Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة الممتحنة: الآيتان ١ - ٢
فإنَّ المعاتبة لا تكون إلا من مُحِبِّ لحبيبه. كما قال:
إذا ما رابني منه اجتناب
أعاتب ذا المودّة من صديقٍ
ويبقى الودُّما بقي العتاب(١)
إذا ذهب العِتاب فليس وُدِّ.
ومعنى ((بِالْمَوَدَّةِ)) أي: بالنصيحة في الكتاب إليهم(٢). والباء زائدة، كما ذكرنا،
أو ثابتة غير زائدة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ أَضمرتم ﴿وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ أَظهرتم. والباء في
(بِمَا)) زائدة، يقال: علمت كذا وعلمت بكذا. وقيل: وأنا أعلم من كلِّ أحد بما
تخفون وما تعلنون(٣)، فحذف: من كلٌّ أحد. كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره.
وقال ابن عباس: وأنا أعلم بما أَخفيتم في صدوركم، وما أَظهرتم بألسنتكم من
الإقرار والتوحيد. ﴿وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ﴾ أي: من يُسِرُّ إليهم ويكاتبهم منكم ﴿فَقَدْ ضَلَّ
سَوَآءَ السَبِيلِ﴾ أي: أخطأ قصد الطريق.
قوله تعالى: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوْ لَكُمْ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيَدِيَهُمْ وَأَلْسِتَهُم بِلسُّوْءِ
وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ﴾ يلقوكم (٤) ويصادفوكم، ومنه: المثاقفة، أي: طلب
مصادفة الغُرّة في المسايفة وشبهها(٥). وقيل: ((يَتْقَفُوكُمْ)) يظفروا بكم ويتمكَّنوا منكم(٦)
﴿يَكُونُوْ لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبَدِيَهُمْ وَأَلْسِتَهُم بِالسٍُّ﴾ أي: أيديهم بالضرب والقتل،
(١) القائل علي بن الجهم، والبيتان في بهجة المجالس ٧٢٨/٢ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٥١/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤١١ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٥٦/٥ .
(٥) أساس البلاغة للزمخشري (ثقف)، وقال الجاحظ في البيان والتبيين ١٤٧/١: فإن قالوا: رمى فأصاب
الغُرَّة، وأصاب عين القرطاس: فهو الذي ليس فوقه أحد.
(٦) الكشاف ٤/ ٩٠ ، وما بعده منه أيضاً.

٤٠٢
سورة الممتحنة: الآيتان ٢ - ٣
وألسنتهم بالشتم. ﴿وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ بمحمَّد؛ فلا تناصحوهم؛ فإنَّهم لا
یناصحونکم.
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَوْلَئُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ﴾ لما اعتذر حاطب بأنَّ له أولادًا وأرحامًا فيما
بينهم، بَيَّن الرَّبُّ عزَّ وجلَّ أنَّ الأهل والأولاد لا ينفعون شيئًا يوم القيامة إن عُصِيَ من
أجل ذلك(١). ﴿يَفْضِلُ بَيْنَكُمْ﴾ فيدخِل المؤمنين الجنَّة، ويدخل الكافرين النار(٢).
وفي (يفصل)) قراءات سبع: قرأ عاصم: ((يَفصِل)) بفتح الياء وكسر الصاد مخففًا.
وقرأ حمزة والكسائيُّ مشدَّدًا إلا أنَّه على ما لم يُسَمَّ فاعله(٣). وقرأ طلحة والنَّخَعيُّ:
بالنون وكسر الصاد مشدّدة(٤). وروي عن علقمة كذلك بالنون مخفّفة. وقرأ قتادة وأبو
حَيْوَة: ((يَفْصِل)) بضمِّ الياء وكسر الصاد مخفَّفة، من أفصل(٥). وقرأ الباقون: ((يُفْصَل))
بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد، على الفعل المجهول(٦)، واختاره أبو عبيد.
فمن خفَّف؛ فلقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾
[النبأ: ١٧]. ومن شدَّد؛ فلأنَّ ذلك أبين في الفعل الكثير المكرَّر المتردِّد. ومن أتى به
على ما يُسَمَّ فاعله؛ فلأنَّ الفاعل معروف. ومن أتى به مُسَمَّى الفاعل، ردَّ الضمير إلى
الله تعالى(٧). ومن قرأ بالنون؛ فعلى التعظيم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ﴾.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤١١ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٣/٥ .
(٣) السبعة ص ٦٣٣، والتيسير ص ٢١٠ .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٥٥ .
(٥) الكشاف ٩٠/٤، والبحر المحيط ٢٥٤/٨.
(٦) السبعة ص ٦٣٣، والتيسير ص ٢١٠ .
(٧) الحجة للفارسي ٢٨٥/٦ - ٢٨٦، والكشف لمكي ٣١٨/٢ بنحوه.

٤٠٣
سورة الممتحنة: الآيتان ٤ - ٥
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِىِّ إِنَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا
بُرَءَهُوًّا مِنْكُمْ وَمَِّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ
أَبَّدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِلَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللَّهِ
مِن شَىْءٍ ذَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ وَأَغْفِّرْ لَنَا رََّاْ إِنَّكَ أَنْتَ اٌلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٥
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّهُ فِىّ إِنَزَمِيمَ﴾ لما نهى عن موالاة الكفّار،
ذكر قصَّة إبراهيم عليه السلام، وأنَّ من سيرته التبرُّؤ من الكفّار، أي: فاقتدوا به
وأُتَّمُّوا، إلا في استغفاره لأبيه(١). والإِسْوَةُ والأُسْوَةُ: ما يُتَأَسَى به، مثل القِدْوة
والقُدْوةُ(٢). ويقال: هو إسوتك، أي: مثلك، وأنت مثله. وقرأ عاصم: ((أُسْوَة)) بضمِّ
الهمزة لغتان(٣).
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني: أصحاب إبراهيم من المؤمنين(٤). وقال ابن زيد: هم
الأنبياء(٥) ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوْبِهِمْ﴾ الكفَّارُ (٦) ﴿إِنَّا بُرَءَؤْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي:
الأصنام. وبُرَآء: جمع بَرِيْء(٧)، مثل شريك وشركاء، وظريف وظرفاء.
وقراءة العامة على وزن فُعَلَاء. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق: ((بِرَاء))
بكسر الباء على وزن فِعال(٨)، مثل قَصير وقِصار، وطَويل وطِوال، وظَريف وظِراف.
ويجوز ترك الهمزة حتى تقول: بَرًا، وتنوَّن. وقرِئ: ((بَرَاء)) على الوصف بالمصدر.
(١) تفسير البغوي ٤/ ٣٣٠ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٥٢/٣ .
(٣) السبعة ص ٦٣٣ ، والتيسير ص ١٧٨ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٥٦/٥.
(٥) أخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٥٦٦ .
(٦) النكت والعيون ٥١٨/٥.
(٧) تفسير البغوي ٤/ ٣٣٠ .
(٨) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والمحتسب ٣١٩/٢.

