Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة المعارج: الآيات ٣٦ - ٣٩
يُشْرِعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا بك(١)؟ وقال عطيّة: مهطعين: معرضين.
الكلبيُّ: ناظرين إليك تعجّبًا(٢). وقال قتادة: عامدين(٣). والمعنى متقارب، أي: ما
بالهم مسرعين عليك، مادِّين أعناقَهم، مدمني النظر إليك(٤)؟ وذلك من نظر العدوِّ.
وهو منصوبٌ على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يَحضرونه
عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون به (٥). و((قِبَلَكَ)) أي: نحوك.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِثْمَالِ عِينَ﴾ أي: عن يمين النبيِّ﴾ وشماله، حِلَقاً حِلَقاً
وجماعات. والعِزِين: جماعاتٍ في تَفرِقة، قاله أبو عبيدة(٦). ومنه حديثُ النبيِّ ◌ِ﴾،
أنَّه خرج على أصحابه فرآهم حِلقًا، فقال: ((ما لي أراكم عِزِين، أَلَا تَصُفُّون كما
تَصُفُّ الملائكةُ عند ربِّها؟))، قالوا: وكيف تَصُفُّ الملائكةُ عند ربِّها؟ قال: ((يُتِمُّون
الصفوفَ الأُوَلَ، ويَتراصُّونَ في الصَّفِّ)) خرَّجه مسلمٌ وغيره (٧). وقال الشاعر:
على أبوابه حِلَقاً عِزينا(٨)
تَرانا عنده واللَّيلُ داجٍ
وقال الراعي :
أمسى سَرَاتُهُمُ إليك عِزِينا(٩)
أخليفةَ الرحمنِ إِنَّ عشيرتي
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٥.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٩٦ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٧٨/٢٣ .
(٤) تفسير البغوي ٣٩٥/٤ .
(٥) تفسير الرازي ١٢١/٣٠ .
(٦) في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٠ .
(٧) صحيح مسلم (٤٣٠)، ومسند أحمد (٢٠٩٦٤)، عن جابر بن سمرة ﴾.
(٨) النكت والعيون ٦/ ٩٧ . وجاء بعد البيت في (د) و(م) : أي متفرقين .
(٩) دیوان الراعي النميري ص٢٢٨ وروايته فيه :
أمسى سَوَامُهُمُ عِزِينَ فُلُولا
أوليَّ أمرٍ الله إنَّ عشيرتي
وسَراة الشيء أي : خياره . لسان العرب (سرا).

٢٤٢
سورة المعارج: الآيات ٣٦ - ٣٩
أي: متفرقين. وقال آخر:
خناطيل(١) يهوينَ شَتَّى عِزِينا(٢)
كأنَّ الجماجمَ من وقعها
وقال آخر :
ضَرَحْنَ حَصَاهُ أَشْتَاتًا عِزِينا(٣).
فلمَّا أنْ أَتَيْنَ على أُضَاخِ
وقال الكُمَيْت(٤):
ونحنُ وجَنْدَلْ بَاغْ تَرَكُنَا
کَثَائِبَ جَنْدَلٍ شَتَّى عِزِينا
وقال عنترة(٥):
وقِرْنٍ قد تركتُ لِذِي وَليٍّ
عليه الطير كالعُصَبِ العِزِين
وواحدُ عِزینَ: عِزَة، ◌ُمع بالواو والنون؛ لیکون ذلك عوضاً مما حُذِف منها.
وأصلها: عِزْهة، فاعتلَّت كما اعتلَّت سَنَة، فيمن جعل أصلها سَنْهة(٦). وقيل:
أصلها: عِزْوة، من عزاه يعزوه: إذا أضافه إلى غيره. فكلُّ واحدٍ(٧) من الجماعات
مضافةً إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو.
وفي الصحاح: والعِزَة: الفِرْقةُ من الناس، والهاء عوضٌ من الياء، والجمع عِزّى
- على فِعَل ـ وعِزُون وعُزُون أيضاً بالضم، ولم يقولوا عِزات، كما قالوا ثُبات. قال
(١) الخناطيل: جماعاتٌ من الوحش والطير في تفرقةٍ، ولا واحد لها من جنسها. اللسان (خنطل).
(٢) لم نقف عليه . وجاء بعده في (د) و(م) : أي متفرقين .
(٣) لم نقف على قائله. وهو في الصحاح (عزا). قوله: أُضاخ: اسم جبل أو موضع. اللسان (أضخ) ،
وضرحه : دفعه ونخَّاه . القاموس (ضرح) .
(٤) في ديوانه ص٤٤٨ .
(٥) في (د) و(ظ): وقال غيره . والبيت في ديوان عنترة (مصورة دار الكتب العلمية . تحقيق: عبد المنعم
عبد الرؤوف شلبي) ص١٧٩ برواية :
وقِرنٍ قد تركت لدى مَكّرٍ
عليه سبائباً كالأرجوان
(٦) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٧٥٩/٢ .
(٧) في (د) أحد، وفي مجمع البيان ٢٩/ ٦١ - والكلام منه -: جماعة.

