Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة التحريم: الآية ٣
قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشةَ، فأظهره اللَّهُ عليه، فعرَّف بعضَه وأعرض عن
بعض. قال: أعرَضَ عن قوله: ((إن أباكٍ وأباها يكونان بعدي)). كَرِه رسولُ الله ﴾ أن
يُنشَر ذلك في الناس(١). ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت به عائشةً لمصافاة كانت
بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبيِّي ◌َ#. ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه اللهُ على
أنها قد نَبَّأت به(٢).
وقرَأ طلحة بن مُصَرِّف: ((فلما أنبأت))(٣) وهما لغتان: أنبأ ونبّأ (٤). ومعنى ﴿عَرَّفَ
بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾: عَرَّف حفصةَ بعضَ ما أوحي إليه من أنها أخبرَت عائشةً بما
نهاها عن أن تخبرها، وأعرَض عن بعض تَكَرُّماً؛ قاله السُّدّيّ(٥). وقال الحسن: ما
استقصى كريمٌ قظُ (٦)، قال الله تعالى: ﴿عَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾.
وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو حديث أمَّ ولده، ولم
يخبرها ببعضٍ؛ وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكر وعمر سيملكان بعده(٧).
وقراءة العامة: ((عَرَّفَ)) مشدّداً(٨)، ومعناه ما ذكرناه.
واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أي: لم
يعرِّفها إياه. ولو كانت مخففة لقال في ضدِّه: وأنكر بعضاً (٩).
(١) سنن الدار قطني (٤٣٠٢)، وفي إسناده الكلبي، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب ص٤١٥: متهمٌّ
بالكذب.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٦٤ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٥٨، والمحرر الوجيز ٣٣٠/٥.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤ / ٤٦١ .
(٥) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٤٠ بنحوه.
(٦) المحرر الوجيز ٣٣١/٥، وزاد المسير ٣٠٩/٨.
(٧) لم نقف عليه من قول مقاتل، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٤٠ عن الضحاك، وابن الجوزي
في زاد المسير ٣٠٩/٨ عن ابن عباس، والضعف في الخبر ظاهر.
(٨) السبعة ص ٦٤٠، والتيسير ص ٢١٢ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٤٦١/٤، وبنحوه في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٢٦/٢.

٨٢
سورة التحريم: الآية ٣
وقرأ عليٍّ وطلحة بن مُصَرِّف وأبو عبد الرحمن السُّلَميُّ والحسن وقتادة والكلبي
والكسائي والأعمش، عن أبي بكر: ((عَرَف)) مخففَّةٍ(١).
قال عطاء: كان أبو عبد الرحمن السُّلمي إذا قرَأ عليه الرجلُ: ((عرّف)) مشدّدةً
حَصَبه بالحجارة.
قال الفرَّاء(٢): وتأويل قوله عزَّ وجلَّ: ((عَرَف بَعْضَهُ)) بالتخفيف، أي: غضب فيه
وجازى عليه؛ وهو كقولك لمن أساء إليك: لأعرفَنَّ لك ما فعلت، أي: لأجازِيَنَّك
عليه. وجازاها النبيُّ # بأن طلَّقها طلقةً واحدة. فقال عمر: لو كان في آل الخطاب
خير لما كان رسول الله # طلَّقكِ(٣). فأمره جبريل بمراجعتها وشفع فيها. واعتزل
النبيُّ ◌َ﴿ نساءه شهراً، وقعَد في مَشْرُبَةِ مارية أمِّ إبراهيم حتى نَزَلت آيةُ التحريم(٤) على
ما تقدَّم(٥).
وقيل: هَمَّ بطلاقها حتى قال له جبريل: لا تطلِّقها فإنها صوَّامة قَوَّامةٌ، وإنها من
نسائك في الجنة. فلم يطلِّقها(٦). ﴿فَلَمَّا نَّأَهَا بِهِ﴾ أي: أخبر حفصةَ بما أظهره الله
عليه. ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ يا رسولَ الله عني. فظنَّت أن عائشة أخبرته، فقال عليه
الصلاة والسلام: ﴿نَأَنِىَ الْعَلِمُ الْخَبِيرُ﴾ أي: الذي لا يخفى عليه شيءٍ (٧). و((هذا)) سدَّ
(١) تفسير الطبري ٩١/٢٣-٩٢، والمحرر الوجيز ٣٣١/٥، وجامع البيان للداني ٤٤٦/٢.
(٢) في معاني القرآن ١٦٦/٣ وما قبله منه.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٦٤، والكشاف ١٢٤/٤.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٦٤ .
(٥) الذي سلف ص٦٩ من هذا الجزء أنه # اعتزل نساءه شهراً، وأما أنه # قعد في مشربة مارية رضي الله عنها
فسيأتي قريباً عند الآية (٤) من السورة، ص٨٦ من هذا الجزء.
(٦) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٠٥٢)، والطبراني في المعجم الكبير ١٨٨/٢٣ (٣٠٦)،
وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٥٠ من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما، بلفظ: أراد رسول الله # أن
يطلق حفصة .... الحديث قال الهيثمي في المجمع ٢٤٤/٩: رواه البزار والطبراني وفي إسناديهما
الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. اهـ. وسلف ١٤/ ١٦٥ و١٤٨/١٨.
(٧) تفسير الطبري ٩٢/٢٣ - ٩٣، وزاد المسير ٣١٠/٨ بنحوه.

٨٣
سورة التحريم: الآيتان ٣ - ٤
مسدّ مفعولَي ((أنْبَأ)). و(نَبَّأ))(١) الأول تعدّى إلى مفعولين(٢)، و(«نَبَّأ الثاني تعدَّى إلى
مفعول واحدٍ، لأن نَبَّأ وأنبأ إذا لم يدخلا على المبتدأ والخبر جاز أن يكتفى فيهما
بمفعولٍ واحدٍ وبمفعولين، فإذا دخَلا على الابتداء والخبر تعدَّى كلُّ واحدٍ منهما إلى
ثلاثة مفاعيل(٣). ولم يجز الاقتصارُ على الاثنين دون الثالث؛ لأن الثالث هو خبر
المبتدأ في الأصل فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر(٤).
قوله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينِّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ (@)
قوله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ يعني حفصة وعائشة(٥)، حَتَّهما على التوبة على
ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسولِ الله ◌َ﴾. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمًا﴾ أي:
زاغَتْ ومالت عن الحقِّ. وهو أنهما أَحَبَّتَا ما كَرِه النبيُّ ﴾ من اجتناب جاريته
واجتناب العسل(٦)، وكان عليه الصلاة والسلام يحبُّ العسل(٧) والنساء(٨).
(١) في (خ) و(د) و(ظ) و(ف) أنبا.
(٢) المثبت من (خ)، وفي غيرها: مفعول، وهو خطأ.
(٣) في النسخ عدا (ظ): ثلاثة مفعولين.
(٤) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٣١/٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٣١/٥.
(٦) تفسير الطبري ٩٣/٢٣، وزاد المسير ٣١٠/٨ بنحوه
(٧) سلف أول السورة عن عائشة رضي الله عنها أنه # كان يحب الحلواء والعسل.
(٨) يشير المصنف رحمه الله إلى قوله﴿: ((حبِّب إليّ من الدنيا النساء، والطِّيبُ ... الحديث، وذلك بما
ركّبه الله تعالى في طبع البشر. كما يميل العطشان إلى الماء والجائع إلى الطعام، فلو أن المصنف أورد
لفظ الحديث لكان أليق. وقد سلف ٢٥٣/١٢ - ٢٥٤ من حديث أنس.
وقال المناوي رحمه الله في فيض القدير ٣٧١/٣ :... فحبب إليه (النساء) والإكثارُ منهن؛ لنقل ما بطن
من الشريعة مما يستحيى من ذكره من الرجال، ولأجل كثرة سواد المسلمين، فكأنه يقول: حبي لهاتين
الخصلتين إنما هو لأجل غيري.

٨٤
سورة التحريم: الآية ٤
قال ابن زيد: مالت قلوبُهما بأن سَرَّهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرَّهما ما كرهه
رسولُ اللهِ﴾(١). وقيل: فقد مالت قلوبكما إلى التوبة(٢).
وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ولم يقل: فقد صغى قلباكُما، ومن شأن العرب إذا
ذكروا الشَّيئين من اثنين جمعوهما، لأنه لا يُشْكِل. وقد مضى هذا المعنى في سورة
المائدة في قوله تعالى: ﴿فَأَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) [الآية: ٣٧].
وقيل: كلُّ ما ثبتت الإضافةُ فيه مع التثنية فلفظ الجمع أليقُ به؛ لأنه أمكن
وأخفُ.
وليس قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جزاء للشرط؛ لأن هذا الصَّغْو كان سابقاً،
فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان خيراً لكما، إذ قد صغّت
قلوبكما (٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي: تتظاهرا وتتعاونا على النبيِّ # بالمعصية
والإيذاء(٥). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: مكثت سنةً وأنا أريد أن أسألَ
عمر بنَ الخطاب عن آية، فما أستطيعُ أن أسأله هيبةً له، حتى خَرَج حاجّاً، فخرجت
معه، فلمَّا رجَع فكنّا ببعض الطريق عَدَل إلى الأراك لحاجة له، فوقفتُ حتى فرغ، ثم
سِرْت معه فقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن اللتان تظاهرَتا على رسولِ الله # مِن
أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال: فقلت له: واللهِ إنْ كنتُ لأريد أن أسألك
عن هذا منذُ سنة فما أستطيع هيبةً لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم
(١) أخرجه الطبري ٩٤/٢٣ .
(٢) تفسير أبي الليث السمر قندي ٤/ ٣٨٠ بنحوه.
(٣) ٧/ ٤٧٠ - ٤٧١ .
(٤) تفسير الرازي ٣٠/ ٤٤ بنحوه.
(٥) زاد المسير ٣١٠/٨.

٨٥
سورة التحريم: الآية ٤
فسَلْني عنه، فإن كنتُ أعلمُه أخبرتُك ... وذكر الحديث(١). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئِهُ﴾ أي:
وَلِيُّه وناصره(٢)، فلا يضرُّه ذلك التظاهرُ منهما. ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِيِنَّ﴾ قال عكرمة
وسعيد بنُ جُبير: أبو بكر وعمر؛ لأنهما أبوا عائشة وحفصة، وقد كانا عوناً له
عليهما(٣).
وقيل: صالح المؤمنين: عليٌّ ﴾(٤).
(٥)
وقيل : خيار المؤمنين
.
وصالح: اسمُ جنسٍ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ اُلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١-٢]،
قاله الطَّبَريّ(٦).
وقيل: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هم: الأنبياء، قاله العَلَاء بن زياد(٧) وقتادة
وسفيان(٨).
وقال ابن زيد: هم الملائكة. السُّدّيُّ: هم أصحاب محمدٍ ﴿(٩).
(١) صحيح مسلم (١٤٧٩): (٣١)، وهو عند البخاري (٤٩١٣)، وسلفت قطعة منه ٤٧/١ .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٢٨٠ في قوله: ((فكنا ببعض الطريق)): المكان المذكور هو: مر
الظهران، كما عينه مسلم: [(١٤٧٩) (٣٢) (٣٣).] والأراك هي الشجرة التي يتخذ منها المساويك،
دخلها عمر مستتراً بها، ينظر عمدة القاري ٢٥٠/١٩ - ٢٥١.
(٢) تفسير الطبري ٩٧/٢٣، والكشاف ٤/ ١٢٧ .
(٣) النكت والعيون ٤١/٦، وتفسير أبي الليث ٣/ ٣٨٠-٣٨١. وزاد المسير ٣١٠/٨.
(٤) النكت والعيون ٦ / ٤١ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٣/ ٩٧ - ٩٨ عن الضحاك.
(٦) في تفسيره ٩٨/٢٣ .
(٧) في (م): العلاء بن زيادة، وفي (ظ): العلاء بن عبد الرحمن. والمثبت من باقي النسخ الخطية
والمحرر الوجيز ٣٣٢/٥، والدر المنثور ٢٤٤/٦ وعزاه السيوطي لسعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن المنذر.
(٨) تفسير عبد الرزاق ٣٠٢/٢، وتفسير الطبري ٩٨/٢٣، والمحرر الوجيز ٣٣٢/٥، والنكت والعيون
٦ / ٤١ .
(٩) النكت والعيون ٦/ ٤١ .