٤٠٤
سورة الممتحنة: الآيتان ٤ - ٥
وقرئ: ((بُراء)) على إبدال الضمِّ من الكسر، كرُخَال ورُباب(١).
والآية نصّ في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله. وذلك يصحِّح أنَّ
شَرْعَ مَن قبلنا شَرْعٌ لنا فيما أخبر الله ورسوله(٢).
﴿كَفَرْنَا بِكُرُ﴾ أي: بما آمنتم به من الأوثان. وقيل: أي: بأفعالكم، وكذَّبناها
وأَنكرنا أن تكونوا على حقِّ (٣). ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبَدًا﴾ أي: هذا دأبنا
معكم مادتم على كفركم ﴿حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ فحينئذٍ تنقلب المعاداةُ موالاةٌ ﴿إِلَّا
قَوَلَ إِنْهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فلا تتأسَّوْا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين؛ فإنَّه
كان عن مَوْعِدة منه له، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما(٤). وقيل: معنى الاستثناء أنَّ
إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه(٥)، ثم بيَّن عذره في سورة
((التوبة))(٦).
وفي هذا دلالة على تفضيل نبيِّنا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء؛ لأنَّا
حين أُمِرْنَا بالاقتداء به أُمِرْنَا أمرًا مطلقًا في قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَذَكُمْ عَنْهُ فَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] وحين أُمِرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثني بعض
أفعاله. وقيل: هو استثناء منقطع، أي: لكن قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرنَّ لك. إنَّما
جرى؛ لأنَّه ظنَّ أنَّه أسلم، فلما بان له أنَّه لم يُسلم، تبرَّأ منه. وعلى هذا يجوز
(١) الكشاف ٩١/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٥٥ عن عيسى بن عمر، والرخال، جمع رخل:
وهي الأنثى من أولاد الضأن. والرباب، جمع الرُّبَّى: وهي الشاة التي وضعت حديثاً. اللسان (رخل)
و(ربب).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧٣ .
(٣) النكت والعيون ٥١٨/٥ .
(٤) النكت والعيون ٥١٨/٥ عن قتادة، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٧/٢، والطبري ٢٢/ ٥٦٨،
وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٦٧، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨ .
(٥) النكت والعيون ٥١٨/٥ وعزاه للكلبي.
(٦) عند الآية (١١٤)، وسلفت ٤٠٠/١٠ .

٤٠٥
سورة الممتحنة: الآيات ٤ - ٧
الاستغفار لمن يُظَنُّ أنَّه أسلم، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظَّنِّ، فَلِمَ توالوهم؟ !.
﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٌ﴾ هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه، أي: ما
أدفع عنك من عذابِ الله شيئًا إن أَشركتَ به. ﴿رَبَّا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا﴾ هذا من دعاء إبراهيم
عليه السلام وأصحابه. وقيل: علَّم المؤمنين أن يقولوا هذا(١)، أي: تبرَّؤوا من
الكفّار، وتوثَّلوا على الله، وقولوا: ((ربنا عليك توكلنا)) أي: اعتمدنا ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾
أي: رجعنا ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ لك الرجوع في الآخرة ﴿رَّا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
أي: لا تُظهر عدوَّنا علينا؛ فيظنُّوا أنَّهم على حقٍّ، فيفتتنوا بذلك(٢). وقيل: لا
تسلّطهم علينا فيفتنونا ويعذِّبونا(٣). ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّاً إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَنَ لَكُمْ فِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِمَنْ كَانَ يَرَّجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الَخِرَ وَمَنْ
يَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْخِيْدُ ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم
قَوَدَّةُ وَاللَّهُ قَدِيْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْ فِهِمْ﴾ أي: في إبراهيم ومن معه من الأنبياء
والأولياء(٤). ﴿أُسْرَّةُ حَسَنَّةٌ﴾ أي: في التبرُّؤ من الكفّار. وقيل: كرّر؛ للتأكيد. وقيل:
نزل الثاني بعد الأوَّل بمدَّة، وما أكثر المكرَّرات في القرآن على هذا الوجه.
﴿وَمَن يَوَلَ﴾ أي: عن الإسلام وقبول هذه المواعظ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ أي: لم
يتعبَّدهم لحاجته إليهم . ﴿الْحَيِيدُ﴾ في نفسه وصفاته.
ولما نزلت، عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين، فعلم الله شدَّة وَجْدٍ
المسلمين في ذلك فنزلت: ﴿عَسَى اَللَّهُ أَن يَجْعَلَ يَبْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةُ﴾ وهذا
(١) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٥٠.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٥٧.
(٣) النكت والعيون ٥١٨/٥ وعزاه لابن عباس، وأخرجه عنه الطبري ٥٦٩/٢٢ .
(٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٥٧٠ .