٢٤٣
سورة المعارج: الآيات ٣٦ - ٣٩
الأصمعيُّ: يقال في الدار: عِزِونَ، أي: أصنافٌ من الناس(١).
و﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِمَالِ﴾ متعلُّقٌ بـ((مُهْطِعِينَ)) ويجوز أنْ يتعلَّق بـ((عِزِين)) على حدٍّ
قولك: أخذته عن زيد (٢).
﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قال المفسرون: كان المشركون
يجتمعون حول النبيِّ﴾، ويستمعون كلامه، فيكذِّبونه، ويَكْذِبون عليه، ويستهزئون
بأصحابه، ويقولون: لئنْ دخلَ هؤلاء الجنَّةَ لندخلنَّها قبلَهم، ولئن أُعطوا منها شيئاً
لَنْعَطَيَنَّ أكثرَ منه، فنزلت: ((أَيَطْمَعُ)) الآية(٣).
وقيل: كان المستهزئون خمسة أَرهُط (٤). وقرأَ الحسنُ وطلحةُ بن مُصَرِّفٍ
والأعرجُ: ((أَنْ يَدْخُلَ)) بفتح الياء وضم الخاء؛ مُسمَّى الفاعل. ورواه المفضَّل عن
عاصم(٥). الباقون: ((أَنْ يُدْخَلَ)) على الفعل المجهول.
﴿كَلَا﴾ لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنَّهم يعلمون
أُنَّهم مخلوقون من نطفة، ثم من علقةٍ، ثم من مضغةٍ؛ کما خُلِقَ سائرُ جنسهم، فلیس
لهم فضلٌ يستوجبون به الجنة، وإنما تُستوجَب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله
تعالى(٦). وقيل: كانوا يستهزؤون بفقراء المسلمين، ويتكبَّرون(٧) عليهم. فقال: ﴿إِنَّا
خَلَقْتَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من القَذَر، فلا يليق بهم هذا التكبر.
وقال قتادة في هذه الآية: إنما خُلِقْتَ يا ابن آدم من قذرٍ، فَاتَّق الله(٨).
(١) الصحاح (عزا).
(٢) ينظر مجمع البيان للطبرسي ٢٩/ ٦٢ .
(٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٧٤ .
(٤) الكشاف ٤/ ١٦٠ .
(٥) قراءة الحسن وطلحة والمفضل عن عاصم في المحرر الوجيز ٣٧٠/٥، وزاد المسير ٣٦٤/٨.
(٦) تفسير البغوي ٣٩٥/٤ .
(٧) في (د) : وينكرون .
(٨) أخرجه الطبري ٢٨٢/٢٣.

٢٤٤
سورة المعارج: الآيات ٣٦ - ٣٩
وروي أنَّ مُطَرِّفَ بنَ عبد الله بن الشِّخِّير رأى المُهَلَّب بنَ أبي صُفْرة يتبختر في
مُظْرَف(١) خَزٍّ وجُبَّة خزٍّ، فقال له: يا عبد الله، ما هذه المِشْية التي يُبغضها الله؟!
فقال له: أتعرفني؟ قال: نعم، أوَّلُكَ نطفةٌ مَذِرة، وآخِرُكَ جيفةٌ قَذِرة، وأنت تحمل
العَذِرة. فمضى المهلَّب وترك مشيته (٢).
ونظم الكلامَ محمود الورَّاق فقال:
وكان في الأصل نُطفةً مَذِره
عَجِبتُ من مُعْجَبٍ بصورتهٍ
يصيرُ في اللَّحد جيفةً قَذِرِهْ
ما بين ثوبيه يحمل العذرة(٣)
وهو غَدًا بعد حُسْن صورتهِ
وهو على تِيهه ونَخْوتهِ
وقال آخر:
هل في ابن آدم غيرُ الرأسِ مَكْرُمٌ
أنْفٌ يسيل وأذْنٌ ريحُها سَهِكٌ(٤)
يا ابن التراب ومأكولَ التراب غدًا
وهو بخمسٍ من الأوساخ مضروبُ
والعين مُرْمَصَةٌ(٥) والثغْر ملعوبُ(٦)
قصّرْ فإنَّك مأكولٌ ومشروبُ (٧)
وقيل: معناه من أجل ما يعلمون، وهو الأمر والنهي، والثواب والعقاب. كقول
(١) المطرف : بضم الميم وكسرها واحد المطارف ، وهي أرديةٌ من خزِّ مربعةٌ لها أعلام. مختار الصحاح
(طرف) .
(٢) ذكر هذه القصة الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٠٥ .
(٣) الأبيات ذكرها الوطواط في غرر الخصائص الواضحة ص٦٨ دون نسبة . ونسبها السبكي في طبقات
الشافعية الكبرى ٣١٨/٣ لأبي محمد البافي .
(٤) السهك : هي ريحٌ كريهة تجدها من الإنسان إذا عرق . اللسان (سهك).
(٥) الرَّمص: وسخ أبيض يجتمع في الموق . القاموس (رمص).
(٦) في (د) و(ق) و(م): ملهوب . والمثبت من (خ) و(ظ)، وغرر الخصائص الواضحة . وثغر ملعوب،
أي : ذو لعاب ، الصحاح (لعب) .
(٧) الأبيات في غرر الخصائص الواضحة ص٦٨ . دون نسبة .

٢٤٥
سورة المعارج: الآيات ٣٦ - ٤٢
الشاعر وهو الأعشى(١):
وشَطَّتْ عَلی ذِي هَوّى أن تُزَارَا
أَأَزْمَعْتَ من آل لَيْلی ابْتِكَارًا
أي: من أجل ليلى(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ (١٥) عَلَى أَنْ نُبِلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا
تَحْنُ بِمَسْبُوِقِينَ ()﴾
قوله تعالى: ﴿فَلَآّ أُقْسِمُ﴾ أي: أقسم. و((لا)) صلة. ﴿بِيِّ الْشَرِقِ وَالْغَزِبِ﴾ هي
مشارقُ الشمس ومغاربها. وقد مضى الكلام فيها(٣). وقرأ أبو حَيْوَة وابن مُحَيْصِن
وحُميد: ((بِربّ المشرِقِ والمغرِب)) على التوحيد(٤).
﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ. عَلَى أَنْ تُبدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ يقول: نقدرُ على إهلاكهم والذهاب بهم،
والمجيء بخيرٍ منهم في الفضل والطوع والمال(٥).
﴿وَمَا تَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: لا يفوتنا شيءٌ ولا يعجزنا أمرٌ نريده.
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَبَلْعَبُواْ حَّى يُلَقُواْ يَوْمَعُ الَّذِى يُوعَدُونَ
(٤٢
أي: اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم؛ على جهة الوعيد. واشتغِلْ
أنت بما أُمِرت به، ولا يَعظُمِنَّ عليك شِركُهم؛ فإنَّ لهم يوماً يَلقَون فيه ما وُعِدوا. وقرأ
ابنُ مُحَيْصِن ومجاهد وحُميد: ((حَتَّى يَلْقَوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوْعَدُونَ))(٦). وهذه الآية
(١) في ديوانه ض ٩٥ .
(٢) مجمع البيان ٢٩/ ٦٣ .
(٣) ٣٢٤/٢.
(٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦١ عن ابن محيصن .
(٥) في (د): المثال .
(٦) وهي قراءة أبي جعفر - من العشرة - كما في النشر ٣٩١/٢. وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز
٣٧١/٥، وزاد المسير ٣٦٦/٨ .

