Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩ وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزلت في مُطْعِم بن ورقاء الأنصاريِّ؛ نذرَ نذرًا فوقَّى به(١). وقيل: نزلت فيمن تكفَّل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعليّ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد(٢)، وأبو عبيدة ﴾؛ ذكره الماورديّ. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار؛ أطعم في يوم واحد مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا(٣). وقال أبو حمزة الثُّمَالي: بلغني أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أطعمني فإني واللهِ مجهود؛ فقال: ((والذي نفسي بيده ما عندي ما أُطعمك، ولكن اطلب)). فأتى رجلًا من الأنصار وهو يتعشَى مع امرأته، فسأله، وأخبره بقول النبيِّ ﴾؛ فقالت المرأة: أطعمه واسقِهِ. ثم أتى النبيَّ # يتيمٌ فقال: يا رسول الله، أَطعمني فإني مجهود. فقال: ((ما عندي ما أطعمك، ولكن اطلب)) فاستطعم ذلك الأنصاريَّ، فقالت المرأة: اطعمه واسقِه، فأطعمه. ثم أتى النبيَّ # أسير فقال: يا رسول الله أطعمني فإني مجهود. فقال: ((والله ما معي ما أطعمك، ولكن اطلب)) فجاء الأنصاريَّ فطلب، فقالت المرأة: أطعمه واسقِه. فنزلت: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى خُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا﴾ ذكره الثعلبيّ. وقال أهل التفسير: نزلت في عليٍّ وفاطمة رضي الله عنهما وجاريةٍ لهما اسمُها فضة. قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومَن فعل فعلًا حسنًا؛ فهي عامَّة. وقد ذكر النقَّاش والثَّعلبيُّ والقشيريُّ وغير واحدٍ من المفسِّرين في قصة عليٍّ وفاطمة وجاريتهما حديثًا لا يصحُّ ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله (١) نسبه الماوردي في النكت والعيون ١٦٨/٦ لجابر. (٢) في النكت والعيون ٦/ ١٦٧: وسعيد، وهي غير واضحة في (ي). (٣) تفسير البغوي ٤٢٨/٤، وأورده أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ٤٣٢/٨، وذكر أن الأنصاريَّ هو أبو الدحداح. ٤٦٢ سورة الإنسان: الآيات ٧ -٩ عزَّ وجلّ: ﴿يُولُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُعُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطِعُونَ الَّعَامَ عَلَى حُبِِّه مِسْكِينًا وَيَِّمًا وَأَسِيرًا﴾ قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسولُ الله ﴾، وعادهما عمومة العرب؛ فقالوا: يا أبا الحسن - ورواه جابر الجُعْفيُّ عن قَتْبَر مولى عليٍّ قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله ۶﴾، فقال أبو بكر ﴾: يا أبا الحسن. رجع الحديث إلى حديث ليث بن أبي سُليم - لو نذرتَ عن ولدك نذرًا (١)، وكلُّ نذر ليس له وفاء فليس بشيء. فقال : إنْ بَرأَ ولدي(٢)، صمت لله ثلاثةَ أيام شكرًا. وقالت جارية لهم نوبيَّة: إن بَرأَ سيِّداي، صمت لله ثلاثة أيام شكرًا. وقالت فاطمة مثلَ ذلك. وفي حديث الجُعْفي: فقال الحسن والحسين: علينا مثلُ ذلك. فأُلْبِس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليلٌ ولا كثير، فانطلق عليٍّ إلى شمعون بن حاريا (٣) الخيبريّ، وكان يهوديًّا، فاستقرض منه ثلاثة أَضْوُع(٤) من شعير، فجاء به، فوضعه ناحيةَ البيت، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلَّى عليٍّ مع النبيِّ ﴾، ثم أتى المنزل، فوُضع الطعامُ بين يديه. وفي حديث الجُعْفيّ: فقامت الجارية إلى صاع من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحدٍ منهم قرص، فلما مضى صيامهم الأوَّل، وضع بين أيديهم الخبز والملح الجريش؛ إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهلَ بيت محمد. في حديث الجُعْفي: أنا مسكين من مساكين أمة محمدٍ ﴾، وأنا والله جائع؛ أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة. فسمعه عليّ ﴾، فأنشأ يقول: فاطمَ(٥) ذاتَ الفضل(٦) واليقينْ يا بنتَ خير الناس أجمعينْ (١) في (م): ولديك شيئاً، وفي نوادر الأصول ص ٦٤: ولديك نذراً. (٢) في (م): ولداي. (٣) في (د): جبار، وفي (ظ): جابر، وفي (ز) و(ي): جار. والمثبت من (م). (٤) في النسخ الخطية: آصع. (٥) في (د) و(ز) و(ي): أفاطم، وفي (ظ): أفاطمة. (٦) في النسخ الخطية: السداد. ٤٦٣ سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩ قد قام بالباب له حنين أما تَرَينَ البائسَ المسكين يشكو إلينا (١) جائعٌ حزين يشكو إلى الله ويستكين وفاعلُ الخيرات يستبين(٢) كلُّ امرئٍ بكسبه رهين حرَّمها اللهُ على الضَّنين موعدُنا جنةُ علِّيين تَهوي به النار إلى سجِّين وللبخيل موقفٌ مهين من يفعلِ الخيرَ يقم سمين شرابه الحميم والغِسْلين ويدخلِ الجنة أيَّ حِين فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: ما بيَ من لؤْم ولا وَضاعهْ أمرُكَ عندي يا ابنَ عمَّ طاعةْ أُطعِمه ولا أُبالي السَّاعه عَدَلتُ (٣) في الخبز له صناعه أرجو إذا أَشبعتُ ذا المجاعه أَنْ أَلحقَ الأخيارَ والجماعه وأدخلَ الجنةَ لي شفاعه فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئًا إلَّ الماءَ القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الثاني، قامت إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلَّى عليٍّ مع النبيِّ ﴾، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين أيديهم؛ فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهلَ بيتٍ محمد، يتيمٌ من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يومَ العَقَبة. أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة. فسمعه عليٍّ فأنشأ يقول: فاطمَ بِنتَ السَّيدِ الكريمْ بِنتَ نبيِّ ليس بالزَّنيمْ(٤) (١) في (د) و(ي): إليها، وفي (ز) و(ظ): إلى الله. (٢) في النسخ الخطية: وفاعل الخير سيستبين. (٣) في (د) و(ز) و(ي): عديت، وفي (م): غديت. (٤) الزنيم: المستلحقّ في قوم ليس منهم، والدَّعي، واللئيم المعروف بلؤمه أو شره. القاموس (زنم). ٠٠ ٤٦٤ سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩ مَن يَرحم اليومَ يكن رحيم لقدأتى اللهُ بذي اليتيم قد حرَّم الجنةَ للَّئيم (١) ويدخل الجنة أي سليم يزلُّ في النار إلى الجحيم ألَّا يجوزَ الصراطَ المستقيم شرابُه الصديدُ والحميم فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: وأوثر الله على عيالي أُطعِمه اليوم ولا أبالي أصغرهم يُقتَلُ في القتال أَمسَوا جياعًا وهُم أَشْبالي يا ويل للقاتل مع وبال بِكَرْبَلَا يُقتَلُ باغتيال وفي يديه الغُلُّ والأغلال تَهوي به النارُ إلى سَفَال كُبُولةٌ زادت على الأكبال فأطعموه الطعام، ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئًا إلَّ الماء القَرَاح(٢)؛ فلمَّا كانت في اليوم الثالث، قامت إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته، وصلَّى عليٍّ مع النبيِّ *، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين أيديهم؛ إذ أتاهم أسيرٌ، فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهلَ بيت محمد، تأسِروننا وتَشُدُّوننا ولا تُطْعِموننا! أطعموني فإنِّي أسيرُ محمد. فسمعه عليٍّ فأنشأ يقول: بنت نبيِّ سيِّدِ مُسوَّدْ فاطمُ(٣) يا بنتَ النبيِّ أحمدْ قد زانه الله بحُسْنٍ أغيد سمَّاه(٤) الله فهو محمد مُثقَّلٌ في غُلِّه مُقيَّد هذا أسِيرٌ للنبي المهتد (١) في (م): قد حرم الخلد على اللئيم. وليس بشيء. (٢) أي: الذي لا يشوبه شيء. الصحاح (قرح). (٣) في (د) و(ز) و(ي): أفاطم. (٤) في (م): وسماه. ٤٦٥ سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩ من يُطعمِ اليومَ يجِده في غد يشكو إلينا الجوعَ قد تمدّد ما يزرع الزارعُ سوف يَحصُّد عند العليّ الواحد الموحَّد أَعطيه لا لا تجعليه أقعد فأنشأت فاطمة رضي الله تعالى عنها تقول: قد ذهبت كفِّي مع الذِّراغ لم يَبْقَ ممَّا جاء غيرُ صاغْ يا ربِّ لا تتركهما ضياع ابنايَ والله هُما جِياع يصطنع المعروفَ بابتداع أبوهما للخير ذو اصطناع(١). وما على رأسيَ مِن قِناع عَبْلُ(٢) الذِّراعين شديدُ الباع إلَّا قناعًا نَسْجُه أَنْساع(٣) فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيام ولياليّها لم يذوقوا شيئًا إلَّ الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى اللهُ النذر، أخذ عليٍّ بيده اليمنى الحسنَ، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله 8# وهم يرتعشون كالفراخ من شدَّة الجوع؛ فلمَّا أبصرهم رسولُ الله :﴿ قال: ((يا أبا الحسن! ما أشدَّ ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة». فانطلقوا إليها وهي في محرابها قد لَصِقَ بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما أن رآها رسولُ الله ﴾ وعرف المجاعة في وجهها، بکی وقال: «واغوثاہ یا الله، أهلُ بیت محمدٍ يموتون جوعا)). فهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربُّك يقرئك السلام يا محمد، خذه هنيئًا في أهل بيتك. قال: ((وما آخذ يا جبريل؟)) فأقرأه: ﴿هَلْ أَقَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾ إلى (١) في (د) و(ز) و(ظ): هو صناع، والبيت ساقط من (ي). (٢) أي: ضخمهما. الصحاح (عبل). (٣) في (د): بساع، وفي (ظ): سباع، وفي (ز) و(ي): نساع، والمثبت من (م)، والأنساع: جمع نِسْع: سَيْر ينسج عريضاً على هيئة أعنة النعال، تشد به الرحال. القاموس (نسع). ٤٦٦ سورة الإنسان: الآيتان ٨ -٩ قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا. إِنَّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْدِ اللَّهِ لَا نُرِبِدُ مِنْكُمْ جَزَّةَ وَلَا شكورًا﴾. قال الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله في ((نوادر الأصول)) (١): فهذا حديثٌ مُزوَّق مُزيَّف، قد تَطرَّف فيه صاحبه حتى تَشبَّه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يَعَضُّ شفتيه تلهُّفًا ألَّ يكونَ بهذه الصفة، ولا يعلمُ أنَّ صاحب هذا الفعل مذموم؛ وقد قال الله تعالى في تنزيله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوِّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وهو الفضل الذي يَفْضُل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله :8# متواترة بأنَّ ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنّى))(٢) ((وابدأ بنفسك ثم بمن تعول))(٣) وافترض الله على الأزواج نفقةً أهاليهم وأولادهم. وقال رسول