوماً بأطيب منها نشر رائحة، وسلف ٩/ ٤٣٥ .
(٤) قائله أبو ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٤١/١، وسلف ٤٣٥/٩ .
(٥) الكشاف ٤/ ٢٠٠ .
(٦) الكلام بنحوه في الوسيط للواحدي ٤٠٦/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٣١، وينظر الكشاف ٤/ ٢٠٠
- ٢٠١ .

٤٩٠
سورة الإنسان: الآيتان ٢٧ - ٢٨
وقيل: ((وَرَاءَهُمْ)) أي: خلفهم(١)، أي: ويذرون الآخرة خلف ظهورهم، فلا
يعملون لها.
وقيل: نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول # وصحة نبؤَّته. وحبُّهم
العاجلة: أخذُهم الرُّشا على ما كتموه.
وقيل: أراد المنافقين؛ لاستبطانهم الكفرَ وطلب الدنيا. والآية تعمّ. واليوم الثقيل
يوم القيامة. وإنما سمِّي ثقيلًا لشدائده وأهواله. وقيل: للقضاء فيه بين عباده (٢).
قوله تعالى: ﴿أَحْنُ خَلَقْتَهُمْ﴾ أي: من طين. ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ﴾ أي: خَلْقهم؛ قاله
ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم(٣). والأَسْر: الخَلْق؛ قال أبو عُبيد: يقال:
فرس شديد الأَسْر، أي: الخَلْق. ويقال: أسره الله جلَّ ثناؤه: إذا شَدَّد خَلْقه؛ قال
لبید :
مُشْرِفُ الحارِكِ مَحبوكُ الكَتَدْ(٤)
ساهِمُ الوجهِ شديدٌ أَسْرهُ
وقال الأخطل :
مِن كلِّ مُجتَنِبٍ شديدٍ أَسْرهُ سَلِسِ القيادِ تَخالُهُ مُخْتَالا(٥)
وقال أبو هريرة والحسن والربيع: شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض
بالعروق والعصب(٦).
وقال مجاهد في تفسير الأَسْر: هو الشَّرْج، أي: إذا خرج الغائط والبول
(١) ذكره أبو الليث في تفسيره ٣/ ٤٣٣ عن مجاهد.
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٧٣.
(٣) أخرج قولهم الطبري ٢٣/ ٥٧٥ - ٥٧٦ عدا قول مقاتل، وهو في تفسير البغوي ٤٣١/٤ .
(٤) شرح ديوانه ص ١٨٧ برواية: مُغْبَط الحارك محبوك الكَفَل. الحارك: فروع الكتفين، وهو أيضًا الكاهل.
الغبيط: قتب الهودج، فقوله: مغبط الحارك، أي: كأن ظهره غبيط. محبوك الكفل: مدمج فيه استواء
مع ارتفاع. الكتد: موصل العنق في الظهر.
(٥) ديوانه ص٤٦ .
(٦) قول أبي هريرة أخرجه الطبري ٥٧٦/٢٣، وقول الحسن في الوسيط للواحدي ٤/ ٤٠٦، وتفسير
البغوي ٤/ ٤٣١، وقول الربيع في المحرر الوجيز ٤١٥/٥ .

٤٩١
سورة الإنسان: الآيات ٢٧ - ٣١
تقبَّضَ الموضعُ(١).
وقال ابن زيد: الأسر: القوّةُ(٢). وقال ابن أحمر يصف فرسًا :
يَمشي بِأَوظِفةٍ شِدَادٍ أَسْرُها صُمِّ(٣) السَّنابكِ لا تقي بالجَدْجَدِ
واشتقاقه من الإسار، وهو القِدُّ الذي يشدُّ به الأقتاب؛ يقال: أَسَرْتُ القَتَبَ
أَسْرًا، أي: شددتُه وربطتُه؛ ويقال: ما أحسن أَسْرَ قَتَبِهِ، أي: شدَّه ورَبْطَه (٤)؛ ومنه
قولهم: خذه بِأَسْرِه: إذا أرادوا أن يقولوا: هو لك كلُّه؛ كأنهم أرادوا تَعْكِيمه(٥) وشدّه
لم يُفتَح ولم يُنقَص منه شيء. ومنه الأسير، لأنه كان يُكَتَّف بالإسار. والكلام خرج
مَخرجَ الامتنان عليهم بالنِّعَم حين قابلوها بالمعصية. أي: سَوَّيتُ خَلْقك وأحكمتُه
بالقوى ثم أنت تكفر بي!
﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَاَ أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ قال ابن عباس: يقول: لو نشاء لأهلكناهم وجئنا
بأطوعَ للَّه منهم. وعنه أيضاً: لغيّرنا محاسنهم إلى أسمج الصُّورَ وأقبحها. كذلك روی
الضحاك عنه. والأوَّل رواه عنه أبو صالح.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَّ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلاً * وَمَا تَشَآءُونَ
إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِىِ رَحْمَتِهِ،
وَالتَِّمِينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِهِ﴾ أي: السورة ﴿نَذْكِرَةُ﴾ أي: موعظة ﴿فَمَنْ شَآءُ أَتَّخَذَ
(١) الوسيط للواحدي ٤٠٦/٤، وتفسير البغوي ٤٣١/٤.
(٢) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٧٦ .
(٣) في النسخ الخطية: شم، وهو موافق لما في كتاب الحيوان للجاحظ ٥٢٣/٣، والمثبت من (م)، وهو
موافق لما في النكت والعيون ١٧٣/٦ . الأوظفة: جمع وظيف: وهو مستدق الذراع والساق من الخيل
ومن الإبل وغيرها. السنابك: جمع سُنْبُك: وهو طرف الحافر. الجدجد: الأرض الصلبة المستوية.
القاموس (وظف) (سنبك) (جدد).
(٤) الكلام بنحوه في تفسير غريب القرآن ص٥٠٤ .
(٥) عكم المتاع: شدّه. الصحاح (عكم).

٤٩٢
سورة الإنسان: الآيات ٢٩ - ٣١
إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ أي: طَريقًا موصلًا إلى طاعته وطلب مرضاته. وقيل: ((سَبِيلًا)) أي:
وسيلة. وقيل: وِجْهةً وطريقًا إلى الجنة. والمعنى واحد.
﴿وَمَا تَشَدَءُونَ﴾ أي: الطاعة والاستقامة واتخاذَ السبيل إلى الله ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ﴾ فأخبر أنَّ الأمر إليه سبحانه ليس إليهم، وأنه لا تَنْفذ مشيئة أحدٍ ولا تتقدَّم. إلَّا
أن تتقدَّم مشيئته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((وَمَا يَشَاؤونَ)) بالياء على معنى الخبر عنهم. والباقون
بالتاء على معنى المخاطبة لله سبحانه(١). وقيل: إنَّ الآية الأولى منسوخةٌ بالثانية.
والأشبه أنه ليس بنسخ، بل هو تبيين أنَّ ذلك لا يكون إلا بمشيئته.
قال الفرَّاءِ(٢): ((وَما تشاؤون إِلَّا أَنْ يشاءَ الله)) جوابٌ لقوله: ((فمَن شاء اتَّخذ إِلى
ربِّه سبيلًا)) ثم أخبرهم أنَّ الأمر ليس إليهم فقال: ((وَمَا تَشَاؤونَ)) ذلك السبيلَ ((إِلَّا أَنْ
يَشَاءَ اللهُ)) لكم.
﴿إِنَّ اللّه گانَ عَلِيمًا﴾ بأعمالكم ﴿حَكِيمًا﴾ في أمره ونهيه لكم. وقد مضى في غير
موضع.
﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يدخله الجنة راحمًا له ﴿وَلَّلِمِينَ﴾ أي: ويعذِّب
الظالمين، فنصبه بإضمار: يعذِّب. قال الزجَّاج(٣): نصب الظالمين لأن قبله
منصوب، أي: يُدخل من يشاء في رحمته ويعذِّب الظالمين، أي: المشركين، ويكون
تفسيرًا لهذا المضمَر؛ كما قال الشاعر:
أُعَدَّ
أصبحتُ لَا أَحمِلِ السّلاح ولا أَمْلك رأسَ البعيرِ إِنْ نَفَرا
والذِّئبَ أَخشاهُ إنْ مررتُ به وحدي وأَخشى الرِّياحَ والمَطَرًا(٤)
(١) التيسير ص٢١٨، وينظر السبعة ص ٦٦٥، وقرأ: يشاؤون، بالياء، أيضاً: ابن عامر الشامي.
(٢) في معاني القرآن ٢٢٠/٣ .
(٣) في معاني القرآن ٢٦٤/٥ .
(٤) البيتان للربيع بن ضبع الفزاري، وهما في الأمالي لأبي علي ٢/ ١٨٥، وجمهرة الأمثال ٢٣٧/١،
ومجمع الأمثال ٢/ ١٨٠ .

٤٩٣
سورة الإنسان: الآيات ٢٩ - ٣١
أي: أخشى الذئب أخشاه.
قال الزجَّاج (١): والاختيار النصب وإن جاز الرفع؛ تقول: أعطيت زيدًا وعَمرًا
أعددت له بِرًّا، فيختار النصب، أي: وبَرَرْت عَمرًا أو أَبَرُّ عَمراً. وقوله: في ((حم
عسق)): ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمُونَ﴾ (٢) ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه
فينصبَ في المعنى؛ فلم يجز العطف على المنصوب قبله، فارتفع بالابتداء، وها هنا
قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا﴾ يدل على: ويعذِّب، فجاز النصب.
وقرأ أبان بن عثمان: ((وَالّالِمُونَ)) رفعًا بالابتداء(٣)، والخبر ﴿أَعَدَّ ◌َ
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: مُؤلمًا مُوجِعًا. وقد تقدَّم هذا في سورة البقرة وغيرِها(٤)،
والحمدُ لله. ختمت السورة.
(١) في معاني القرآن ٢٦٤/٥ .
(٢) تمامها: ﴿وَلَّلِمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨].
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٦، والمحتسب ٣٤٤/٢.
(٤) ٣٠١/١ .

سورة المرسلات
مكّيَّةٌ في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية
منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَكَعُواْ لَا يَزَكَعُونَ﴾ [الآية: ٤٨] مدنيّة(١).
وقال ابن مسعود: نزلت ﴿وَلْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾ على النبيِّ﴾ ليلةَ الجنِّ ونحن معه
نسير، حتى أوينا إلى غار بمنىّ فنزلت، فبينا نحن نتلقًّاها منه، وإنَّ فاه لَرَظْبٌ بها إذ
وَثَبَت حيَّةٌ، فوثبنا عليها لنقتلَها فذهبت، فقال النبيُّ ﴾: ((وُقيتم شَرَّها كما وُقِيَتْ
شَرَّكم))(٢).
وعن كُريب مولى ابن عباس قال: قرأت سورة: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْهًا﴾، فسمعَتني أُمُّ
الفضل امرأةُ العباسِ، فبكت وقالت: واللهِ يا بنيَّ لقد ذَكَّرتَني(٣) بقراءتك هذه
السُّورةَ، إنها لَآخِرُ ما سمعتُ رسول الله # يقرَأُ بها في صلاة المغرب(٤). والله أعلم.
وهي خمسون آية(٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿وَلْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾ فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا ﴿ وَالتَّشِرَتِ نَشْرَ ﴿ فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا
فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا @ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعٌ ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ مُمِسَتْ
٤
وَإِذَا أَلسََّةُ فُرِجَتْ () وَإِذَا اِبَالُ نُِّفَتْ ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أَقِنَتْ لِأَتِ يَوْمٍ أُعِلَتْ
، وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿ وَبِلٌ يَمَيٍِّ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾
لِيَوْمِ الْفَصْلِ )
قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾ جمهور المفسرين على أن المرسلات الرِّياحُ.
(١) النكت والعيون ٦/ ١٧٥ .