٢٤٦
سورة المعارج: الآيتان ٤٢ - ٤٣
منسوخة بآية السيف(١).
(٤٣)
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَعْدَثِ سِرَاءًا كَأَنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
(يَوْمَ)) بدل من ((يَوْمَهُمُ)) الذي قبله، وقراءةُ العامة: ((يَخْرُجُونَ)) بفتح الياء، وضمِّ
الراء على أنَّه مسمَّى الفاعل. وقرأ السُّلَمِيُّ والمغيرةُ والأعشى عن عاصم: ((يُخْرَجون))
بضمِّ الياء، وفتح الراء على الفعل المجهول(٢).
والأجداث: القبور، واحدها جَدَث(٣). وقد مضى في سورة يس(٤).
﴿بِرَاءَاً﴾ حين يسمعون الصيحةَ الآخرة إلى إجابة الداعي، وهو نصبٌ على
الحال.
﴿كَهُمْ إِلَى نُصُدٍ يُوفِضُونَ﴾ قراءة العامة بفتح النون وجزم الصاد. وقرأ ابن عامر
وحفص بضم النون والصاد(٥). وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهما بضم النون
وإسكان الصاد(٦). والنَّصْب والنُّصْب لغتان، مثل الضَّعْف والضُّعْف(٧).
الجوهريُّ(٨): والنَّصْب ما نُصِب فعُبِد من دون الله، وكذلك النُّصْب بالضمّ؛ وقد
يُحرّك. قال الأعشى:
(١) المحرر الوجيز ٣٧١/٥، وزاد المسير ٣٦٦/٨، وقال ابن الجوزي: وإذا قلنا إنه وعيدٌ بلقاء يوم
القيامة ، فلا وجه للنسخ .
(٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦١، ونسبها لعلي ﴾. وهي برواية الأعشى عن عاصم في
جامع البيان لأبي عمرو الداني ٤٥٥/٢ - ٤٥٦ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٢٤/٥ .
(٤) ١٧ / ٤٦٢ .
(٥) السبعة ص٦٥١، والتيسير ص٢١٤ .
(٦) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦١ لأبي العالية ، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز
٣٧١/٥ للحسن وقتادة .
(٧) تفسير الرازي ١٣٣/٣٠.
(٨) في الصحاح (نصب) .

٢٤٧
سورة المعارج: الآية ٤٣
وذَا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَتْسُكَنَّه لعافيةٍ(١) واللهَ ربَّك فاعْبُدا(٢)
أراد ((فَاعْبُدَنْ)) فوقف بالألف؛ كما تقول: رأيتُ زيداً. والجمع الأنصاب. وقوله:
((وذا النُّصُبَ)) بمعنى إِيَّاك وذا النُّصُبَ. والنُّصْب: الشرُّ والبلاء؛ ومنه قوله تعالى:
﴿أَنِى مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصٍْ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].
وقال الأخفش والفرَّاء: النُّصُب جمع النَّصْب مثل رَهْن ورُهُن، والأنصاب جمع
نُصُب؛ فهو جمع الجمع(٣). وقيل: النُّصُب والأنصاب واحد. وقيل: النُّصُب جمع
نِصاب، وهو حجرٌ أو صنمٌ يُذبَح عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾
[المائدة: ٣]. وقد قيل: نَصْب ونُصْب ونُصُب؛ بمعنى واحد؛ كما قيل: عَمْر وعُمْر
وعُمُر؛ ذكره النحاس(٤).
قال ابن عباس: ((إلى نصب)) إلى غاية، وهي التي تَنْصِب إليها بصرك.
وقال الكلبيُّ: إلى شيءٍ منصوبٍ، عَلَمٍ أو رَايةٍ(٥). وقال الحسن: كانوا يَبْتَدرون
إذا طلعت الشمس إلى نُصُبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، لا يلوي أوَّلهم على
(٦)
آخرهم(٦).
﴿يُوفِضُونَ﴾: يُسرعون. والإيفاض: الإسراع. قال الشاعر:
فوارسُ ذُبْيانَ تحت الحدي ـدِ كالجنِّ يُوفِضْنَ من عَبْقَرٍ (٧)
(١) قوله: لعافية، من (م)، ووقع في مطبوع الصحاح: لعاقبة، وفي اللسان (نصب): لعافية ، وأشار
محقق اللسان إلى أنها وردت في نسخة خطية للصحاح : لعافية .
(٢) ديوان الأعشى ص١٨٧، ورواية الشطر الثاني فيه : ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا.
(٣) قول الأخفش ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣٣٦/٨، وقول الفراء ذكره ابن زنجلة في حجة
القراءات ص٧٢٥ .
(٤) وهو معنى قول ابن قتيبة في غريب القرآن ص٤٦٨، وينظر الصحاح واللسان (نصب).
(٥) تفسير البغوي ٣٩٦/٤ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٨٧/٢٣، وذكره الواحدي في الوسيط ٣٥٥/٤، والبغوي في تفسيره ٣٩٦/٤ بنحوه.
(٧) ذكره السمين الحلبي في الدر المصون ٤٦٥/١٠، والشوكاني في فتح القدير ٢٩٥/٥ .

٢٤٨
سورة المعارج: الآيتان ٤٣ - ٤٤
عبْقَرٌ: موضعٌ تزعُم العرب أنَّه من أرض الجنّ . قال لبِيد:
كهولٌ وشُبَّانٌ كجِئَةِ عبقرٍ (١)
وقال الليث: وَفَضتِ الإبلُ تَفِض وَفْضًا؛ وأَوفضَها صاحبُها(٢). فالإيفاض متعدٍّ،
والذي في الآية لازم. يقال: وَفَضَ وأَوفَضَ واستوفض، بمعنى أسرع(٣).
قوله تعالى: ﴿خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَفُهُمْ زِلَّةٌ ذَلِكَ آلْيَوْمُ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ
قوله تعالى: ﴿خَشِعَةٌ أَنْصَُ﴾ أي: ذليلةً خاضعة، لا يرفعونها لِمَا يتوقعونَه من
عذاب الله.
﴿َتَمَنُهُمْ ◌ِلٌَّ﴾ أي: يغشاهم الهوان. قال قتادة: هو سوادُ الوجوه. والرَّهَق:
الغشيان، ومنه غلامٌ مراهقٌ: إذا غشي الاحتلام. رَهِقَه - بالكسر - يَرْهَقُه رَهَقًا، أي:
غَشِيَه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ﴾ [يونس: ٢٦](٤).
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَِّ كَنُواْ يُعَدُونَ﴾ أي: يوعدونَه في الدنيا أنَّ لهم فيه العذاب. وأخرج
الخبرَ بلفظ الماضي؛ لأنَّ ما وعدَ اللهُ به يكونُ ولا محالة .
والحمد لله.
(١) ديوانه ص٥٤ . وصدره: ومن فَادَ من إخوانهم وبنيهم، والكلام في الصحاح (عبقر).
(٢) تهذيب اللغة ١٢ / ٨٢ .
(٣) الصحاح (وفض).
(٤) الصحاح (رهق) .