٨٦
سورة التحريم: الآية ٤
وقيل: ((صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) ليس لفظ الواحد (١) وإنما هو: صالحو المؤمنين،
فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وكُتب بغير واو على اللفظ؛ لأن لفظ الواحد
والجمع واحدٌ فيه. كما جاءت أشياء في المصحف متنوّع فيها حكم اللفظ دون وضع
الخط (٢).
وفي صحيح مسلم(٣) عن ابن عباس قال: حدَّثني عمر بن الخطاب ﴾ قال: لمَّا
اعتزَل نبيُّ اللـه﴿ نساءه قال دخلتُ المسجدَ فإذا الناسُ يَنْكُتُون(٤) بالحصى ويقولون:
طلَّق رسولُ اللـه:﴿ نساءه - وذلك قبل أن يُؤْمَرْنَ بالحجاب - فقال عمر: فقلت:
لَأَعْلَمَنَّ ذلك اليومَ، قال فدخلتُ على عائشة فقلت: يا بنة أبي بكر، أَقَد بَلَغ من
شأنكِ أن تؤذي رسولَ الله ﴿! فقالت: مالي ومالكَ يا ابن الخطاب، عليك
بِعَيْبَتِكَ(٥)! قال: فدخلت على حفصةً ابنة عمرَ، فقلت لها: يا حفصةُ، أَقَد بلغ من
شأنِكِ أن تؤذي رسولَ الله ﴾! واللهِ لقد علمتِ أنَّ رسولَ الله ﴾ لا يُحبُّكِ، ولولا أنا
لَطلَّقكِ رسولُ اللـه﴾. فبكت أشدَّ البكاء، فقلت لها: أين رسولُ اللهِ﴾؟ قالت: هو
في خِزانتهٍ في الْمَشْرُبَةِ. فدخلت فإذا أنا بِرَباحِ غلام رسولِ اللهِ ﴾ قاعداً على أُسْكُفَّةٍ
المَشْرُبَةِ(٦) مُدَلِّ رجليه على نَقِيرٍ (٧) من خشب، وهو جِذعٌ يَرْقَى عليه رسولُ الله ﴾
(١) في (ظ) المؤمن.
(٢) الكشاف ١٢٧/٤، وبنحوه في مجمع البيان للطبرسي ١٢٣/٢٨.
(٣) برقم (١٤٧٩)، وهو عند البخاري (٢٤٦٨) وما بين حاصرتين من مسلم. وهو جزء من الحديث
السالف آنفاً .
(٤) ((ينكتون الحصى) أي: يضربون به الأرضَ، فعلَ المشغول السرِّ الواجم. إكمال المعلم ٤١/٥ .
(٥) أي: بخاصتك وموضع سرِّك، وتعني بذلك ابنتَه حفصة. المفهم ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١ وجاءت العبارة في
(ظ): عليك ببنتك، وفي (د) اذهب إلى ابنتك.
(٦) الأُسكفّة: عتبة الباب. والمشرُبَّةُ: الغرفة.
(٧) النقير - كما فسره في الحديث -: جذع يُنقر ويُجعل فيه شبه المراقي؛ يُصعَدُ عليه إلى الغُرَف. النهاية
(نقر). وجاء في (ظ): فقير، بدل نقير وهو موافق لما في المفهم ٤/ ٢٦١. قال أبو العباس: هو الذي
جُعلت فيه فِقَر کالدرج يصعد عليها.

٨٧
سورة التحريم: الآية ٤
وينحَدرُ. فناديت: يا رباحُ، استأذِن لي عندك على رسول الله ﴾، فنظَر رَباحٌ إلى الغُرْفة
ثم نظر إليَّ، فلم يَقُل شيئاً. ثم قلت: يا رَبَاح، استأذن لي عندك على رسول الله ﴾،
فنظَر رَبَاحٌ إلى الغرفة ثم نظر إليَّ، فلم يَقُل شيئاً. ثم رفعت صوتي فقلت: يَا رَباح،
استأذن لي عندك على رسول اللـه ﴿، فإني أظنُّ أن رسولَ الله ﴾ ظنَّ أني جئتُ من
أجل حفصة، واللهِ لئن أمرني رسولُ الله ◌َ﴾ بضرب عُنُقِها. لأضربنَّ عنقها. ورفعتُ
صوتي. فأوْمَاً إليَّ: أنِ ارْقَهْ. فدخلتُ على رسول الله ﴾ وهو مضطجعٌ على حصیر،
فجلست، فَأَدْنَى عليه إزارَه وليس عليه غيرُه؛ وإذا الحَصيرُ قد أثَّرَ في جنبه، فنظرتُ
ببصري في خِزانة رسولِ الله ﴾، فإذا أنا بِقَبضَةٍ من شعيرِ نحوِ الصَّاعِ، ومِثلِها
قَرَظاً (١) في ناحية الغُرْفة؛ وإذا أَفِيقٌ(٢) معلَّق، قال: فابتدرتْ عيناي. قال: ((ما يُبْكيك
يا ابن الخطاب))؟ قلت: يا نبيَّ الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّرَ في جنبك،
وهذه خِزانتُك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك قَيْصَرُ وكِسْرى في الثِّمار والأنهار وأنت
رسولُ الله صلَى اللهُ عليك وصَفْوَتُه، وهذه خِزانتك! فقال: ((يا ابن الخطاب. ألا
ترضى أن تكون لنا الآخرةُ ولهم الدنيا؟» قلت: بلى. قال: ودخلتُ عليه حين دخلتُ
وأنا أرى في وجهه الغضبَ، فقلت: يا رسولَ اللهِ، ما يشقُّ عليك من شأنِ النساء؛
فإن كنتَ طلَّقتهن، فإن اللهَ معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر
والمؤمنون معك. وقلَّما تكلَّمتُ ــ وأَخْمَدُ الله - بكلام إلا رَجَوتُ أن يكون اللهُ عزَّ
وجلَّ يُصدِّق قولي [الذي أقولُ]. ونزلت هذه الآيةُ، آيةُ الشَّخبير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ
أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَمَا خَيْرًا مِنَكُنَّ﴾. و﴿إِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ
وَأْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُ﴾. وكانت عائشة بنتُ أبي بكر وحفْصَةُ تَظاهرانٍ على سائر
نساء رسول الله﴾. فقلت: يا رسولَ الله، أطلَّقتَهنَّ؟ قال: ((لا)). قلت: يا رسولَ
الله، إني دخلت المسجدَ والمسلمون يَنْكُتُون بالحصى يقولون: طلَّق رسولُ الله ◌ِ﴾
(١) هو ورق السَّلَّم. النهاية (قرظ). والسَّلم شجر يُصبغ به.
(٢) الأَفِيقُ: الجلد لم يتم دباغه. إكمال المعلم ٤١/٥ .