الله﴾: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع مَن يَقُوت))(٤)، أفيحسب عاقلٌ أنَّ عليًّا جهل هذا الأمرَ، حتى أجهد صبيانًا صغارًا من أبناء خمسٍ أو ستُّ على جوع ثلاثة أيام ولياليهنّ، حتى تَضوَّروا من الجوع، وغارت العيون منهم؛ لخَلاء أجوافهم، حتى أبكى رسولَ الله# ما بهم من الجهد. هَبْ أنه أثَّرَ على نفسه هذا السائلَ، فهل كان يجوز له أن يَحْمِلَ أهله علی ذلك؟! وهَبْ أنَّ أهله سمحت بذلك لعليّ، فهل جاز له أن يحمل على أطفاله جوعَ ثلاثةِ أيامٍ بلياليهنّ؟! ما يروج مثلُ هذا إلَّا على حَمْقى جهَّال؛ أبى الله لقلوب متنبهة أن تظنَّ بعليٍّ مثلَ هذا. وليت شعري! مَن حفظ هذه الأبياتَ كلَّ ليلة عن عليٍّ (١). ص ٦٥. (٢) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٧٧٤١)، والبخاري (١٤٢٦). وسلف ٤٤٧/٣ . (٣) قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٨٤/٢: لم أره هكذا، بل في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ( ... وابدأ بمن تعول)» ولمسلم عن جابر في قصة المدبر في بعض الطرق: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك)». اهـ. وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧١٥٥)، والبخاري (١٤٢٦)، ومسلم (١٠٤٢)، وسلف ٤٠/٦ . وحديث جابر أخرجه أحمد (١٤٩٧٠)، ومسلم (٩٩٧). (٤) أخرجه أحمد (٦٤٩٥)، وأبو داود (١٦٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وسلف ٢٢٥/٥. ٤٦٧ سورة الإنسان: الآيات ٨ - ١١ وفاطمة، وإجابةَ كلِّ واحدٍ منهما صاحبه، حتى أدَّاه إلى هؤلاء الرُّواة؟! فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السُّجونِ فيما أرى. بلغني أنَّ قوماً يُخلَّدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديثَ في السَّمَر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديثِ مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة رمَوا بها وزَيَّفوها، وما من شيء إلَّا وله آفةٌ ومكيدة، وآفة الدِّين وگیده أكثر. فَوَقَّهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَؤْمِ ١٠ قوله تعالى: ﴿إِنَّا غَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَطَرِيرًا وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّا تَخَافُ مِن زَيْنَا يَوْمًا عَبُمًا قَطَرِيرًا﴾ ((عَبُوسًا)) من صفة اليوم، أي: يومًا تَعْبِس فیه الوجوه مِن هوله وشدَّته، فالمعنی: نخاف یومًا ذا ◌ُبوس. وقال ابن عباس: يَعْبِس الكافر يومئذ حتى يسيلَ منه عرَقٌ كالقَطِران. وعن ابن عباس: العَبُوس: الضَّيِّق، والقَمْطَرِير: الطويل(١)؛ قال الشاعر: شديدًا عبوسًا قَمْطَرِيرًا(٢) وقيل: القَمطرير: الشديد؛ تقول العرب: يوم قَمْطرير وقُمَاطِرٍ وعَصِيب بمعنّى؛ وأنشد الفرَّاء(٣): بني عَمِّنا هل تَذْكُرون بلاءَنا عليكم إذا ما كان يومٌ قُمَاطِرُ بضمِّ القاف. واقْمَطَرّ: إذا اشتدّ. وقال الأخفش: القَمْطرير: أشدُّ ما يكون من الأيام وأطولُه في البلاء(٤)؛ قال الشاعر: (١) أخرجهما الطبري ٢٣/ ٥٤٧، ٥٤٩ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٦٧/٦ دون نسبة. وتمامه: تزول الضحى فيه قرون المناكب شديداً عبوساً قمطريراً تخاله (٣) في معاني القرآن ٢١٦/٣، وهو في تفسير الطبري ٥٤٧/٢٣، والصحاح (قمطر). (٤) تفسير البغوي ٤٢٩/٤، وقاله أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٧٩/٢ ٤٦٨ : سورة الإنسان: الآيتان ١٠ - ١١ ولجَّ بها اليومُ العَبُوسُ القُماطِرُ(١) ففِرُّوا إذا ما الحربُ ثار غبارها وقال الكسائي: يقال: اقْمَطَرَّ اليومُ وازْمَهَرَّ اقمطرارًا وازمِهرارًا، وهو القَمْطرير والزَّمْهرير، ويوم مُقْمَطِرٌ: إذا كان صعبًا شديدًا؛ قال الهذليّ: بنو الحربِ أُرْضِعنا لهم مُقْمَطِرَّةً ومَن يُلقَ مِنَّا ذلك اليومَ يَھربُ(٢) وقال مجاهد: إنَّ العُبوس بالشفتين، والقَمْطَرير بالجبهة والحاجبين؛ فجعلها من صفات الوجه المتغيِّر من شدائد ذلك اليوم؛ وأنشد ابن الأعرابيّ: ويَقْمَطِرُّ ساعةً ويَكْفَهِرَ(٣) يَغْدو على الصَّيد يعودُ مُنکسِرْ وقال أبو عبيد(٤): يقال: رجل قَمْطرير، أي: منقبض(٥) ما بين العينين. وقال الزجَّاج (٦): يقال: اقْمَطَرَّت الناقة: إذا رَفَعت ذَنَبها وجَمَعت قُظْرَيها، وزَمَّت بأنفها. فاشتقَّه من القُظْر، وجعل الميم مزيدة. قال أسد بن ناعِصة(٧) : واصطليتُ الحروبَ في كلِّ يومٍ باسلِ الشَّر ◌َّمْطَرِيرِ الصَّباحِ قوله تعالى: ﴿فَوَقَُّهُمُ اللّهُ﴾ أي: دفع عنهم ﴿شَرَّ ذَلِكَ الْوَرِ﴾ أي: بأسَه وشدَّتَه وعذابَه ﴿وَلَقَّهُمْ﴾ أي: آتاهم وأعطاهم حين لَقُوه، أي: رأوه ﴿نَضْرَةً﴾ أي: حسناً ﴿وَسُرُورًا﴾ أي: حُبُوراً. (١) المحرر الوجيز ٤١١/٥ . (٢) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٢٥/٣، وروايته: فمَن يُلقَ منا يُلقَ سِيْدٌ مدرَّبُ. قال شارحه: المُقْمَطِرَّة: الكالحة الشنيعة، يقول: أُرضعنا بها وقد تهيأت للشر. السِّيْد في كلام هذيل: الأسد. (٣) النكت والعيون ٦/ ١٦٧. (٤) في (د) و(ظ) و(م): أبو عبيدة، والمثبت من (ز) و(ي)، وهو الموافق لما في تهذيب اللغة ٩/ ٤٠٨ . (٥) في (م): متقبض، وفي (ي): مقتبض، وفي تهذيب اللغة: مقبض. (٦) في معاني القرآن ٢٥٩/٥، ونقل