+۔۔
سورة نوح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَيَمِ
مَكّيَّةٌ، وهي ثمان وعشرون آية (١)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرُ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾﴾
قد مضى القول في ((الأعراف)) أن نُوحاً عليه السلام أوَّلُ رسولٍ أُرسِل(٢). ورواه
قتادة عن ابن عباس عن النبيِّ :﴿ قال: ((أوَّلُ رسولٍ أُرسل نوح، وأُرسل إلى جميع
أهل الأرض))(٣). فلذلك لمَّا كَفَروا أَغْرَق اللهُ أهلَ الأرض جميعاً .
وهو نوح بن لا مك بن متوشلخ بن أخنوخ(٤)، وهو إدريس بن يرد بن مهلايل بن
أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام(٥). قال وهب: كلهم مؤمنون. أُرسل إلى
قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن
شدَّاد: بُعث وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة(٦). وقد مضى في سورة العنكبوت القولُ
فيه(٧). والحمد لله.
(١) تفسير أبي الليث السمر قندي ٤٠٦/٣، والبغوي ٣٩٧/٤. ووقع في (ق) سبع وعشرون ، وفي (د)
و(ظ): تسع وعشرون. وفي الكشاف ٤/ ١٦١: تسع أو ثمان وعشرون آية .
(٢) ٩ /٢٥٨ .
(٣) لم نقف عليه من حديث ابن عباس، وجاء في حديث الشفاعة المطول الذي رواه أنس : ((إنه أول
رسول بعثه الله إلى أهل الأرض». وهو عند أحمد (١٢١٥٣)، والبخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٤).
(٤) في (د) و(ق) : خنوخ .
(٥) سلف مختصراً ٧/ ٢٢١ إلى أخنوخ، وفيه: لمك، بدل: لامك. وسلف ٣٣٣/١٣، ووقع فيه:
مهلايل بن قينان بن أنوش .
(٦) النكت والعيون ٩٨/٦، وسلف ٢٥٩/٩.
(٧) ٣٤٥/١٦.

٢٥٠
سورة نوح: الآيات ١ - ٤
﴿أَنْ أَنَذِرْ قَوْمَكَ﴾ أي: بأن أنذر قومك؛ فموضع ((أن)) نصب بإسقاط الخافض.
وقيل: موضعها جَرٍّ لقوَّة خِذْمتها مع ((أن)). ويجوز ((أن)) بمعنى المفسِّرة، فلا يكون لها
موضع من الإعراب؛ لأن في الإرسال معنى الأمر، فلا حاجة إلى إضمار الباء.
وقراءة عبد الله: (أَنْذِر قَوْمَكَ)) بغير ((أن)) بمعنى قلنا له: أنذر قومك(١). وقد تقدَّم
معنى الإنذار في أوّل ((البقرة))(٢).
﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يعني عذاب النار في الآخرة.
وقال الكلبيُّ: هو ما نزَل عليهم من الطوفان. وقيل: أي أنذرهم العذاب الأليم على
الجملة إن لم يؤمنوا. فكان يدعو قومه وينذرهم فلا يَرى منهم مجيباً؛ وكانوا يضربونه
حتى يُغشى عليه فيقول: ربِّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون(٣). وقد مضى هذا مستوفّی
في سورة العنكبوت(٤) والحمد لله وحده.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّرُّ ﴿ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَّ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخِرٌّ لَوْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِّ لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: مخوِّف. ﴿مُِّينُ﴾ أي: مُظهرٌ لكم
بلسانكم الذي تعرفونه. ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ﴾ و((أن)) المفسِّرة على ما تقدم في ((أَنْ
أَنْذِرْ)). ((اعْبُدُوا)) أي: وحِّدوا. واتقوا: خافوا. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أي: فيما آمرُكم به، فإني
رسول الله إليكم. ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ جُزم (يغفِر)) بجواب الأمر(٥). و((مِن))
صلةٌ زائدة. ومعنى الكلام: يغفر لكم ذنوبَكم، قاله السدِّيُّ(٦). وقيل: لا يصح كونها
(١) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٧٢/٥، وذكر القراءة أيضاً الزمخشري في الكشاف ٤/ ١٦١ .
(٢) ٢٨١/١.
(٣) النكت والعيون ٩٨/٦ - ٩٩، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٢٠، والطبري ٣٠٩/٢٣ عن مجاهد.
(٤) ١٦/ ٣٤٥، وفي سورة التوبة ٣٩٩/١٠، وسورة هود ١٢٩/١١ - ١٣٠.
(٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٥.
(٦) النكت والعيون ٩٩/٦ .