٤٠٦
سورة الممتحنة: الآيتان ٦ - ٧
بأن يُسْلِم الكافر. وقد أَسلم قوم منهم بعد فتح مكَّة، وخالطهم المسلمون(١)، كأبي
سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسُهيل بن عمرو، وحكيم بن حِزام (٢). وقيل
المودَّة: تزويج النبيِّ ﴿ أَمَّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ فلانت عند ذلك عَرِيكة أبي سفيان،
واسترخت شكيمته في العداوة(٣).
قال ابن عباس: كانت المودّة بعد الفتح تزويج النبيِّ # أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان،
وكانت تحت عبد الله بن جَخْش، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة. فأمَّا
زوجها فتنصَّر وسألها أن تتابعه على دينه، فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها
على النصرانيَّة. فبعث النبيُّ إلى النجاشيِّ فخطبها، فقال النجاشيُّ لأصحابه: من
أَوْلاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص. قال: فزوِّجْها من نبيِّكم. ففعل،
وأمهرها النجاشيُّ من عنده أربع مئة دينار. وقيل: خطبها النبيُّ ﴾ إلى عثمان بن
عَفَّان، فلما زوَّجه إيَّاها، بعث إلى النجاشيِّ فيها، فساق عنه المهر، وبعث بها إليه.
فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبيِّ# ابنته: ذلك الفَحْلُ لا يُقْدَع أنْفُه(٤).
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٥٠ .
(٢) خبر إسلام أبي سفيان في السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٤٠٣، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة
١٠٣/٥ عن الزهري مرسلاً. وخبر إسلام الحارث بن هشام في السيرة النبوية ٤١٣/٢، وخبر إسلام
سهيل بن عمرو في طبقات ابن سعد ٧/ ٤٠٤ ، وأما خبر حكيم بن حزام فأخرجه البيهقي في دلائل
النبوة ٤٠/٥ بإسناده عن موسى بن عقبة.
(٣) الكشاف ٩١/٤، والعريكة: الطبيعة. ولانت عريكته: إذا انكسرت نخوته. والشكيمة: الأَنَفة
والانتصار من الظلم. اللسان (عرك) و(شكم).
(٤) الكشاف ٩١/٨، وقول ابن عباس: كانت المودَّة بعد الفتح تزويج النبي # أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان.
أخرجه ابن سعد في الطبقات ٩٩/٨ ، وابن عدي في الكامل ٢١٢٩/٦ ، وفي إسناده: محمد بن
السائب الكلبي، وعنده مناكير. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٦٧ - ١٦٨ بعد أن أورد الخبر
بطوله: هكذا ذكره الثعلبي بغير سند، ومجموعه مفرَّق في أحاديثه، وروى أبو داود [٢١٠٧]، والحاكم
[٢٢/٤] من رواية الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبد الله بن جحش، فمات بأرض
الحبشة، فزوَّجها النجاشيُّ النبيَّ ﴾، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله ﴾ مع شرحبيل
ابن حسنة. وروى الحاكم [٢٠/٤] عن الزهري قال: تزوج رسول الله # أم حبيبة بنت أبي سفيان،
وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش الأسدي، وكان قد هاجر بها من مكة إلى الحبشة، ثم افتُتِن
وتنصر ومات نصرانيًا وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة حتى رجعت إلى المدينة فخطبها رسول الله ﴾
فزوَّجها إياه عثمان بن عفان. قال الزهري: وزعموا أن النبي ﴿ كتب إلى النجاشي فزوَّجها إياه، وساق =

٤٠٧
سورة الممتحنة: الآيات ٧ - ٨
(يقدع)) بالدال غير المعجمة، يقال: هذا فحل لا يُقدَع أنفه، أي: لا يُضْرَب أنفه.
وذلك إذا كان كريمًا(١).
قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَرِكُمْ
أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنِكُُ اللَّهُ عَنِ الَِّينَ لَمْ يُقِلُوكُمْ فِ آلِينِ﴾ فيه ثلاث مسائل:
الأولى: هذه الآية رُخصةٌ من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم
يقاتلوهم. قال ابن زيد: كان هذا في أوَّل الإِسلام عند الموادعة وتَرْكِ الأمر بالقتال،
ثم نسخ(٢). قال قتادة: نسختها: ﴿فَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٣) [التوبة: ٥].
وقيل: كان هذا الحكم لعلَّة، وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكّة، نُسخ الحكم
وبقي الرسم يُتْلَى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبيِّ :﴿ ومَنْ بينه وبينه عهد
لم ينقضه، قاله الحسن. الكلبي: هم خُزَاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقاله
= عنه أربعين أوقية. وروى الواقدي في المغازي وأخرجه عنه ابن سعد في الطبقات ٩٨/٨ - ٩٩ ومن
طريقه الحاكم [٢٢/٤] من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه قال: بعث رسول الله # عمرو بن أمية إلى
النجاشي يخطب عليه أم حبيبة، وأصدقها من عنده أربع مئة دينار. قال الواقدي: حدثني عبد الله بن
جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: لما بلغ أبا سفيان بن حرب نكاح النبي # ابنته قال: ذاك
الفحل لا يقدع أنفه. وقال أبو نعيم في الدلائل: بعث رسول الله# عمرو بن أمية الضمري إلى
النجاشي، فزوَّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأصدقها عنه أربع مئة دينار، وبعث بها إليه، وقال: وكان
ذلك في سنة ستٌّ من الهجرة بعد رجوعه من خيبر، ولا أعلم في ذلك خلافاً. انتهى كلام ابن حجر.
ومسألة زواجه ﴾ من أمِّ حبيبة ذكرها مفصّلة ابن عبد البر في (الاستيعاب ٣/١٣ بهامش الإصابة)
والمقريزي في إمتاع الأسماع بما للنبي # من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع ٦/ ٦٣ وما بعدها،
فلتنظر لمن أراد التوسع فيها.
(١) تاج العروس والنهاية (قدع)، وكذا وردت في الاستيعاب (٨/١٣ بهامش الإصابة)، ويروى بالراء كما
في المستدرك للحاكم ٢٢/٤، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٥٠، والنهاية (قرع) أي: كُفْءٌ كريم
لا يُرَدُّ.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧٣، وأخرجه عنه الطبري ٥٧٣/٢٢ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٨٧، والطبري ٥٧٣/٢٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٦٧/٣،
وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٣٩ .

٤٠٨
سورة الممتحنة: الآية ٨
أبو صالح، وقال: هم خزاعة(١). وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم
يهاجروا(٢). وقيل: يعني به النساء والصبيان؛ لأنَّهم ممَّن لا يقاتل، فأذن الله في
بِرِّهم. حكاه بعض المفسرين (٣).
وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة. واحتجوا بأنَّ أسماء بنت أبي بكر سألت
النبيَّ ﴾: هل تَصِلُ أمَّها حين قدِمت عليها مشركة؟ قال: ((نعم)). خرَّجه البخاريُّ
ومسلم(٤). وقيل: إنَّ الآية فيها نزلت. روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه:
أنَّ أبا بكر الصديق طلَّق امرأته قُتيلة في الجاهلية، وهي أمُّ أسماء بنت أبي بكر،
فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله ﴾ وبين كفَّار قريش،
فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قُرْطاً وأشياء، فكرهت أن تَقْبَلَ منها حتى
أتت رسولَ الله ﴿ فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: ((لا يَنْهاكُمُ اللهُ عن الَّذين لم
يُقاتِلوكُم في الدِّيْنِ)). ذكر هذا الخبر الماوردِيُّ(٥) وغيره، وخرَّجه أبو داود الطَّيَالِسي
في ((مسنده))(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُرُ﴾ ((أن)) في موضع خفض على البدل من
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٦/٣ - ٦٧ .
(٢) تفسير مجاهد ٢/ ٦٦٨، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٥٧٥ .
(٣) النكت والعيون ٥١٩/٥، وممن قال بذلك الزجاج في معاني القرآن له ١٥٨/٥ .
(٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٥٧٤، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٨/٣، والحديث عند البخاري (٢٦٢٠)،
ومسلم (١٠٠٣)، وسلف ١٤/٦.
(٥) في النكت والعيون ٥٢٠/٥ .
(٦) برقم (١٦٣٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦١١١)، وابن سعد في الطبقات ٨/ ٢٥٢، والطبري ٢٢/ ٥٧٢ ،
والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٧٢/٣ - ٧٣، والحاكم ٤٨٥/٢ - ٤٨٦، والواحدي في أسباب
النزول ص ٤٥٠ من طريق مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، به. قال الحاكم: هذا
حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قلنا: في إسناده مصعب بن ثابت، وهو ضعيف.
وأصل الخبر عند البخاري (٥٩٧٨)، ومسلم (١٠٠٣) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله
عنهما، وهي التي سألت النبيَّ ﴾.

