Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة القلم: الآيات ٤٤ - ٤٨ ﴿وَأُمَلِى لَهُمَّ﴾ أي: أمهلُهم وأطيلُ لهم المدّةِ (١). والملاوة: المُدة من الدهر. وأملى الله له، أي: أطال له. والملَوان: الليل والنهار. وقيل: ((وأُمْلِي لَهُمْ)) أي: لا أعاجلهم بالموت(٢)؛ والمعنى واحد. وقد مضى في ((الأعراف)) بيان هذا(٣). ﴿إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ أي: إنَّ عذابي لقوِيّ شديد، فلا يفوتني أحد (٤). قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْتَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَبٍ مُتْقَلُونَ ( ٤٦ عاد الكلام إلى ما تقدّم من قوله تعالى: ((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ)). أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله؟ فهم من غرامةِ ذلك مُثْقَلون لِما يشقّ عليهم من بذل المال، أي: ليس عليهم كُلْفة، بل يستولون بمتابعتك على خزائن الأرض ویَصِلون إلى جنات النعيم. ٤٧ قوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيِّبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ قوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ﴾ أي: علمُ ما غاب عنهم ﴿فَعُ يَكْتُبُنَ﴾ وقيل: أينزل عليهم الوَحْيُ بهذا الذي يقولون. وعن ابن عباس: الغيب هنا اللوحُ المحفوظ، فهم يكتبون مما فيه يخاصمونك به، ويكتبون أنَّهم أفضلُ منكم، وأنَّهم لا يعاقبون! وقيل: ((يَكْتُبُونَ)): يحكمون لأنفسهم بما يريدون! قوله تعالى: ﴿فَضِرْ ◌ِكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْلُومٌ ٤٨ قوله تعالى: ﴿فَأَشِرْ ◌ِّكْرِ رَيِّكَ﴾ أي: لقضاء ربّك(٥). والحُكْم هنا القضاء. وقيل: فاصبر على ما حَكّم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالة (٦). وقال ابن بحر: فاصبرْ لنصر (١) تفسير البغوي ٢١٨/٢ في تفسير الآية (١٨٣) من سورة الأعراف. (٢) تفسير الرازي ٣٠/ ٩٧ . (٣) ٣٩٨/٩. (٤) بعدها في (ظ) زيادة: ممن عصاني والله هو الحليم. (٥) النكت والعيون ٦/ ٧٣. (٦) تفسير الرازي ٩٨/٣٠. ١٨٢ سورة القلم: الآية ٤٨ ربك(١). قال قتادة: أي: لا تعجلْ ولا تغاضبْ؛ فلا بدّ من نصرك(٢). وقيل إنَّه منسوخ بآية السيف(٣). ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ اَلْمُتِ﴾ يعني يونسَ عليه السلام. أي: لا تكنْ مثلَه في الغضب والضَّجَر والعَجَلة (٤). وقال قتادة: إنَّ الله تعالى يُعَزِّي نبيَّهِ﴾ ويأمره بالصبر، ولا يعجَل كما عَجِل صاحبُ الحُوت(٥). وقد مضى خبرُه في سورة يونس، والأنبياء، والصافات (٦)، والفرقُ بين إضافة ذي وصاحب في سورة يونس والأنبياء(٧)، فلا معنى للإعادة. ﴿إِذْ نَادَى﴾ أي: حين دعا في بطن الحوت فقال: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَتَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ النَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء غَمّاً. وقيل: كرباً. الأوّل قول ابنِ عباس ومجاهد. والثاني قول عطاء وأبي مالك. قال الماورديّ (٨): والفرق بينهما أنَّ الغمَّ في القلب، والكربَ في الأنفاس. وقيل: مكظوم محبوس. والكَظْم الحبس، ومنه قولُهم: فلان كَظَم غيظَه، أي: حبس غضبه. قاله ابن بحر. (١) النكت والعيون ٦/ ٧٣ . (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٣/ ٢٠٠ . (٣) الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ص ٥٣ . (٤) تفسير البغوي ٤ / ٣٨٤ . (٥) النكت والعيون ٧٣/٦ . (٦) ٥٤/١١ - ٥٥، ٢٦٦/١٤ فما بعدها، ٨٧/١٨. (٧) لفظة ((والأنبياء)) من (ظ)، وينظر ما سلف من سورة الأنبياء ٢٦٦/١٤ عند قول المصنف: وذا النون وهو لقب يونس بن متّى، و٢٦٧/١٤ عند قول المصنف: ولم يحمل أثقال النبوة ولهذا قيل للنبي % ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ لَمْرُتِ﴾. قال في التعريف والإعلام ص١١٣ - ١١٤: بين اللفظتين تفاوت كثير في حسن الإشارة إلى الحالتين وتنزيل الكلام في الموضعين، فإنه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال: ذا النون، ولم يقل: صاحب، والإضافة بذو أشرف من الإضافة بصاحب لأن قولك: ذو يضاف إلى التابع، وصاحب يضاف إلى المتبوع. (٨) في النكت والعيون ٦/ ٧٣ وما قبله منه. ١٨٣ سورة القلم: الآيات ٤٨ - ٥٠ وقيل: إنَّه المأخوذُ بكظمه، وهو مجرى النفس. قاله المبرّد. وقد مضى هذا وغيرُه في ((يوسف))(١). فَاجْنَبَهُ رَبُّهُ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ، لَنُهِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْهُومٌ ٥٠ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قوله تعالى: ﴿أَوْلاَ أَنْ تَدَرَكُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قراءة العامة: ((تَدَارَكَهُ)). وقرأ ابن هُرْمُز والحسن: ((تَدَّاركه)) بتشديد الدال(٢)؛ وهو مضارع أُدغمتِ التاءُ منه في الدال. وهو على تقدير حكاية