٢٥١
سورة نوح: الآيات ٢ - ٥
زائدة؛ لأن ((مِن)) لا تُزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب،
وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقيل: هي لبيان الجنس. وفيه بُعْدٌ؛ إذ لم يتقدَّم
جنسٌ يليق به(١). وقال زيد بن أسلم: المعنى: يخرجكم من ذنوبكم. ابن شجرة:
المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها(٢) .
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىْ أَجَلٍ مُّسَنَُّ﴾ قال ابن عباس: أي: ينسئ في أعماركم. ومعناه
أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا
عُوجلوا بالعذاب. وقال مقاتل: يؤخّركم إلى منتهى آجالكم في عافية؛ فلا يعاقبكم
بالقحط وغيره. فالمعنى على هذا يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. وقال
الزجاج(٣): أي يؤخّركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب. وعلى
هذا قيل: ((أَجَلٍ مُسَمَّى)) عندكم تعرفونه، لا يميتكم غَرَقاً ولا حَرَقاً ولا قَتْلاً؛ ذكره
الفرَّاء(٤). وعلى القول الأوّل ((أَجَلِ مُسَمَّى)) عند الله .
﴿إِنَّ أَجَلَ الَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ أي: إذا جاء الموت لا يؤخّر بعذاب كان أو بغير
عذاب. وأضاف الأَجَلَ إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته. وقد يضاف إلى القوم، كقوله
تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] لأنه مضروب لهم. و(لَوْ)) بمعنى ((إن)) أي: إن
كنتم تعلمون. وقال الحسن: معناه: لو كنتم تعلمون لَعَلِمْتُم أن أجَلَ اللهِ إذا جاء لا
يؤخّر (٥).
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا ﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِىَ إِلَّا فِرَارًا ﴾
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًا﴾ أي: سِرًّا وجهراً. وقيل: أي:
(١) المحرر الوجيز ٣٧٢/٥ بنحوه.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٩٩ .
(٣) في معاني القرآن ٢٢٨/٥ .
(٤) في معاني القرآن له ٣/ ١٨٧ .
(٥) جاءت العبارة في (د) و(م): إذا جاءكم لم يؤخر. والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في النكت
والعيون ٩٩/٦ وقول الحسن فيه .

٢٥٢
سورة نوح: الآيات ٥ - ٩
واصلت الدعاء. ﴿فَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلَِّىّ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: تباعداً من الإيمان، وقراءة العامة
بفتح الياء من ((دعائي)) وأسكنها الكوفيون ويعقوب والدُّوري عن أبي عمرو (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّ كُلَّمَا دَعَوْنُهُمْ﴾ أي: إلى سبب المغفرة، وهي الإيمانُ بك
والطاعةُ لك. ﴿جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِّ ◌َذَانِهِمْ﴾ لئلا يَسمعوا دعائي ﴿ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ﴾ أي:
غطّوا بها وجوههم لئلا يَرَوْنِي(٢). وقال ابن عباس: جعلوا ثيابَهم على رؤوسهم لئلا
يَسمعوا كلامَه. فاستِغشاءُ الثياب إذاً زيادة في سدِّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو
التنكيرهم أنفسَهم حتى يَسكت، أو ليعرِّفوه إعرَاضَهم عنه. وقيل: هو كناية عن
العَداوة. يقال: لبٍس لي فلان ثيابَ العداوة. ﴿وَأَمَّرُوا﴾ أي: على الكفر فلم يتوبوا.
﴿ وَأَسْتَكْبَرُواْ﴾ عن قبول الحقِّ؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾
[الشعراء: ١١١]. ﴿أَسْتِكْبَارًا﴾ تفخيم (٣).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٣ ثُمَّ إَِّ أَعْلَنَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَمْ إِسْرَارًا
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ أي: مُظْهِراً لهم الدعوة. وهو منصوب
بـ((دعوتُهم)) نصبَ المصدر؛ لأن الدعاء أحدُ نوعيه الجِهار، فنصب به نصبَ القُرفُصاء
(١) كذا ذكر المصنف عن أبي عمرو، وهو وهم منه رحمه الله، فالذي روى إسكان الياء في هذا الحرف
عن أبي عمرو هو عباس؛ كما ذكر ابن مجاهد في السبعة ص٦٥٢، وعباس هذا: هو ابن الفضل بن
عمر، أبو الفضل الواقفي، فلعل وهم المصنف ذهب إلى عباس الدوري الذي روى عنه أصحاب
السنن، فقال: الدوري عن أبي عمرو. ووُلد عباس الدوري سنة (١٨٥)، أي بعد وفاة أبي عمرو بن
العلاء بحوالي ثلاثين عاماً. أما الدُّوري راوي أبي عمرو؛ فهو حفص بن عمر، أبو عمر، وقد روى عنه
- هو والسوسي - فتح الياء في هذا الحرف. وقد وقع للمصنف رحمه الله مثل هذا الوهم في سورة
المعارج الآية (٣٣).
(٢) في (د) و(ق) و(م) يروه. والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في الوسيط ٣٥٧/٤، وزاد المسير
٣٧٠/٨.
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٠٠ .
٢

٢٥٣
سورة نوح: الآيات ٨ - ١٢
بقَعَد؛ لكونها أحد أنواع القعود، أو لأنه أراد بـ ((دَعَوْتُهُم)): جاهرتُهم. ويجوز أن
يكون صفة لمصدر دعا؛ أي: دعاءً جهاراً؛ أي: مجاهِراً به. أو يكون(١) مصدراً في
موضع الحال، أي: دَعَوْتُهم مجاهِراً لهم بالدعوة.
﴿ثُمَّ إِّيَّ أَعَْنَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَمْ إِسْرَارًا﴾. أي: لم أُبْقِ مجهوداً. وقال مجاهد: معنى
أعلنت: صحتُ(٢)، ((وأسررت لهم إِسراراً)). بالدعاء عن بعضهم من بعض. وقيل:
((أَسْرَرْتُ لَهُمْ)) أي: أتيتهم في منازلهم. وكلُّ هذا من نوح عليه السلام مبالغة في
الدعاء لهم، وتلظُفٌ في الاستدعاء(٣).
وفتح الياءَ من ((إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ)) الحِرْمِيَّان(٤) وأبو عمرو، وأسكن الباقون(٥).
قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
وَيُعْدِدَكُمُ بِأَوَلٍ وَبِنَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَبَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا
١٢
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ أي: سَلُوه المغفرةَ من ذنوبكم
السالفةِ بإخلاص الإيمان. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. وهذا منه ترغيبٌ في التوبة. وقد روى
حُذيفة بن اليمان عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((الاستغفارُ مِمْحاة للذنوب)). وقال الفضيل:
يقول العبد: أستغفرُ اللهَ، وتفسيرها: أَقِلْني(٦).
(١) في (م): ويكون، والمثبت من (ظ) و(ق) وهو الموافق لما في الكشاف ١٦٢/٤ والكلام منه .
(٢) أخرجه الطبري ٢٩٣/٢٣.
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٠١ .
(٤) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: الحرميون. والحِرْميَّان هما: نافع المدني، وابن كثير المكي، والحزْميّ
- بكسر الحاء وسكون الراء - نسبة إلى الحَرمَ على غير قياس في الناس، والنسبة في غير الناس: حَرّميّ،
بفتح الحاء والراء. اللسان (حرم).
(٥) التيسير ص٢١٥، ولم يذكرها ابن مجاهد في السبعة.
(٦) النكت والعيون ١٠١/٦، والحديث ذكره الديلمي في الفردوس ١٢٤/١ (٤٢٨)، وقال المناوي في
فيض القدير ١٧٧/٣: فيه عبيد بن كثير التمار ، قال الذهبي: قال الأزدي : متروك وعبيد الله بن
خراش ، ضعفه الدار قطني وغيره .