٤٠٩
سورة الممتحنة: الآيتان ٨ - ٩
(الَّذِينَ))(١)، أي: لا ينهاكم الله عن أن تبرُّوا الذين لم يقاتلوكم. وهم خُزاعة،
صالحوا النبيَّ﴾ على ألَّا يقاتلوه ولا يُعينوا عليه أحدًا، فأمر ببرِّهم والوفاء لهم إلى
أجلهم، حكاه الفرَّاء(٢). ﴿وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تعطوهم قسطًا من أموالكم على وجه
الصلة، وليس يريد به من العدل؛ فإنَّ العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل، قاله
ابن العربيّ(٣).
الثالثة: قال القاضي أبو بكر في كتاب ((الأحكام)) له (٤): استدلَّ به بعض مَن تُعقد
عليه الخناصر على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر. وهذه وهلة(٥) عظيمة،
إذ الإذن في الشيء أو ترك النهي عنه لا يدلُّ على وجوبه، وإنَّما يعطيك الإباحة
خاصَّةً. وقد بيَّنَّا أنَّ إسماعيل بنَ إسحاق القاضي دخل عليه ذِمِّيٌّ، فأكرمه، فأخذ عليه
الحاضرون في ذلك، فتلا هذه الآية عليهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِيْنَ قَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَغْرَجُوكُم مِّنِ دِيَِّكُمْ وَظَهَرُوا
٩
عَلَى إِخْرِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَلَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ التَّلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنََّا يَبَّكُمُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ الذِينِ﴾ أي: جاهدوكم على الدِّين
﴿وَأَخْرَجُرُكُم مِّنِ دِيَرِكُمْ﴾ وهم عتاة أهل مكَّة. ﴿وَظَهَرُوا﴾ أي: عاونوا على إخراجكم (٦)،
وهم مشركو أهل مّة (٧) ﴿أَن تَلَّهُمْ﴾ ((أَنْ)) في موضع جرِّ على البدل(٨)، على ما
تقدَّم في ((أَنْ تَبرُوهُمْ)). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّم﴾ أي: يَتَّخذهم أولياء وأنصاراً وأحبابًا ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ
اُلَّلِمُونَ﴾.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤١٤/٤.
(٢) في معاني القرآن له ١٥٠/٣.
(٣) في أحكام القرآن له ١٧٧٣/٤ .
(٤) ٤/ ١٧٧٤ .
(٥) وَهِل في الشيء وعنه وَهِلاً: غلط فيه ونسيه. اللسان (وهل).
(٦) معاني القرآن للزجاج ١٥٨/٥ .
(٧) تفسير البغوي ٣٣٢/٤ .
(٨) معاني القرآن للزجاج ١٥٨/٥ .

٤١٠
سورة الممتحنة: الآية ١٠
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللّهُ
أَعْلَمُ بِمَنِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ تَعِلُونَ
◌َّ وَءَاتُوهُم مَّ أَنْفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَانَيْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ
بِعِصَمِ اَلْكَوَافِرِ وَسَثَلُواْ مَّ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَّ أَنْفَقُواْ ◌َلِكُمْ خَكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيُ
ـحَكِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِزَتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فيه ست
عشرة مسألة :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ﴾ لما أمر المسلمين
بترك موالاة المشركين، اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد
الإسلام، وكان التناكح من أَوْكد أسباب الموالاة، فبيَّن أحكام مهاجرة النساء. قال
ابن عباس: جرى الصلح مع مشركي قريش عام الْحُدَيْبِيَة، على أنَّ من أتاه من
أهل مكّة، ردَّه إليهم، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلميَّة بعدَ الفراغ من الكتاب،
والنبيُّ :﴿ بالحديبية بعدُ، فأقبل زوجها وكان كافراً - وهو صَيْفِيُّ بن الراهب. وقيل:
مسافر المخزومي - فقال: يا محمَّد، اردد عليَّ امرأتي، فإنَّك شرطتَ ذلك! وهذه
طِينة الكتاب لم تَجِفَّ بعدُ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
وقيل: جاءت أمّ كلثوم بنتُ عُقْبة بن أبي مُعَيْط، فجاء أهلها يسألون رسولَ الله ﴾
أن يردَّها(٢). وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص وتبعها (٣) أخواها عمارة
والوليد، فردَّ رسول اللـه ﴿ أَخَويْها وحبسها، فقالوا للنبيِّ ﴾: ردَّها علينا للشرط،
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٥١، وتفسير البغوي ٣٣٢/٤ عن ابن عباس، والنكت والعيون ٥٢١/٥
وعزاه للكلبي، وورد في (م): سعيدة، بدل: سبيعة.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧١١) و(٢٧١٢) عن بعض أصحاب رسول الله ﴾.
(٣) في (د) و(ظ) و(ز) و(م): ومعها. والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما ورد في السيرة النبوية لابن هشام
٣٢٥/٢ - ٣٢٦، وطبقات ابن سعد ٢٣٠/٨.

٤١١
سورة الممتحنة: الآية ١٠
فقال: ((كان الشرط في الرجال لا في النساء)) فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
وعن عروة قال: كان مما اشترط سُهيل بن عمرو على النبيِّ # يومَ الْحُدَيْبِيَة: ألَّا
يأتيك منَّا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددتَه إلينا، حتى أنزل الله تعالى في
المؤمنات ما أنزل، يُومئ إلى أنَّ الشرط في ردِّ النساء نُسخ بذلك(٢). وقيل: إنَّ التي
جاءت أمَيْمة بنتُ بشر، كانت عند ثابت بنِ الشِّمْراخ، ففرَّت منه وهو يومئذٍ كافر،
فتزوَّجها سَهْل بن حُنيف فولدت له عبد الله، قاله يزيد بن أبي حبيب(٣). كذا قال
الماورديُّ: أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بنِ الشّمْراخ. وقال المهدويُّ: وروی ابن
وهب عن خالد أنَّ هذه الآية نزلت في أُمَيْمَة بنت بشر من بني عمرو بن عوف. وهي
امرأة حسَّان بن الدَّحدَاحِ، وتزوَّجها بعد هجرتها سهل بن حُنيف(٤). وقال مقاتل: إنَّها
سعيدة زوجة صَيْفِي بن الراهب مشرك من أهل مكة(٥). والأكثر من أهل العلم أنَّها أمُّ
كلثوم بنت عُقبة.
الثانية: واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظًا أو عمومًا؛
فقالت طائفة منهم: قد كان شرط ردّهنَّ في عقد المهادنة لفظًا صريحاً، فنسخ الله
ردَّهنَّ من العقد ومنعَ منه، وبَقّاه في الرجال على ما كان. وهذا يدلُّ على أنَّ النبيِّ ﴾
أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقرُّه الله على خطأ. وقالت طائفة من أهل
العلم: لم يشترط ردَّهنَّ في العقد لفظًا، وإنَّما أَطلق العقد في ردِّ من أَسلم. فكان
ظاهر العموم اشتماله عليهنَّ مع الرجال، فبيَّن الله تعالى خروجهنَّ عن عمومه، وفرَّق
بينهنَّ وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهنَّ ذوات فروج يَحْرمْنَ عليهم. الثاني: أنهنَّ
(١) تفسير أبي الليث ٣٥٤/٣، وأورده ابن حجر في فتح الباري ٤١٩/٩ وعزاه لابن أبي حاتم عن مقاتل
ابن حیان.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٠٧/٣، والحديث سلف تخريجه قريباً.
(٣) في النسخ: زيد بن حبيب، والمثبت من النكت والعيون ٥٢١/٥ والكلام منه، وورد فيه: ابن
الدحداحة، بدل: ابن الشمراخ. وينظر لزاماً أسد الغابة ٢٥/٧، والإصابة ١٣٣/١٢.
(٤) وأخرجه ابن أبي حاتم ٣٣٤٩/١٠ (١٨٨٦٥) عن يزيد بن أبي حبيب ﴾.
(٥) النكت والعيون ٥٢١/٥، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٥٠/١٠ (١٨٨٦٦).

٤١٢
سورة الممتحنة: الآية ١٠
أرقُّ قلوبًا وأسرع تقلًُّا منهم. فأما المقيمة منهنَّ على شركها، فمردودة عليهم(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ قيل: إنَّه كان من أرادت منهنَّ إضرارَ زوجها
فقالت: سأهاجر إلى محمَّد﴾، فلذلك أمر ﴿ بامتحانهنَّ. واختلف فيما كان
یمتحنھئَّ به على ثلاثة أقوال:
الأوَّل: قال ابن عباس: كانت الْمِحنَة أن تُستحلف بالله أنَّها ما خرجت من
بُغْضِ زوجها، ولا رغبةً من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقًا لرجل
منَّا؛ بل حُبًّا لله ولرسوله(٢). فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى
النبيُّ# زوجَها مهرَها وما أَنفق عليها، ولم يردّها(٣)، فذلك قوله تعالى: ((فإن
عَلِمْتُموهنَّ مؤمناتٍ فلا تَرِجعُوهُنَّ إلى الكفَّار لا هنَّ حلٌّ لهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ).
الثاني: أنَّ المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، قاله
ابن عباس أيضًا (٤).
الثالث: بما بيَّنه في السورة بعدُ من قوله تعالى: ((يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءكَ
المؤمناتُ))(٥) قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله * يمتحن إلا بالآية
التي قال الله: ((إذا جاءك المؤمناتُ يُبايعْنَكَ)) رواه مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن عائشة.
خرَّجه الترمذيُّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح(٦).
الرابعة: أكثر العلماء على أنَّ هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد علیه
قريشًا، مِن أنَّه يردُّ إليهم من جاءه منهم مسلمًا، فنُسِخ من ذلك النساء. وهذا مذهب
(١) النكت والعيون ٥٢١/٥ ، وما بعده منه أيضًا.
(٢) النكت والعيون ٥٢١/٥ - ٥٢٢، وأخرجه عنه الطبري ٥٧٥/٢٢.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٣٣ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٢ /٥٧٦ - ٥٧٧ .
(٥) النكت والعيون ٥/ ٥٢٢ .
(٦) الترمذي (٣٣٠٦)، وأخرجه أيضاً البخاري (٧٢١٤)، ومسلم (١٨٦٦)، وأحمد (٢٥٣٠٠).

٤١٣
سورة الممتحنة: الآية ١٠
من يرى نسخَ السُّنَّة بالقرآن(١).
وقال بعض العلماء: كلَّه منسوخ في الرجال والنساء، ولا يجوز أن يهادن الإمامُ
العدوَّ على أن يردّ إليهم من جاءه مسلمًا؛ لأنَّ إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز.
وهذا مذهب الكوفيين(٢). وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك.
وقد احتجَّ الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس بن أبي حازم، عن خالد بن الوليد، أنَّ رسولَ الله ﴿ بعثه إلى قوم من خَثْعَم،
فاعتصموا بالسجود، فقتلهم، فَوَداهم رسولُ اللـه :﴿ بنصف الدِّيَة، وقال: ((أنا بريء
من كلِّ مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تَراءَى ناراهما)). قالوا: فهذا ناسخٌ لردِ
المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله # قد بَرِئَ ممَّن أقام معهم في دار
الحرب(٣). ومذهب مالك والشافعيِّ أنَّ هذا الحكم غيرُ منسوخ. قال الشافعيُّ(٤):
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٧٤/٣ وما بعده منه أيضًا.
(٢) شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٣/٣، وما بعده منه أيضًا، والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في الديات
(٢٤٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٢٣٣)، والطبراني في الكبير (٣٨٣٦) من طريق حفص
ابن غياث، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٣/٥: رواه الطبراني
ورجاله ثقات. اهـ. قلنا: وهو عند أبي داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من طريق أبي معاوية، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله أن رسول الله 8# بعث سرية إلى
خثعم ... الحديث بنحوه. وقال أبو داود إثره: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا
جريراً.
وأخرجه الترمذي (١٦٠٥)، وسعيد بن منصور ٢٤٩/٢، وابن أبي شيبة ٣٤٠/١٤ من طرق، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم مرسلاً. قال الترمذي: وهذا أصحُ ... وسمعت محمداً
[يعني البخاري] يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي # مرسل. اهـ
وقوله : لا تراءى ناراهما. قال الطحاوي في شرح المشكل ٢٧٥/٨ - ٢٧٦: أي: هذه تدعو إلى
الله، وهذه تدعو إلى الشيطان. أو: لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين، فيكون معهم بقدر ما يرى
كل واحد منهما نار صاحبه.
(٤) في الأم ٤/ ١١٧، والمصنف نقله عنه بواسطة النحاس في الناسخ والمنسوخ ١١٣/٣.