٨٨
سورة التحريم: الآية ٤
نساءَه، أفأَنزل فأخبرهم أنك لم تطلِّقهن؟ قال: ((نعم إن شئت)). فلم أزل أحدثه حتى
تَحَسَّر (١) الغضبُ عن وجهه، وحتى كَشَر(٢) فضحِك، وكان من أحسن الناسِ ثَغْراً. ثم
نزّل نبيُّ اللـه :﴿ ونزَلتُ؛ فنزلتُ أتشبّث بالجذْعِ، ونزَل رسول اللـه ﴾ كأنَّما يمشي على
الأرض ما يمسُّه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنما كنتَ في الغرفة تسعاً وعشرين.
قال: ((إن الشهر يكون تسعاً وعشرين)) فقمتُ على باب المسجد فناديتُ بأعلى
صوتي: لم يطلِّق رسولُ الله :# نساءه. ونزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ
أَوِ الْخَوفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَّ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ
﴾ [النساء: ٨٣]. فكنت أنا استنبطتُ ذلك الأمرَ؛ وأنزَل اللهُ آيَةَ التخيير.
قوله تعالى: ﴿وجبريلُ﴾ فيه لغات تقدَّمت في سورة البقرة(٣). ويجوزُ أن يكون
معطوفاً على ((مَوْلَاهُ)) والمعنى: اللَّهُ وَلِيُّهُ وجبريلُ ولِيُّهُ؛ فلا يوقف على ((مَوْلَاهُ))،
ويوقف على ((جِبْرِيلُ))، ويكون ((وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) مبتدأً ((والْمَلَائِكَةُ)) معطوفاً عليه،
و(ظَهِيرٌ)) خبراً؛ وهو بمعنى الجمع(٤). وصالح المؤمنين أبو بكر؛ قاله المسيّب بن
شريك. وقال سعيد بن جُبير: عمر(٥). وقال عكرمة: أبو بكر وعمر (٦). وروى شقيق
عن عبد الله عن النبيّ # في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
الْمُؤْمِينِّ﴾ قال: إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر (٧). وقيل: هو عليٍّ. عن أسماء بنت
عُمَيْس قالت: سمعت رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ﴿وَصَلِحُ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾: عليٌّ بن أبي
(١) في (ظ) نحیتُ.
(٢) قال ابن السكيت: كشر، وتبسَّم، وابتسم وافترَّ كلها بمعنى واحد، وقال صاحب ((الأفعال)): كشر:
أبدى أسنانه تبسُّماً أو غضباً. اهـ. المفهم ٢٦٢/٤ - ٢٦٣ .
(٣) ٢٦٢/٢ وما بعدها.
(٤) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٣٢/٥.
(٥) زاد المسير ٣١٠/٨.
(٦) سلف قريباً .
(٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٠٥/١٠ - ٢٠٦ (١٠٤٧٧)، والواحدي في الوسيط ٣٢٠/٤.

٨٩
سورة التحريم: الآية ٤
طالب)(١). وقيل غير هذا مما تقدَّم القول فيه .
ويجوز أن يكون ((وجِبْرِيلُ)) مبتدأ، وما بعده معطوفاً عليه. والخبر: ((ظَهِيرٌ)) وهو
بمعنى الجمع أيضاً(٢). فيوقف على هذا على ((مَوْلَاءُ). ويجوز أن يكون ((جِبْرِيلُ
وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ))، معطوفاً على ((مَوْلَاهُ)) فيوقف على ((الْمُؤْمِنِينَ)) ويكون ((وَالْمَلَائِكَةُ
بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) ابتداءً وخبراً. ومعنى ((ظَهِيرٌ)): أعوان، وهو بمعنى ظهراء، كقوله
تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَتِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وقال أبو عليّ: قد جاء فعيل للكثرة،
كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْثَلُ حَيُ حِيمًا يُصَّرُونَهُمْ﴾ (٣)[المعارج: ١٠- ١١].
وقيل: كان التظاهرُ منهما في التحكّم على النبيِّ # في النفقة، ولهذا آلى منهنَّ
شهراً واعتزلهنَّ .
وفي صحيح مسلم(٤) عن جابر بن عبد الله قال: دخَل أبو بكر يَستأذِنُ على
رسول اللهِ ﴾، فوجَد الناسَ جلوساً ببابه لم يؤذَن لأحدٍ منهم، قال: فأُذِن لأبي بكرٍ
فدخَل، ثم أقبل عمرُ فاستأذن فأُذِن له، فوجَدَ النبيَّ ﴾ جالساً حَوْله نساؤه واجماً
ساكتاً - قال - فقال: لَأَقُولَنَّ شيئاً أُضحكُ النبيَّ :﴿؛ فقال: يا رسولَ الله، لو رأيتَ
بنتَ خارِجة سَأَلَتْني النفقةَ، فقمتُ إليها فَوَجَأْتُ عُنُقَها؛ فضحك رسول اللـه ل:﴿ وقال:
((هُنَّ حَوْلي كما ترى يَسألْنَني النفقةَ)). فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عُنقَها؛ وقام عمر
إلى حفصة يَجَأُ عنقها؛ كلاهما يقول: تَسْأَلْنَ رسولَ الله # ما ليس عنده! فقلْنَ: واللهِ
لا نسألُ رسولَ الله # شيئاً أبداً ليس عنده. ثم اعتزلَهنَّ شهراً أو تسعاً وعشرين. ثم
نزلت عليه هذه الآيةُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩] الحديث وقد ذكرناه في سورة الأحزاب(٥).
(١) أخرجه ابن مردويه، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤.
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٢/٥، وبنحوه في إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٠٥/٤ - ٤٠٦ .
(٣) تفسير الرازي ٣٠/ ٤٤ - ٤٥ .
(٤) برقم: (١٤٧٨) (٢٩).
(٥) ١٧ /١١٧ - ١١٨ .