كلامه الزمخشري في الكشاف ٤/ ١٩٧ . (٧) التنوخي. شاعر جاهلي قديم. له في أشعاره ألفاظ غريبة وحشية. وكان هو وأهل بيته نصارى. المؤتلف والمختلف للآمدي ص٢٩٩ . والبيت في الكشاف. ٤٦٩ سورة الإنسان: الآيات ١٠ - ١٤ قال الحسن ومجاهد: (نَضْرَةً)) في وجوههم ((وَسُرُورًا)) في قلوبهم. وفي النضرة ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنها البياض والنَّقاء؛ قاله الضخَّاك. الثاني: الحُسْن والبهاء؛ قاله ابن جبير. الثالث: أنها أثر النعمة؛ قاله ابن زيد (١). قوله تعالى: ﴿وَجَزَّهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا (٧) مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَّبِّ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَ زَمْهَرِرًا (١٣) وَدَائِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا قوله تعالى: ﴿وَجَزَّهُم بِمَا صَبَرُوا﴾ على الفقر(٢). وقال القُرَظيّ: على الصوم. وقال عطاء: على الجوع(٣) ثلاثة أيام، وهي أيام النذْر. وقيل: بصبرهم على طاعة الله(٤)، وصبرهم عن معصية الله ومحارمه(٥). و((ما)): مصدرية، وهذا على أنَّ الآية نزلت في جميع الأبرار ومَن فعل فعلًا حسنًا. وروى ابن عمر أنَّ رسول الله ﴾ سئل عن الصبر فقال: ((الصبر أربعة: أوَّلها الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب))(٦). ﴿َّةً وَحَيْرًا﴾ أي: أدخلهم الجنةَ وألبسهم الحرير. أي: يسمَّى بحرير الدنيا(٧). وكذلك الذي في الآخرة ما شاء الله عزَّ وجلَّ من الفضل. وقد تقدَّم(٨) أنَّ مَن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما أُلبسه مَن أُلبسه في الجنة عوضًا عن (١) النكت والعيون ١٦٨/٦ - ١٦٨، وقول الحسن أخرجه الطبري ٥٥٠/٢٣ . (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤٢٩/٤ عن الضحاك. (٣) تفسير البغوي ٤٢٩/٤ . (٤) النكت والعيون ١٦٨/٦. (٥) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٠٠/٥ عن قتادة. (٦) لم نقف عليه، وقوله منه: ((الصبر عند الصدمة الأولى)) أحمد (١٢٤٥٨)، والبخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦) من حديث أنس ﴾. وسلف ٢/ ٤٦٣ . (٧) في (ظ): أي بدل حرير الدنيا. (٨) ١٤/ ٣٤٧ . ٤٧٠ سورة الإنسان: الآيات ١٢ - ١٤ حبسهم أنفسَهم في الدنيا عن الملابس التي حرَّم الله فيها. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة؛ ونصب ((مُتَّكِئِينَ)) على الحال من الهاء والميم في ((جَزَاهُمْ))، والعامل فيها ((جزى)) ولا يعمل فيها ((صَبَرُوا))؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا، والاتِّكاء في الآخرة(١). وقال الفرَّاء(٢): وإن شئت جعلت (مُتَّكِئِينَ)) تابعًا، كأنه قال: جزاهم جنةً ((مُتَّكئين فيها)). ﴿عَلَى الْأَرَابِ﴾: السُّرُر في الحِجَال(٣)، وقد تقدَّم (٤). وجاءت عن العرب أسماءُ تحتوي على صفات: أحدها الأريكة، لا تكون إلَّا في حَجَلة على سرير، ومنها السَّجْل، وهو الدَّلْو الممتلئ ماءً، فإذا صَفِرت لم تُسمَّ سَجْلًا، وكذلك الذَّنُوب لا تُسمَّى ذَنُوبًا حتى تُملأ، والكأس لا تسمى كأسًا حتى تُتْرَع من الخمر. وكذلك الطَّبق الذي تُهَدى عليه الهدية: مِهْدَى، فإذا كان فارغًا قيل: طَبَق أو خِوان؛ قال ذو الرُّمَّة: خُدُوداً جَفَتْ في السَّير حتى كأنَّما يُباشِرْنَ بالمَعْزَاء مَسَّ الأرائكِ(٥) أي: الفرش علی السرر. ﴿لَا يَرَوّنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ أي: لا يرون في الجنة شدَّةً حرِّ كحرِّ الشمس ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (١) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٥/ ١٠٠. (٢) في معاني القرآن ٢١٦/٣ . (٣) تفسير البغوي ٤٢٩/٤. والحجال جمع: حَجَلة، وهي بيت يزين بالثياب والأسرَّة والستور. الصحاح (حجل). (٤) ١٣ / ٢٦٨. (٥) في النسخ: خدودٌ جفت ... ، والمثبت من ديوان ذي الرمة، وشرحه ١٧٢٩/٣ ، وقبله: إذا وقّعوا وهناً كسَوا حيث مؤَّتت من الجهد أنفاس الرياح الحواشك قال شارحه: وهناً: بعد هُدُوٌّ من الليل. الحشك: أن تمر الرياح مختلفة مندفعة مجتهدة. جفت في السير، أي: لم تطمئن. وقوله: كأنما يباشرن، يعني الخدود. المَعْزاء: أرض غليظة ذات حصى. يقول: كأنهن إذا وقّعن على المَعْزَاء وجدن بها مسَّ الأرائك من التعب. أي: ألقًوا أنفسهم بالموضع الذي ماتت الريح فيه، أي: سكنت من الجهد. أي: ألقوا أنفسهم فكانوا كسوة للمكان. وأراد: كسوا خدودهم، أي: صيروا المكان [الذي] ناموا فيه كسوة للخدود. ٤٧١ سورة الإنسان: الآيات ١٢ - ١٤ أي: ولا بردًا مُفْرِطًا؛ قال الأعشى: مُنَعَّمةٍ طَفْلةٍ كالْمَهَا ة لم تَرَ شمسًا ولا زَمْهريرا(١) وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((اشتكت النارُ إلى ربِّها عزَّ وجلّ، قالت: يا ربّ! أَكَلَ بعضي بعضًا، فجَعَلَ لها نَفْسَين: نَفَسًا في الشتاء، ونَفَسًا في الصّيف، فشدَّةُ ما تجدون من البرد مِن زمهريرها، وشدَّة ما تجدون من الحرِّ في الصيف من سَمُومها))(٢). وعن النبيِّ أنه قال: ((إنَّ هواء الجنة سَجْسَج؛ لا حرِّ ولا بردٌ))(٣) والسَّجْسَج: الظُّلُّ الممتدُّ كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وقال