٤١٤
سورة الممتحنة: الآية ١٠
وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره؛ لأنَّه يَلي الأموال كلَّها. فمن عقد
- غير الخليفة - هذا العقد، فهو مردود.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنٌّ﴾ أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم
بإيمانهنَّ(١)؛ لأنه مُتَوَلِّي السرائر. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي: بما يظهر من الإيمان.
وقيل: إن علمتموهنَّ مؤمنات قبل الامتحان ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَا هُمْ
بَحِلُونَ لٌَ﴾ أي: لم يحِلّ اللهُ مؤمنةً لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة(٢).
وهذا أدلُّ دليل على أنَّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا
هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي فرَّق بينهما هو اختلاف الدارين. وإليه إشارة في
مذهب مالك، بل عبارة. والصحيح الأوَّل؛ لأنَّ الله تعالى قال: ((لا هنَّ حلٌّ لهم ولا
هم يحلونَ لهنَّ)) فبيَّن أنَّ العلَّة عدم الحِلِّ بالإسلام، وليس باختلاف الدار(٣). والله
أعلم. وقال أبو عمر(٤): لا فرق بين الدارين لا في الكتاب ولا في السنة ولا في
القياس، وإنَّما المراعاة في ذلك الدِّيْنان، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا
بالدار. والله المستعان.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُهُم مَّا أَنفَقُواْ﴾ أمر الله تعالى إذا أُمْسِكت المرأة
المسلمة أن تَرُدَّ على زوجها ما أَنفق، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنَّه لما مُنع من أهله
بحرمة الإسلام، أَمر بردِّ المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة
والمال(٥).
السابعة: ولا غُرْمَ إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها
(١) تفسير البغوي ٣٣٣/٤.
(٢) تفسير أبي الليث ٣٥٤/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧٥ .
(٤) في الاستذكار ١٦/ ٣٣٢ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧٥ .

٤١٥
سورة الممتحنة: الآية ١٠
وغَرِمنا. فإذا كانت ماتت قبل حضور الزوج، لم نَغرَم المهر؛ إذ لم يتحقق المنع. وإن
كان المسمَّى خمرًا أو خنزيرًا، لم نَغْرم شيئًا؛ لأنَّه لا قيمةً له.
وللشافعيِّ في هذه الآية قولان: أحدهما: أن هذا منسوخ. قال الشافعيُّ: وإذا
جاءتنا المرأة الحرَّة من أهل الهُدنَة مسلمةً مهاجِرةً من دار الحرب إلى الإمام في دار
السلام أو في دار الحرب، فمن طلبها مِن وَلِيٍّ - سِوَى زوجها - مُنع منها بلا عِوَض.
وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته، ففيه قولان: أحدهما: يُعطَى العِوض،
والقول ما قال الله عزَّ وجلَّ. وفيه قول آخر: أنَّه لا يُعطَى الزوج المشرك الذي جاءت
زوجته مسلمةً العِوضَ. فإن شرط الإمامُ ردَّ النساء، كان الشرط [منتقضاً، ومن قال
هذا قال: إن شرط رسول اللـه ﴾ لأهل الحديبية - أن فيه أن يردّ من جاء منهم، وكان
النساء منهم - كان شرطاً صحيحاً، فنسخه الله تعالى وردَّ العوض مِن نَسْخ من نَسَخَه
منهم، فلما قضى الله تعالى ثم رسوله ﴾ ألَّ يردَّ النساء، كان شَرْطُ من شَرَطَ ردَّ
النساء منسوخًا، وليس عليه عِوض؛ لأنَّ الشرط المنسوخ باطل، ولا عوض للباطل(١).
الثامنة: أمر الله تعالى بردِّ مثل ما أَنفقوا إلى الأزواج، وأنَّ المخاطَب بهذا
الإمامُ، ينفذ ممَّا بين يديه من بيت المال الذي لا يتعيَّن له مصرف(٢). وقال مقاتل:
يردُّ المهر الذي يتزوَّجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد، فليس
لزوجها الكافر شيء(٣). وقال قتادة: الحكم في ردِّ الصداق إنَّما هو في نساء أهل
العهد، فأمَّا من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يردُّ إليهم الصداق. والأمر كما قاله.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ يعني إذا أَسلمنَ وانقضت
عِدَّتهنَّ؛ لما ثبت من تحريم نكاح المشركة [والمعتدَّة (٤). فإن أَسلمت قبل الدخول
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٠/٣ - ١١١، وما بين حاصرتين منه، ومن الأم للشافعي ١١٥/٤
- ١١٧ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧٥ - ١٧٧٦ .
(٣) زاد المسير ٢٤١/٨.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٦/٤، وما بين حاصرتين لم يرد في (د) و(ظ).