٩٠
سورة التحريم: الآية ٥
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجَا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَتٍ
٥
قَئِنَاتٍ تَبَتٍ عَبِدَاتٍ سَِّحَتٍ ثَيْبَتٍ وَأَبْكَارًا
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ قد تقدّم في الصحيح أن هذه الآيةَ نزَلت على
لسان عمر ﴾(١).
ثم قيل: كلُّ((عَسَى)) في القرآن واجبٌ؛ إلا هذا. وقيل: هو واجبٌ ولكن الله عزَّ
وجل علَّقه بشرطِ وهو التطليق ولم يطلِّقهن(٢). ﴿أَن يُبْدِلَُّ، أَزْوَهَا خَيْرً مِّنْكُنَّ﴾ لأنكنَّ لو
كُنتنَّ خيراً منهنَّ ما طلَّقكنَّ رسولُ اللـه ﴾، قال معناه السُّدّيّ. وقيل: هذا وعدٌ من الله
تعالى لرسوله #، لو طلّقهن في الدنيا أن يزوِّجه في الدنيا نساءً خيراً منهن(٣).
وقرئ: ((أن يُبدله)) بالتشديد والتخفيف(٤). والتبديلُ والإبدال بمعنىّ، كالتنزيل
والإنزال.
واللهُ كان عالماً بأنه كان لا يطلِّقهنَّ، ولكن أخبر عن قدرته، على أنه إن طلَّقهنَّ
أبدله خيراً منهنَّ تخويفاً لهنَّ(٥). وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
[محمد: ٣٨]. وهو إخبار عن القدرة وتخويفٌ لهم، لا أنَّ في الوجود مَن هو خيرٌ من
أصحاب رسول الله ﴾(٦).
قوله تعالى: ﴿مُسْلِمَتٍ﴾ يعني مُخْلِصَات. قاله سعيد بن جُبَير. وقيل: معناه
مسلمات لأمرِ الله تعالى وأمرِ رسوله ﴿مُؤْمِنَتٍ﴾: مصدِّقات بما أُمِرن به ونُهين عنه.
(١) صحيح مسلم (١٤٧٩) وسلف قريباً.
(٢) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث السمر قندي ٣٨١/٣، والوسيط ٣٢١/٤، وتفسير البغوي ٣٦٦/٤.
(٣) النكت والعيون ٤١/٦ .
(٤) قرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد، والباقون من السبعة بالتخفيف، السبعة ص ٦٤٠ - ٦٤١، والتيسير
ص١٤٥ .
(٥) تفسير الرازي ٤٥/٣٠ .
(٦) تفسير البغوي ٣٦٧/٤ .

٩١
سورة التحريم: الآية ٥
﴿قَيَِّتْ﴾: مطيعات(١). والقنوت: الطاعة. وقد تقدَّم(٢). ﴿تََّتٍ﴾ أي: من ذنوبهن؛
قاله السُّدّيُّ. وقيل: راجعات إلى أمرٍ رسولِ اللهِ ﴾؛ تاركات لمحابٌّ
أنفسِهِن(٣). ﴿عَيِدَاتٍ﴾ أي: كثيرات العبادة لله تعالى. وقال ابن عباس: كلُّ عبادة في
القرآن فهو التوحيد (٤). ﴿سَِّحَتٍ﴾: صائمات؛ قاله ابن عباس والحسن وابن جُبير (٥).
وقال زيد بن أسلم وابنه عبدُ الرحمن ويَمَان: مهاجرات(٦). قال زيد: وليس في أمَّة
محمدٍ* سياحة إلا الهجرة(٧). والسِّيَاحَة: الجَوَلان في الأرض. وقال الفرّاءُ والقُتَبْيُّ
وغيرهما: سُمِّي الصائمُ سائحاً لأنَّ السائحَ لا زاد معه، وإنما يأكلُ من حيثُ يجدُ
.(٨)
الطعامَ(٨).
وقيل: ذاهبات في طاعة اللهِ عزَّ وجلَّ (٩)؛ مِن ساح الماءُ: إذا ذهب. وقد مضى
في سورة براءة (١٠) والحمدُ لله. ﴿ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أي: منهنَّ ثَيِّبٌ ومنهن بِكْرٌ. وقيل:
إنما سُمِّيَت الثَّيِّب ثيِّاً لأنها راجعةٌ إلى زوجها إن أقام معها، أو إلى غيره إن فارقها.
وقيل: لأنها ثابَتْ إلى بيتِ أبويها. وهذا أصحُ؛ لأنه ليس كل ثَيِّبٍ تعود إلى زوج.
وأما البِكْرُ فهي العذراءُ؛ سُمِّيت بِكْراً لأنها على أوَّل حالتها التي خُلقت بها. وقال
الكلبيُّ: أراد بالثَّيِّب مثلَ آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثلَ مريم ابنة عمران(١١).
(١) النكت والعيون ٦/ ٤١ .
(٢) ٣٣٣/٢ - ٣٣٤، ١٨٣/٣ - ١٨٥ و١٩٠.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٤٢.
(٤) تفسير أبي الليث السمر قندي ٣٥٥/١.
(٥) النكت والعيون ٦/ ٤٢.
(٦) زاد المسير ٣١٢/٨، ومجمع البيان للطبرسي ١٢٤/٢٨، وتفسير الطبري ١٠٢/٢٣.
(٧) المحرر الوجيز ٢٣٢/٥، والكشاف ١٢٨/٤، وأخرجه الطبري ١٠٢/٢٣، وابن أبي حاتم ١٨٩٠/٦
(١٠٠٣٣).
(٨) معاني القرآن للفراء ١٦٧/٣، والنكت والعيون ٤٢/٦، وتفسير أبي الليث ٣٨١/٣.
(٩) المحرر الوجيز ٣٣٢/٥ .
(١٠) ٣٩٣/١٠ وما بعدها.
(١١) النكت والعيون ٦/ ٤٢.

٩٢
سورة التحريم: الآية ٦
قلت: وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعدٌ من الله لنبيِّه لو طلَّقهنَّ
في الدنيا زوَّجه في الآخرة خيراً منهنَّ. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَكَبِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمُرُونَ
فيه مسألة واحدة: وهي الأمر بوقاية الإنسان نفسَه وأهلَه النارَ. قال الضحاك: معناه
قُوا أنفسكم وأهلوكم فَلْيَقُوا أنفسهم ناراً. وروى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس:
قُوا أنفسكم وأُمُرُوا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يَقِيَهم اللهُ بكم. وقال عليٍّ ﴾ وقتادة
ومجاهد: قُوا أنفسكم بأفعالكم وقُوا أهليكم بوصِيَّتكم (١). ابن العربي(٢): وهو
الصحيحُ، والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريكَ بين المعطوف والمعطوف
عليه في معنى الفعل؛ كقوله:
عَلَفْتُهَا تِبْناً وماءً بارداً(٣)
و کقوله :
ورأيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى متقلِّداً سيفاً ورُمْحَا (٤)
فعلى الرجل أن يُصلِحَ نفسَه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاحَ الراعي للرعية. ففي
صحيح الحديث أن النبيَّ# قال: ((كلُّكم راع وكلُّكم مسؤول عن رعِيَّته، فالإمامُ
الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عنهم، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول
عنهم))(٥). وعن هذا عبَّر الحسنُ في هذه الآية [بقوله]: يأمرهم وينهاهم. وقال بعض
العلماء: لمَّا قال: ﴿قُوا أَنفُسگ﴾﴾ دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه. كما دخَل
(١) النكت والعيون ٤٤/٦ وتفسير الطبري ١٠٤/٢٣.
(٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٤٠، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) سلف ٢٩١/١.
(٤) قائله عبد الله بن الزبعرى، وسلف ٢٩١/١ .
(٥) قطعة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، سلف ٦/ ٤٢٧ .