٢٥٤
سورة نوح: الآيات ١٠ - ١٢
الثانية: قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ أي: يُرسل ماءَ السماء،
ففيه إضمارٌ. وقيل: السماء المطر؛ أي: يُرسل المطرَ. قال الشاعر:
رَعيناه وإن كانوا غِضابا(١)
إذا سقط السماءُ بأرض قومٍ
و((مِدْرَارًا)): ذَا غَيْثٍ كثير. وجزم ((يُرْسِل)) جواباً للأمر. وقال مقاتل: لمَّا كذَّبوا
نوحاً زماناً طويلاً حبَس اللهُ عنهم المطرَ، وأعقَم أرحامَ نسائِهم أربعين سنةً؛ فَهَلَكت
مواشيهم وزروعهم، فصاروا (٢) إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به. فقال: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٣) أي: لم يَزَل كذلك لمن أناب إليه. ثم قال ترغيباً في الإيمان:
﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. وَيُمْدِدَكُمُ بِأَمْوَلٍ وَبِنَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا﴾. قال
قتادة: عَلِم نبيُّ اللـه ﴿ أنهم أهل حرصٍ على الدنيا فقال: هَلُمّوا إلى طاعة الله، فإن
في طاعة الله دَرْكَ(٤) الدنيا والآخرة(٥).
الثالثة: في هذه الآية والتي في ((هود))(٦) دليلٌ على أن الاستغفار يُستنزل به
الرزقُ والأمطار. قال الشعبيُّ: خَرَج عمر يستسقي؛ فلم يَزد على الاستغفار حتى
رجع، فأُمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيتَ؟ فقال: لقد طلبتُ المطرَ بمجاديح
السماء التي يُستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَآءَ
عَلَكُم مِّدْرَارًا﴾(٧).
(١) البيت لمعاوية بن مالك، وسلف ٣٢٧/١ .
(٢) في (ظ) فساروا .
(٣) الوسيط ٣٥٧/٤، والرازي ١٣٧/٣٠ بنحوه .
(٤) في (ظ): عزَّ.
(٥) النكت والعيون ١٠١/٦، وأخرجه الطبري ٢٩٤/٢٣ .
(٦) ١١ / ١٤١ - ١٤٢ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٠٢)، وابن أبي شيبة ٤٧٤/٢، والطبري ٢٩٣/٢٣ - ٢٩٤، وابن أبي حاتم
٢٠٤٥/٦ (١٠٩٦٠) قال الحافظ في الكافي الشاف ص ١٧٧ . ورجاله ثقات إلا أنه منقطع .
وقوله : بمجاديح. جمع مِجْدَح، وهو نجم من النجوم ، وهو عند العرب من الأنواء الدالّة على
المطر، فجعل الاستغفارَ مشبَّهاً بالأنواء ؛ مخاطبةً لهم بما يعرفونه، لا قولاً بالأنواء التي يزعمون أن من
شأنها المطر . ينظر النهاية (جدح) .

٢٥٥
سورة نوح: الآيات ٩ - ١٤
وقال الأوزاعيُّ: خَرَج الناس يستسقون؛ فقام فيهم بلال بنُ سعد، فحمد الله
وأثنى عليه، ثم قال: اللهمَّ إنا سمعناك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾
[التوبة: ٩١]، وقد أَقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟! اللهم اغفر لنا
وارحمنا واسقِنا! فرفع يديه ورَفعوا أيديهم، فسُقُوا(١).
وقال ابن صَبِيح(٢): شكا رجلٌ، إلى الحسن الجُدوبةَ، فقال له: استغفرِ اللهَ.
وشكا آخر إليه الفقرَ، فقال له: استغفر الله. وقال له آخر: ادعُ اللهَ أن يرزقني ولداً،
فقال له: استغفر الله. وشكا إليه آخر جفافَ بستانه، فقال له: استغفر الله. فقلنا له في
ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئاً؛ إن الله تعالى يقول في سورة نوح: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ
رَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. وَيُمْدِدَكُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل
لَكُمْ أَنْهَرًا﴾(٣) .
وقد مضى في سورة آل عمران(٤) كيفيةُ الاستغفار، وأن ذلك يكون عن إخلاص
وإقلاعٍ من الذنوب، وهو الأصل في الإجابة.
قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
١٤
قيل: الرجاءُ هنا بمعنى الخوف(٥)؛ أي: ما لَكم لا تخافون لله عظمةً وقدرة على
أحدكم بالعقوبة. أيْ: أيُّ عذرٍ لكم في ترك الخوف من الله. وقال سعيد بن جُبير وأبو
العالية وعطاء بن أبي رَبَاح: ما لَكم لا تَرجون لله ثواباً ولا تخافون له (٦) عقاباً. وقال
سعيد بن جبير عن ابن عباس: ما لكم لا تخشَون لله عقاباً وترجون منه ثواباً (٧). وقال
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٢ (١٠٢٠٩)، وأبو نعيم في الحلية ٢٢٦/٥ .
(٢) هو الربيع بن صَبيح البصري، من رجال التهذيب.
(٣) الكشاف ١٦٢/٤، ومجمع البيان للطبرسي ٦٧/٢٩ - ٦٨، وذكره بنحوه ابن عطية في المحرر
الوجيز ٣٧٤/٥، والرازي ١٣٧/٣٠.
(٤) ٥ /٦٠.
(٥) الوسيط ٣٥٨/٤، وتفسير البغوي ٣٩٨/٤.
(٦) في (ظ): منه .
(٧) النكت والعيون ١٠١/٦.