٤١٦
سورة الممتحنة: الآية ١٠
ثبت النكاح] في الحال، ولها التزوُّج.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أباح نكاحها بشرط المهر؛ لأنَّ
الإسلام فرَّق بينها وبين زوجها الكافر(١).
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ قراءة العامة بالتخفيف؛
من الإمساك. وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو: ((وَلَا تُمَسِّكُوا)) (٢) مشدّدة من التمسُّك. يقال:
مَسَّك يُمَسِّك تمسُّكًا، بمعنى: أمسك يُمسك. وقرئ: ((وَلَا تَمَسَّكوا))(٣) بنصب التاء،
أي: لا تتمسكوا.
والعِصَم، جمع العِضْمة: وهو ما اعتصم به. والمراد بالعصمة هنا النكاح. يقول:
من كانت له امرأة كافرة بمكّة فلا يعتدُّ بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت
عصمتها (٤)؛ لاختلاف الدارين. وعن النَّخَعِيِّ: هي المسلمة تلحق بدار الحرب
(٥)
فتكفر(٥).
وكان الكفّار يتزوَّجون المسلمات، والمسلمون يتزوَّجون المشركات، ثم نسخ ذلك
في هذه الآية(٦). فطلَّق عمر بن الخطاب حينئذٍ امرأتين له بمكّة مشركتين: قُرَيبة بنت أبي
أميَّة، فتزوَّجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شِرْكهما بمكّة. وأمَّ كُلْثوم بنت عمرو
الخُزَاعِيَّة أمَّ عبد الله بنِ المغيرة، فتزوَّجها أبو جَهم بن حُذافة وهما على شِرْكهما(٧).
(١) المحرر الوجيز ٢٨٦/٥، ولم ترد المسألتان التاسعة والعاشرة في (ح).
(٢) السبعة ص ٦٣٤، والتيسير ص ٢١٠، والحجة للفارسي ٦/ ٢٨٦ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٥٥ عند أبي عمرو والحسن.
(٤) تفسير البغوي ٣٣٣/٤.
(٥) الكشاف ٤/ ٩٣.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٦/٤ .
(٧) تفسير البغوي ٣٣٣/٤، والخبر في سيرة ابن هشام ٣٢٧/٢، عن ابن إسحاق، عن الزهري، وأخرجه
عنه الطبري ٥٨٤/٢٢، وأخرجه أيضاً البخاري ضمن حديث صلح الحديبية (٢٧٣١) و (٢٧٣٢) =

٤١٧
سورة الممتحنة: الآية ١٠
فلما وَلِيَ عمر، قال أبو سفيان لمعاوية: طلِّق قُرَيبة؛ لئلا يرى عمر سَلَبَه في بيتك،
فأبى معاوية من ذلك(١). وكانت عند طلحة بن عبيد الله أَرْوَى بنت ربيعة بن الحارث
ابن عبد المطلب، ففرَّق الإسلام بينهما، ثم تزوَّجها في الإسلام خالد بن سعيد بن
العاص، وكانت ممَّن فرَّ إلى النبيِّ ﴿ من نساء الكفَّار، فحبسها وزوَّجها خالدًا(٢).
وزوَّج النبيُّ ﴿ زينبَ ابْتَه - وكانت كافرةً - من أبي العاص بن الربيع، ثم أَسلمت
وأَسلم زوجها بعدها. ذَكر عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن رجل، عن ابن شهاب،
قال: أَسلمت زينب بنت النبيِّ#، وهاجرت بعد النبيِّ # في الهجرة الأولى،
وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد العُزَّى مشرك بمكّة. الحديث، وفيه: أنَّه أسلم
بعدها. وكذلك قال الشعبيُّ. قال الشَّعبيُّ: وكانت زينب بنت رسول الله ﴿ امرأةً أبي
العاص بنِ الربيع، فأسلمت ثم لحقت بالنبيِّ ◌َ﴾، ثم أتى زوجها المدينةَ، فأمَّنته،
فأسلم، فردَّها عليه النبيُّ ﴾(٣).
وقال أبو داود: عن عكرمة عن ابن عباس: بالنكاح الأوَّل، ولم يحدث شيئاً.
قال محمد بن عمرو في حديثه: بعد ستِّ سنين. وقال الحسن بن عليٍّ: بعد سنتين(٤).
قال أبو عمر(٥): فإن صحَّ هذا، فلا يخلو من وجهين: إمَّا أنَّها لم تَحِضْ حتى أَسلم
= بلفظ: فطلَّق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان،
والأخرى صفوان بن أمية. اهـ. وقصة طلاق أمّ كلثوم بنت عمرو أخرجها ابن بشكوال في غوامض
الأسماء المبهمة ٧١٧/٢ من طريق الزهري، عن عروة. وورد في مصادر التخريج: أم عبيد الله بن
عمر، بدل: أم عبد الله بن المغيرة. وورد أيضاً عند ابن هشام وغوامض الأسماء المبهمة: حذيفة،
بدل: حذافة.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٦/٤ .
(٢) تفسير البغوي ٣٣٣/٤، وأخرجه الطبري ٥٨٤/٢٢ - ٥٨٥ عن الزهري.
(٣) قول الزهري عند عبد الرزاق في المصنف (١٢٦٤٩). وقول الشعبي عند البغوي ٣٣٣/٤، وأخرجه
عنه عبد الرزاق (١٢٦٤٠)، ومن طريقه الطبراني في الكبير ٢٠١/٢٠ (٤٥٢). قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٥/٥ : رواه الطبراني وفيه: جابر الجعفي، وهو ضعيف، وقد وثق. اه.
وأخرجه من طريق أخرى سعيد بن منصور في السنن ٢/ ٧٣ .
(٤) سنن أبي داود (٢٢٤٠)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١١٤٣)، وابن ماجه (٢٠٠٩)، وأحمد (١٨٧٦) من
طريق داود بن حصين، عن عكرمة، به. قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس ...
(٥) في الاستذكار ٣٢٦/١٦ .

٤١٨
سورة الممتحنة: الآية ١٠
زوجها، وإمَّا أنَّ الأمر فيها منسوخ بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَّهِنَّ فِ ذَلِكَ﴾
[البقرة: ٢٢٨] يعني: في عِدَّتهنَّ. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء أنَّه عنى به العِدَّة.
وقال ابن شهاب الزهريُّ - رحمه الله - في قصَّة زينب هذه: كان قبل أن تنزل
الفرائض. وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة ((براءة)) بقطع العهود بينهم وبين
المشركين. والله أعلم.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ المراد بالكوافر هنا: عبدة الأوثان،
مَن لا يجوز ابتداءً نكاحها، فهي خاصَّة بالكوافر من غير أهل الكتاب. وقيل: هي
عامَّة، نُسِخَ منها نساء أهل الكتاب. ولو كان إلى ظاهر الآية، لم تحلَّ كافرة بوجه.
وعلى القول الأوَّل إذا أسلم وَثَنِيٍّ أو مجوسيٍّ ولم تُسلم امرأته، فرّق بينهما. وهذا
قول بعض أهل العلم. ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العِدَّة. فمن قال يفرّق بينهما في
الوقت ولا ينتظر تمام العِدَّة إذا عرض عليها الإسلام ولم تُسلم، مالكُ بن أنس، وهو
قول الحسن وطاوس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحَكّم، واحتجُّوا بقوله تعالى:
(ولا تُمْسِكوا بِعِصَمِ الكوافِ))(١).
وقال الزهريُّ: ينتظر بها العِدَّة. وهو قول الشافعي وأحمد(٢). واحتجُّوا بأنَّ أبا
سفيان بن حرب أَسلم قبل هند بنت عتبة امرأتِهِ، وكان إسلامه بمرِّ الظَّهْران، ثم رجع
إلى مكّة وهندٌ بها كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ
الضَّالَّ. ثم أَسلمت بعده بأيام، فاستقرَّا على نكاحهما؛ لأنَّ عدَّتها لم تكن انقضت.
قالوا: ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أَسلمت بعده، فكانا على
نكاحهما(٣).
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٣/٣ - ١١٤، وقول مالك في الموطأ ٥٤٥/٢، والمدونة ٢٩٨/٢،
وقول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة ١٠٤/٥ - ١٠٥، والمسألة ذكرها أيضاً ابن المنذر في الإشراف
٢١٠/٤ وعزاها للمذكورين أعلاه.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٤/٣ - ١١٥، وقول الشافعي في الأم ٤/ ١٨٥، وقول أحمد في
المغني ٨/١٠ .
(٣) الاستذكار ٣٢٤/١٦ - ٣٢٥، وما بعده منه أيضاً، وينظر الأم ١٨٥/٤ و٤١/٥، ومرُّ الظهران : =