٩٣
سورة التحريم: الآية ٦
في قوله تعالى: ﴿وَلَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنَ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] فلم يُفْرَدُوا بالذِّكر
إفرادَ سائر القرابات. فيعلِّمه الحلال والحرام، ويجنِّبه المعاصي والآثامَ، إلى غير
ذلك من الأحكام. وقال عليه الصلاة والسلام: ((حَقُّ الولد على الوالد أن يحسن
اسمَه، ويعلِّمَه الكتابة، ويزوِّجه إذا بلغ))(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما نَحَل
والدّ ولداً أفضلَ من أدبٍ حسن))(٢).
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ # قال(٣): ((مُرُوا
أبناءَكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع)). خرَّجه
جماعة من أهل الحديث. وهذا لفظ أبي داود(٤).
وخرَّج أيضاً عن سَمُرَة بن جُنْدُب(٥) قال: قال النبيُّ ﴾: ((مُرُوا الصَّبِيَّ بالصلاة
إذا بلغ سبعَ سنين، فإذا بلغ عشرَ سنين فاضربوه عليها)).
وكذلك يخبر أهلَه بوقت الصلاة، ووجوبِ الصيام، ووجوب الفِطر إذا وجب؛
مستنداً في ذلك إلى رؤية الهلال. وقد روى مسلمٌ أن النبيَّ # كان إذا أَوْتَر يقول:
(١) أخرجه بهذا اللفظ ابن المبارك في البر والصلة (١٥٦)، وابن أبي الدنيا في العيال (١٧١) من قول
سفيان الثوري دون قوله: ويعلمه الكتابة.
وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٦٦٦) من حديث أبي سعيد وابن عباس مرفوعاً، ولفظه: ((من ولد
له ولد فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ ولم يزوجه فأصاب إثماً، فإنما إثمه على أبيه)).
وأما قوله: ((ويعلمه الكتابة)) فقد أخرجه البيهقي (٨٦٦٥) ضمن حديث أبي رافع - مرفوعاً - ولفظه:
((حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي وأن يورثه طيباً). وفي إسناده عيسى بن إبراهيم
الهاشمي، قال البيهقي: يروي مالا يتابع عليه، وقال في السنن ١٥/١٠: حديث ضعيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١٥٤٠٣)، والترمذي (١٩٥٢) من حديث أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن
العاص، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله #. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث عامر بن أبي عامر .... ، ثم قال: وهذا عندي حديث مرسل.
(٣) لفظه: قال من (ظ).
(٤) برقم (٤٩٥)، وهو في مسند أحمد (٦٦٨٩) و(٦٧٥٦). وله شواهد، الحديث الآتي منها.
(٥) كذا في النسخ، وأحكام القرآن لابن العربي، والكلام منه، وهو خطأ، والصواب: عن سَبْرَة، وهو في
مسند أحمد (١٥٣٣٩)، وسنن أبي داود (٤٩٤)، وسنن الترمذي (٤٠٧).

٩٤
سورة التحريم: الآية ٦
((قومي فأوْتِري يا عائشة))(١) .
وروي أن النبيَّ ﴾ قال: ((رحم اللهُ امرأً قام من الليل فصلَّى فأيقظ أهله، فإنْ لم
تقم رَشَّ وجهَها بالماء، رحم اللهُ امرأةً قامت من الليل تصلِّي وأيقظت زوجَها، فإذا
لم يقم رشَّت على وجهه من الماء))(٢). ومنه قوله ﴿: ((أيقظوا صواحبَ الحُجَر))(٣).
ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾(٤) [المائدة: ٢].
وذكر القشيريُّ أن عمر ﴾ قال لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: يا رسول اللهِ، نقي أنفسَنا،
فكيف لنا بأهلينا؟. فقال: ((تنهَونهم عمَّا نهاكم اللهُ، وتأمرونهم بما أمرَ اللهُ))(٥). وقال
مقاتل: ذلك حقٌّ عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه(٦).
قال الكِيا(٧): فعلينا تعليم أولادِنا وأهلينا الدِّينَ والخير، وما لا يُستغنى عنه من
الأدب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهً﴾ [طه: ١٣٢]، ونحو قوله
تعالى للنبيّ﴾: ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وفي الحديث: ((مُرُوهم
بالصلاة وهم أبناء سَبْع)».
﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ﴾ تقدَّم في سورة البقرة(٨)، القولُ فيه .
﴿عَلَيْهَا مَكَتَكَةُّ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ يعني الملائكة الزبانيةَ غِلاظ القلوب لا يَرْحمون إذا
(١) صحيح مسلم (٧٤٤) (١٣٤)، وهو عند أحمد (٢٥١٨٤). وهو من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٧٤٠٩)، وأبو داود (١٣٠٨) و(١٤٥٠)، والنسائي ٢٠٥/٣ ، وابن ماجه
(١٣٣٦) من حديث أبي هريرة
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٦٥٤٥) والبخاري (١١٥) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٤٠ - ١٨٤١ .
(٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٢١/٤ عن عمر ، وأخرج نحوه عبد الرزاق ٢/ ٣٠٣ ، والطبري
١٠٤/٢٣ - ١٠٥ عن قتادة.
(٦) النكت والعيون ٤٤/٦، ومجمع البيان ١٢٦/٢٨.
(٧) في أحكام القرآن له ٤٢٦/٤ ..
(٨) ٣٥٤/١ وما بعد.