الحال، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه تتداركه نعمة. ابن عباس وابن مسعود: ((تداركته)) وهو خلاف المرسوم(٣). و(«تَدَارَكَهُ)) فعلٌ ماضٍ مذكّر حُمل على معنى النعمة؛ لأنَّ تأنيثَ النعمة غيرُ حقيقي. و((تداركته)) على لفظها (٤). واختلِف في معنى النعمة هنا؛ فقيل النُّبوة. قاله الضحاك. وقيل: عبادته التي سلفت. قاله ابن جُبير. وقيل: نداؤه ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنتُ مِنَ الََّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قاله ابن زيد. وقيل: نعمة الله عليه إخراجُه من بطن الحوت. قاله ابن بحر(٥). وقيل: أي: رحمَة من ربه، فَرَحِمه وتاب عليه(٦) . ﴿لَنِذَ بِالْعَرَِّ وَهُوَ مَذْهُومٌ﴾ أي: لَنُبِذ مذموماً ولكنه نُبذ سقيماً غير مذموم(٧). ومعنى (١) ٤٣٢/١١ . (٢) المحرر الوجيز ٣٥٤/٥، وقراءة ابن هرمز - وهو الأعرج - والحسن في القراءات الشاذة ص١٦٠، والمحتسب ٣٢٦/٢. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٤/٥ بنحوه، وقراءة ابن عباس وابن مسعود في القراءات الشاذة ص ١٦٠ ووقع في مطبوعه ((تدار کنه)) وهو خطأ. (٤) البيان لابن الأنباري ٢/ ٤٥٥ . (٥) النكت والعيون ٦/ ٧٣ . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٤، وزاد المسير ٣٤٣/٨. (٧) تفسير أبي الليث ٣٩٦/٣ . ١٨٤ سورة القلم: الآيات ٤٩ - ٥١ (مَذْمُومٌ)) في قول ابن عباس: مُلِيم(١). قال بكر بن عبد الله: مذنب(٢). وقيل: ((مذموم)): مُبْعَدٌ من كلّ خير. والعَرَاء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبلٌ ولا شجرٌ يستُر(٣). وقيل: لولا فضل الله عليه، لبقيَ في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثُمَّ نُبذ بعراء القيامة مذموماً. يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ لَلَبِثَ فِى بَطْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٤) [الصافات: ١٤٣ -١٤٤]. ﴿فَجْنَبَهُ رَبُُّ﴾ أي: اصطفاه واختاره(٥) . ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ قال ابن عباس: ردّ الله إليه الوَحْي، وشفّعه في نفسه وفي قومه(٦)، وقبِل توبته، وجعله من الصالحين؛ بأن أرسله إلى مئة ألف أو یزیدون. قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِ لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ ◌َجُنُ قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ((إنْ)) هي المخففة من الثقيلة(٧). ﴿لَيْ لِقُونَكَ﴾ أي: يعتانونك. ﴿بِأَبْصَرِهِ﴾ أخبر بشدّة عداوتهم النبيَّ﴾، وأرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قومٌ من قريش وقالوا: ما رأينا مثلَه ولا مثلَ حُجَجِه. وقيل: كانت العينُ في بني أسد، حتى إنَّ البقرةَ السمينةَ أو الناقةَ السمينةَ تمرُّ بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المِكْتَلَ(٨) والدرهمَ فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرحُ حتى تقعَ للموت فتُنْحر . (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠١/٢٣ . (٢) النكت والعيون ٦/ ٧٤ . (٣) المحرر الوجيز ٣٥٤/٥، والوجيز للواحدي - على هامش مراح لبيد - ٣٩٦/٢ بنحوه .. (٤) تفسير الرازي ٩٩/٣٠. (٥) المحرر الوجيز ٣٥٤/٥ . (٦) الكشاف ١٤٨/٤ . (٧) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٥٢ . (٨) المِكْتَل: هو الزبيل - الوعاء - الذي يحمل فيه التمر أو العنب. اللسان (زبل)، (كتل). ١٨٥ سورة القلم: الآية ٥١ وقال الكلبي: كان رجلٌ من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة، ثمَّ يرفع جانبَ الخِباء، فتمرّ به الإبلُ أو الغنمُ فيقول: لم أرَ كاليوم إيلاً ولا غنماً أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلاً حتى تسقطَ منها طائفةٌ هالكةً. فسأل الكفار هذا الرجلَ أن يصيبَ لهم النبيَّ# بالعين فأجابهم (١) فلما مرّ النبيُّ # أنشد: قد كان قومك يحسبونك سيّداً وإخال أنَّك سيّدٌ مَعْبُونٌ(٢) فعصَم الله نبيّه ﴿، ونزلت: ﴿وَإِن يَكَّدُ الَّذِينَ كَرُواْ لَيْلِقُونَكَ﴾(٣) . وذكر نحوه الماوردي(٤)، وأنَّ العربَ كانت إذا أراد أحدُهم أن يصيب أحداً بعين(٥) في نفسه وماله، تجوّع ثلاثة أيام، ثم يتعرَّض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأیت أقوى منه ولا أشجعَ ولا أکثرَ [مالاً] منه ولا أحسن، فيصيبه بعينه فيهلك هو ومالُه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال القُّشَيْرِي: وفي هذا نظر؛ لأنَّ الإصابةَ بالعين إنَّما تكون مع الاستحسان والإعجاب، لا مع الكراهية والبغض، ولهذا قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَْتُنٌ﴾ أي: ينسِبونَك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن(٦). قلت: أقوال المفسرين واللغَوِيّين تدلّ على ما ذكرنا، وأنَّ مرادهم بالنظر إليه قَتْلُه. ولا يمنع كراهةُ الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك . وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش وأبو وائل ومجاهد: ((ليزهقونك))(٧) أي: (١) تفسير البغوي ٣٨٤/٤، وأسباب النزول للواحدي ص٤٧١ - ٤٧٢ . (٢) البيت لعباس بن مرداس كما في الحيوان للجاحظ ١٤٢/٢، والحماسة البصرية ١٠/١. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٤، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٧٢ . (٤) في النكت والعيون ٦/ ٧٤ وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) في النسخ عدا (ظ) يعني، والمثبت موافق لما في النكت والعيون والكلام منه. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٥ . (٧) هي عن ابن عباس وابن مسعود في القراءات الشاذة ص ١٦٠ . ١٨٦ سورة القلم: الآية ٥١ ليهلكونك. وهذه قراءة على التفسير؛ من زَهَقتْ نفسه وأَزْهقَها. وقرأ أهل المدينة: (لَيَزْلِقُونَكَ)) بفتح الياء. وضمها الباقون(١)، وهما لغتان بمعنىّ، يقال: زَلَقْه يَزْلِقه وأزلقه يُزلقه إزلاقاً: إذا نَحّاه وأبعده(٢). وزَلَق رأسه يَزْلِقه زلقاً: إذا حلقه، وكذلك أزْلَقه وزَلَّقه تزليقاً، ورجل زَلِقِ وَزُمَلِق - مثال هُدَبِد(٣) - وزَمَالق وزُمّلِقٍ - بتشديد الميم - وهو الذي يُنزِل قبل أن يجامع. حكاه الجوهري(٤) وغيره. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حقِّ النبيِّ ﴾ إلا بهلاكه وموته. قال الهَرَوِيّ: أراد لَيعتانونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه؛ عداوةً لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زَلَق السهمُ وزَهَق: إذا نفذ(٥). وهو قول مجاهد. أي: يَنْفذونك من شدّة نظرهم(٦). وقال الكلبي: يَصْرَعونك(٧). وعنه أيضاً والسُّدِّي وسعيد بن جُبَير: يصرفونك عمّا أنت عليه من تبليغ الرسالة(٨). وقال العَوْفِيّ: يَرْمُونك. وقال المُؤَرِّج: يُزيلونك. وقال النَّصْر بن شُميل والأخفش: يفتنونك. وقال عبد العزيز بن يحيى: ينظرون إليك نظراً شزراً بتحديق شديد (٩). وقال ابن (١) السبعة ص ٦٤٧، والتيسير ص٢١٣، والنشر ٣٨٩/٢. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٤ . (٣) رجل هُدَيِد: ضعيف البصر، وبعينه هُدَبِد؛ أي: عمش. لسان (هدبد). (٤) في الصحاح (زلق). (٥) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٤ . (٦) النكت والعيون ٧٤/٦، وأخرجه الطبري عنهما في تفسيره ٢٠٢/٢٣ - ٢٠٣ . (٧) النكت والعيون ٧٤/٦، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣١١/٢. (٨) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٤ دون نسبة. (٩) ذكره الرازي في تفسيره ٣٠/ ١٠٠ دون نسبة، ونظر إليه شزراً: هو نظر الغضبان بمؤخر العين. الصحاح (شزر). ١٨٧ سورة القلم: الآيتان ٥١ - ٥٢ زيد: لَيَمَسُّونك(١). وقال جعفر الصادق: ليأكلونك. وقال الحسن وابن كَيْسان: ليقتلونك. وهذا كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قال الشاعر: وتَكِلُّ عنك نصالُ نَبْلِ الرامي(٢) ترميك مَزْلَقَةُ العيون بطَرْفها وقال آخر: يتقارضون إذا التقَوْا في مجلسٍ نَظَراً يُزيلُ(٣) مواطئ الأقدام وقيل: المعنى أنهم ينظرون إليك بالعداوة حتى كادوا يسقطونك(٤). وهذا كلُّه راجع إلى ما ذكرنا، وأن المعنى الجامع: يصيبونك بالعين. والله أعلم. ٥٢ قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ أي: وما القرآن إلا ذِكْرٌ للعالَمين. وقيل: أي: وما محمدٌ إلا ذِكْرٌ للعالَمين يتذكّرون به. وقيل: معناه شَرَفٌ، أي: القرآن. كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾(٥) [الزخرف: ٤٤] والنبيّ ◌َ﴾ شرف للعالمين أيضاً. شَرُفوا باتباعه والإيمان 紫 4 (١) نسبه في النكت والعيون ٦/ ٧٤ للسدي. (٢) لم نقف عليه، وتكلّ عنك: إذا تباعدت. اللسان (لحح). (٣) المثبت من (د)، وفي غيرها: يزلَّ، والبيت في المحرر الوجيز ٣٥٤/٥، وهو في المعاني الكبير ٨٤٥/٢، والكشاف ١٤٨/٤، وفيهما: موطن، بدل: مجلس. وذكر عجزه الواحدي في الوسيط ٤/ ٣٤٢. (٤) تأويل مشكل القرآن ص١٢٩ . (٥) النكت والعيون ٧٤/٦ . سورة الحاقّة مَكيّةٌ في قول الجميع(١) . وهي إحدى وخمسون آية(٢) روى أبو الزَّاهرية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((من قرأ إحدى عشرة آية من سورة الحاقّة أُجِير من فتنة الدّجَّال. ومن قرأها كانت له نوراً يوم القيامة من فوق رأسه إلى قدمه))(٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٣ قوله تعالى: ﴿اَلْمَقَّةُ ١ مَا الْحَقَّةُ ( وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْحَاقَّةُ. قوله تعالى: ﴿اَلْحَقَّةُ. مَا الْحَقَّةُ﴾ يريد القيامة؛ سُمِّيت بذلك لأن الأمور تُحَقُّ فيها؛ قاله الطبري (٤). كأنه جعلها مِن باب: ليلٌ نائم. وقيل: سُمِّيت حاقَّةً لأنها تكون من غير شكّ. وقيل: سُمِّيت بذلك لأنها أَحقَّت لأقوام الجنةَ، وأحقّت لأقوام النار. وقيل: سُمِّيَت بذلك لأن فيها يصير كلُّ إنسانٍ حقيقًا بجزاء عمله. وقال الأزهريّ(٥): يقال: حاققتُه فحَقَقْتُه أَحُقّه، أي: غالبته فغلبته. فالقيامة حاقّةً لأنها تَحُقُّ كلَّ مُحاقٌّ في دين الله بالباطل، أي: كُلَّ مخاصِم. وفي الصحاح: وحاقّه، أي: خاصمه وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما الحقَّ؛ فإذا غلبه قيل: حَقَّه. ويقال للرجل إذا خاصم في صِغَار الأشياء: إنه لَنَزِقُ الحِقَاق. ويقال: ماله (١) المحرر الوجيز ٣٥٦/٥، وزاد المسير ٣٤٥/٨. (٢) الكشاف ١٤٩/٤. وذكر أبو الليث في تفسيره ٣٩٧/٣، والواحدي في الوسيط ٣٤٣/٤، والبغوي في تفسيره ٣٨٥/٤ أنها اثنتان وخمسون آية. (٣) لم نقف عليه. (٤) في تفسيره ٢٠٥/٢٣ . (٥) في تهذيب اللغة ٣٧٧/٣ . ١٨٩ سورة الحاقة: الآيات ١ - ٤ فيه حقٌّ ولا حِقاق، أي: خصومة. والتَّحاقُّ: التخاصم. والاحتقاق: الاختصام(١). والحاقَّة والحَقّة والحقُّ ثلاثُ لغاتٍ بمعنَى. وقال الكِسائيُّ والمؤَرِّج: الحاقَّة: يومُ الحقّ(٢). وتقول العرب: لمَّا عَرَف الحَقَّةَ مِنِّي هرب(٣). والحاقّة الأولى رفع بالابتداء، والخبر المبتدأُ الثاني وخبره، وهو: ((مَا الْحَاقَّةُ»، لأن معناها: ما هي. واللفظ استفهام، ومعناه التعظيمُ والتفخيم لشأنها؛ كما تقول: زيدٌ ما زيد! على التعظيم لشأنه (٤). ﴿وَمَّ أَذَرَئِكَ مَا الْخَفَّهُ﴾ استفهامٌ أيضاً، أي: أيُّ شيءٍ أَعلمك ما ذلك اليوم. والنبيُّ # كان عالماً بالقيامة ولكن بالصفة، فقيل تفخيمًا لشأنها: وما أدراك ما هي؛ كأنك لستَ تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيى بن سلام: بلغني أنَّ كلَّ شيءٍ في القرآن ((وَمَا أَدْرَاكَ))، فقد أدراه إياه وعلَّمه. وكلَّ شيءٍ قال: ((وَمَا يُدْرِيك))، فهو مما لم يعلِّمه(٥). وقال سفيان بن عيينة: كلُّ شيء قال فيه: ((وَمَا أَدْرَاكَ))، فإنه أُخبر به، وكلُّ شيءٍ قال فيه: ((وَمَا يُدْرِيكَ))، فإنه لم يُخبَر به(٦). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادُّ بِالْقَارِعَةِ ٤ ذَكَرَ من كذَّب بالقيامة. والقارعة القيامة؛ سُمِّيت بذلك لأنها تَقرَع الناسَ بأهوالها. يقال: أصابتهم قوارعُ الدهر، أي: أهوالُه وشدائده. ونعوذ بالله من قوارع فلانٍ (١) الصحاح (حقق) . (٢) أورد قول الكسائي البغويُّ في تفسيره ٣٨٥/٤ . (٣) الصحاح (حقق) . (٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢٠٥/٢٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢١٣/٥، وإعراب القرآن للنحاس ١٩/٥، وتفسير البغوي ٣٨٥/٤، والمحرر الوجيز ٣٥٦/٥ . (٥) النكت والعيون ٦/ ٧٦ . (٦) أخرجه الطبري ٢٠٧/٢٣ عن سفيان. ولعله الثوري، كما في تفسيره . ١٩٠ سورة الحاقة: الآيتان ٤ - ٥ ولواذِعه وقوارصٍ لسانه؛ جمع قارصة، وهي الكلمة المؤذية. وقوارعُ القرآن: الآياتُ التي يقرؤها الإنسان إذا فَزِع من الجِنِّ أو الإنس، نحوُ آيَةِ الكرسيّ؛ كأنها تَقْرَع الشيطان(١). وقيل: القارعة مأخوذةٌ من القُرْعة في رفع قومٍ وحطّ آخرين؛ قاله المبرِّد. وقيل: عنى بالقارعة العذابَ الذي نزل بهم في الدنيا؛ وكان نبيُّهم يخوِّفهم بذلك فيكذِّبونه. وثمودُ قومُ صالح، وكانت منازلهم بالحِجْر فيما بين الشام والحجاز. قال محمد ابن إسحاق: وهو وادي القُرَى، وكانوا عربًا. وأما عادٌ فقوم هود، وكانت منازلهم بالأحقاف. والأحقاف: الرمل بين عُمَان إلى حضرموت واليمن كلُّه؛ وكانوا عربًا ذَوِي خَلْق وبَسْطة؛ ذكره محمد بن إسحاق(٢). وقد تقدم(٣). قوله تعالى: ﴿فَمَا ثَمُودُ فَأُمَلِكُواْ بِالطَّاعِيَّةِ ﴾ فيه إضمار، أي: بالفعلة الطاغية. وقال قتادة: أي: بالصيحة الطاغية (٤)، أي: المجاوزة للحدّ، أي: لحدِ الصيحات من الهَوْل، كما قال: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَيِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]. والطغيان: مجاوزة الحدّ، ومنه: ﴿إِنَّا لَمَا ◌َغَا آلْمَّهُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: جاوز الحدّ، وقال الكلبيّ: بالطاغية: بالصاعقة. وقال مجاهد: بالذنوب. وقال الحسن: بالظُغيان(٥)، فهي مصدرٌ؛ كالكاذبة والعاقبة والعافية. أي: أُهلكوا بطغيانهم وكفرهم. وقيل: إنَّ الطاغية عاقرُ الناقة؛ قاله ابن زيد (٦). أي: أُهلكوا بما أَقدم عليه طاغيتُهم مِن عَقْر الناقة، وكان واحداً، وإنما هلك (١) الصحاح (قرع) . (٢) النكت والعيون ٧٦/٦ ، وفيه كلام المبرد. (٣) ٩ /٢٦٤. (٤) تفسير البغوي ٣٨٦/٤. وأخرجه الطبري ٢٠٩/٢٣ . (٥) النكت والعيون ٧٦/٦، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٠٨/٢٣ . (٦) النكت والعيون ٧٦/٦ . ١٩١ سورة الحاقة: الآيتان ٦ - ٧ الجميع لأنهم رَضُوا بفعله ومالؤوه. وقيل له: طاغية؛ كما يقال: فلان راوية الشعر، وداهيةٌ وعلَّامةٌ ونَسَّابة. قوله تعالى: ﴿وَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ ﴾ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوْمًّاً فَرَىَ الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَارِيَةٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَّا عَادُ فَأُفَلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ﴾ أي: باردةٌ تُحْرِق ببردها كإحراق النار؛ مأخوذةٌ من الصِّرّ، وهو البرد؛ قاله الضحَّاك(١). وقيل: إنها الشديدةُ الصوت(٢). وقال مجاهد: الشديدة السَّموم. ﴿َلِيَةٍ﴾ أي: عَنت على خُزَّانها فلم تُطِعهم، ولم يطيقوها مِن شدّة هبوبها؛ غضبت لغضب الله. وقيل: عتت على عادٍ فقهرتهم. روى سفيان الثوريُّ عن موسى بن المسيّب، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه﴾: «ما أرسل الله مِن نَسْفَة(٣) مِن ريح إلا بمكيال، ولا قطرةٍ من ماء إلَّا بمكيال، إلا يومَ عادٍ ويوم نوح، فإنَّ الماء يومَ نوحٍ طغى على الخُزَّان، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ((إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ))، والربح لمَّا كان يومُ عادٍ عَتَت على الخُزَّان فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: ((بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِیةٍ)»(٤). ﴿َسَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أَرسلها وسَلَّطها عليهم. والتسخير: استعمالُ الشيء (١) أخرجه الطبري ٢١١/٢٣ . (٢) ذكره في النكت والعيون ٧٧/٦ عن مجاهد. (٣) في (خ): هبة، وفي (ظ): سفّة، وفي (م): نسمة، وفي الكشاف ٤/ ١٥٠: سفية، والمثبت من (د) و(ز) و(ق) . (٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٣٢) و(٨٠٧)، وأبو نعيم في الحلية ٦٥/٦. وأخرجه الطبري ٢١٠/٢٣ موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما . ١٩٢ سورة الحاقة: الآيتان ٦ - ٧ بالاقتدار(١). ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: متتابعة لا تَفْتُر ولا تنقطع؛ عن ابن عباس وابنٍ مسعود وغيرهما(٢). قال الفرَّاء(٣): الحُسُوم: التِّباع، مِن حَسْمِ الدَّاء: إذا كُويَ صاحبُه، لأنه يُكْوَى بالمِكواة ثم يُتابَع ذلك عليه. قال عبد العزيز بن زرارة الکلاميّ : ففرَّق بين بينِهمُ. مُ(٤) زمانٌ تتابعَ فِيه أعوامٌ حسومُ(٥) وقال المبرِّد: هو من قولك: حَسَمْتُ الشيء: إذا قطعتَه وفصلتَه عن غيره. وقيل: الحَسْم: الاستئصال. ويقال للسيف: حُسام؛ لأنه يَحْسِم العدوَّ عما يريده مِن بلوغ عداوته. وقال الشاعر : حُسامٍ إذا ما قمتُ مُعْتَضِدًا به كَفِى العَودَ منه البَدْءُ ليس بِمِعْضَدِ(٦) والمعنى أنها حسمتهم، أي: قَطَعَتهم وأذهبتهم. فهي القاطعةُ بعذاب الاستئصال. قال ابن زيد: حسمتهم فلم تُبْقِ منهم أحداً (٧). وعنه أنها حَسَمت الليالي والأيام حتى استوفتها (٨)؛ لأنها بدأت طلوعَ الشمس من أوَّل يومٍ، وانقطعت غروبَ الشمس من آخِر یوم. وقال اللَّيث: الحُسوم: الشؤم. ويقال: هذه ليالي الحُسوم، أي: تَحْسِم الخيرَ (١) المحرر الوجيز ٣٥٧/٥. (٢) أخرج قولهم الطبري ٢١٢/٢٣ - ٢١٣ . (٣) في معاني القرآن ٣/ ١٨٠ . (٤) البين : الوصل ، وهو من الأضداد . الصحاح (بين) . (٥) الكشاف ٤/ ١٥٠ . (٦) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ص ٣٧، وروايته: منتصراً به. بدل: معتضداً به . وقبله : فآليتُ لا ينفك كَشْحي بطانةً لِعضبٍ رقيق الشفرتين مهند والمِعْضَد : سيف يمتهن في قطع الشجر . القاموس (عضد) . (٧) أخرجه الطبري ٢١٤/٢٣ . (٨) في (خ) و(م): استوعبتها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٦/ ٧٧ ، ونسبه للضحاك . وينظر زاد المسير ٣٤٦/٨. ١٩٣ سورة الحاقة: الآيتان ٦ - ٧ عن أهلها (١)، وقاله في الصحاح(٢). وقال عكرمة والربيع بنُ أنس: مشائيم(٣)، دليلُه قوله تعالى: ﴿فيّ أَيَّامٍ تَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. عطية العَوْفي: ((حُسُومًا)) أي: حَسَمت الخير عن أهلها (٤). واختلف في أوَّلها، فقيل: غداة يوم الأحد، قاله السُّدِّي. وقيل: غداة يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. وقيل: غداة يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام(٥) ووهب بنُ مُنَبِّه. قال وهب: وهذه الأيام هي التي تسمِّيها العرب أيامَ العجوز، ذاتُ بردٍ وريحٍ شديدة، وكان أوَّلُها يومَ الأربعاء وآخِرُها يومَ الأربعاء؛ ونُسبت إلى العجوز، لأن عجوزًا من عادٍ دخلت سَرَبًا، فتبعتها الريحُ فقتلتها في اليوم الثامن. وقيل: سُمِّيت أيامَ العجوز لأنها وقعت في عَجُز الشتاء(٦). وهي في آذار من أشهر السُّرْيانيِّين. ولها أسام مشهورةٌ، وفيها يقول الشاعر - وهو ابن أحمر(٧) - : أيامٍ شَهْلَتنا من الشَّهْرِ كُِعِ الشتاءُ بسبعة غُبْرٍ صِنٌّ وصِتَّبْرٌ مع الوَبْرِ فإذا انقضت أيامُها ومضت ومُعَلِّلٍ وبمُظْفِئ الجَمْرِ وبأمرٍ وأخيه مُؤْتَمِرٍ وأتتك واقدةٌ من النَّجْرِ(٨) ذهب الشتاء مُوَلِّياً عَجِلًا (١) تهذيب اللغة ٣٤٤/٤ . (٢) مادة (حسم) . (٣) النكت والعيون ٧٧/٦، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣١٢/٢. (٤) تفسير البغوي ٣٨٦/٤. (٥) النكت والعيون ٦/ ٧٧ . (٦) تفسير البغوي ٣٨٦/٤. (٧) قوله: وهو ابن أحمر ليس في (د) وهو