٢٥٦
سورة نوح: الآيتان ١٣ - ١٤
الوالبيُّ والعَوْفي عنه: ما لكم لا تعلمون لله عظمةً. وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد:
ما لكم لا تَرَوْن لله عظمة (١) وعن مجاهد والضحاك: مالكم لا تبالون لله عظمة(٢).
قال قُطْرُب: هذه لغة حجازية. وهُذيل وخزاعة ومُضَر يقولون: لم أرجُ: لم أُبالٍ.
والوقار: العظمة. والتوقير: التعظيم(٣). وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبةً(٤)؛
كأن المعنى: ما لكم لا ترجون لله عاقبةَ الإيمان. وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون
في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توفيركم خيراً (٥). وقال ابن زيد: ما لكم لا
تؤدُّون لله طاعةً. وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقًّا ولا تشكرون له نعمةً.
وقيل: ما لكم لا توحّدون الله؛ لأن من عَظّمه فقد وخَّده. وقيل: إن الوَقار الثباتُ للهِ
عزَّ وجلَّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي: اثبتن. ومعناه: ما
لكم لا تُثبتون وحدانيةَ اللهِ تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه؛ قاله ابنُ بحر .
ثم دَلَّهم على ذلك فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (٦) أي: جَعَل لكم في أنفسكم آيةً
تدل على توحيده (٧). قال ابن عباس: ((أَطْوَارًا)) يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة(٨)؛ أي:
طَوْراً بعد طور إلى تمام الخَلْق، كما ذكر في سورة المؤمنون (٩). والطّوْرُ في اللغة:
المَرَّةُ، أي: مَن فَعَل هذا وقَدَرَ عليه فهو أحقُّ أن تُعَظّموه. وقيل: ((أَظْوَارًا)): صبياناً،
ثم شباباً، ثم شيوخاً وضعفاء، ثم أقوياء. وقيل: أطواراً أي: أنواعاً: صحيحاً
(١) تفسير البغوي ٣٩٨/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٢٩٥/٢٣، وعن ابن عباس البيهقي في شعب الإيمان
(٧٢٨) .
(٢) أخرجه عنهما الطبري ٢٩٥/٢٣ .
(٣) الوسيط ٣٥٨/٤ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٣١٩/٢، والطبري ٢٩٦/٢٣.
(٥) تفسير البغوي ٣٩٨/٤ .
(٦) النكت والعيون ٦/ ١٠١ - ١٠٢.
(٧) الوسيط ٣٥٨/٤ .
(٨) أخرجه الطبري ٢٩٧/٢٣ .
(٩) ١٩/١٥ .

٢٥٧
سورة نوح: الآيات ١٣ - ١٦
وسقيماً، وبصيراً وضريراً، وغنيًّا وفقيراً (١). وقيل: إن ((أطواراً)): اختلافُهم في
الأخلاق والأفعال(٢).
قوله تعالى: ﴿أَ تَرَوَأْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ
نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا
قوله تعالى: ﴿أَ تَّرَوْأْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًا﴾ ذكّر لهم دليلاً آخر، أي:
ألم تعلموا أن الذي قدر على هذا، فهو الذي يجب أن يُعْبَد؟! ومعنى ((طِبَاقًا)): بعضها
فوق بعض(٣)، كل سماء مُطبقة على الأخرى كالقباب؛ قاله ابن عباس والسدّيُّ.
وقال الحسن: خَلق اللهُ سبع سماوات طباقاً على سبع أرضين، بين كل أرض وأرض
وسماءٍ وسماء خَلْقٌ وأمرٌ (٤).
وقوله: ((أَلَمْ تَرَوْا)) على جهة الإخبار لا المعاينة؛ كما تقول: ألم ترني كيف
صنعت بفلان كذا. و((طِبَاقاً)) نصب على أنه مصدر، أي: مطابقة طباقاً. أو حال بمعنى
ذات طباق؛ فحذف ذات وأقام طِباقاً مقامه (٥) .
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ ثُورًا﴾ أي: في سماء الدنيا؛ كما يقال: أتاني بنو تميم وأتيت
بني تميم، والمراد بعضهم؛ قاله الأخفش(٦). قال ابن كَيْسان: إذا كان في إحداهن
فهو فيهنَّ. وقال قُطْرُب: ((فِيهِنّ)) بمعنى معهنَّ (٧)؛ وقاله الكلبيُّ. أي: خلق الشمسَ
والقمر مع خلق السماوات والأرض. وقال جِلَّةُ أهل اللغة في قول امرئ القيس:
(١) ينظر مجمع البيان للطبرسي ٦٨/٢٩ .
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٠٢ .
(٣) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢٩٩/٢٣.
(٤) النكت والعيون ٦/ ١٠٢ بنحوه .
(٥) ينظر معاني للزجاج ٢٣٠/٥، وتفسير الطبري ٢٩٩/٢٣.
(٦) في معاني القرآن ٧١٥/٢، ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٣٧١/٨ .
(٧) مجمع البيان ٢٩/ ٧٠ دون نسبة .

٢٥٨
سورة نوح: الآيات ١٥ - ١٨
ثلاثين شهراً في ثلاثةِ أحوالٍ(١)
وهل ينعمن مَنْ كانَ آخِرُ عهدِهِ
: ((في)) بمعنى مع. النحاس: وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية فقال:
جواب النحويين أنه إذا جعله في إحداهنَّ فقد جعلَه فيهنَّ، كما تقول: أعطني الثياب
المُعْلَمة وإن كنتَ إنما أعلمت أحدَها. وجوابٌ آخر: أنه يروى أن وجه القمر إلى
السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسماوات(٢).
ومعنى: (نُورًا)) أي: لأهل الأرض؛ قاله السدّيُّ(٣). وقال عطاء: نوراً لأهل
السماء والأرض. وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضيء لأهل الأرض وظهره
يضيء لأهل السماء.
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ يعني مصباحاً لأهل الأرض ليتوصلوا إلى التصرف
لمعايشهم. وفي إضاءتها لأهل السماء القولان الأوَّلان؛ حكاه الماورديُّ(٤). وحكى
القشيريُّ عن ابن عباس أن الشمسَ وجهها في السماوات وقفاها في الأرض(٥).
وقيل: على العكس. وقيل لعبد الله بن عمر(٦): ما بالُ الشمس تَقْلِينا أحياناً وتَبْرُد
علينا أحياناً؟ فقال: إنها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء
السابعة عند عرش الرحمن؛ ولو كانت في السماء الدنيا لما قام لها شيء.
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا (٣ ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيهَا وَيُخْرُكُمْ
إِخْرَاجًا
يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلّها؛ قاله ابن جريج(٧). وقد مضى
(١) ديوانه ص٢٧، وفيه: وهل يَعِمَنْ من كان أحدثُ عهده، وسلف ١٣/ ١٦٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩/٥ بنحوه.
(٣) النكت والعيون ١٠٢/٦.
(٤) في النكت والعيون ٦/ ١٠٢، وقول ابن عباس وابن عمر ذكره عن ابن عباس فقط .
(٥) تفسير الطبري ٣٠٠/٢٣، والمحرر الوجيز ٣٧٥/٥ .
(٦) في (ظ) و(ق) : عمرو .
(٧) النكت والعيون ٦/ ١٠٢ .