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٣٥٧٤)، والبخاري (١٨٣٠)، ومسلم (٢٢٣٤).
(٣) في (ز) و(ظ) و(م) و(ي): أذْكَرْتَني. والمثبت من (د) ومصادر التخريج الآتية الذكر.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢٦٨٨٤)، والبخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢).
(٥) تفسير أبي الليث ٤٣٤/٣ .

٤٩٥
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أُرسلت بالمعروف من أمر الله تعالى
ونهيه والخبرِ والوحي. وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبيِّ(١). وقيل:
هم الأنبياء أُرسلوا بلا إله إلا الله؛ قاله ابن عباس. وقال أبو صالح: إنهم الرسل
تُرْسَل بما يُعْرَفون به من المعجزات(٢). وعن ابن عباس وابن مسعود: إنها الرياح(٣)؛
كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا اُلرَّحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ﴾
[الأعراف: ٥٧].
ومعنى ((عُرْفاً)): يتبع بعضُها بعضاً كعُرْفِ الفَرَس؛ تقول العرب: الناس إلى
فلان عُرْفٌ واحد: إذا توجهوا إليه فأكثروا(٤). وهو نصب على الحال من
(الْمُرْسَلَاتٍ)) أي: والرياح التي أرسلت متتابعةً. ويجوز أن تكون مصدراً، أي:
تباعاً. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حرف(٥) الجر، كأنه قال: والمرسلات
بالعُرْف، والمراد الملائكة أو الملائكة والرسل(٦). وقيل: يحتمل أن يكون المراد
بالمرسلات السحاب، لما فيها من نعمة ونقمة، عارفة بما أرسلت فيه ومن أُرسلت
إليه. وقيل: إنها الزواجر والمواعظ. و((عُرْفاً)) على هذا التأويل متتابعات كعرف
الفرس؛ قاله ابن مسعود. وقيل: جاريات؛ قاله الحسن؛ يعني في القلوب. وقيل:
(١) أخرجه الطبري ٥٨٢/٢٣ عن ابن مسعود وأبي صالح، وأخرجه الحاكم ٥١١/٢ عن أبي هريرة ﴾،
وذكره أبو الليث السمر قندي ٤٣٤/٣ عن مقاتل والكلبي، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٦/٥ عن
أبي صالح مختصراً.
(٢) النكت والعيون ١٧٥/٦، وزاد المسير ٤٤٥/٨ .
(٣) المحرر الوجيز ٤١٦/٥، وأخرجه الطبري ٥٨٠/٢٣ .
(٤) كذا في (د) و(م) وتفسير الطبري ٢٣/ ٥٨٢، وتفسير البغوي ٤٣٢/٤، والمحرر الوجيز ٤١٦/٥،
ووقع في (ظ): سار الناس إلى فلان عُرفاً واحداً، وهو بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٢١/٣، وزاد
المسير ٨/ ٤٤٤ .
(٥) في (ظ): حذف.
(٦) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٧٩١/٢، وإملاء ما من به الرحمن ٤٤١/٤-٤٤٢، والرازي
٢٦٤/٣٠.

٤٩٦
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
معروفات في العقول(١).
﴿فَلْعَصِفَتِ عَصْفًا﴾: الرياح بغير اختلاف، قاله المهدويُّ. وعن ابن مسعود: هي
الرياح العواصف (٢) تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحُطَامُه، كما قال تعالى:
﴿فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا﴾ [الإسراء: ٦٩]. وقيل: العاصفات الملائكةُ الموگَّلون بالرياح
يَعصِفون بها. وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر(٣)، يقال: عصف بالشيء أي:
أباده وأهلكه، وناقة عَصُوف أي: تعصف براكبها، فتمضي كأنها ريح في السرعة،
وعصفت الحرب بالقوم أي: ذهبت بهم(٤). وقيل: يحتمل أنها الآيات المُهْلِكة؛
كالزلازل والخسوف(٥).