٩٥
سورة التحريم: الآيتان ٦ - ٧
اسْتُرْحِمُوا(١)، خُلقوا من الغضب، وحُبِّب إليهم عذابُ الخلق كما حُبِّبَ لبني آدم أكلُ
الطعام والشراب. ﴿شِدَادٌ﴾ أي: شداد الأبدان. وقيل: غِلاظُ الأقوال شداد
الأفعال(٢). وقيل: غِلاظٌ في أخذهم أهلَ النار، شدادٌ عليهم. يقال: فلان شديد على
فلان، أي: قَويٌّ عليه يعذِّبه بأنواع العذاب. وقيل: أراد بالغلاظ ضخامةَ أجسامهم،
وبالشدَّة القوَّةُ(٣). قال ابن عباس: ما بين مَنْكِبَي الواحد منهم مسيرةُ سنة، وقوَّة
الواحد منهم أن يَضرب بالمقْمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسانٍ في قعر
جهنم(٤). وذكر ابنُ وهب قال: وحدَّثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسولُ الله ﴾
في خَزَنة جهنم: ((ما بين مَنْكِبَي أحدهم(٥) كما بين المشرق والمغرب)).
قوله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ أَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفونه في أمره من زيادةٍ أو
نقصان. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدِّمونه(٦). وقيل: أي لذتهم
في امتثال أمرِ اللَّهِ؛ كما أن سرورَ أهلِ الجنة في الكون في الجنة؛ ذكره بعض المعتزلة(٧).
وعندهم أنه يستحيل التكليف غداً. ولا يخفى معتقد أهلِ الحقِّ في أن الله يكلّف العبدَ اليوم
وغداً، ولا يُنْكَرَ التكليفُ غداً (٨) في حقِّ الملائكة. ولله أن يفعل ما يشاء(٩).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْنَذِرُواْ أَلْيَوْمٌّ إِنَّمَا تُجُزَوْنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُواْ الْيَوْمٌ﴾ فإنَّ عُذْرَكم لا ينفعُ(١٠). وهذا
(١) الكلام بنحوه في زاد المسير ٣١٣/٨.
(٢) النكت والعيون ٤٥/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٣/٥ بنحوه.
(٤) ذكره عنه ابنُ الجوزي في زاد المسير ٣١٣/٨ .
(٥) في (ظ): الواحد.
(٦) النكت والعيون ٤٥/٦ .
(٧) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٢٦/٢٨ - ١٢٧ عن الجبائي بنحوه.
(٨) لفظة: غداً. ليست في (م).
(٩) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٤٦/٣٠ .
(١٠) المحرر الوجيز ٣٣٣/٤ بنحوه.

٩٦
سورة التحريم: الآيتان ٧ - ٨
النَّهي لتحقيق اليأس . ﴿إِنَّمَا تُجْزَوّنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا. ونظيره: ﴿فَيَوْمَيِدٍ لَّا يَنفَعُ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧]. وقد تقدَّم (١).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا عَسَى رَبِّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ
عَنكُمْ سَفِئَاتِكُمْ وَيَدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَثِّرْ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُرَنَا
وَأَغْفِرْ لَنَأَّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ تَوْبَةٌ نَصُوحًا﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ﴾ أمرٌ بالتوبة، وهي فرضٌ
على الأعيان في كل الأحوال وكلِّ الأزمان. وقد تقدَّم بيانُها والقولُ فيها في ((النساء))
وغيرها. ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ اختلفت عبارةُ العلماء وأربابِ القلوب في التوبة النصوح على
ثلاثة وعشرين قولاً، فقيل: هي التي لا عَوْدَةَ بعدها كما لا يعودُ اللَّبَنِ إلى الضَّرع(٢)؛
وروي عن عمر (٣)، وابن مسعود(٤)، وأُبيٍّ بن كعب(٥)، ومعاذ بن جبل ﴾. ورفعه
مُعاذٍ إلى النبيِّ ◌ِ﴾(٦).
وقال قتادة: النَّصُوح: الصادقةُ الناصحة(٧).
(١) ١٤ / ٤٩ .
(٢) تفسير البغوي ٣٦٧/٤، والكشاف ١٢٩/٤.
(٣) أخرجه عنه بنحوه عبد الرزاق ٣٠٣/٢، وابن أبي شيبة ٢٧٩/١٣، وهناد في الزهد (٩٠١)، والطبري
١٠٦/٢٣ - ١٠٧ .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٠٠، والطبري ١٠٧/٢٣ موقوفاً، وأخرجه الإمام أحمد (٤٢٦٤) مرفوعاً
قال الهيثمي في المجمع ١٩٩/١٠ - ٢٠٠: رواه أحمد وإسناده ضعيف.
(٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ وقال: أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب
الإ یمان بسند ضعيف.
(٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٤٧) مطولاً. وفي إسناده نوح بن أبي مريم قال الحافظ ابن حجر في
التقريب: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع .
(٧) أخرجه الطبري ١٠٨/٢٣ .

٩٧
سورة التحريم: الآية ٨
وقيل: الخالصة: يقال: نصح أي: أخلص له القولَ.
وقال الحسن: النَّصُوحُ: أن يُبْغِض الذنبَ الذي أحبَّه، ويستغفرَ منه إذا ذكره.
وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وَجَلٍ منها.
وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة(١).
وقال الكلبيُّ: التوبة النصوح: النَّدمُ بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاعُ عن
الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود (٢).
وقال سعيد بن جُبير: هي التوبة المقبولة؛ ولا تُقبل ما لم يكن فيها ثلاثةُ شروط:
خوفٌ ألا تُقبل، ورجاء أن تُقبل، وإدمان الطاعات(٣).
وقال سعيد بن المسيّب: توبةٌ تنصحون بها أنفسكم.
وقال القُرظيُّ: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان،
وإضمارُ تركِ العَوْد بالجَنَان، ومهاجرة سيِّىء الخِلَّان(٤). وقال سفيان الثَّوْريُّ: علامةُ:
التوبة النصوح أربعةٌ: القِلَّة والعِلَّة، والذِّلَّةُ والغُرْبة.
وقال الفُضَيل بن عياض: هو أن يكون الذنْبُ بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظُر
إليه(٥). ونحوه عن ابن السَّمَّاك: أن تَنْصب الذنب الذي أقللتَ فيه الحياءَ من الله أمامَ
عينك وتستعدَّ لمنتظَرك(٦).
وقال أبو بكر الوَرَّاق المصري: هو أن تضيق عليك الأرضُ بما رَحُبَت، وتضيق
عليك نفسُك؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا(٧).
(١) النكت والعيون ٤٥/٦ .
(٢) تفسير البغوي ٣٦٧/٤، ومجمع البيان ٢٨/ ١٢٧ بنحوه.
(٣) مجمع البيان للطبرسي ١٢٧/٢٨ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٦٧، وقول القرظي ذكره أبو الليث السمر قندي في تفسيره ٣/ ٣٨٢ عن ابن عباس.
(٥) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين ٤/ ٤٢، والطبرسي في مجمع البيان ١٢٧/٢٨ دون نسبة.
(٦) الكشاف ١٢٩/٤ .
(٧) المحرر الوجيز ٣٣٤/٥، والكشاف ٢١٩/٢، وهو في الرسالة القشيرية ١٢٠/٢ من قول ذي =