الصواب، فقد نقل صاحب اللسان (عجز) عن ابن بري أنها ليست لابن أحمر، وينظر التعليق التالي . (٨) نسبت الأبيات في معجم الشعراء ص ١٢٣ لأبي شبل عُصْم بن وهب التميمي البرجمي ، وفي اللسان (كسع) لأبي شبل الأعرابي . وفي معجم الأدباء ١١/ ٥٧ لخِرْقة بن نُبَاتة. وهي في الأزمنة والأمكنة = ١٩٤ سورة الحاقة: الآية ٧ و ((حُسُومًا)) نصب على الحال. وقيل: على المصدر. قال الزَّجاج: أي: تَحْسِمهم حسومًا، أي: تُفْنيهم(١)، وهو مصدرٌ مؤكّد. ويجوز أن يكونَ مفعولاً له، أي: سَخَّرها عليهم هذه المدَّةَ للاستئصال، أي: لقطعهم واستئصالهم. ويجوز أن يكون جمعَ حاسم. وقرأ السُّدِّي: ((حَسُومًا)) بالفتح، حالًا من الريح، أي: سخّرها عليهم مستأصِلةٌ(٢). قوله تعالى: ﴿فَرَ الْقَوْمَ فِيَهَا﴾ أي: في تلك الليالي والأيام. ﴿صَرْعَى﴾ جمع صَرِيع؛ يعني موتى. وقيل: ((فيها)) أي: في الريح. ﴿كَأَهُمْ أَعْجَازُ﴾ أي: أصول. ﴿فَعْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أي: بالية؛ قاله أبو الطفيل(٣). وقيل: خالية الأجوافِ لا شيء فيها. والنخلُ يذكّر ويؤنَّث(٤). وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿كَهُمْ أَعْجَازُ نَحْلٍ تُنْفَعٍِ﴾ [القمر: ٢٠] فيحتمل أنهم شُبِّهوا بالنخل التي صُرعت من أصلها، وهو إخبارٌ عن عِظَم أجسامهم. ويحتمل أن يكونَ المرادُ به الأصولَ دون الجذوع، أي: إنَّ الريح قد قطعتهم حتى صاروا كأصول النخلِ خاويةً. أي: الريحُ كانت تدخل أجوافَهم فتصرعُهم كالنخلة الخاويةِ الجوف. وقال ابن شجرة: كانت الريح تدخل في أفواههم فَتُخرج ما في أجوافهم من الحَشْوِ من أدبارهم، فصاروا كالنخلِ الخاوية. وقال يحيى ابن سلام: إنما قال: ((خاوية))؛ لأن أبدانهم خَوَتْ من أرواحهم مِثْلَ النخل الخاوية(٥). ويحتمل أن يكونَ المعنى: كأنهم أعجازُ نخلٍ خاوية عن أصولها من البقاع؛ كما قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ﴾ [النمل: ٥٢] أي: خَرِبةٌ لا سُكَّان = ٢٧١/١، وثمار القلوب للثعالبي ص ٣١٤ دون نسبة. قوله: كسع الشتاء: الكسع شدة المَرّ، يقال: كسعه بكذا وكذا: إذا جعله تابعاً له ومُذْهَباً به . والشهلة: العجوز. والنجر : الحر . اللسان (کسع) (شھل) (نجر) . (١) معاني القرآن للزجاج ٢١٤/٥ . (٢) الكشاف ٤/ ١٥٠ . (٣) النكت والعيون ٧٨/٦ . والقول الآتي نسبه لابن كامل. :٠ (٤) معاني القرآن للزجاج ٢١٤/٥ . (٥) النكت والعيون ٧٨/٦ . ١٩٥ سورة الحاقة: الآيتان ٨ - ٩ فيها. ويحتمل الخاوية بمعنى البالية كما ذكرنا؛ لأنها إذا بَلِيت خلت أجوافها. فشُبِّهوا بعد أن هَلكوا بالنخل الخاوية. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقَِةِ أي: مِن فِرْقة باقيةٍ أو نَفْس باقية. وقيل: مِن بقيَّة. وقيل: مِن بقاء. فاعلة بمعنى المصدر؛ نحوُ العاقبة والعافية. ويجوز أن يكونَ اسمًا، أي: هل تجد لهم أحدًا باقياً؟ وقال ابنُ جريج: كانوا سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام أحياءً في عذاب الله من الريح، فلمَّا أمسَوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريحُ فألقتهم في البحر، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِبَةٍ﴾، وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَبِىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَالِثَةِ ٩ قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ﴾ قرأ أبو عمروٍ والكِسائي: ((وَمَن قِبَلَه)) بكسر القاف وفتح الباء (١)؛ أي: ومَن معه وتَبِعَه من جنوده. واختاره أبو عبيد(٢) وأبو حاتم اعتبارًا بقراءة عبدِ الله وأُبي: ((ومَن مَعَهُ))(٣). وقرأ أبو موسى الأشعريّ: ((ومَن تلقاءه))(٤). الباقون: ((قَبْلَه)) بفتح القاف وسكون الباء، أي: ومَن تقدَّمه من القرون الخالية والأممِ الماضية. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتُ﴾ أي: أهل قرى لوط(٥). وقراءة العامة بالألف. وقرأ الحسن والجَحْدَريّ: ((والمُؤْتَفِكَة)) على التوحيد(٦). قال قتادة: إنما سُمِّيت قُرَى قوم لوطِ (١) السبعة ص ٦٤٨، والتيسير ص ٢١٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٥/ ٢٠ . (٣) الكشاف ٤/ ١٥٠. ونسبها في القراءات الشاذة ص ١٦١ لأبي موسى وأبي. (٤) القراءات الشاذة ص ١٦١، ونسبها أيضاً لأبي . (٥) أخرج هذا القول الطبري ٢١٦/٢٣ - ٢١٧ عن قتادة وابن زيد . (٦) قراءة الحسن في المحرر الوجيز ٢٥٨/٥ . ١٩٦ سورة الحاقة: الآيات ٨ - ١٠ ((مؤتفكات))؛ لأنها انتفكت بهم، أي: انقلبت(١). وذكر الطبريُّ(٢) عن محمد بن كعب القُرَظيِّ قال: خمسُ قَرْيات: صبعة(٣)، وصعرة(٤)، وعمرة، ودوما، وسدوم؛ وهي القرية العظمى. ﴿بَلْخَالِثَةِ﴾ أي: بالفَعلة الخاطئة، وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا يفعلونها(٥). وقال الجُرجانيّ: أي: بالخطأ العظيم، فالخاطئةُ مصدر. قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رَِّيَةً قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْ رَسُولَ رَيْهِمْ﴾ قال الكلبيّ: هو موسى. وقيل: هو لوط(٦)؛ لأنه أقرب. وقيل: عَنى موسى ولوطاً عليهما السلام(٧)؛ كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. وقيل: ((رسول)) بمعنى رسالة. وقد يعبّر عن الرسالة بالرسول؛ قال الشاعر: لقد كذب الواشون ما بُخْت عندهم بسِرّ ولا أرسلتَهم برسول (٨) ◌ِ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةُ رَِّيَةً﴾ أي: عالية زائدة على الأخَذَات وعلى عذاب الأمم. ومنه الرِّبَا: إذا أَخذ في الذهب والفضة أكثرَ مما أعطى. يقال: ربا الشيءُ يربو، أي: زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة(٩). كأنه أراد: زائدةً في الشدّة. (١) ذكر قوله بنحوه الطبرسي في مجمع البيان ٤٠/٢٩ . (٢) في تاريخه ٣٠٦/١-٣٠٧، ونقله عنه المصنف بواسطة التعريف والإعلام للسهيلي ص ١٧٥. (٣) في النسخ الخطية : صنعة . والمثبت من (م). (٤) في (خ) : ضعرة ، وفي (د) و(ز) و(ظ) و(ق) : صعدة، والمثبت من (م)، وسلف الكلام عليها ١٨٥/١١. (٥) أخرجه الطبري ٢١٧/٢٣ . (٦) المحرر الوجيز ٣٥٨/٥. (٧) الوسيط للواحدي ٤/ ٣٤٤، وتفسير البغوي ٣٨٦/٤ . (٨) النكت والعيون ٧٩/٦. والبيت لكثير عزة ، وهو في ديوانه ص ٢٧٨، والشطر الثاني فيه: بليلى ولا أرسلتهم برسيل (٩) أخرجه الطبري ٢١٨/٢٣ . ١٩٧ سورة الحاقة: الآيتان ١١ - ١٢ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةٌ وَتَعِيَهَا أُذُنُّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَا ◌َغَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِيِ الْجَارِيَةِ وَعِيَّةٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ﴾ أي: ارتفع وعلا. وقال عليٍّ ﴾: طغى على خُزَّانه من الملائكة غضبًا لربِّه، فلم يقدروا على حبسه. قال قتادة: زاد على كل شيءٍ خمسةً عشرَ ذِراعًا(١). وقال ابن عباس: طغى الماء زمنَ نوحٍ على خُزَّانه فكثر عليهم، فلم يَدْرُوا كم خرج. وليس من الماء قطرةٌ تنزل قبله ولا بعده إلَّا بكيل معلوم، غيرَ ذلك اليوم. وقد مضى هذا مرفوعًا أوَّلَ السورة. والمقصود من قصص هذه الأمم وذِكْرِ ما حلَّ بهم من العذاب زَجْرُ هذه الأمةِ عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ثم مَنَّ عليهم بأنْ جعلهم ذُرِّيَّةً مَن نجا من الغرق بقوله: ((حَمَلْنَاكُمْ)). أي: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم. ﴿فِي الْجَرِيَةِ﴾ أي: في السفن الجارية. والمحمولُ في الجارية نوحٌ وأولاده، وكلُّ مَن على وجه الأرض مِن نسل أولئك. ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُ نَذْكِرَةً﴾ يعني سفينة نوح عليه الصلاة والسلام. جعلها الله تذكرةً وعِظَةً لهذه الأمة حتى أدركها أوائلُهم؛ في قول قتادة. قال ابن جريج: كانت ألواحها على الُجُودِيّ(٢). والمعنى: أبقيتُ لكم تلك الخشباتِ حتى تذكرُوا ما حلَّ بقوم نوح، وإنجاءَ الله آباءكم؛ وكم من سفينة هلكت وصارت ترابًا ولم يبقَ منها شيء. وقيل: لِنجعلَ تلك الفَعلةَ من إغراق قوم نوح وإنجاءِ مَن آمن معه موعظةً لكم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعِيَهَا أُذُنٌّ وَعِيَّةٌ﴾ أي: تحفظها وتسمعها أُذُنُ حافظةٌ لمَا جاء من عند الله. والسفينة لا توصف بهذا. قال الزجاج: ويقال: وَعَيْتُ كذا، أي: حَفِظتُه في نفسي، أَعِيه وَعْياً، ووعَيْتُ (١) النكت والعيون ٧٩/٦. وأخرج الطبري القولين ٢١٠/٢٣ - ٢١١، ٢١٩. (٢) النكت والعيون ٦/ ٨٠ . وقول قتادة أخرجه الطبري ٢٢١/٢٣ . ١٩٨ سورة الحاقة: الآيتان ١١ - ١٢ العلم، ووعَيْتُ ما قلت؛ كلُّه بمعنَى. وأَوعيتُ المتاعَ في الوعاء. قال الزجاج (١): يقال لكل ما حَفِظتَه في غير نفسك: ((أَوعيتُه)) بالألف، ولِمَا حفِظته في نفسك: ((وعيتُه)) بغير ألف. وقرأ طلحة وحُميد والأعرج: ((وتَعْيَها)) بإسكان العين(٢)؛ تشبيهاً بقوله: ((أَرْنَا))(٣). واختلف فيها عن عاصم وابن كثير. الباقون بكسر العين (٤). ونظيرُ قولِه تعالى: ((وَتَعِيَهَا أُذُنْ وَاعِيَةٌ)) قولُه تعالى(٥): ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧]. وقال قتادة: الأذن الواعية أُذُنُ عَقَلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب اللهِ عزَّ وجلَّ(٦). وروى مكحولٌ أنَّ النبيَّ﴾ قال عند نزول هذه الآية: ((سألت رَبِّي أن يجعلهَا أُذُنَ عليٍّ). قال مكحول: فكان عليٍّه يقول: ما سمعتُ من رسول اللـه﴾ شيئًا قطُ فنسيته، إلَّا وحفظته. ذكره الماورديّ(٧). وعن الحسن نحوُه، ذكره الثعلبي قال: لمَّا نزلت ((وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ))، قال النبيُّ :﴿: ((سألت رَبِّي أن يجعلها أُذُنَك يا عليّ)) قال عليّ: فواللهِ ما نسيتُ شيئًا بعدُ، وما كان لي أن أَنسى. وقال بُريدة (٨) الأسْلَميّ: قال النبيُّ لعليّ: ((يا عليّ، إنَّ الله أمرني أن أُذْنِيَكَ ولا أُقصِيَك، وأن أُعلِّمَك، وأن تَعيَ، وحقٌّ على الله أن تَعي))(٩). (١) في