﴿وَالنَّشِرَتِ نَتْرًا﴾: الملائكة الموثَّلون بالسُّحُب يَنْشُرونها. وقال ابن مسعود
ومجاهد: هي الرياحُ يرسلها اللهُ تعالى نشراً بين يدي رحمته (٦)، أي: تنشر السحاب
للغيث. وروي ذلك عن أبي صالح. وعنه أيضاً: الأمطار، لأنها تنشر النبات(٧)،
فالنشر بمعنى الإحياء، يقال: نشر اللهُ المَيِّت وأنشره، أي: أحياه(٨). وروى عنه
السديُّ: أنها الملائكة تنشر كتبَ اللهِ عزَّ وجلَّ (٩). وروى الضحاك عن ابن عباس
قال: يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم. الضحاك: إنها الصحف تُنْشَر على الله
بأعمال العباد. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح(١٠). قال:
(١) النكت والعيون ١٧٥/٦ - ١٧٦ .
(٢) النكت والعيون ١٧٦/٦ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٦٥/٥، ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٥/٨ .
(٤) تفسير الرازي ٢٦٤/٣٠ .
(٥) النكت والعيون ١٧٦/٦ .
(٦) المحرر الوجيز ٤١٧/٥ بنحوه .
(٧) النكت والعيون ١٧٦/٦، وأخرجه الطبري ٢٣/ ٥٨٦-٥٨٧ بنحوه.
(٨) الكلام بنحوه في الصحاح (نشر).
(٩) أخرجه الطبري ٥٨٧/٢٣.
(١٠) النكت والعيون ١٧٦/٦، وزاد المسير ٤٤٥/٨ .

٤٩٧
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
((وَالنَّاشِرَاتِ)) بالواو، لأنه استئناف قسم آخر.
﴿فَلْفَرِقَتِ فَرْقًا﴾: الملائكة تنزل بالفَرْق بين الحقِّ والباطل، قاله ابن عباس
ومجاهد والضحاك وأبو صالح(١). وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ما تفرِّق
الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:
الفارقات الرياح تفرق بين السحاب وتبدِّده(٢). وعن سعيد عن قتادة قال: ((الْفَارِقَاتِ
فَرْقاً)»: الفرقان، فَرَّق الله فيه بين الحقِّ والباطل والحرام والحلال. وقاله الحسن وابن
کیسان(٣).
وقيل: يعني الرسل(٤) فَرَقوا بين ما أمر الله به ونهى عنه، أي: بيّنوا ذلك. وقيل:
السحابات الماطرة تشبيهاً بالناقة الفارق، وهي الحامل التي تخرج وتَنِدُّ في الأرض
حين تضع، ونوق فَوارِقُ وفُرَّق. [وربما] شَبَّهوا السحابةَ التي تنفرد من السَّحاب بهذه
الناقة(٥)، قال ذو الرمّة :
أَوْ مُزْنَةٌ فارقٌ يَجْلو غَوارِبَهَا تَبَوُجُ الْبَرْقِ والظّلْمَاءُ عُلْجُومُ(٦)
﴿فَالْمُّلْقِيَتِ ذِكْرًا﴾: الملائكة بإجماع، أي: تلقي كتب الله عزَّ وجلَّ إلى الأنبياء
عليهم السلام، قاله المهدوي(٧). وقيل: هو جبريل. وسمي باسم الجمع؛ لأنه كان
(١) المحرر الوجيز ٤١٧/٥، وأخرجه الطبري ٥٨٧/٢٣-٥٨٨ عن ابن عباس وأبي صالح.
(٢) زاد المسير ٤٤٦/٨ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٢/٥، وزاد المسير ٤٤٦/٨، وأخرجه الطبري ٥٨٨/٢٣ عن سعيد عن
قتادة.
(٤) المحرر الوجيز ٤١٧/٥ .
(٥) الصحاح (فرق) وما بين حاصرتين منه. وجاءت في النسخ الخطية: فشبهوا.
(٦) البيت في شرح ديوان ذي الرُّمة ١/ ٣٩٣-٣٩٤. قوله مزنة فارق، أي: سحابة منفردة. ويجلو
غواربها، أي: يكشف أعاليها. وتبوّج البرق، أي: تكشُّفه وتفتُّحه. وعلجوم: شديد السَّواد.