مُرَّة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيَّان: هو شيءٌ مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود: هو لونٌ من العذاب(٤)، وهو البرد الشديد، حتى إنَّ أهل النار إذا أُلْقوا فيه سألوا الله أن يعذِّبهم بالنار ألفَ سنة أهونَ عليهم من عذاب الزمهرير يومًا واحدًا. قال أبو النَّجْم: أو كنت ريحًا كنت زَمْهريرا (٥) وقال ثعلب: الزَّمْهرير: القمر بلغة طيِّئ؛ قال شاعرهم: وليلةٍ ظلامُها قداعتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهريرُ مَا زَهَرْ (٦) (١) ديوانه ص ١٤٥، وفيه: مبتّلةِ الخَلْق، مثل المهاة ... ، وقبله: على أنَّ في الطرف منها فتورا فَبانَ بحسناءَ برَّاقةٍ طفلة: رَخْصة ناعمة. مبتلة الخلق: متناسقة الأعضاء بالغة الحسن. المهاة: بقرة الوحش. (٢) أخرجه الترمذي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (٤٣١٩) واللفظ له. وأخرجه أحمد (٧٧٢٢)، والبخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة﴾. وسلف الحديث ١٧/ ٣٧٠. (٣) لم نقف عليه مرفوعاً، وقد أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٢٥)، وابن أبي شيبة ١٠٠/١٣ عن عبد الله بن مسعود ﴾ موقوفاً. (٤) أخرجه الطبري ٥٥٢/٢٣. (٥) لم نقف عليه. (٦) النكت والعيون ١٦٩/٦، والكشاف ١٩٧/٤، ووقع في (د)، والنكت والعيون: ما ظهر. : ٤٧٢ سورة الإنسان: الآيات ١٢ - ١٤ ويروى: ما ظهر، أي: لم يطلع القمر. فالمعنى: لا يرون فيها شمسًا كشمس الدنيا ولا قمرًا كقمر الدنيا، أي: إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار؛ لأنَّ ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر. وقد مضى هذا المعنى مجوَّدًا في سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ [الآية: ٦٢]. وقال ابن عباس: بينما أهل الجنة في الجنة إذا رأوا نوراً ظنُّوه شمسًا، قد أشرقت بذلك النور الجنة، فيقولون: قال ربنا: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ فما هذا النور؟ فيقول لهم رضوان: ليست هذه شمس ولا قمر، ولكنَّ هذه فاطمة وعليٍّ ضحكا، فأشرقت الجِنّان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَ الإِنسَنِ﴾ وأنشد: أُنْزِلَ فيه هل أتى أنا مولّى لفتَى وابنُ عمِّ المصطفَى(١) ذاك عليُّ المرتضَى قوله تعالى: ﴿وَدَإِنَّةٌ عَلَيهِمْ ظِلَلُهَا﴾ أي: ظِلُّ الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، فهي مُظِلَّة عليهم زيادةً في نعيمهم، وإن كان لا شمس ولا قمر ثَمَّ؛ كما أن أمشاطهم الذهبُ والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شَعَث ثَمَّ. ويقال: إنَّ ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار مئة عام، فإذا اشتهى وليُّ الله ثمرتها تدانت منه حتى يتناولَها. وانتصب ((دانيةً)) على الحال عطفًا على ((مُتَّكئين)) كما تقول: في الدار عبدُ الله متكنًا ومرسَلةً عليه الحِجَال. وقيل: انتصب نعتًا للجنة، أي: وجزاهم جنةً دانيةً، فهي صفةٌ لموصوف محذوف. وقيل: على موضع ((لا يرَوْنَ فيها شمسًا ولا زَمْهريرًا» ويرون دانيةً. وقيل: على المدح، أي: دنت دانيةً. قاله الفراء(٢). ((ظِلَالُهَا)) الظلال مرفوعة بدانية، ولو قُرئ برفع ((دانية)) على أن تكون الظلال مبتدأً و((دانية)) الخبر (١) خبر واضح البطلان. (٢) في معاني القرآن ٢١٦/٣، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٠٠/٥، ومشكل إعراب القرآن ٧٨٤/٢ - ٧٨٥ . ٤٧٣ سورة الإنسان: الآيات ١٢ - ١٤ لجاز، وتكون الجملة في موضع الحال من الهاء والميم في ((وجزاهُمْ)). وقد قرئ بذلك(١). وفي قراءة عبد الله: ((وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ))(٢)؛ لتقدُّم الفعل. وفي حرف أُبيّ: ((وَدَانٍ))(٣) رفع على الاستئناف. ﴿وَذُلِلَتْ﴾ أي: سُخّرت لهم ﴿قُطُوفُهَا﴾ أي: ثمارها ﴿نَذْلِلًا﴾ أي: تسخيرًا، فيتناولها القائمُ والقاعد والمضطجع، لا يَرُدُّ أيديَهم عنها بُعدٌ ولا شوك؛ قاله قتادة. وقال مجاهد: إن قام أحد ارتفعت له، وإن جلس تدلَّت عليه، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها(٤). وعنه أيضًا: أرض الجنة من وَرِق، وترابها الزعفران، وطيبها مِسْكٌ أذفر، وأصول شجرها ذهبٌ ووَرِق، وأفنانها اللؤلؤ والزَّبرجد والياقوت، والثمر تحت ذلك كلِّه؛ فمَن أكل منها قائماً لم تؤذِه، ومَن أكل منها قاعدًا لم تؤذِه، ومَن أكل منها مضطجعًا لم تؤذِه(٥). وقال ابن عباس: إذا هَمَّ أن يتناول من ثمارها، تدَّت إليه حتى يتناولَ منها ما يريد(٦). وتذليل القطوف: تسهيل التناول. والقطوف: الثمار، الواحد: قِظْف، بكسر القاف، سمِّي به لأنه يُقطَّف، كما سمِّي الجَنَى لأنه يُجنى. ((تَذلِيلًا)) تأكيد لما وُصف به من الذِّلّ؛ كقوله: ﴿وَّْتَهُ نَزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿وَكَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. الماورديُّ(٧): ويحتمل أن يكون تذليلُ قطوفها أن تَبْرُزَ لهم من أكمامها، وتَخْلُصَ لهم مِن نواها. (١) الكشاف ٤/ ١٩٧، والقرءاة شاذة. (٢) معاني القرآن للفراء ٢١٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٠١/٥. (٣) القراءات الشاذة ص١٦٦، وإعراب القرآن ١٠١/٥. (٤) أخرجهما الطبري ٢٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤ . (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٩٥ . (٦) الوسيط للواحدي ٤/ ٤٠٣ . (٧) في النكت والعيون ٦/ ١٧٠ . ٤٧٤ سورة الإنسان: الآيات ١٥ - ١٨ قلت: وفي هذا بُعد؛ فقد روى ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة: جذوعها زُمُرُّد أخضر، وگَرَبُها ذهب أحمر، وَسَعفها كُسْوة لأهل الجنة، منها مُقطّعاتهم وحُلَلهم، وثمرها أمثال القِلَال والدِّلاء، أشدُّ بياضًا من اللَّبَن، وأحلى من العسل، وألينُ من الزُّبْد، ليس فيه عَجَم (١). قال أبو جعفر النخَّاس: ويقال: المذلَّل: الذي قد ذلَّله الماءُ، أي: أرواه. ويقال: المذلَّل: الذي يُفَيِّئُه أدنى ريح؛ لنَعْمته، ويقال: المذلَّل: المُسَوَّى؛ لأنَّ أهل الحجاز يقولون: ذَلِّلْ نَخْلكَ، أي: سَوِّه، ويقال: المُذَلَّل: القريب المتناوَل؛ من قولهم: حائط ذَليلٌ، أي: قصير. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول امرئ القيس: وساقٍ كأُنبوب السَّقيِّ المُذَلَّلِ (٢) قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَهِم ◌ِّنَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِرَاً ﴿ قَوَارِيِرًا مِن فِضَّةٍ فَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا (٨٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَتَجِيلًا (٧) عَيْنًا فِيهَا تَُتَّى سَلْسَيْلًا قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلِمِ ◌ِكَانَةٍ مِّنِ فَِّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ أي: يدور على هؤلاء الأبرارِ الخَدَمُ إذا أرادوا الشراب ((بآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ)). قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيءٌ ممَّا (١) أخرجه البغوي في شرح السنة (٤٣٨٤) من طريق ابن المبارك بهذا الإسناد. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٩٧/٢، وهناد في الزهد (٩٩)، وابن أبي حاتم ٣٣٢٨/١٠ (١٨٧٥٨)، والحاكم ٤٧٥/٢ - ٤٧٦ من طرق عن سفيان، به. وأخرجه المروزي في زيادات الزهد (١٤٨٨) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير قال .. ولم يذكر ابن عباس. قال محققه: زاد في (ك): عن ابن عباس. اهـ. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٢٠٨٧٠) عن معمر، عن قتادة أو غيره، عن سعيد بن جبير قال .. ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما. الكَرَب، بالتحريك: أصل السَّعَف. وقيل: ما يبقى من أصوله في النخلة بعد القطع. العَجَم، بالتحريك: النوى. النهاية (کرب) (عجم). (٢) شرح الديوان ص١٧ . وصدره: وكشح لطيف كالجديل مخصَّرٍ. قال شارحه: الكشح: الخصر. الجديل: زمام يتخذ من سيور، وهو ليِّن. السقي: النخل المسقي. ٤٧٥ سورة الإنسان: الآيات ١٥ - ١٨ في الجنة إلَّا الأسماء، أي: ما في الجنة أشرفُ وأعلى وأنقى. ثم لم تُنْفَ الأواني الذهبية، بل المعنى: يُسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب. وقد قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَتِهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكَوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقيل: نَبَّه بذِكْر الفضَّة على الذهب؛ كقوله: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد؛ فنبّه بذكر أحدهما على الثاني. والأكواب: الكِيزان العِظَام التي لا آذان لها ولا عُرَى، الواحد منها كوب؛ وقال عَدِيّ: مُثَّكِئًا تُقْرَعُ أبوابُهُ يَسعى عليه العبدُ بالكوبِ وقد مضى في ((الزخرف))(١). ﴿ كَانَتْ قَوَارِيَاْ. قَوَرِيَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: في صفاء القوارير وبياضِ الفِضَّة؛ فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضّة. وقيل: أرض الجنة من فضّة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي هي منها. ذكره ابن عباس، وقال: ليس في الجنة شيءٌ إلَّا قد أعطيتم في الدنيا شِبْهَه، إلَّا القواريرَ من فضة(٢). وقال: لو أخذتَ فضَّةً من فضّة الدنيا فضربتها حتى تجعلها مثل جناح الذَّبَاب، لم تَرَ مِن ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضّة في صفاء القوارير(٣). ﴿قَدَّرُوهَا نَقْدِيرً﴾ قراءة العامة بفتح القاف والدال؛ أي: قَدَّرها لهم السُّقاة الذين يطوفون بها عليهم. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أُتوا بها على قَدْر رِيِّهم بغير زيادة ولا نقصان. الكلبي(٤): وذلك ألذُّ وأشهى؛ والمعنى: قدَّرتها الملائكة التي (١) ١٩ /٨١ - ٨٢. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٠١/٦. (٣) بعدها في النسخ الخطية: المكاعب. والأثر ذكره أبو الليث في تفسيره ٤٣١/٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٣٨/٢، والبيهقي في البعث والنشور (٣٤٨). (٤) ذكر قوله وقول مجاهد الماوردي في النكت والعيون ٦/ ١٧٠، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٥٥٨/٢٣ . ٤٧٦ سورة الإنسان: الآيات ١٥ - ١٨ تطوف عليهم. وعن ابن عباس أيضًا: قدَّروها على مِلء الكفّ لا تزيد ولا تنقص، حتى لا تؤذيّهم بثقل أو بإفراطِ صِغَر. وقيل: إنَّ الشاربين قَدَّروا لها مقادير في أنفسهم، على ما اشتهوا وقدَّروا. وقرأ عبيد بن عمير(١) والشَّعْبيُّ وابن سيرين: ((قُدِّروها)) بضم القاف وكسر الدال؛ أي: جعلت لهم على قدر إرادتهم. وذكر هذه القراءةً المهدويُّ عن عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهما(٢)؛ وقال: ومَن قرأ: ((قُدِّروها)) فهو راجعٌ إلى معنى القراءة الأخرى، وكأنّ الأصل: قُدِّروا عليها، فحذف حرف الجر؛ والمعنى قُدِّرت عليهم؛ وأنشد سيبويه: آَلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الذَّهرَ آكلهُ والحَبُّ يأكله في القرية السُّوسُ(٣) وذهب إلى أنَّ المعنى: على حَبِّ العراق. وقيل: هذا التقدير هو أنَّ الأقداح تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب؛ وذلك قولُه تعالى: ﴿فَدَّرُهَا نَقْدِيًا﴾ أي: لا يَفْضُلُ عن الرِّيِّ ولا ينقص منه، فقد أُلْهِمت الأقداحُ معرفةَ مقدار رِيِّ المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر هذا القولَ الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول» (٤). قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوّنَ فِهَا كَأْسًا﴾، وهي الخمر في الإناء. ﴿ كَانَ مِنَاجُهَا زَنْجِيلًا﴾ ((كَانَ)) صِلَة؛ أي: مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلًا. وكانت العرب تستلذُّ من الشراب ما يُمزج بالزنجبيل لِطيب رائحتهِ؛ لأنه يَحْذُو اللسان، ويَهضِم المأكول(٥)، (١) في إعراب القرآن للنحاس ١٠١/٥ - ١٠٢: عبد الله بن عبيد بن عمير، وينظر القراءات الشاذة ص١٦٦ . (٢) وذكرها عنهما وعن الشعبي ابن خالويه في القراءات الشاذة. (٣) قائله المتلمس، وهو في ديوانه ص٩٥، وسلف ٣١٩/٤ . (٤) ص٣٣٩ . (٥) النكت والعيون ٦/ ١٧٠، وقوله: يحذو، أي: يقرص. ٤٧٧ سورة الإنسان: الآيات ١٥ - ١٨ فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهايةَ النعمة والطيب. وقال المسيَّب بن عَلَس(١) يصف ثَغْرَ المرأة: إِذْ ذُقْتَهُ وسُلَافةَ الخمرِ(٢) وكأن طَعْمَ الزنجبيل به ویروی: الگرْم. وقال آخر: كأَنَّ جَنِيًّا مِن الزَّنْجَبيـ ـل باتَ بِفِيها وأرْيًا مَشُورا(٣) ونحُوه قولُ الأعشى: ـلَ باتا بِفيها وأريًا مَشُورا(٤) كأَنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبيـ وقال مجاهد: الزنجبيل: اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار. وكذا قال قتادة: الزَّنجبيل: اسم للعين التي يشرب بها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزج لسائر أهل الجنة (٥). وقيل: هي عينٌ في الجنة يوجد فيها طعمُ الزنجبيل(٦). وقيل: إنَّ فيه معنى الشراب الممزوجِ بالزنجبيل. والمعنى: كأنَّ فيها زنجبيلًا. ﴿عَيْنًا﴾ بدل من كأس. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل، أي: يُسقون عينًا(٧). ويجوز نصبه بإسقاط الخافض، أي: مِن عين، على ما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اَللَّهِ﴾ [الآية: ٦]. ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة. ﴿تُسَنَّى سَلَيْلًا﴾ السَّلْسبيل: الشراب اللذيذ، وهو فَعْلَلِيل من السَّلَّاسةِ(٨)؛ تقول (١) هو من شعراء بكر بن وائل المعدودين، وخال الأعشى، يكنى أبا الفضة، واسمه زهير بن علس، وإنما لقب ((المسيَّب)) ببيت قاله. وهو جاهلي لم يدرك الإسلام. الشعر والشعراء ١٧٤/١. (٢) الشعر والشعراء، والنكت والعيون ١٧١/٦، والكشاف ١٩٨/٤، والمحرر الوجيز ٤١٢/٥ . (٣) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٤٣، وفيه: خالط فاها، بدل: بات بفيها. الأري: عسل النحل. شار العسل واشتاره: جمعه. (٤) الكشاف ١٩٨/٤، وينظر ما قبله . (٥) أخرجه الطبري ٥٦١/٢٣، وقول مجاهد في النكت والعيون ٦/ ١٧٠ . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٠ . (٧) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٨٥ . (٨) في (د) و(م): السلالة، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٠٢/٥. والكشاف ١٩٩/٤. ٤٧٨ سورة الإنسان: الآيات ١٥ - ١٨ العرب: هذا شراب سَلِسٌ وسَلْسَال وسَلْسَلٌ وسَلْسَبِيل بمعنّى؛ أي: طَيِّبُ الطعم لذيذُه. وفي الصحاح(١): وتسلسل الماء في الحلق: جرى، وسَلْسَلْتُه أنا: صببته فيه، وماء سَلْسَل وسَلْسَال: سهل الدخول في الحلق؛ لعذوبته وصفائه، والسُّلاسل بالضمِّ مثلُه. وقال الزجَّاج (٢): السَّلْسَبيل في اللغة: اسمٌ لما كان في غاية السَّلَاسة؛ فكأنَّ العین سمِّیت بصفتها. وعن مجاهد قال(٣): سَلْسَبيلاً: حديدة الجَرْية، تسيل في حلوقهم انسلالًا. ونحوه عن ابن عباس: إنها الحديدة الجزي. ذكره الماورديّ(٤)؛ ومنه قول حسان بنِ ثابت ﴾ : يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِیصَ علیھمُ بَرَدِى يُصَفَّقُ بِالرَّحيقِ السَّلسَل(٥) وقال أبو العالية ومقاتل: إنما سمِّيت سَلْسَبيلًا؛ لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عَدْنٍ إلى أهل الجنة(٦). وقال قتادة: سَلِسةٌ منقادٌ ماؤها حيث شاؤوا (٧). ونحوه عن عكرمة. وقال القَفَّال: أي: تلك عين شريفة فَسَلْ سَبِيلًا إليها. وروي هذا عن عليٍّ ﴾(٨). وقوله: ﴿ُتَّى﴾ أي: إنها مذكورةٌ عند الملائكة وعند الأبرار وأهلِ الجنة بهذا (١) مادة (سلل). (٢) في معاني القرآن ٢٦١/٥. (٣) أخرج قوله الطبري ٢٣/ ٥٦٢ . (٤) في النكت والعيون ١٧١/٦ عن مجاهد. (٥) ديوانه ص ١٨٠. البريص: موضع بدمشق كما في القاموس (برص). وفي التاج: يقال: البريص اسم للغوطة بأجمعها . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٠ . (٧) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٦١ . (٨) الكشاف ١٩٨/٤، والنكت والعيون ١٧١/٦. قال الزمخشري: وهذا غير مستقيم على ظاهره، إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلًا، جعلت علماً للعين كما قيل: تأبط شراً ... وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع، وعزوه إلى مثل علي * أبدع. ٤٧٩ سورة الإنسان: الآيات ١٨ - ٢٢ الاسم. وصرف ((سلسبيل))؛ لأنه رأس آية؛ كقوله تعالى: ﴿اُلُّئُونَ﴾ و﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ١٠، ٦٧]. قوله تعالى: ﴿وَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ إِذَا رَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُؤَا تَنْتُورًا (٣) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَّ رَيْتَ نَفِيهَا وَمُلْكًا كبيرًا ٥ عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقَّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةِ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَآءُ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُعَلَّدُونَ﴾ بَيَّن مَن الذي يطوف عليهم بالآنية؛ أي: ويخدمهم ولدان مُخلَّدون، فإنهم أخفُّ في الخدمة. ثم قال: ((مُخَلَّدُونَ)) أي: باقون على ما هم عليه من الشَّباب والغَضَاضة والحُسْن، لا يَهْرَمون ولا يتغيَّرون، ويكونون على سِنِّ واحدة على مَرِّ الأزمنة. وقيل: مُخلَّدون لا يموتون. وقيل: مُسوَّرون مُقرَّطون، أي: مُحلَّون، والتخليد: التحلية. وقد تقدَّم هذا(١). ﴿إِذَا رَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُوا مَنْتُورًا﴾ أي: ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم لؤلؤًا مفرَّقًا في عَرْصة المجلس، واللؤلؤ إذا نُثِر على بساط كان أحسنَ منه منظومًا(٢). وعن المأمون أنه ليلة زُقَّت إليه بُوران بنت الحسن بن سهل، وهو على بساط منسوج من ذهب، وقد نَثْرَت عليه نساءُ دار الخليفة اللؤلؤَ، فنظر إليه منثورًا على ذلك البساط، فاستحسن المنظر وقال: للهِ دَرُّ أبي نُواس كأنه أبصر هذا حيث يقول: حَضباءُ درِّ على أرضٍ مِن الذَّهبِ كأنَّ صُغرى وكُبرى مِن فَوَاقِعِها(٣) وقيل: إنما شبَّههم بالمنثور؛ لأنهم سرائعٌ في الخدمة، بخلاف الحور العين إذا شبَّههنَّ باللؤلؤ المكنون المخزون؛ لأنهنَّ لا يُمتَهنَّ بالخدمة. (١) ١٨٦/٢٠ - ١٨٧. (٢) الوسيط للواحدي ٤/ ٤٠٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٣٠ . (٣) في (ز) و(م): فقاقعها، وكذا في العقد الفريد ٦/ ٧٧، والخزانة ٢٧٧/٨ . والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الديوان ص ٤٠ ، وثمار القلوب للثعالبي ص ١٦٦، ودرة الغواص ص٥٩ ، ومجمع الأمثال ٣٤/١، والكشاف ١٩٩/٤ ، والكلام منه. ٤٨٠ سورة الإنسان: الآيات ١٩ - ٢٢ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَيْتَ ثَّ رَأَيْتَ نِيَا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ((ثَمَّ)): ظرف مكان، أي: هناك في الجنة، والعامل في (ثَمَّ)) معنى ((رَأَيْتَ)) أي: وإذا رأيت ببصرك ((ثَمَّ)). وقال الفرَّاء(١): في الكلام ((ما)) مضمرة؛ أي: وإذا رأيت ما ثَمّ؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أي: ما بينكم. وقال الزجَّاج(٢): ((ما)) موصولة بـ (ثم)) على ما ذكره الفرَّاء، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصِّلة، ولكن ((رَأَيْتَ)) يتعدَّى في المعنى إلى (ثَمَّ))، والمعنى: إذا رأيت ببصرك ((ثَمَّ)). ويعني بـ ((ثَمَّ) الجنة، وقد ذكر الفرَّاء(٣) هذا أيضًا . والنعيم: سائر ما يُتْنعَّم به. والمُلْك الكبير: استئذان الملائكة عليهم؛ قاله السُّدِّيُّ وغيره. قال الكلبيّ: هو أن يأتيَ الرسولُ من عند الله بكرامة من الكُسْوة والطعام والشراب والتحف إلى وليٍّ الله وهو في منزله، فيستأذن عليه؛ فذلك المُلْك العظيم. وقاله(٤) مقاتل بن سليمان. وقيل(٥): المُلْك الكبير: هو أن يكون لأحدهم سبعون حاجبًا، حاجبًا دون حاجب؛ فبينما وليُّ الله فيما هو فيه من اللَّذَّة والسرور، إذ يستأذن عليه مَلَكٌ من عند الله، قد أرسله الله بكتاب وهدية وتحفةٍ من ربِّ العالمين، لم يرها ذلك الوليُّ في الجنة قطّ، فيقول للحاجب الخارج: استأذن على وليِّ الله، فإنَّ معي كتابًا وهديةً من ربِّ العالمين. فيقول هذا الحاجب للحاجب الذي يليه: هذا رسولٌ من ربِّ العالمين، معه كتاب وهديَّة يستأذن على وليٍّ الله؛ فيستأذن كذلك حتى يبلغ إلى الحاجب الذي يلي وليَّ الله، فيقول له: يا وليَّ الله! هذا رسولٌ من ربِّ العالمين يستأذن عليك، (١) في معاني القرآن ٢١٨/٣ . (٢) في معاني القرآن ٢٦١/٥، ومثله في إعراب القرآن للنحاس ١٠٣/٥، والكشاف ١٩٩/٤. (٣) في معاني القرآن ٢١٨/٣ . (٤) في (ظ): وقال. وقول مقاتل والكلبي في الوسيط للواحدي ٤٠٤/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٣٠ بمعناه. (٥) قوله: وقيل، من (م).