Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة المزمل: الآيات ١٥ - ١٩ قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري(١): وهذا لا يصلح، لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدَّة هوله . المهدويُّ: والضمير في ((يجعل)) يجوز أن يكون لله عزَّ وجلَّ ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم صلح أن يكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله عزَّ وجلَّ إلا مع تقدير حذف، كأنه قال: يوماً يجعل الله الوالدان فيه شيباً(٢). ابن الأنباري(٣): ومنهم من نصب اليوم بـ ((كفرتم)) وهذا قبيح، لأن اليوم إذا عُلِّق بـ(كفرتم)) احتاج إلى صفة ((كفرتم)) لـ ((يوم))(٤). فإن احتجَّ محتج بأن الصفة قد تحذف وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: ((فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمَاً)). قلت: هذه القراءة ليست متواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير. وإذا كان الكفر بمعنى الجحود فـ((يوماً» مفعول صريح من غير صفة ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يومَ القيامة والجزاء . وقرأ أبو السَّمَّال قَعْنَب: ((فكيف تتقونٍ)) بكسر النون على الإضافة(٥). و((الْوِلْدَانَ»: الصبيانُ. وقال السُّديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين. والعموم أصحُّ، أي: يشيب فيه الصغير من غير كِبَر. وذلك حين يقال لآدم: ((يا آدم قم فابعث بَعْث النار)). على ما تقدَّم في أول سورة الحج (٦). قال القُشيريُّ: ثم إن أهل الجنة يغيِّر اللهُ أحوالهم وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضربُ مَثَل لشدّة ذلك اليوم، وهو مجاز، لأن يوم القيامة لا يكون فيه (١) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٥٣، وما قبله منه. (٢) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٦١/٥. (٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٥٣-٩٥٤ . (٤) جاءت العبارة في (م): احتاج إلى صفة، أي كفرتم بيوم. والمثبت من (د)و(ي)، وهو الموافق لما في إيضاح الوقف والابتداء، والكلام منه. (٥) ذكرها عنه ابن عادل الحنبلي في اللباب ٤٧٨/١٩ . (٦) ٣٠٩/١٤ من حديث أنس ﴾. ٣٤٢ سورة المزمل: الآيات ١٥ - ١٩ وِلدان، ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحالٍ لو كان فيه هناك صبي لَشابَ رأسُه من الهيبة. ويقال: هذا وقت الفزع، وقبل أن يُنْفَخ في الصور نفخة الصعْق، فالله أعلم . الزمخشريّ(١): وقد مرَّ بي في بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحِمَ الشعر كحنك الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثَّغامة(٢)، فقال: أرِيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمِن هول ذلك أصبحتُ كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطُول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوانَ الشيخوخة والشيّب. قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بِهٍ﴾ أي: متشقِّقة لشدَّته. ومعنى (بِهِ))، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله. هذا أحسن ما قيل فيه. ويقال: مُثْقَلة به إثقالاً يؤدِّي إلى انفطارها لعظمته عليها وخشيتها من وقوعه، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾(٣) [الأعراف: ١٨٧]. وقيل: ((بِهِ)) أي: له، أي: لذلك اليوم(٤)، يقال: فعلت كذا بحرمتك ولحرمتك، والباء واللام وفي متقاربة في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة. وقيل: ((بِهِ)) أي: بالأمر، أي: السماء مُنْفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: منفطر بالله، أي: بأمره. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل: منفطرة، لأن مجازها السقف، تقول: هذا سماء البيت(٥)، قال الشاعر: · لَحِقْنا بالسَّماءِ وبِالسَّحابِ(٦) فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قوماً (١) في الكشاف ١٧٨/٤ . (٢) في (د) و(ظ): كالنعامة. وفي القاموس (ثغم): أثغم الرأس، أي: صار كالثَّغامة بياضاً. والثغامة: نبت. (٣) المصدر السابق. (٤) المحرر الوجيز ٣٩٠/٥ بنحوه. (٥) تفسير الرازي ١٨٤/٣٠، والكلام بنحوه في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٧٤/٢ . (٦) البيت للفرزدق، وروايته في ديوانه ص٣٣: ولو رفع الإله، بدل: فلو رفع السماء. ٣٤٣ سورة المزمل: الآيات ١٥ - ٢٠ وفي التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وقال الفراء: السماء يذكر ويؤنث(١). وقال أبو علي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، و﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. وقال أبو عليٍّ أيضاً: أي: السماء ذات انفطار، كقولهم: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع، فجرى على طريق النسب(٢). ﴿كَانَ وَعْدُمُ﴾ أي: بالقيامة والحساب والجزاء ﴿مَفْعُولًا﴾: كائناً لاشك فيه ولا خُلْف. وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهر دينه على الدِّين كلِّه(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ نَذْكِرَةٌ﴾ يريد هذه السورة - أو الآيات - عِظَة. وقيل: آيات القرآن، إذ هو كالسورة الواحدة (٤). ﴿فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ﴾ أي: من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه ﴿سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً إلى رضاه ورحمته فليرغب(٥)، فقد أمكن له، لأنه أظهر له الحجج والدلائل. ثم قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءُ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] قال الثعلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِنْ تُفِى الَّلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اَلَيْلَ وَالنََّّ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخُصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا نَبَتَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ فَرَْىٌّ وَمَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقْرَهُوا مَا تَبَرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُوْ اَللَّهُ قَرْضًا حَسَنَّأْ وَمَا نُقَلِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) فيه ثلاث عشرة مسألة: (١) معاني القرآن للفراء ١٩٩/٣. (٢) تفسير الرازي ١٨٥/٣٠ دون نسبة، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٣/٥، وتفسير أبي الليث ٤١٨/٣، وزاد المسير ٣٩٤/٨. (٣) النكت والعيون ١٣١/٦. (٤) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٩٠/٥ . (٥) الكلام بنحوه في معاني القرآن للفراء ١٩٩/٣ . : ٣٤٤ سورة المزمل: الآية ٢٠ الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ هذه الآية تفسير لقوله تعالى: اَلَيْلَ إِلَّ قَلِلًا نَصْفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلَا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ كما تقدَّم (١)، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدَّم(٢). (تَقُومُ)) معناه: تصلَّي و﴿أَذْفَ﴾ أي: أقلّ(٣). وقرأ ابن السَّمَيْفَع وأبو حَيْوة وهشام عن أهل الشام: ((ثُلْثَي)) بإسكان اللام. ((ونصفِه وثلثِه)) بالخفض قراءة العامة عطفاً على ﴿قُلْنَى﴾، المعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ أَن لَّن تُخُصُوُ﴾ فكيف يقومون نصفه أو ثلثه وهم لا يحصونهُ؟(٤) . وقرأ ابن كثير والكوفيون: ((وَنِصْفَهْ وَثُلُثَه)) بالنصب عطفاً على ((أَدْنَى))(٥) التقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وثلثَه(٦). قال الفراء(٧): وهو أشبه بالصواب، لأنه قال أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القِلَّةِ لا أقلَّ من القلة. قال القُشَيْري: وعلى هذه القراءة يَحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف، لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل أنهم أُمروا بقيام نصف الليل، ورُخِّص لهم في الزيادة والنقصان، فكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى الثلث. ويحتمل أنهم قدِّر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نُسخ عنهم. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٦٨/٤. (٢) ص٣٢٠ من هذا الجزء. (٣) الوسيط ٤/ ٣٧٧ . (٤) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٦٢/٥ . (٥) السبعة ص٦٥٨، والتيسير ص٢١٦ . (٦) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٤٥/٢ . (٧) في معاني القرآن ١٩٩/٣. ٣٤٥ سورة المزمل: الآية ٢٠ وقال قوم: إنما افترض اللهُ عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. وهذا القول تحگُّم. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اَلَّلَ وَالنَّارُ﴾ أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتَّحرِّي والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. ﴿عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ أي: لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيامَ به. وقيل: لن تطيقوا قيام الليل(١). والأوَّل أصح، فإنَّ قيام الليل ما فُرض كلُّه قطُّ. قال مقاتل وغيره: لمَّا نزلت: ﴿قُرِ الَّلَ إِلَّا قِيلًا نِّصِفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنَّهُ قَلِلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ شقَّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافةً أن يخطئ، فانتفخت أقدامُهم، وانْتُقِعت ألوانهم، فرحمهم اللهُ وخفّف عنهم، فقال تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾(٢) و((أَنْ)) مخفَّفة من الثقيلة، أي: علم أنكم لن تحصوه، لأنكم إن زدتم ثقُل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شقَّ ذلك عليكم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَابَ عَلَيْكُمّ﴾ أي: فعاد عليكم بالعفو(٣)، وهذا يدلُّ على أنه كان فيهم من (٤) ترك بعض ما أمر به. وقيل: أي: فتاب عليكم من فرض القيام إذْ عجزتم. وأصل التوبة الرجوع كما تقدَّم(٥)، فالمعنى: رجع لكم من تثقيلٍ إلى تخفيف، ومن عُسْرٍ إلى يُسْر. وإنما أمروا بحفظ الأوقات على طريق التحرِّي، فخفَّف عنهم ذلك التحري. وقيل: معنى ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّلَ وَالنََّارَ﴾ يخلقهما مقدَّرين، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٣٢/٦ من قول الحسن. (٢) ذكره عنه البغوي ٤/ ٤١١، والواحدي في الوسيط ٣٧٧/٤ بنحوه، وأخرجه الطبري ٣٩٧/٢٣ عن قتادة. (٣) البغوي ٤/ ٤١١، والوسيط ٣٧٧/٤. (٤) في (م): في. (٥) ١/ ٤٨٢. ٣٤٦ سورة المزمل: الآية ٢٠ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. ابن العربي(١): تقدير الخلقة لا يتعلَّق به حكم، وإنما يربط اللهُ به ما يشاء من وظائف التكليف. الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَقْرَعُواْ مَا تَّبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المراد نفس القراءة (٢)، أي: فاقرؤوا فيما تصلُّونه بالليل ما خفّ عليكم. قال السُّديُّ: مئة آية. الحسن: من قرَأ مئة آية في ليلة لم يحاجّه القرآن. وقال كعب: من قرأ في ليلة مئة آية كُتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية(٣). قلت: قول كعب أصحّ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كُتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المُقَنْطِرِين)) خرَّجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو. وقد ذكرناه في مقدِّمة الكتاب(٤) والحمد لله. القول الثاني: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَشَرَ مِنْهُ﴾ أي: فصلُّوا ما تيسَر عليكم(٥)، والصلاة تسمى قرآناً؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: صلاة الفجر. ابن العربي(٦): وهو الأصح؛ لأنه عن الصلاة أخبر، وإليها يرجع القول. قلت: الأوّل أصحُ حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز؛ فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله. (١) في أحكام القرآن ١٨٦٩/٤. (٢) المصدر السابق. (٣) أخرج أقوالهم الطبري ٣٩٦/٢٣ . (٤) ١٨/١، والحديث لم نقف عليه في مسند أبي داود الطيالسي، وإنما هو في سنن أبي داود السجستاني (١٣٩٨). (٥) تفسير البغوي ٤/ ٤١٢ . (٦) في أحكام القرآن ١٨٦٩/٤ وما قبله منه. ٣٤٧ سورة المزمل: الآية ٢٠ الخامسة: قال بعض العلماء: قوله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَنَسَّرَ مِنْهُ﴾ نَسخَ قيامَ الليل ونصفه، والنقصانَ من النصف والزيادة عليه. ثم احتمل قول الله عز وجل: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَبْشَرَ مِنْهُ﴾ معنيين: أحدهما: أن يكون فرضاً ثابتاً (١)؛ لأنه أزيل به فرضٌ غيره. والآخر أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَوَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فاحتمل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ أن(٢) يتهجد بغير الذي فُرض عليه مما تيسَّر منه. قال الشافعيّ(٣): فكان الواجب طلب الاستدلال بالسُّنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنةَ رسول الله ﴾ تدلُّ على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس. السادسة: قال القُشيريُّ أبو نصر: والمشهورُ أن نسخ قيام الليل كان في حقِّ الأمة، وبقيت الفريضة في حقِّ النبيِّ#. وقيل: نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب؛ كقوله تعالى: ﴿فَ أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْحَدِيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فالهَدْيُ لابدَّ منه، كذلك لم يكن بُدٍّ من صلاة الليل، ولكن فُوَّض قدره إلى اختيار المصلّي، وعلى هذا فقد قال قوم: فَرْضُ قيام الليل بالقليل باقٍ؛ وهو مذهب الحسن (٤). وقال قوم: نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً؛ وهو مذهب الشافعي. ولعل الفريضة التي بقيت في حقِّ النبيِّ # هي هذا، وهو قيامه، ومقداره مفوَّض إلى خِيرتِه . وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً فقوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَرَ مِنْهُ﴾ معناه: اقرؤوا إن تيسّر عليكم ذلك، وصلَّوا إن شئتم. وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرَّر في حقِّ النبيِّ﴾ أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه. وقوله: ((نَافِلَةً لَكَ)) محمول على (١) في (د) و(خ) و(ي) و(م): ثانياً. والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن للشافعي ١/ ٥٥ ، والناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٠/٣، والكلام منهما. (٢) في النسخ: أي والمثبت من أحكام القرآن والناسخ. (٣) في أحكام القرآن ٥٦/١، وهو في الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٠/٣. (٤) سلف قوله ص٣٢١ من هذا الجزء. ٣٤٨ سورة المزمل: الآية ٢٠ حقيقة النفل. ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة؛ كقوله تعالى: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوّع(١) . وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: ﴿وَ مِنَ الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، والخطاب للنبيِّ # وللأمة، كما أنَّ فرضية الصلاة وإن خوطب بها النبيُّ :﴿ في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ قُرِ الَّيْلَ﴾ كانت عامة له ولغيره. وقد قيل: إن فريضة الله امتدت إلى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة؛ لقوله تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَّكُونُ مِنْكُم ◌َرَْىٌّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾، وإنما فرض القتال بالمدينة؛ فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نُسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال ابن عباس: لمَّا قدم رسول اللـه﴿ نَسَخَ قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ وجوب صلاة الليل(٢). السابعة: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُم ◌َرْضَى﴾ الآية؛ بيَّن سبحانه علةً تخفيف قيام الليل، فإن الخَلْق منهم المريض، ويشقُّ عليهم قيام الليل، ويشقُّ عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفَّف الله عن الكل لأجل هؤلاء(٣). (١) أخرج البخاري (١٨٩١)، ومسلم (١١) عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى رسول الله 8# ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض اللهُ عليَّ من الصلاة، فقال: ((الصلوات الخمس إلا أن تَطََّّع شيئاً». (٢) أخرجه أبو عبيد الهروي في الناسخ والمنسوخ (٤٦٧)، والنحاس في ناسخه (٩٠٨) عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس كما في مراسيل ابن أبي حاتم ص ١٣٠. وأخرجه أبو داود (١٣٠٤)، والبيهقي ٢/ ٥٠٠ بنحوه. وسلف نحوه ص٣٢٠ من هذا الجزء. (٣) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٧٠. ٣٤٩ سورة المزمل: الآية ٢٠ و(«أنْ)) في ((أَنْ سَيَكُونُ)) مخففة من الثقيلة، أي: علم أنه سيكون(١). الثامنة: سَوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المالَ الحلال(٢) للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله(٣) . وروى إبراهيمُ عن علقمة قال: قال رسول الله﴾: ((ما من جالب يجلب طعاماً من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه، إلا كانت منزلته عند الله منزلةَ الشهداء)) ثم قرَأ رسولُ اللـه ◌َ﴾: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَمَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِ سِيلِ آلِ﴾ (٤). وقال ابن مسعود: أيُّما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعرٍ يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ ﴿وَءَاخْرُونَ يَضْرِبُونَ فِى اْأَرْضِ﴾ الآية(٥). وقال ابن عمر: ما خلق اللهُ موتةً أموتُها بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من الموت بين شعبتي رَخْلي، أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض(٦). وقال طاوس: السَّاعي على الأَرْمَلةِ والمسكين كالمجاهِدِ في سبيل الله(٧). وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهّز سفينة حِنطة إلى البصرة، وكتب إلى (١) المحرر الوجيز ٣٩١/٥. (٢) الكشاف ١٧٩/٤ . (٣) تفسير أبي الليث ٤١٩/٣ . (٤) أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود كما في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠، وهو مرسل. (٥) تفسير البغوي ٤/ ٤١١-٤١٢، والكشاف ١٧٩/٤، وأخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٢٥٠)، وفي إسناده فرقد السبخي، وهو ضعيف. (٦) المحرر الوجيز ٣٩١/٥، والكشاف ١٧٩/٤ . قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٧٩ : رواه الثعلبي من رواية القاسم بن عبد الله عن أبيه عن نافع، عن ابن عمر به، وإسناده ضعيف. (٧) لم نقف عليه من قول طاوس، وأخرجه الإمام أحمد (٨٧٣٢)، والبخاري (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وتمامه: ((كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يقوم الليل ويصوم النهار». ٣٥٠ سورة المزمل: الآية ٢٠ وَكيله: بعِ الطعامَ يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غدٍ؛ فوافق سعةً في السعر، فقال التجار للوكيل: إن أخّرته جمعةً ربحت فيه أضعافَه، فأخره جمعة، فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحبُ الطعام: يا هذا، إنا كنَّا قنعنا بربح يسيرٍ مع سلامة ديننا، وقد جنيتَ علينا جِناية، فإذا أتاك كتابي هذا؛ فخذ المالَ وتصدَّق به على فقراء البصرة، ولَيتني أَنجو من الاحتكار كَفافاً؛ لا عليَّ ولا لي. ويروى أن غلاماً من أهل مكة كان ملازماً للمسجد، فافتقده ابن عمر، فمشى إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه؛ فلقيه فقال له: يا بنيَّ، مالك وللطعام؟ فهلًا إيلاً، فهلَّا بقراً، فهلَّا غنماً! إن صاحب الطعام يحب المَحْل، وصاحبَ الماشية یحب الغیث. التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَتَرَ مِنَّةً﴾ أي: صلُّوا ما أمكن؛ فأوجب اللهُ من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدَّم(١). قال ابن العربي(٢): وقد قال قوم: إن فرض قيام الليل سُنَّ في ركعتين من هذه الآية؛ قاله البخاريُّ وغيره، وعقد باباً ذكر فيه حديث: ((يَعِد الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَدٍ، يضرب على كل عُقْدة مكانها: عليك ليلٌ طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر اللهَ انحلت عُقْدة، فإن توضأ انحلت عُقْدة، فإن صلَّى انحلت عُقَده كلُّها، فأصبح نشيطاً طيِّبَ النفس، وإلا أصبح خبيثَ النفس كسلان))(٣) وذكر حديثَ سَمُرة ابن جُنْدُب عن النبيِّ في الرؤيا قال: ((أما الذي يُثْلَغ رأسُه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفُضه، وينام عن الصلاة المكتوبة))(٤)، وحديثَ عبد الله بن مسعود قال: ذُكر عند (١) ص٣٢٠-٣٢١ من هذا الجزء. (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٧٠. (٣) صحيح البخاري (١١٤٢)، وهو عند الإمام أحمد (٧٣٠٨)، ومسلم (٧٧٦) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ٢٤٣/٢. (٤) صحيح البخاري (١١٤٣)، وأخرجه الإمام أحمد (٢٠٠٩٤) مطولاً، ومسلم (٢٢٧٥) مختصراً. قوله في الحديث: ((يثلغ رأسه، الثلغ: الشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. النهاية: (ثلغ). ٣٥١ سورة المزمل: الآية ٢٠ النبيِّ﴾ رجلٌ ينام الليل كلَّه، فقال: ((ذلكَ رَجُلٌ بالَ الشيطانُ في أذنيه))(١) فقال ابن العربيّ(٢): فهذه أحاديث مقتضية حمل مطلقِ الصلاة على المكتوبة؛ فيحمل المطلق على المقيَّد لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممَّن عيَّنه لقيام الليل . وفي الصحيح واللفظ للبخاري(٣): قال عبد الله بن عمرو: قال لي رسول الله ﴾: (يا عبدَ الله، لا تكنْ مثلَ فلان، كان يقوم الليلَ، فترك قيام الليلٍ)). ولو كان فرضاً ما أقرَّه النبيُّ # عليه، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذمِّ. وفي الصحيح (٤) عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبيِّ# إذا رأى رؤيا قصَّها على النبيِّ ﴾، وكنت غلاماً شابّاً عَزَباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله# ، فرأيت في النوم كأن ملَكين أخذاني فذهبًا بي إلى النار ، فإذا هي مطويّة كطيٍّ البئر ، وإذا لها قرنان، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: ولقيَنا مَلَكٌ آخر، فقال لي: لم تُرَعْ. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله﴾، فقال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل))، فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً؛ فلو كان تَرْك القيام معصية لمّا قال له المَلك: لم تُرَعْ. والله أعلم. العاشرة: إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرضٍ، وأن قوله: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾؛ ﴿فَاقْرَهُوا مَا تَبَشَرَ مِنْهُ﴾ محمولٌ على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدْرِ ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ: فاتحة الكتاب، لا يجزئ العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، وقدَّره أبو حنيفة بآية واحدة، من أيِّ القرآن كانت. وعنه ثلاث آيات، لأنها أقلُّ سورة. ذكر القول الأوَّلَ الماورديُّ(٥) (١) صحيح البخاري (٣٢٧٠)، وهو عند الإمام أحمد (٣٥٥٧)، ومسلم (٧٧٤). (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٧٠-١٨٧١. (٣) صحيح البخاري (١١٥٢)، وصحيح مسلم (١١٥٩) (١٨٥). (٤) صحيح البخاري (١١٢١)، وصحيح مسلم (٢٤٧٩)، وهو عند الإمام أحمد (٦٣٣٠). (٥) في النكت والعيون ١٣٣/٦ . ٣٥٢ سورة المزمل: الآية ٢٠ والثاني ابنُ العربيّ (١). والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعيُّ، على ما بيَّناه في سورة الفاتحة(٢) أوَّلَ الكتاب والحمد لله. وقيل: إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة، قال الماوردي(٣): فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب، أو على الاستحباب دون الوجوب. وهذا قول الأكثرين، لأنه لو وجب عليه أن يقرأه(٤) لوجب عليه أن يحفظه. الثاني: أنه محمول على الوجوب، ليقف بقراءته على إعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه، لأن حفظ القرآن من القُرب المستحبة دون الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال: أحدها: جميع القرآن، لأن الله تعالى يسَّره على عبادِه، قاله الضحاك. الثاني: ثلث القرآن، حكاه جوبير . الثالث: مئتا آية، قاله السدّيُّ. الرابع: مئة آية، قاله ابن عباس. الخامس: ثلاث آيات كأقصر سورة، قاله أبو خالد الكناني. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ يعني المفروضة - وهي الخمس - لوقتها. ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ الواجبة في أموالكم، قاله عكرمة وقتادة. وقال الحارث العُكْلي: صدقة الفطر؛ لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوع. وقيل: كل أفعال الخير. وقال ابن عباس: طاعة الله والإخلاص له(٥). (١) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٧١. (٢) ١٩٠/١-١٩١. (٣) في النكت والعيون ١٣٣/٦، والقول الذي قبله منه. (٤) في (م) يقرأ. (٥) المصدر السابق بنحوه. ٣٥٣ سورة المزمل: الآية ٢٠ الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَّأْ﴾ القَرْضُ الحسن: ما قُصد به وجهُ الله تعالى خالصاً من المال الطَّيِّب. وقد مضى في سورة الحديد(١) بيانه. وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن: النفقةُ على الأهل. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله(٢). الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ تقدَّم في سورة البقرة(٣) . وروي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ خَيْساً - يعني تمراً بلبن - فجاءه مسكين، فأخذه ودفعه إليه. فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر: لكن ربُّ المسكين، يدري ما هو. فكأنه تأوّلَ: ﴿وَمَا تُقَدِعُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ (٤) أي: مما تركتم وخلَّفتم، ومن الشحِّ والتقصير. ﴿وَأَعْظَمَ أَبْأَ﴾ قال أبو هريرة: الجنة(٥)، ويحتمل أن يكون أعظم أجراً، لإعطائه بالحسنة عشراً. ونصب ﴿غَيّاً وَأَغْظَمَ﴾ على المفعول الثاني لـ ((تَجدوه)) و((هو): فصلٌ عند البصريين، وعمادٌ في قول الكوفيين، لا محل له من الإعراب(٦). و((أَجْراً)) تمييز. ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّه﴾ أي: سلوه المغفرةَ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما كان قبْلَ التوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم(٧) بعدها، قاله سعيد بن جبير . ختمت السورة. (١) عند تفسير الآية ١٨. (٢) النكت والعيون ١٣٤/٦. (٣) ٣١٦/٢ وما بعد. (٤) تفسير أبي الليث ٤١٩/٣ . (٥) النكت والعيون ١٣٤/٦. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤١٢ . (٧) في النسخ: لكم. والمثبت من النكت والعيون ١٣٤/١٦، والكلام منه. سورة المُدَثِّر مكِّيَّةٌ في قول الجميع. وهي ستٌّ وخمسون آية(١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحَنِ الرَّحَمِ ٤ وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿﴿ قُرْ فَأَذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَّتِرْ فیه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿يََّا الْمُدَِّرُ﴾ أي: ياذا الذي قد تَدَثَّرَ بثيابه، أي: تغشَّى بها ونام، وأصلهُ: المتدثر، فأُدغمت التاء في الدَّال لتجانُسهما(٢). وقرأ أُبيّ: ((الْمُتدثِّر) على الأصل (٣). ونزل(٤) معظمُ هذه السورة في الوليد بن المغيرة. وفي صحيح مسلم(٥) عن جابر ابن عبدالله - وكان من أصحاب رسول اللـه # كان يُحدِّث - قال: قال رسول الله ﴾ وهو يحدّث عن فترة الوحي؛ قال في حديثه: ((فبينا(٦) أنا أمشي سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعتُ رأسي، فإذا الملَكُ الذي جاءني بحراءٍ جالساً على كرسيٍّ بين السماء والأرض)). قال رسول الله ﴾: «فجُئِئْتُ(٧) منه فَرَقاً، فرجعتُ فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، فدَّروني، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُرْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَِّرْ. وَيَكَ فَطَغِرْ (١) المحرر الوجيز ٣٩٢/٥، وتفسير البغوي ٤١٢/٤، وزاد المسير ٣٩٨/٨. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٦٥/٥، وتفسير الرازي ١٨٩/٣٠. (٣) المحرر الوجيز ٣٩٢/٥، وزاد المسير ٣٩٩/٨. (٤) في (د) و(ز) و(ظ): وقال، وفي (م): وقال مقاتل، والمثبت من (خ) (٥) برقم (١٦١): (٢٥٥)، وهو عند البخاري (٤)، (٤٩٥٤). (٦) في (م): فبينما. (٧) أي: ذعرت وخفت. النهاية (جأث). ٣٥٥ سورة المدثر: الآيات ١ - ٤ . وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾ - في روايةٍ: قبل أنْ تُفرض الصلاة(١) - وهي الأوثان. قال: ((ثم تتابع الوحي)). خرجه الترمذيُّ أيضاً وقال: حديث حسن صحيح(٢). قال مسلم: وحدثنا زهیرُ بن حرب قال: حدثنا الولیدُ بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعيُّ قال: سمعتُ يحيى يقول: سألتُ أبا سلمة: أيُّ القرآن أُنزِل قبلُ؟ قال: ((يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)). فقلتُ: أو ((اقرأ)). فقال: سألتُ جابر بن عبدالله: أيُّ القرآن أُنزِل قبلُ؟ قال: ((يا أَيُّهَا الْمُدثِّرُ)) فقلتُ: أو((اقرأ))؟ فقال جابر: أُحَدِّثكم ما حَدَّثنا رسولُ اللـه ﴿، قال: ((جاورتُ بِحِراءٍ شهراً، فلما قضيتُ جواري نَزَلْتُ، فاستبطنتُ بطن الوادي، فنوديتُ، فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أَرَ أحداً، ثمّ نُوديتُ، فنظرتُ، فلم أرَ أحداً، ثمَّ نُوديتُ، فرفعتُ رأسي، فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريل # - فأخذتني رَجْفة شديدةٌ، فأتيتُ خديجةَ فقلتُ: دثِّروني، فدثروني، فَصَبُّو عليَّ ماءً، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُّهَا الْمُدَّثِرُ. قُرْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكِِّزْ. وَيَكَ فَطَّفِرْ﴾(٣) خَرَّجه البخاريُّ، وقال فيه: ((فأتيتُ خديجةَ فقلتُ: دثِّروني، وَصُبُّوا عليَّ ماءً بارداً، فدَّروني وصَبُّوا عليَّ ماءً بارداً، فنزلت: ﴿يَّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُرْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِرْ. وَثَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ. وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثّرُ﴾ (٤). ابن العربيّ: وقد قال بعض المفسرين: إنَّه جرى على النبيّ # من عُقْبة [بن ربيعة] أمرٌ، فرجعَ إلى منزله مغموماً، فقَلِقٍ واضطجع، فنزلت: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)). وهذا باطل(٥). (١) هي في صحيح مسلم (١٦١): (٢٥٦)، وصحيح البخاري (٤٩٢٥)، ومسند أحمد (١٥٠٣٥). (٢) سنن الترمذي (٣٣٢٥). (٣) صحيح مسلم (١٦١): (٢٥٧) (٤) صحيح البخاري (٤٩٢٢)، وهو عند أحمد (١٤٢٨٧) . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧٣/٤ . وما سلف بين حاصرتين منه. ٣٥٦ سورة المدثر: الآيات ١ - ٤ وقال القشيريُّ أبو نصر: وقيل: بلغَه قولُ كفار مَّة: أنت ساحر. فوجَدَ من ذلك غمَّ وحُمَّ، فتدثَّر بثيابه، فقال الله تعالى: ﴿قُرْ فَأَذِرْ﴾ أي: لا تفكّر في قولهم، وبلِّغهم الرسالة. وقيل: اجتمع أبو لهب، وأبو سفيان، والوليدُ بن المغيرة، والنَّضْر بن الحارث، وأميَّةُ بن خَلَف، والعاص بنُ وائل، ومُطعِم بن عديّ، وقالوا: قد اجتمعت وفودُ العرب في أيَّام الحجّ، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد اختلفتُم في الإخبار عنه، فمِنْ قائلٍ يقول: مجنون، وآخرَ يقول: كاهن، وآخر يقول: شاعر (١)، وتَعلمُ العرب أنَّ هذا كلَّه لا يجتمعُ في رجلٍ واحد، فسمُّوا محمداً باسمٍ واحدٍ تجتمعون(٢) عليه، وتُسمِّيه العربُ به، فقام منهم رجلٌ فقال: شاعر، فقال الوليد: سمعتُ كلامَ ابن الأبرص، وأمية بن أبي الصَّلْت، وما يشبهُ كلامُ محمدٍ كلامَ واحدٍ منهما، فقالوا: كاهن. فقال: الكاهنُ يَصدُق ويكذب، وما كَذَب محمدٌ قطّ. فقام آخر فقال: مجنون، فقال الوليد: الجنون(٣) يَخنُق الناسَ، وما خُنِقَ محمدٌ قطّ. وانصرفَ الوليدُ إلى بيته، فقالوا: صبأَ الوليدُ بن المغيرة، فدخلَ عليه أبو جهل وقال: مالكَ يا أبا عبد شمس! هذه قريشٌ تجمعُ لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنَّك قد احتجتَ وصبأت. فقال الوليد: مالي إلى ذلك حاجةٌ، ولكني فكّرتُ في محمد، فقلت: ما يكون من الساحر؟ فقيل: يفرِّقُ بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلتُ: إنَّه ساحر. فشاعَ هذا في الناس وصاحوا يقولون: إنَّ محمداً ساحرٌ. ورجعَ رسولُ الله ◌ِ﴾ إلى بيته محزوناً، فتدثَّر بقطيفة، ونزلت: ((يا أَيُّهَا الْمُدثِّرُ))(٤). وقال عِكرمة: معنى ((يَأَيُّهَا الْمُدثِّرُ)) أي: المدَّثِّر بالنبوة وأثقالها(٥). ابن (١) بعدها في (ظ): وآخر يقول ساحر. (٢) في النسخ عدا (خ): يجتمعون. (٣) في (م): المجنون. (٤) ذكر هذه الرواية بنحوها الرازي في تفسيره ١٩١/٣٠. (٥) النكت والعيون ١٣٥/٦، وأخرجه بنحوه الطبري ٤٠٤/٢٣ . ٣٥٧ سورة المدثر: الآيات ١ - ٤ العربيّ(١): وهذا مجازٌ بعيد؛ لأنَّه لم يكن تَنَبَّأ بعد، على (٢) أنها أوّل القرآن، [و] لم یکن تمگّن منها بعد إن كانت ثاني مانزل. الثانية: قولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾: ملاطفةٌ في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذْ ناداه بحاله، وعبَّر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد ويا فلان، ليستشعر اللِّين والملاطفةَ من ربِّه كما تقدَّم في سورة المزمل(٣). ومثلُه قولُ النبيِّ :﴿ لعليٍّ إذْ نام في المسجد: ـ ((قم أبا تراب)) - وكان خرجَ مغاضِباً لفاطمة رضي الله عنها، فسقطَ رداؤه، وأصابه ترابه؛ خرَّجه مسلم(٤). ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفةً ليلة الخندق : - ((قُمْ يانَوْمان)) - وقد تقدَّم(٥). الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُّ فَأَذِرْ﴾ أي: خوِّف أهلَ مَّة، وحذِّرهم العذابَ إنْ لم يُسلِموا. وقيل: الإنذارُ هنا إعلامُهم بنبوَّته؛ لأنَّه مقدمةُ الرسالة. وقيل: هو دعاؤُهم إلى التوحيد؛ لأنَّه المقصود بها(٦). وقال الفرَّاء(٧): قم فصلِّ، وأُمُرْ بالصلاة. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَّكَبِرْ﴾ أي: سيِّدَكَ ومالكَكَ ومصلحَ أمرٍك فعظّم، وَصِفْهُ بأَنَّه أكبرُ من أنْ يكونَ له صاحبةٌ أو ولد. وفي حديث أنَّهم قالوا: بِم تُفتتح الصَّلاة؟ فنزلت: ((وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ))(٨). أي: صِفْهُ بأَنَّه أکبر. (١) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٧٣ . (٢) في النسخ: وعلى. والمثبت من أحكام القرآن، وما سيأتي بين حاصرتين منه . (٣) ص٣١٦ من هذا الجزء. (٤) برقم (٢٤٠٩)، وأخرجه أيضاً البخاري (٤٤١). وسلف ص٣١٦ من هذا الجزء. (٥) ١٧/ ٨٢ وص٣١٦ من هذا الجزء. والكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٧٣. (٦) النكت والعيون ١٣٥/٦. (٧) في معاني القرآن له ٣/ ٢٠٠ . (٨) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز٥/ ٣٩٢، والسيوطي في الدر المنثور ٢٨١/٦ عن أبي هريرة ﴾، ونسبه لابن مردويه، ولم نقف على إسناده. ٣٥٨ سورة المدثر: الآيات ١ - ٤ قال ابن العربيّ: وهذا القولُ وإنْ كان يقتضي بعمومه تكبيرَ الصلاة، فإنَّه مرادٌ فيه تكبير التقديس(١) والتنزيه؛ بخلع(٢) الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليًّا غيره، ولا تعبد سواه، ولا ترى لغيره فعلاً إلَّا له، ولا نعمةً إلَّ منه. وقد روي أنَّ أبا سفيان قال يومَ أُحُد: أُعْلُ هُبَل؛ فقال النبيُّ :﴿: ((قولوا: اللهُ أعلى وأجلّ))(٣). وقد صار هذا اللفظُ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلِّها أذاناً وصلاةَ وذكراً بقوله: ((الله أكبر))، وحُمِل عليه لفظُ النبيِّ ◌َ# الواردُ على الإطلاق في مواردها(٤)، منها قوله: ((تحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم))(٥)، والشرعُ يقتضي بعرفه ما يَقْتضي بعمومه، ومن موارده أوقاتُ الإهلال بالذبائح لله تخليصاً له من الشّرك، وإعلاناً (٦) باسمه في النُّسُك، وإفراداً لِمَا شرع(٧) لأمره بالسَّفْك(٨). قلت: قد تقدَّم في أوّل سورة البقرة(٩) أنَّ هذا اللفظَ : - ((اللهُ أكبر)) - هو المتعبَّدُ به في الصلاة، المنقولُ عن النبيِّ ﴾. وفي التفسير: أنَّه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِرْ﴾ قام رسولُ الله ◌ِ﴾ وقال: ((اللهُ أكبر))، فكَبَّرت خديجة، وعلمتْ أنَّه الوحي من الله تعالى؛ ذكره القشيريّ(١٠). (١) في (م)، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٧٤: التكبير والتقديس، والمثبت من النسخ الخطية وهو موافق لنسخة من أحكام القرآن كما ذُكر في حواشيه. (٢) في النسخ عدا (ظ): لخلع، والمثبت موافق لأحكام القرآن. (٣) قطعة من حديث البراء بن عازب ؛ أخرجه أحمد (١٨٥٩٣) والبخاري (٤٠٤٣)، وسلف ٣٥٨/٥ - ٣٥٩ . (٤) في (م): موارد. (٥) أخرجه أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) عن علي بن أبي طالب وسلف ٢٦٩/١ . (٦) في (د): وإعلاماً. (٧) بعدها في (م) و(ي): منه. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧٤/٤. (٩) ٢٦٩/١. (١٠) وذكره الزمخشري في الكشاف ٤/ ١٨٠، والرازي في تفسيره ١٩١/٣٠. ٣٥٩ سورة المدثر: الآيات ١ - ٤ الخامسة: الفاء في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَّرْ﴾ دخلت على معنى جواب الجزاء، كما دخلت في (فَأَنْذِرْ)) أي: قم فأنذر، وقم فكبِّر ربَّك؛ قاله الزَّجَّاج(١). وقال ابن جني : هو كقولك زيداً فاضربْ، أي: زيداً اضربْ، فالفاء زائدة(٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَثِيَبِكَ فَطَفِرْ﴾ فيه ثمانية أقاويل: أحدها: أنَّ المرادَ بالثياب العمل. الثاني: القلب. الثالث: النفس. الرابع: الجسم. الخامس: الأهل. السادس: الخُلُق. السابع: الدين. الثامن: الثيابُ الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب إلى القول الأوّل قال: تأويل الآية: وعملَك فأصلح؛ قاله مجاهد وابن زيد(٣). وروى منصورٌ عن أبي رَزِين قال: يقول: وعملَك فأصلح؛ قال: وإذا كان الرجلُ خبيثَ العمل؛ قالوا: إنَّ فلاناً خبيثُ الثياب، وإذا كان حسنَ العمل؛ قالوا: إنَّ فلاناً طاهرُ الثياب(٤)؛ ونحوه عن السُّديّ(٥). ومنه قول الشاعر : أَوْذَمَ حَجَّاً في ثِيابٍ دُسْم(٦) لا هُمَّ إِنَّ عامرَ بن جَهْمٍ ومنه ما رُويَ عن النبيِّ ﴿ أنَّه قال: ((يُحشَرُ المرءُ في ثوبيه اللَّذين ماتَ فيهما(٧)). (١) في معاني القرآن ٢٤٥/٥ . (٢) ينظر سرُّ صناعة الإعراب لابن جني ٢٦٠/١ . (٣) أخرج قول مجاهد الطبري ٢٣/ ٦٣ . (٤) تفسير الطبري ٤٠٩/٢٣ . (٥) ذكره الواحديُّ في الوسيط ٤١٣/٤، والبغوي في تفسيره ٤/ ٣٨٠ . (٦) ذكره ابن قتيبة في كتاب المعاني الكبير١/ ٤٨١ وابن منظور في اللسان (دسم) دون نسبة، وقال: يعني أنه حجّ، وهو متدنّسٌ بالذنوب، وأوذم الحج: أوجبه، وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه، وثياب دُسْمٌ: وسخة. (٧) في (م): عليهما. ٣٦٠ سورة المدثر: الآيات ١ - ٤ يعني عمله الصالح والطالح؛ ذكره الماورديّ(١). ومن ذهب إلى القول الثاني قال: إنَّ تأويلَ الآية: وقلبَكَ فطهِّر؛ قاله ابنُ عباس وسعيد بن جُبير (٢)؛ دليله قول امرئ القيس : فَسُلِّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلٍ(٣) أي قلبي من قلبك. قال الماوردي(٤): ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه: وقلبك فطهِّر مِن الإثم والمعاصي؛ قاله ابن عباس وقتادة . الثاني: وقلبَك فطهِّر من الغدر، أي: لا تغدر فتكونَ دنس الثياب. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس، واستشهدَ بقول غيلانَ بن سلمة الثقفيّ: لبِستُ ولامن غَدْرَةٍ أَتَّقَّعُ(٥) فإني بحمد الله لا ثوبَ فاجِرٍ ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية: ونفسَك فطهِّر، أي: من الذنوب. والعربُ تَكني عن النفس بالثياب؛ قاله ابن عباس(٦). ومنه قول عنترة: ليس الكريمُ على القَنا بمُحَرَّم(٧) فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الظَّويلِ ثيابَهُ وقال امرؤ القيس : فَسُلِّي ثيابِي من ثيابِك تَنْسُلٍ (٨) وقال : (١) في النكت والعيون ١٣٦/٦، وأخرج نحوه أبو داود (٣١١٤)، وابن حبان في صحيحه (٧٣١٦) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: ((إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها». (٢) قول ابن عباس في النكت والعيون ١٣٦/٦، وقول سعيد بن جبير في زاد المسير ٤٠١/٨. (٣) ديوان امرئ القيس ص١٣، وسلف ٣٨٦/٣ (٤) في النكت والعيون ١٣٦/٦. (٥) أخرجه الطبري ٤٠٥/٢٣، والبيت نسبه صاحب الأغاني ٢٣٥/١٦-٢٣٦ لبرذع بن عديّ في قصيدة له. . وسلف ١/ ٤٤ . (٦) أخرجه الطبري ٤٠٦/٢٣ بنحوه. (٧) ديوان عنترة ص٢٦ ، وفيه: الأصم. بدل: الطويل. (٨) من قوله: وقال امرؤ القيس إلى قوله: تنسل. ساقط من (ظ). وسلف قريباً.