معاني القرآن ٢١٥/٥ - ٢١٦. (٢) قراءة طلحة في إعراب القرآن للنحاس ٢١/٥. (٣) سلفت هذه القراءة ٣٩٨/٢. (٤) روى الحلواني عن ابن كثير وأبو ربيعة عن قنبل: ((وتَعْيَها)) بإسكان العين. السبعة ص ٦٤٨ . وقال في التيسير ص ٢١٣: وجاء عن ابن كثير وعاصم وحمزة في ذلك ما لا يصح. (٥) عبارة : قوله تعالى من (ظ). (٦) أخرجه الطبري ٢٢٣/٢٣. (٧) في النكت والعيون ٦/ ٨٠ . وأخرجه الطبري ٢٢٢/٢٣ - ٢٢٣، وهو مرسل. (٨) في (د) و(ظ): أبو بردة ، وفي باقي النسخ: أبو برزة، وكلاهما خطأ . (٩) أخرجه الطبري ٢٢٣/٢٣، وابن أبي حاتم ٣٣٦٩/١٠ - ٣٣٧٠ (١٨٩٦٢)، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٧٣. وأورده ابن كثير في تفسيره ٢١١/٨ وقال: لا يصح . ١٩٩ سورة الحاقة: الآيتان ١٣ - ١٤ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة (١)، فلم يبقَ أحدٌ إلَّا مات. وجاز تذكيرُ (نُفِخَ)) لأن تأنيث النفخة غيرُ حقيقي. وقيل: إنَّ هذه النفخةَ هي الأخيرة(٢). وقال: (نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ)) أي: لا تُثَنَّى. قال الأخفش: ووقع الفعل على النفخة إذا لم يكن قبلها اسمٌ مرفوع، فقيل: نفخة. ويجوز ((نفخةً)) نصبًا على المصدر. وبها قرأ أبو السَّمَّال(٣). أو يقال: اقتصر على الإخبار عن الفعل، كما تقول: ضُرب ضربًا. وقال الزجَّاج(٤): (في الصُّورِ)) يقوم مَقامَ ما لم يُسمَّ فاعلُه. قوله تعالى: ﴿وَُِلَتِ الْأَرْضُ وَلَلِبَالُ فَدُكَنَا دَكَّةُ وَحِدَةً ١٤) قوله تعالى: ﴿وَهُلَتِ الْأَرَضُ وَاَلِبَالُ﴾ قراءة العامة بتخفيف الميم، أي: رُفعت من أماكنها. ﴿فَذِّكَّ﴾ أي: فُتَّنَا وكُسِرتا. ﴿َكَّةُ وَحِدَةٌ﴾ لا يجوز في ((دَكَّة)) إلَّ النصب، لارتفاع الضمير في ((دُكَّتَا)). وقال الفراء(٥): لم يقل: فَدُكِكْن؛ لأنه جَعَلَ الجبال كلَّها كالجملة الواحدة، والأرضَ كالجملة الواحدة(٦). ومثلُه: ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتَّقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] ولم يقل: كُنَّ. وهذا الدُّ كالزلزلة؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَمَا﴾ [الزلزلة: ١]. وقيل: ((دَُّتَا)) أي: بُسِطتَا بسطةً واحدة، ومنه: اندَّ سَنام (١) نسبة لابن عباس الزمخشري في الكشاف ١٥١/٤، ونسبه الواحدي في الوسيط ٣٤٥/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٨/٨ لعطاء . (٢) هو قول الكلبي ومقاتل كما في الوسيط ٣٤٥/٤، وزاد المسير ٣٤٨/٨. (٣) القراءات الشاذة ص ١٦١. (٤) في معاني القرآن ٢١٦/٥ . (٥) في معاني القرآن ٣/ ١٨١ . (٦) قوله: والأرض كالجملة الواحدة، ليس من كلام الفراء، وغير موجود في (ظ). ٢٠٠ سورة الحاقة: الآيات ١٤ - ١٧ البعير: إذا انفرش في ظهره. وقد مضى في سورة الأعراف القولُ فيه(١). وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر: ((وَحُمِّلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ)) بالتشديد على إسناد الفعل إلى المفعول الثاني. كأنه في الأصل: وَحَمَّلْتُ قُدْرَتَنا أو مَلَكًا من ملائكتنا الأرضَ والجبال؛ ثم أُسنِد الفعل إلى المفعول الثاني فَبُنِيَ له. وَلَوْ جِيء بالمفعول الأول لأسند الفعل إليه؛ فكأنه قال: وَحُمِّلت قُدْرَتْنَا الأرضَ. وقد يجوز بناؤه للثاني على وجه القلب، فيقال: حُمِّلت الأرضُ المَلَك؛ كقولك: أُلْبِس زيدٌ الجُبَّةَ، وأُلْبِست الجبةُ زيدًا(٢). 11 قوله تعالى: ﴿فَوَمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنشَقَّتِ السَّمَلُ فَهِىَ يَوْمَيِذٍ وَاهِيَةٌ وَلْمَلَكُ عَلَى أَرْجَبِهَاْ وَيَحِلُ عَرَّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَدٍ ثَمَنِيَّةُ (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿فَيَؤْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أي: قامت القيامة. ﴿وَأَنْشَقَتِ السَّمَاءُ﴾ أي: انصدعتْ وتفطّرت. وقيل: تنشقُّ لنزول ما فيها من الملائكة؛ دليلُه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَ الْمَكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] وقد تقدَّم (٣). ﴿فَهِىَ يَوْمَيِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ أي: ضعيفة. يقال: وَهَى البناء يَهِي وَهْيًا فهو واهٍ: إذا ضَعُف جدًّا. ويقال: كلامٌ وَاهٍ، أي: ضعيف. فقيل: إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوَهْي، ويكون ذلك لنزول الملائكة كما ذكرنا. وقيل: لهول يوم القيامة. وقيل: (وَاهِيَةٌ)) أي: متخرِّقة؛ قاله ابن شجرة. مأخوذٌ من قولهم: وَهَى السِّقاء: إذا تخرَّق. ومن أمثالهم: خَلِّ سبيلَ مَن وَهَى سِقاؤهُ ومن هُرِيق بالفلاة ماؤهُ أي: مَن كان ضعيفَ العقل لا يحفظ نفسه (٤). (١) ٩/ ٣٢٤ - ٣٢٥. (٢) المحتسب ٣٢٨/٢ بنحوه . (٣) ٣٩٩/١٥ . (٤) النكت والعيون ٦/ ٨١، وكلام ابن شجرة فيه. والرجز في الصحاح (وهى)، وجمهرة الأمثال ٤١٤/١، والمستقصى في أمثال العرب ٧٦/٢ .