٩٨
سورة التحريم: الآية ٨
وقال أبو بكر الواسطي: هي توبةٌ لا لفقد عِوضٍ؛ لأن مَن أذنب في الدنيا لرَفَاهِية
نفسه ثم تاب طلباً لرفاهيتها في الآخرة؛ فتوبته على حفظ نفسه لا للهِ.
وقال أبو بكر الدَّقاق المصريُّ: التوبة النصوح هي ردُّ المظالم، واستحلال
الخصوم، وإدمانُ الطاعات.
وقال رُوَيْم: هو أن تكون لله وجهاً بلا قَفَا، كما كنت له عند المعصية قَفاً بلا
و جه.
وقال ذو النُّون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قِلَّة الكلام، وقِلَّة الطعام، وقِلَّة
المنام.
وقال شقيق: هو أن يُكثِرِ صاحبها لنفسه الملامةَ، ولا ينفكَّ من الندامة؛ لينجُوَ
من آفاتها بالسلامة.
وقال سَرِيُّ السَّقَطِيُّ: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأن
من صحب (١) توبته أحبَّ أن يكون الناس مثله .
وقال الجُنّيْد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنبَ فلا يذكره أبداً؛ لأن من صحّت
توبته صار مُحِبّاً لِلَّه(٢)، ومن أحبَّ الله نَسيَ ما(٣) دون الله.
وقال ذو الأُذنيْن(٤): هو أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح، وقلبٌ عن المعاصي
جَمُوحٌ.
وقال فتح المَوْصِليّ: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرةُ البكاء، ومكابدة
الجوع والظمأ.
وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريُّ: هي التوبة لأهل السنة والجماعة؛ لأن المبتدع
= النون. وقصةُ الثلاثة الذين خلفوا في الصحيح، وسلفت ٤١٣/١٠ وما بعد.
(١) في (ظ): نصحت.
(٢) الرسالة القشيرية ١١٩/٢ بنحوه.
(٣) في (ظ): من.
(٤) في (د) و(ظ) أبو الأديان، وفي (خ) (ف) و(ق) أبو الأذنان.

٩٩
سورة التحريم: الآية ٨
لا توبة له؛ بدليل قوله ﴿: «حجب اللهُ على كل صاحب بدعة أن يتوب))(١).
وعن حُذَيْفَة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن(٢) الذنب ثم يعود فيه.
وأصل التوبة النصوح: من الخُلُوص؛ يقال: هذا عَسَلٌ ناصح: إذا خَلَص من
الشَّمْع.
وقيل: هي مأخوذةٌ من النَّصاحة، وهي: الخياطة. وفي أخذها منها وجهان:
أحدهما: لأنها توبة قد أحكّمَتْ طاعتَه وأوثقتها كما يُحكم الخيّاطُ الثوبَ
بخياطته ویوثقه.
والثاني: لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم؛ كما يجمع الخيَّاط
الثوبَ ويُلصق بعضه ببعض(٣).
وقراءة العامة: ((نَصُوحاً)) بفتح النون (٤)، على نعت التوبة، مثل: امرأة صبور،
أي: توبةٌ بالغة في النصح(٥).
وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم(٦)؛ وتأويله على هذه القراءة:
توبةً نصحٍ لأنفسكم(٧).
وقيل: يجوز أن يكون ((نُصُوحاً)) جمع نُصح، وأن يكون مصدراً، يقال: نصح
نَصاحة ونُصُوحاً (٨). وقد يتفق فَعالة وفُعول في المصادر، نحو الذَّهاب والذُّهوب.
(١) سلف تخريجه ١١٩/٩ - ١٢٠.
(٢) في (م) من. والمثبت من النسخ الخطية والكشاف ١٢٩/٤. وكلام حذيفة فيه.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٤٥، وبنحوه في مجمع البيان ٢٨/ ١٢٧.
(٤) السبعة ص٦٤١ ، والتيسير ص٢١٢.
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٩٤/٥ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٣٤/٥، ورواية أبي بكر عن عاصم في السبعة.
(٧) النكت والعيون ٤٥/٦ .
(٨) زاد المسير ٣١٣/٨ بنحوه.

١٠٠
سورة التحريم: الآية ٨
وقال المبرِّد: أراد توبة ذات نُصح، يقال: نصحت نُصحاً ونَصاحة ونُصوحاً.
الثانية: في الأشياء التي يُتاب منها، وكيف التوبة منها:
قال العلماء: الذنبُ الذي تكون منه التوبةُ لا يخلو إما أن يكون حقّاً لِلَّه
أو للآدميين، فإن كان حقّاً لله؛ كترك صلاة، فإن التوبة لا تصحُّ منه حتى ينضمَّ إلى
النَّدم قضاءُ ما فات منها، وهكذا إن كان ترْكَ صوم أو تفريطاً في الزكاة.
وإن كان ذلك قتلَ نفْسٍ بغير حقٌّ؛ فان یُمَگِّن من القصاص إن كان عليه وكان
مطلوباً به. وإن كان قذقاً يوجب الحدَّ؛ فيبذل ظهْرَه للجلد إن كان مطلوباً به. فإن عُفي
عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. وكذلك إن عُفيَ عنه في القتل
بمال؛ فعليه أن يؤدِّيَه إن كان واجداً له، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ
فَتْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وإن كان ذلك حَدّاً من حدود الله -
كائناً ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نصَّ اللهُ
تعالى على سقوط الحدِّ عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم. وفي ذلك دليلٌ على
أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم؛ حسب ما تقدَّم بيانه(١).
وكذلك الشُّرَّاب والسُّراق والزُّناة إذا أصلحوا وتابوا وعُرف ذلك منهم، ثم رُفعوا
إلى الإمام؛ فلا ينبغي له أن يحدَّهم. وإن رُفعوا إليه فقالوا: تُبْنَا، لم يُتركوا وهم في
هذه الحالة؛ كالمحاربين إذا غُلبوا. هذا مذهب الشافعيِّ.
فإن كان الذنب من مظالم العباد؛ فلا تصحُّ التوبة منه إلا بردِّه إلى صاحبه
والخروج عنه - عَيْناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً فالعزم أن
يؤدِّيَه إذا قَدَر في أعجل وقتٍ وأسرعه.
وإن کان أضرَّ بواحدٍ من المسلمین - وذلك الواحد لا یشعُر به أو لا يدري من
أين أتى - فإنه يُزيل ذلك الضررَ عنه، ثم يَسأله أن يعفوَ عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه
(١) ٤٣٤/٧ وما بعدها.