(٧) المحرر الوجيز ٤١٧/٥ بنحوه، وزاد المسير ٤٤٦/٨ دون نسبة .

٤٩٨
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
ينزل بها(١). وقيل: المراد الرسل يُلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم، قاله
قُطرب(٢). وقرأ ابن عباس: ((فَالملقَّيات)) بالتشديد مع فتح القاف(٣)، وهو كقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦].
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: أي: تلقي الوحي إعذاراً من الله، أو إنذاراً إلى خلقه من
عذابه، قاله الفراء(٤). وروي عن أبي صالح قال: يعني الرسل يُعذِرون ويُنذِرون.
وروى سعيد عن قتادة: ((عُذْراً)) قال: عذراً لله جلَّ ثناؤه إلى خلقه، ونُذْراً للمؤمنين
ينتفعون به ويأخذون به. وروى الضحاك عن ابن عباس: ((عُذْراً)) أي: ما يلقيه الله،
جلَّ ثناؤه من معاذير أوليائه وهي التوبة، ((أَوْنُذْراً)): يُنذر أعداءه.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص: ((أَوْنُذْراً)) بإسكان الذال، وجميع
السبعة على إسكان ذال ((عُذْراً)) سوى ما رواه الجُعْفيُّ والأعشى عن أبي بكر عن
عاصم أنه ضم الذال(٥). وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وغيرهما. وقرأ إبراهيم
الثَّيمي وقتادة: ((عُذْراً وْنُذْراً)) بالواو العاطفة، ولم يجعلا بينهما ألفاً (٦).
وهما منصوبان على المفعول له، أي: للإعذار أو للإنذار. وقيل: على المفعول
به؛ قيل: على البدل من ((ذِكْراً)) أي: فالملقيات عذراً أو نذراً (٧).
وقال أبو علي(٨): يجوز أن يكون العذُر والنذُر بالتثقيل على جمع عاذر وناذر،
(١) تفسير الرازي ٣٠/ ٢٦٥ بنحوه.
(٢) النكت والعيون ١٧٧/٦، وزاد المسير ٤٤٦/٨ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٧، والمحتسب ٣٤٥/٢.
(٤) في معاني القرآن ٢٢٢/٣، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير ٨/ ٤٤٦ بنحوه.
(٥) السبعة ص٦٦٦، والتيسيرص ٢١٨، والقراءة المشهورة عن عاصم من رواية شبعة كقراءة الجماعة:
نُذْراً. وينظر جامع البيان في القراءات السبع ٢/ ٤٧٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٤١٧/٥، والبحر المحيط ٤٠٥/٨ .
(٧) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٦٦/٥، والمحرر الوجيز ٤١٧/٥.
(٨) في الحجة ٦/ ٣٦٣.

٤٩٩
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيِرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُوْلَ﴾ [النجم: ٥٦] فيكون نصباً على الحال من
الإلقاء، أي: يُلقون الذكر في حال العذر والإنذار. أو يكون مفعولاًلـ ((ذكراً)) أي:
((فَالْمُلْقِيات)) أي: تُذَكِّر ((عُذْراً أَوْنُذْراً)).
وقال المبرِّد: هما بالتثقيل جمع الواحد: عَذير ونَذير.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعُ﴾ هذا جواب ما تقَّدم من القسم، أي: ما توعدون من أمر
القيامة لواقع بكم ونازلٌ عليكم، ثم بيَّن وقت وقوعه فقال: ﴿فَإِذَا اُلُّجُومُ كُلِسَتْ﴾ أي:
ذهب ضوؤها ومُحي نورُها كطمسٍ الكتاب(١)؛ يقال: طَمَس الشيء: إذا دَرَسَ
وطُمِس، فهو مطموس(٢)، والريحُ تطمُس الآثارَ، فتكون الريح طامسةً، والأثر
طامساً بمعنى مطموس.
﴿وَإِذَا السَّمَةُ فُرِجَتْ﴾ أي: فُتِحت وشُقَّت(٣)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ
فَكَانَتْ أَبْوَبًا﴾ [النبأ: ١٩]. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: فُرجت للطيّ.