٤١٩
سورة الممتحنة: الآية ١٠
قال الشافعيُّ: ولا حجّة لمن احتج بقوله تعالى: ((ولا تُمْسِكوا بِعِصَمِ الكوافِر))
لأنَّ نساء المسلمين محرَّمات على الكفّار، كما أنَّ المسلمين لا تحلُّ لهم الكوافر
والوثنيات ولا المجوسيَّات بقول الله عزَّ وجلَّ: ((لا هنَّ حلَّ لهم ولا هم يَحِلُّونَ لهنَّ))
ثم بيّنت السنَّة أنَّ مراد الله من قوله هذا أنَّه لا يَحِلُّ بعضهم لبعض إلا أن يُسلم الباقي
منهما في العِدَّة.
وأما الكوفيون - وهم سفيان وأبو حنيفة وأصحابه - فإنَّهم قالوا في الكافرين
الذِّمَّيِّين: إذا أَسلمت المرأة، عُرِض على الزوج الإسلام، فإن أَسلم، وإلا فُرِّق
بينهما. قالوا: ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيضَ ثلاثَ حِيضٍ(١). إذا كانا
جميعاً في دار الحرب، أو في دار الإسلام. وإن كان أحدهما في دار الإسلام والآخر
في دار الحرب، انقطعت العصمة بينهما، فراعوا الدار، وليس بشيء. وقد تقدَّم.
الثالثة عشرة: هذا الاختلاف إنَّما هو في المدخول بها، فإن كانت غيرَ مدخول
بها، فلا نعلم اختلافًا في انقطاع العصمة بينهما؛ إذ لا عِدَّة عليها. كذا يقول مالك في
المرأة ترتدُّ وزوجها مسلم: انقطعت العصمة بينهما. وحجَّته: ((ولا تمسكوا بعصم
الكوافر» وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حَيٍّ. ومذهب الشافعي
وأحمد أنَّه ينتظر بها تمام العدَّة(٢).
الرابعة عشرة: فإن كان الزوجان نصرانيين، فأسلمت الزوجة، ففيها أيضًا
اختلاف، ومذهب مالك وأحمد والشافعيِّ الوقوف إلى تمام العدَّة. وهو قول
مجاهد(٣). وكذا الوَثَنِي تُسلم زوجته، أنَّه إن أسلم في عدَّتها فهو أحقُّ بها، كما كان
= قرية قرب مكة. معجم البلدان ٦٣/٤ . وخبر إسلام هند بنت عتبة أخرجه ابن سعد في الطبقات
٢٣٦/٨ بإسناده عن عبد الله بن الزبير، وعلَّق طرفاً منه البخاري (٣٨٢٥) عن عائشة رضي الله عنها.
(١) الاستذكار ٣٣١/١٦.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٥/٣ - ١١٦، وسلف ذكر الأقوال قريباً.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٦/٣، وقول مالك في المدونة ٢٩٨/٢، وقول أحمد في المغني
٦/١٠، وقول الشافعي في الأم ٤٣/٥، وقول مجاهد أخرجه عنه ابن أبي شيبة ٩٣/٥ .

٤٢٠
سورة الممتحنة: الآيتان ١٠ - ١١
صَفْوان بن أمَيّة وعِكْرمة بن أبي جهل أحقَّ بزوجتَيْهما لمَّا أَسلما في عدَّتيهما، على
حديث ابن شهاب. ذكره مالك في ((الموطأ))(١)، قال ابن شهاب: كان بين إسلام
صفوانَ وبين إسلام زوجتِه نحوٌ من شهر. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنَّ امرأةً
هاجرت إلى رسول الله 8# وزوجها كافر مقيم بدار الحرب، إلا فرَّقت هجرتُها بينها
وبين زوجها، إلا أن يقْدَم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدَّتها. ومن العلماء من قال:
ينفسخ النكاح بينهما. قال يزيد بن علقمة: أسلم جدَّي ولم تُسلم جدَّتي، ففرَّق عمر
بينهما ﴾، وهو قول طاوس. وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا: لا
سبيلَ عليها إلا بخطبة(٢).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَسَلُواْ مَآ أَنَفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقُواْ﴾ قال المفسرون:
كان من ذهب من المسلمات مرتدَّات إلى الكفّار من أهل العهد يقال للكفَّار: هاتُوا
مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردُّوا إلى الكفار
مهرَها. وكان ذلك نَصَفًا وعدلًا بين الحالتين. وكان هذا حكم الله مخصوصاً بذلك
الزمان في تلك النازلة خاصَّةً بإجماع الأمة، قاله ابن العربيّ(٣).
السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ أي: ما ذكر في هذه الآية. ﴿يَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تقدَّم في غير موضع.
قوله تعالى: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُ فَشَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ
أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ
فيه ثلاث مسائل :
(١) ٢ /٥٤٤ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٦/٣، وقول يزيد ذكره عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/ ٢٨٢،
وأخرجه عنه ابن أبي شيبة ٩١/٥ بلفظ: أن رجلاً من بني ثعلب يقال له: عباد بن النعمان فكان تحته
امرأة من بني تميم، فأسلمت، فدعاه عمر فقال: إما أن تسلم، وإما أن أنزعها منك. فأبى أن يسلم،
فنزعها منه عمر. وقول طاوس وعطاء والحسن أخرجه عنهم ابن أبي شيبة ٥/ ٩٠ ، وذكره عنهم ابن
المنذر في الإشراف ٢٠٩/٤ .
(٣) في أحكام القرآن له ١٧٧٦/٤ .