٢٥٩
سورة نوح: الآيات ١٧ - ٢١
في سورة الأنعام والبقرة بيان ذلك(١). وقال خالد بن مَعْدان: خلق الإنسانَ من طين،
فإنما تلين القلوب في الشتاء(٢). و((نَبَاتاً)) مصدر على غير المصدر؛ لأن مصدره أنبت
إنباتاً، فجعل الاسم الذي هو النَّبات في موضع المصدر. وقد مضى بيانه في سورة آل
عمران(٣) وغيرها. وقيل: هو مصدر محمولٌ على المعنى؛ لأن معنى: ((أَنْبَتَكُمْ))
جعلكم تنبتون نباتاً؛ قاله الخليل والزجاج (٤). وقيل: أي أنبت لكم من الأرض
النبات. فالنباتاً)) على هذا نصب على المصدر(٥) الصريح. والأوّل أظهرُ.
وقال ابن بحر(٦): أنبتهم في الأرض بالكِبَر بعد الصِّغَر، وبالطول بعد القِصَر.
﴿ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيهَا﴾ أي: عند موتكم بالدفن. ﴿وَنُخْرُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ بالنشور للبعث يوم
القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (٨) لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ أي: مبسوطة. ﴿لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًاً
فِيَامًا﴾ السُّبُل: الطُرق. والفِجاج جمع فَجِّ، وهو الطريق الواسعة؛ قاله الفرَّاء. وقيل:
الفَجُّ: المسلَك بين الجبلين. وقد مضى في سورة الأنبياء والحج(٧).
قوله تعالى: ﴿قَالَ نُعُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدَهُ مَالُ وَلَدُهُ إِلَّا
خَسَارًا
شكّاهم إلى الله تعالى، وأنهم عصَوْه ولم يتّبعوه فيما أمرهم به من الإيمان. وقال
(١) ٣٢٠/٨ و٤١٩/١ .
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٠٢.
(٣) ١٠٤/٥ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٣٠/٥. وزاد المسير ٣٧٢/٨ .
(٥) في (ظ) و(ق) : المفعول .
(٦) في (م) ابن جريج. والمثبت من النسخ الخطية وهو الموافق لما في النكت والعيون ٦/ ١٠٢.
(٧) ١٤/ ١٩٨ - ١٩٩ و٣٦٤ - ٣٦٥.

٢٦٠
سورة نوح: الآيتان ٢١ - ٢٢
أهل التفسير: لبث فيهم ما أخبر الله تعالى: ألف سنة إلا خمسين عاماً داعياً لهم وهم
على كفرهم وعصيانهم. قال ابن عباس: رجا نوحٌ عليه السلام الأبناءَ بعد الآباء؛
فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبع قرون، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم،
وعاش بعد الطوفان ستين عاماً حتى كثر الناس وفَشَوْا. قال الحسن: كان قوم نوح
يَزرعون في الشهر مرتين؛ حكاه الماورديُّ(١).
﴿وَأَتَّبَعُواْ مَن لََّ يَزِدَهُ مَالُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ يعني كبراءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم
كفرُهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالًا في الدنيا وهلاكاً في الآخرة.
وقرَأ أهل المدينة والشام وعاصم: ((وَوَلَدُ)) بفتح الواو واللام. الباقون: «وُلْده))
بضم الواو وسكون اللام(٢) وهي لغة في الولد. ويجوز أن يكون جمعًا للولد،
كالفُلْك، فإنه واحد وجمع. وقد تقدَّم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا
أي: كبيراً عظيماً. يقال: كَبير وكُبَار وكُبَّار، مثل عجيب وعُجَاب وعُجَّاب
بمعنّى، ومثله طويل وطُوَال وطُوَّال. يقال: رجل حَسن وحُسَّان، وجميل وجُمَّال (٤)،
وقُرَّاء للقارئ(٥)، ووُضَاء للوضيء. وأنشد ابنُ السِّكِّيت:
بالحسن قَلْبَ المُسْلِمِ القُرَّاءِ
بَيْضاء تَصْطادُ القلوب وتَسْتَبي
وقال آخر:
والمَرْءُ يُلْحِقُه بِفِتْيَانِ النَّدَی
خُلُقُ الكريم وليس بالُضَّاءِ(٦)
(١) في النكت والعيون ٦/ ١٠٣ .
(٢) السبعة ص ٦٥٢ - ٦٥٣، والتيسير ص ٢١٥ .
(٣) ٢ / ٤٩٤ .
(٤) ينظر تفسير البغوي ٣٩٩/٤، ومجمع البيان للطبرسي ٢٩/ ٧٠ .
(٥) والقُرَّاء أيضاً: الناسك المتعبّد. القاموس (قرأ).
(٦) هذا البيت والذي قبله من قصيدة واحدة أنشدها أبو صدقة الدُّبَيْري للفراء كما ذكر ابن السكيت في
إصلاح المنطق ص ١٢٤، وذكره الجوهري في الصحاح (وضأ) (قرأ)، وابن منظور في اللسان (وضاً)،
وذكر الزَّبيدي البيت الأول في تاج العروس، ونسبه لزيد بن تُرك الدُّبيري .