﴿وَإِذَا الْخِبَالُ نُِّفَتْ﴾ أي: ذُهب بها كلِّها بسرعة؛ يقال: نَسَفْتُ الشيءَ وأنسفته: إذا
أخذتَه كلَّه بسرعة (٤). وكان ابن عباس والكلبيُّ يقول: سُوِّيَت بالأرض(٥)، والعرب
تقول: فَرَسٌ نَسُوف: إذا كان يؤخّر الحزام بمرفقيه(٦)؛ قال بِشْر:
نَسُوفٌ للحِزَام بمرفقيها(٧)
ونَسَفَت الناقةُ الكلأَ: إذا رعته. وقال المبرِّد: نُسِفت: قُلعَت من موضعها؛ يقول
(١) النكت والعيون ٦/ ١٧٧ .
(٢) ينظر الصحاح (طمس).
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٧٧ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٦٦/٥، ونقله عن ابن الجوزي في زاد المسير ٨/ ٤٤٧ .
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٧٧/٦ عن الكلبي.
(٦) الكلام بنحوه في الصحاح (نسف).
(٧) قائله هو بشر بن أبي خازم، والبيت في ديوانه ص١١١، وعجزه: يَسدُّ خَوَاءَ ظبْبَيْها الغبارُ.

٥٠٠
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
الرجل للرجل يقتلع رجليه من الأرض: أَنْسَفت رجلاه. وقيل: النَّسْف: تفريقُ
الأجزاء حتى تذروها الرياح. ومنه نسف الطعام؛ لأنه يُحرَّك حتى يُذهِب الريحُ بعضَ
ما فيه من التُّبْن(١).
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِنَتْ﴾ أي: جمعت لوقتها ليوم القيامة، والوقت: الأجل الذي يكون
عنده الشيء المؤخَّر إليه؛ فالمعنى: جعل لها وقت وأجَل للفصل والقضاء بينهم وبين
الأمم(٢)؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]. وقيل: هذا في
الدنيا أي: جُمعت الرسل لميقاتها الذي ضُرب لها في إنزال العذاب بمن كذَّبهم بأن
الكفَّار مُمْهَلون، وإنما تزول الشكوك يوم القيامة. والأوّل أحسن؛ لأن التوقيت معناه
شيء يقع يوم القيامة، كالطمس ونسف الجبال وتشقيق السماء، ولا يليق به التأقيت
قبل يوم القيامة.
قال أبو علي(٣): أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً. وقيل: أُقِّت: وُعِدت
وأُجِّلت. وقيل: ((أُقْتَتْ)) أي: أرسلت لأوقات معلومةٍ على ما علمه اللهُ وأراد.
والهمزة في ((أُقْتَتْ)) بدلٌ من الواو؛ قاله الفراء والزجاج(٤). قال الفراء: وكلُّ واو
ضُمَّت وكانت ضمتها لازمة جاز أن يبدل منها همزة (٥)؛ تقول: صلَّى القوم أُخداناً،
تريد: وُحْداناً، ويقولون: هذه وُجُوه حسان [وأُجُوه](٦). وهذا لأن ضمة الواو ثقيلة.
ولم يجز البدل في قوله: ﴿وَلَا تَنسَوَأُ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لأن الضمة غير
لازمة(٧).
(١) في (د) النتن.
(٢) الكلام بنحوه في زاد المسير ٨/ ٤٤٧ .
(٣) في الحجة ٣٦٤/٦-٣٦٥ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٢٢/٣ - ٢٢٣، وللزجاج ٢٦٦/٥، ونقله عنهما ابن الجوزي في زاد المسير
٨/ ٤٤٧ ٠
(٥) من قوله: وكل واو ضمت إلى هنا هو من قول الزجاج.
(٦) ما بين حاصرتين ليس في النسخ، وهي زيادة يقتضيها الكلام، وينظر الكامل للمبرد ٨١/١.
(٧) تفسير الرازي ٢٦٩/٣٠ .