Indexed OCR Text
Pages 1-20
ـامِ القُرآن الجامع لأحـ ٧ وَاَلُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الفُرْقَانِ تَأليفُ إِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِبْنٍ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِ القُرْطِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَّ الجُزْءِ محمّد رضوان چرقِوسي الجُزْءُ الحَادِيِّ وَالعِشِرُون مؤسسة الرسالة 一 ~3 الْجَامِعُ لأَحْكَامِ الْقُرآنِ وَالمُبَيِّنُ لمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الفُرْقَانِ جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلِنَاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت - لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460 Email: Resalah@Cyberia.net.lb PUBLISHERS سورة التَّغَابُن مدنيَّةٌ في قول الأكثرين. وقال الضحاك: مَكِّيَّة. وقال الكلبي: هي مكية ومدنية(١). وهي ثماني عشرة آية. وعن ابن عباس أن سورة التغابن نزلت بمكة، إلا آياتٍ من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالكِ الأشْجَعي، شكا إلى رسول الله # جفاءَ أهله وولده، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَا مِنْ أَزْوَيِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخر السورة(٢). وعن عبد الله بن عمرو (٣) قال: قال النبيُّ﴾: ((ما من مولود يولدُ إلَّ وفي تشابيك رأسه مكتوبٌ خمسُ آيات من فاتحة سورة التغابن)) (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرََّىِ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (@)﴾ تقدَّم في غير موضع(٥) (١) النكت والعيون ٢٠/٦. (٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٩٠٢)، وسيذكره المصنف أيضاً عند تفسير الآية المذكورة. (٣) في النسخ: عبد الله بن عمر، والتصويب من المصادر الآتية. (٤) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٨١/٣ - ٨٢، والطبراني في مسند الشاميين (٩٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣١٦) وفي إسناده الوليد بن الوليد العنسي؛ قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به فيما يروي. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. وقال ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٣٥ : غريب جداً، بل منكر. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٤٤٥ عن عبد الله بن عمرو موقوفاً. قال ابن عرَّاق في تنزيه الشريعة ١٩٦/١: وهو أشبه. اهـ. وجاء عند الطبراني: خمس آيات من سورة التغابن، دون لفظة: فاتحة. (٥) ٣٣٨/١ - ٣٣٩، ٨٩/١٣، ٢٣٥/٢٠. ٦ سورة التغابن: الآية ٢ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ قال ابن عباس: إن الله خلق بني آدمَ مؤمناً وكافراً، ويُعيدهم في (١) القيامة مؤمناً وكافراً . وروى أبو سعيدِ الخُذْريُّ قال: خَطَبَنا النبيُّ :﴿ عَشِيَّةً، فذكر شيئاً مما يكون فقال: ((يولد الناس على طبقات شتَّى: يولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت مؤمناً، ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت كافراً، ويولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت كافراً، ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت مؤمناً))(٢) . وقال ابن مسعود: قال النبيُّ﴾: ((خلق الله فرعونَ في بطن أمه كافراً، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مومنا)»(٣). وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: ((وإن أحدكم لَيعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ أو باع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلُها. وإن أحدكم لَيعمل بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعُ أو باع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلُها)). خرَّجه البخاريُّ، والترمذيُّ وليس فيه ذكر الباع (٤). (١) بعدها في (م): يوم. وقول ابن عباس في الوسيط ٣٠٦/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٣٥٢، وتفسير الرازي ٢١/٣٠ . (٢) سلف ١٦ / ٤٢٤ - ٤٢٥. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٥٤٣)، وابن عدي في الكامل ٢٢٢١/٦ ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٠١٩). وفي إسناده أبو هلال الراسبي. قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن حنبل: يحتمل في حديثه إلا أنه يخالف في قتادة وهو مضطرب الحديث. قاله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٣/ ٥٧٧ . وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٢٤٩٨/٧، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢٤٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٠٢١) وفيه نصر بن طريف، قال الذهبي في الميزان ٤/ ٢٥١: قال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: متروك. وقال يحيى: من المعروفين بوضع الحديث. (٤) صحيح البخاري (٦٥٩٤) وسنن الترمذي (٢١٣٧)، وسلف ٢٩٦/١ . ٧ سورة التغابن: الآية ٢ وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد السَّاعديِّ أن رسول الله 8# قال: ((إن الرجل لَيعمل عمل أهل الجنة فيما يَبْدُو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل لَيعمل عمل أهل النار فيما يَبْدُو للناس، وهو من أهل الجنة))(١). قال علماؤنا: والمعنى: تعلَّق العلم الأزليُّ بكلِّ معلوم، فيَجري ما علم وأراد وحكم. فقد يريد إيمانَ شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم. وكذلك الكفر. وقيل في الكلام محذوف: فمنکم مؤمنٌ ومنکم کافر ومنكم فاسق، فحذف لِمَا في الكلام من الدَّلالة عليه. قاله الحسن. وقال غيره: لا حذف فيه؛ لأن المقصود [به] ذكرُ الطرفين(٢). وقال جماعة من أهل العلم: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا. قالوا: وتمام الكلام: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾. ثم وصفهم فقال: ﴿فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُؤْمِنٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآَبَّةٍ مِن ◌َّأٍَ فَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الآية. قالوا: فالله خلقهم، والمَشْيُ فعلُهم (٣). واختاره الحسين بن الفضل، قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين، لَمَا وصفهم بفعلهم في قوله: ﴿فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾. واحتجُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ مولود يولد على الفِطرة، فأبَوَاه يُهوِّدانِه ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ)) الحديث. وقد مضى في ((الروم)) (٤) مستوفّى. قال الضحاك: فمنكم كافرٌ في السِّرِّ مؤمنٌ في العلانية؛ كالمنافق، ومنكم مؤمنٌ في السِّر كافرٌ في العلانية؛ كعَمَّار وذَوِيه(٥). وقال عطاء بن أبي رَبَاح: فمنكم كافر (١) صحيح مسلم (١١٢) كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه. وهو عند أحمد (٢٢٨١٣)، والبخاري (٢٨٩٨) مطول. (٢) النكت والعیون ٢١/٦ وما بین حاصرتين منه. (٣) ينظر تفسير البغوي ٣٥٢/٤ . (٤) ١٦/ ٤٢٢. وأخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨): (٢٢) من حديث أبي هريرة (٥) تفسير الرازي ٢١/٣٠ . ٨ سورة التغابن: الآيتان ٢ - ٣ بالله مؤمنٌ بالكواكب، ومنكم مؤمنٌ بالله كافرٌ بالكواكب، يعني في شأن الأنواء (١). وقال الزجاج - وهو أحسن الأقوال، والذي عليه الأئمةُ والجمهور من الأمة - : إن الله خلق الكافر، وكُفْرُه فِعْلٌ له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخَلَق المؤمن، وإيمانُهُ فعلٌ له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان. والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خَلْق الله إياه؛ لأن الله تعالى قَدَّر ذلك عليه وعَلِمَه منه. ولا يجوز أن يوجد من كلِّ واحد منهما غيرُ الذي قدَّر عليه وعَلِمه منه؛ لأن وجود خلاف المقدور عَجْزٌ، ووجود خلاف المعلوم جَهْلٌ، ولا يَلِيقان بالله تعالى. وفي هذا سلامةٌ من الجبر والقَدَر(٢)، كما قال الشاعر: يا ناظراً في الدِّين ما الأمْرُ لا قَدَرٌ صحَّ ولا جَبْرُ(٣) وقال سِيلان: قَدِم أعرابيِّ البصرة فقيل له: ما تقول في القَدَر؟ فقال: أمرٌ تغالت فيه الظُّنون، واختلف فيه المختلفون؛ فالواجبُ أن نَرُدَّ ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْقِّ وَصَوَّرَّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَإِلَيَّهِ الْمَصِيرُ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحِّ﴾ تقدَّم في غير موضع (٤)، أي: خلقها حقًّا يقيناً لا ريب فيه. وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: خلقهما(٥) للحق، وهو أن (١) تفسير البغوي ٣٥٢/٤، والمحرر الوجيز ٣١٨/٥، وزاد المسير ٢٨٠/٨ - ٢٨١، والأنواء جمع نوء وهو النجم مال للغروب، أو سقوط النجم في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق. القاموس (ناء). (٢) ذكر نحو هذا الكلام البغوي في تفسيره ٤/ ٣٥٢ ولم ينسبه. (٣) ديوان المعاني لأبي هلال العسكري ٢٥١/٢ . (٤) ٨/ ٣١٣، ٤٢٩ . (٥) في (د) و(ق) و (م): أي خلقها. ٩ سورة التغابن: الآيات ٣ - ٦ يَجْزِيَ الذين أساؤوا بما عمِلوا، ويجزيَ الذين أحسنوا بالحُسْنَى. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يعني آدَمَ عليه السلام، خلقه بيده كرامةً له. قاله مقاتل. الثاني: جميع الخلائق(١). وقد مضى معنى التصوير(٢)، وأنه التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن صورهم؟ قيل له: جعلهم أحسن الحيوان كلِّه وأبهاه صورةً؛ بدليل أن الإنسان لا يتمنَّی أن تكون صورته على خلاف ما یری من سائر الصُّوَر. ومِن حُسْن صورته أنه خُلِقِ منتصِباً غيرَ مُنْكَبٍّ، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ فِيِّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾(٣) [التين: ٤] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ﴿وَإِلَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، فيجازي كلَّا بعلمه. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا قُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونُّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (@) تقدَّم في غير موضع. فهو عالمُ الغيبِ والشهادة، لا يخفى عليه شيء. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أ١َ آلِيمُ الخطاب لقريش، أي: ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية. ﴿فَذَاقُواْ وَبَلَ أَعْرِهِمْ﴾ أي: عوقبوا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجِع. وقد تقدَّم(٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَّأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالَْتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌّ ◌َهُدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حِيدٌ ( قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا العذابُ لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم ﴿يَاَلْبَيْنَتِ﴾ (١) النكت والعيون ٦/ ٢١. (٢) ٣٩٣/٢٠. (٣) الكشاف ٤/ ١١٣ . (٤) ٣٠١/١. ١٠ سورة التغابن: الآيتان ٦ - ٧ أي: بالدَّلائل الواضحة. ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَدُونَنَا﴾: أنكروا أن يكون الرسول من البشر. وارتفع ((أَبَشَرٌ)) على الابتداء. وقيل: بإضمار فعل، والجمعُ على معنى بشر، ولهذا قال: ((يَهْدُونَنَا))، ولم يقل: يهدينا. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكونُ اسماً للجنس، وواحدُه إنسانٌ؛ لا واحد له من لفظه (١). وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد، نحو قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]. ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: بهذا القول، إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعثُ مَن يشاء إلى عباده. وقيل: كفروا بالرسل وتولَّوا عن البرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. ﴿وَأَسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي: بسلطانه عن طاعة عباده. قاله مقاتل. وقيل: استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرُّشد وتقودُ إلى الهداية(٢). قوله تعالى: ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ لَّنْ يُبْعَنُواْ قُلْ بَى وَرَبٍ ◌َُعَنُنَّ ثُمّ لَنْقَوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَنْ يُبْعَثُواْ﴾ أي: ظنُّوا، والزَّعْمُ هو القول بالظن. وقال شُريح: لكلِّ شيءٍ كُنْيَةٌ، وكُنْيَةُ الكذب زعموا(٣). قيل: نزلت في العاص بن وائلِ السَّهْميِّ مع خَبَّاب، حسب ما تقدَّم بيانُه في آخر سورة مريم(٤)، ثم عَمَّت كلَّ كافر. ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿بَى وَرَبِّ لََُّثُنَّ﴾ أي: لَتُخْرَجُنَّ من قبوركم أحياء. ﴿ثُمّ لَُونَ﴾: لَتُخْبَرُنَّ. ﴿بِمَا عَمِلْ﴾ أي: بأعمالكم. ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إذ الإعادةُ أسهلُ من الابتداء. (١) ينظر تفسير البغوي ٣٥٢/٤. (٢) النكت والعيون ٢١/٦. (٣) الكشاف ١١٤/٤، وتفسير الرازي ٢٣/٣٠، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٣٧ - ٦٣٨. (٤) ٥٠٥/١٣ . ١١ سورة التغابن: الآيتان ٨ - ٩ قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَلْتُورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَاْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أمرهم بالإيمان بعد أن عرَّفهم قيامَ الساعة. ﴿وَالنُّورِ الَّذِىَ أَنزَلْنًا﴾ وهو القرآن، وهو نورٌ يُهْتدى به من ظُلمة الضلال. ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيْرٌ﴾ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيَِّائِهِ، وَيُدْخِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َمِنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدَّأَ ذَلِكَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَعْ﴾ العاملُ في ((يَوْمَ)) ((لَتُنَبَّؤَنَّ» أو (خَبِيرٌ)) لِمَا فيه من معنى الوعيد، كأنه قال: والله يعاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار: اذكر (١). والغَبْنُ: النقص. يقال: غَبَنَه غَبْناً: إذا أَخذ الشيءَ منه بدون قيمته. وقراءةُ العامة: ((يَجْمَعُكُمْ)) بالياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَيْرٌ﴾ فأخبر، ولِذِكر اسم الله أوَّلاً. وقرأ نصر وابنُ أبي إسحاقَ والجَحْدَريُّ ويعقوبُ وسلام: (نجمعكم)) بالنون(٢)؛ اعتباراً بقوله: ﴿وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنَزََّا﴾. ويومُ الجمع: يومٌ يجمع الله الأوَّلين والآخِرِين والإنسَ والجنَّ وأهلَ السماء وأهل الأرض. وقيل: هو يومٌ يجمع الله فيه بین كلِّ عبد وعمله. وقيل: لأنه يجمع فيه بین الظالم والمظلوم. وقيل: لأنه يجمع فيه بین کل نبيٍّ وأُمَّته. وقيل: لأنه يجمع فيه بین ثواب أهل الطاعات وعقابٍ أهل المعاصي. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ أي: يومُ القيامة. قال: وما أَرتجي بالعيش في دار فُرقةٍ أَلَا إِنَّما الراحاتُ يومَ التغابنِ وسمِّيَ يومُ القيامة يومَ الثَّغابُن؛ لأنه غَبَن فيه أهلُ الجنة أهلَ النار(٣) . أي: إنَّ (١) الكشاف ١١٥/٤، ووقع في (ظ): اذكروا، بدل: اذكر. (٢) قراءة يعقوب - وهو من العشرة - في النشر ٣٨٨/٢، وقراءة سلام في القراءات الشاذة ص ١٥٧. (٣) النكت والعيون ٦/ ٢٣ . ١٢ سورة التغابن: الآية ٩ أهل الجنة أخذوا الجنة، وأَخذَ أهلُ النار النارَ على طريق المبادلة، فوقع الغَبْن لأجل مبادلتهم الخيرَ بالشرِّ، والجيِّدَ بالرديء، والنعيمَ بالعذاب(١). يقال: غَبَنتُ فلاناً: إذا بايعتَه أو شاريتَه، فكان النقصُ عليه والغَلَبةُ لك. وكذا أهلُ الجنة وأهلُ النار؛ على ما يأتي بيانه. ويقال: غَبَنتُ الثوب وخبنتُه: إذا طال عن مِقدارك فخِطتَ منه شيئاً، فهو نقصانٌ أيضاً. والْمَغَابِنُ: ما انثنى من الخلق نحو الإبطين والفخذين. قال المفسرون: فالمغبونُ مَن غَبَن أهلَه ومنازله في الجنة. ويظهر يومئذ غَيْنُ كلِّ كافر بتركه(٢) الإيمانَ، وغَبْنُ كلِّ مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام(٣). قال الزجاج(٤): وَيْغِن مَّن ارتفعت منزلتُه في الجنة مَن كان دون منزلته. الثانية: فإن قيل: فأيُّ معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغَبْن فيها. قيل له: هو تمثيلُ الغَبْن في الشراء والبيع(٥)، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْ الضَّلَلَّةَ بِلْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. ولمَّا ذكر أن الكفار اشترَوا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا، ذَكّر أيضاً أنهم غُبِنوا، وذلك أن أهل الجنة اشتَروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهلُ النار الدنيا بترك الآخرة. وهذا نوعُ مبادلة اتِّساعاً ومجازاً. وقد فرَّق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً للنار. ومنازلُ الكلِّ موضوعةٌ في الجنة والنار. فقد يسبق الخذلانُ على العبد - كما بيَّنَّاه في هذه السورة(٦) وغيرها - فيكونُ من أهل النار، فيحصُلُ الموفَّق على منزل المخذول، ومنزلُ الموقَّق في النار للمخذول، فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن. والأمثالُ موضوعةٌ للبيان في حكم اللغة والقرآن. وذلك كلُّه مجموعٌ مِن نشر الآثار، وقد جاءت (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٠٣. (٢) في (د)ز و(م): بترك. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٥٣ . (٤) في معاني القرآن ٥/ ١٨٠. (٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٨٠٣/٤. (٦) في تفسير الآية الثانية منها. ٠٠ ١٣ سورة التغابن: الآية ٩ مفرَّقةً في هذا الكتاب(١). وقد يُخبر عن هذا التبادل بالوراثة كما بيَّنَّه في ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ))(٢). والله أعلم. وقد يقع التغابن في غير ذلك اليوم على ما يأتي بيانه بعدُ، ولكنه أراد التغابن الذي لا جُبران لنهايته. وقال الحسن وقتادة: بلغنا أنَّ التغابن في ثلاثة أصناف: رجلٍ عَلِم ◌ِلماً فعلَّمه وضيَّعه هو ولم يعمل به، فشَقيَ به، وعَمِل به مَن تعلّمه منه فَتَجا به. ورجلٍ اكتسب مالاً من وجوه يُسأل عنها وشخَّ عليه، وفرَّط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيراً، وتركه لوارث لا حسابَ عليه فيه، فعمل ذلك الوارثُ فيه بطاعة ربِّه. ورجلٍ كان له عبدٌ، فعمل العبد بطاعة ربِّه فسَعِد، وعمل السيِّد بمعصية ربِّه فشَقي. وروي عن النبيِّ# أنه قال: ((إن الله تعالى يُقيم الرجل والمرأة يوم القيامة بين يديه، فيقول الله تعالى لهما: قُولًا فما أنتما بقائلين، فيقول الرجل: يا ربِّ أوجبتَ نفقتها عليَّ، فتعسَّفتُها من حلال وحرام، وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك، ولم يَبْقَ لي ما أُوفي به، فتقولُ المرأة: يا ربِّ وما عسى أن أقول، اكتسبه حراماً وأكلتُه حلالاً ، وعصاك في مَرْضاتي ولم أرضَ له بذلك، فبُعداً له وسُخْقاً، فيقول الله تعالى: قد صدقتٍ، فيؤمرُ به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة، فَتَطَّلِعُ عليه من طبقات الجنة وتقول له: غَبَنَّاك غَبَنَّاك، سَعِدنا بما شَقِيتَ أنت به)) فذلك يوم التغابن(٣). الثالثة: قال ابن العربيّ(٤): استدل علماؤنا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ على أنه لا يجوز الغَبْن في المعاملة الدُّنيوية؛ لأن الله تعالى خصَّص التغابنَ بيوم القيامة فقال: ((ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)) وهذا الاختصاصُ يُفيد أنه لا غَبْن في الدنيا، فكلُّ مَن اطّلع (١) ينظر ٢٩٦/١، ١٥/١٥ - ١٦، وص٦-٧ من هذا الجزء. والكلام السالف من أحكام القرآن لابن العربي ١٨٠٣/٤ - ١٨٠٤. (٢) ١٥/١٥ - ١٦. (٣) لم نقف عليه، والضعف في سياقه ظاهر. (٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٠٤ - ١٨٠٥. ١٤ سورة التغابن: الآيتان ٩ - ١٠ على غَبْن في مَبيع، فإنه مردودٌ إذا زاد على الثُلُث. واختاره البغداديون واحتجُوا عليه بوجوه: منها قولُه :﴿ لحَبَّان بن مُنْقِذ: ((إذا بايعت فقُلْ: لا خِلابة، ولك الخيارُ ثلاثاً))(١). وهذا فيه نظرٌ طويلٌ بيَّنَّه في مسائل الخلاف. نُكْتَتُه أن الغَبْن في الدنيا ممنوعٌ بإجماع في حكم الدين، إذ هو من باب الخِداع المحرَّم شرعاً في كلِّ ملَّة، لكنَّ اليسيرَ منه لا يمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع، إذ لو حَكَمْنا بردِّه ما نفذ بيعٌ أبداً؛ لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيراً أمكن الاحتراز منه؛ فوجب الردُّ به. والفرقُ بين القليل والكثير أصلٌ في الشريعة معلومٌ، فقدَّر علماؤنا الثلثَ لهذا الحدِّ، إذ رأوه في الوصية وغيرها. ويكون معنى الآية على هذا: ذلك يومُ التغابنِ الجائزِ مطلقاً من غير تفصيل. أو: ذلك يومُ التغابنِ الذي لا يُستدرك أبداً؛ لأن تغابن الدنيا يُستدرك بوجهين: إما بردٍّ في بعض الأحوال، وإمَّا بربح في بيع آخرَ وسِلْعَةٍ أخرى. فأمَّا مَنْ خَسِر الجنة فلا درك له أبداً. وقد قال بعض علماء الصوفية: إن الله كتب الغَبْنَ على الخلق أجمعين، فلا يلقى أحدٌ ربَّه إلا مغبوناً؛ لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصُلَ له استيفاء الثواب. وفي الأثر قال النبيُّ﴾: ((لا يلقى اللهَ أحدٌ إلا نادماً؛ إن كان مسيئاً أَنْ لم يحسن، وإن كان محسناً أَنْ لم يزدد))(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِلّهِ وَيَعْمَلْ صَئِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّخَائِهِ، وَيُدْيِلَهُ جَنَّتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما، والباقون بالياء(٣). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَقِنَآ﴾ يعني: القرآن ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيَهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ لمَّا ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكافرين؛ كما تقدَّم في (١) سلف ٤/ ٤٣٥ . (٢) في أحكام القرآن لابن العربي (والكلام منه) : ... إذ لم يحسن، .. إذ لم يزدد. ولم نقف عليه. (٣) السبعة ص٦٣٨، والتيسير ص٢١١ . ١٥ سورة التغابن: الآية ١١ غير موضع. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بإرادته وقضائه(١). وقال الفرَّاء: يريد: إلا بأمر الله(٢). وقيل: إلا بعلم الله(٣). وقيل: سببُ نزولها أنَّ الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًّا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا، فبيَّن الله تعالى أنَّ ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل، يقتضي هَمَّا أو يُوجِب عقاباً عاجلاً أو آجلاً، فبعلم الله وقضائه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أي: يصدِّقْ ويعلمْ أنه لا يصيبه مصيبةٌ إلا بإذن الله(٤) ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للصبر والرضا. وقيل: يُثَبِّته على الإيمان. وقال أبو عثمان الحيري(٥): مَن صحَّ إيمانه، يَهدِ الله قلبه لاتباع السُّنة(٦). وقيل: ((وَمَنْ يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلبَهُ)) عند المصيبة، فيقول: ((إنّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ))(٧). قاله ابن جبير. وقال ابن عباس: هو أن يجعل الله في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه(٨). وقال الكَلْبِيُّ: هو إذا ابْتُلَيَ صَبَرَ، وإذا أُنْعِم عليه شَكَر، وإذا ظُلم غَفَرَ(٩). وقيل: يَهْدِ قلبه إلى نيل الثواب في الجنة. (١) تفسير البغوي ٤/ ٣٥٣. (٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٦١. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٨١/٥ . (٤) تفسير البغوي ٣٥٣/٤. (٥) في (خ) و(ف) و(م): الجيزي، وهو غلط، والصواب ما أثبتناه. (٦) زاد المسير ٢٨٣/٨ . (٧) معاني القرآن للفراء ١٦١/٣، والنكت والعيون ٢٣/٦، ونسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٢٨٣/٨ لمقاتل. (٨) أخرجه الطبري ١٢/٢٣ . (٩) النكت والعيون ٢٣/٦، وزاد المسير ٢٨٣/٨. ١٦ سورة التغابن: الآيات ١١ - ١٤ وقراءةُ العامة: ((يَهْدِ)) بفتح الياء وكسر الدال؛ لِذكرِ اسم الله أولاً. وقرأ السُّلَميُّ وقتادةُ: (يُهْدَ قَلْبُه)) بضمِّ الياء وفتح الدال على الفعل المجهول ورفع الباء(١)؛ لأنه اسمُ فعلٍ لم يُسمَّ فاعله. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف والأعرج: ((نَهْدِ)) بنونٍ على التعظيم. ((قَلْبَه)) بالنصب(٢). وقرأ عكرمة: ((يَهْدَأ قلبُه)) بهمزة ساكنة ورفع الباء(٣)، أي: يسكُنْ ويطمئن. وقرأ مثلَه مالك بن دينار، إلا أنه لَيَّن الهمزة(٤). ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه تسليمُ مَن انقاد وسلَّم لأمره، ولا کراهةٌ مَن کرهه. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ ٧ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٣ أي: هوِّنوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه(٥)، وأطيعوا الرسل في العمل بسُنَّته، فإن توليتم عن الطاعة، فليس على الرسول إلا التبليغ. ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود سواه، ولا خالق غيره، فعليه توَّلُوا. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنَ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ فیه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوًّا (١) قراءة السلمي في القراءات الشاذة ص١٥٧ - ١٥٨. (٢) ذكرها عن طلحة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥٧، وذكرها عن الأعرج - وهو عبد الله بن هرمز - أبو حيان في البحر المحيط ٢٧٨/٨ . (٣) المحتسب ٣٢٣/٢. (٤) ذكر هذه القراءات ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٥٧ ونسبها لعمرو بن فائد. (٥) في (ظ): واتلوا كتابه. ١٧ سورة التغابن: الآية ١٤ لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عَوْف بن مالكٍ الأشْجَعيِّ، شكا إلى النبيِّ# جَفاءَ أهلِهِ وولدِه؛ فنزلت، ذكره النحاس(١). وحكاه الطَّبَريُّ(٢) عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلّها بمكةَ إلَّ هؤلاء الآيات: وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَ مِنْ أَزْوَتِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ نزلت في عَوْف بن مالكِ الأشْجَعيِّ كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغَزْوَ بَكَوْا إليه ورقَّقُوه فقالوا: إلى مَن تَدَعُنا؟ فَيَرِقُّ فِيُقيم، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَ مِنْ أَزْوَتِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا ◌َكُمْ﴾ الآيةُ كلُّها بالمدينة في عَوْف بن مالكِ الأشجعيّ. وبقيةُ الآيات إلى آخر السورة بالمدينة. وروى الترمذيُّ(٣) عن ابن عباس - وسأله رجل عن هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَأْ إِنَ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ - قال: هؤلاء رجالٌ أسلموا من أهل مكةً، وأرادوا أن يأتوا النبيَّ ﴾، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعُوهم أن يأتوا النبيَّ﴾، فلمَّا أتَوُا النبيَّ ﴾، رأَوُا الناس قد فَقُهُوا في الدِّين؛ هَمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَيِكُمْ وَوَلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ الآية. [قال أبو عيسى : ] هذا حديث حسن صحيح. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي (٤): هذا يبيِّن وجه العداوة، فإن العدوَّ لم يكن عدوًّا لذاته، وإنما كان عدوًّا بفعله. فإذا فَعَل الزوج والولد فِعْلَ العدُوِّ، كان عدوًّا، ولا فِعْلَ أقبحُ من الحيلولة بين العبد وبين الطّاعة. وفي صحيح البخاريِّ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ# قال: ((إن الشيطان قَعَد لابن آدم في طريق الإيمان، فقال له: أتؤمنُ وتَذَرُ دِينَك(٥) ودِين آبائك، فخالَفَه فآمن. ثم قعد له على طريق (١) سلف أول السورة. (٢) في تفسيره ٢٣/ ١٥. (٣) برقم (٣٣١٧)، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في أحكام القرآن ١٨٠٦/٤ . (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(ظ) و(ق): وتذر ذريتك. ١٨ سورة التغابن: الآية ١٤ الهجرة، فقال له: أتهاجرُ وتتركُ مالك وأهلك، فخالَفَه فهاجَر. ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهدُ فتقتُلَ نفسك، فتُنكّحَ نساؤك، ويُقسمَ مالك، فخالَفَه فجاهَدَ فقُتِل، فحقٌّ على الله أن يُدخِله الجنة))(١). وقعود الشیطان یکون بوجهين : أحدهما : يكون بالوسوسة. والثاني: بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوجَ والولدَ والصاحب، قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيِّنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]. وفي حكمة عيسى عليه السلام: مَن اتخذ أهلاً ومالاً وولداً، كان للدنيا عبداً. وفي صحيح الحديث بيان أدنى من ذلك في حال العبد، قال النبيُّ#: ((تَعِس عبد الدينار، تَعِس عَبْدُ الدِّرْهم، تَعِس عبد الخَميصَة، تَعِس عبد القَطيفة، تَعِس وانتكس، وإذا شِيك فلا انتقش))(٢). ولا دناءة أعظمُ من عبادة الدينار والدرهم، ولا همَّة أخسُ من همَّة ترتفع بثوب جديد(٣). الثالثة: كما أن الرجل يكون له ولدُه وزَوْجُه عدُوًّا، كذلك المرأةُ يكون لها زوجُها وولدها عدوًّا بهذا المعنى بعينه. وعمومُ قوله: (مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)) يدخل فيه الذَّكر والأنثى؛ لدخولهما في كلِّ آية. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَأَخْذَرُوهُمْ﴾ معناه على أنفسكم. والحذرُ على النفس يكون (١) لم يخرجه البخاري في صحيحه كما قال المصنف، لكن أخرجه في التاريخ الكبير ١٨٨/٤ من حديث سبرة بن الفاكه بنحوه، وسلف ١٠/ ١٤٢ من حديث سبرة بن الفاكه. (٢) أخرجه البخاري (٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة ﴾. وقوله: تَعِس: أي عثر وانكبَّ لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك. والخميصة: هي ثوب خزٍّ أو صوف مُعْلَم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء مُعْلمة. والقطيفة: هي كساء له خَمْل. وانتكس: أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة. وقوله: وإذا شيك فلا انتقش: أي إذا شاكته شوكة، فلا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. النهاية (تعس) و(خمص) و(قطف) و(نكس) و(شوك). وسلف ٢٥٤/١٩ - ٢٥٥. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٠٧، والمسألتان الآتيتان منه. ١٩ سورة التغابن: الآيتان ١٤ - ١٥ بوجهين: إمَّا لضرر في البدن، وإمَّا لضرر في الدِّين. وضررُ البدن يتعلَّق بالدنيا، وضررُ الدِّين يتعلق بالآخرة. فحذَّر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره به. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ روى الطَّبَريُّ(١) عن عكرمةَ في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ قال: كان الرجل يريد أن يأتيَ النبيَّ ﴾، فيقول له أهلُه: أين تذهب وتدعُنا؟ قال: فإذا أسلم وَفَقُهَ قال: لَأَرجعنَّ إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر، فلَأَّفعلنّ ولَأَفعلنّ، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنََّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّا لَكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ قال: ما عادَوهم في الدنيا، ولكنْ حملهم(٢) مودَّتُهم لهم(٣) على أن أخذوا لهم الحرام، فأعطوه إيَّاهم. والآيةُ عامةٌ في كلِّ معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوصُ السبب لا يمنع عموم الحكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَقْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب الحرام ومنع حقِّ الله تعالى، فلا تطيعوهم في معصية الله. وفي الحديث: ((يُؤْتَى برجل يوم القيامة فيقال: أكَلَ عِيالُهُ حسناتِه))(٤). وعن بعض السلف: العِيال (١) في تفسيره ١٤/٢٣ . (٢) في (م): حملتهم. (٣) لفظة: لهم، ليست في (د) و(م). (٤) الكشاف ١١٦/٤، ولم نقف عليه مرفوعاً، لكن أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٤٥١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩٣/١، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٨١ عن سفيان الثوري بلفظ: يؤمر بالرجل يوم القيامة إلى النار، فيقال: هذا عياله أكلوا حسناته. قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار ٢/ ٤٢ : غريب مرفوعاً. وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٧٣ : لم أره مرفوعاً. ٢٠ سورة التغابن: الآية ١٥ سُوس الطاعات(١). وقال القُتَيْبي: ((فِتْنَةٌ)) أي: إغرام، يقال: فُتِن الرجل بالمرأة، أي: شُغف بها(٢). وقيل: ((فِتْنَةٌ)): مِخنة. ومنه قول الشاعر: لقد قُتِن الناسُ في دينهمْ وخَلَّى ابنُ عمَّان شرًّا طويلا(٣) وقال ابن مسعود: لا يقولنَّ أحدكم: اللَّهُمّ اعْصِمْني من الفتنة، فإنه ليس أحدٌ منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتملٌ على فتنة، ولكن ليقل: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من مُضِلَّات الفتن(٤). وقال الحسن في قوله تعالى: ((إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)): أدخل ((مِن)) للتبعيض؛ لأن كلَّهم ليسوا بأعداء. ولم يذكر ((مِن)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمُ فِتْنَهُ ﴾ لأنهما لا يخلوان من الفتنة، واشتغال القلب بهما(٥) . وروى الترمذيُّ وغيرُهُ عن عبد الله بن بُرَيْدة عن أبيه قال: رأيت النبيَّ # يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثُران، فنزل رسول الله 8%، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: ((صدق الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ﴾. نظرت إلى هذين الصبيَّيْن يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما))، ثم أخذ في خُطبته(٦). ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني الجنة، فهي الغاية، ولا أجرَ أعظمُ منها في قول (١) الكشاف ١١٦/٤. (٢) في (ظ): غرم بها، والكلام من تفسير غريب القرآن ص٤٦٩ . (٣) أورده المرزباني في معجم الشعراء ص ٢٤٠، والبغدادي في خزانة الأدب ٤١٩/٩ ونسباه لكثير بن عبد الله النهشلي، ونسبه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٤٧٢ للفرزدق. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٥٤، والمحرر الوجيز ٣٢٠/٥. (٥) أورد هذا القول البغوي في تفسيره ٤/ ٣٥٤ ولم ينسبه. ونقله ابن الجوزي في زاد المسير ٢٨٥/٥ عن الفراء. (٦) سنن الترمذي (٣٧٧٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد. وهو عند أحمد (٢٢٩٩٥)، وأبي داود (١١٠٩)، والنسائي ١٠٨/٣، ١٩٢، وابن ماجه (٣٦٠٠).