Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة الحشر: الآية ٥ تفاقَدَ مَعْشَرٌ نصرُوا قريشاً وليس لهم ببلدتهم نَصيرُ وهم عُمْيّ عن التوراة بُورُ هُمُوا أوتوا الكتاب فضيَّعوه بتصديق الذي قال النذيرُ كفرتم بالقُرَان وقد أبيتم حريقٌ بالبُوَيْرةَ مستطيرُ(١) وهان على سَرَاة بني لُؤَيٍّ فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب : وحرَّق في نواحيها السَّعِيرُ أدام الله ذلك من صنيعٍ وتَعْلَمُ أيُّ أرْضِيْنا تَضيرُ ستَعْلَمُ أيُّنا منها بنُزْوٍ لقالوا لا مُقَامَ لكم فسِيرُوا(٢) فلو كان النخيل بها رِكاباً الثانية: كان خروج النبيِّ # إليهم في ربيع الأوَّل، أوَّل السنة الرابعة من الهجرة، وتحصَّنوا منهم في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها، وحينئذٍ نزل تحريم الخمر. ودسَّ عبد الله بن أُبَيِّ ابن سَلُول ومن معه من المنافقين إلى بني النَّضير: إنَّا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم؛ فاغترُّوا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول اللـه ﴾ أن يكفّ عن دمائهم ويُجْلِيهم، على أنَّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا كذلك إلى خَيْبَر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان ممن سار منهم إلى خَيْبَر أكابرهم، كَحُيٍّ بن أَخْطَب، وسَلّام بن أبي الحُقَيْق، وكنانة بن الربيع. فدانت لهم خَيير(٣). (١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٧٢، والأبيات في شرح ديوان حسان لعبد الرحمن البرقوقي ص ٢٥٠، قال شارحه: وقوله: تفاقَدّ معشر: أي: فَقَدَ بعضهم بعضاً. وقوله: بُورُ: يعني ضُلَال أو هلكى، من البوار وهو الهلاك. وقوله: سراة بني لؤي: أي خيارهم. والبويرة: موضع بني قريظة. اهـ. والبيت الأخير سيأتي ضمن خبر ابن عمر، وثمة تخريجه هناك. (٢) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٧٢، وورد فيه: طرائقها، بدل: نواحيها. وأبو سفيان بن الحارث: هو ابن عبد المطلب، وهو ابن عمِّ النبيٍ﴿، وكان حينئذٍ لم يُسلم، وقد أسلم بعدُ في الفتح. وبنزه: ببعد. وتضير: من الضَّيْر، وهو بمعنى الضَّرِّ. فأبو سفيان يقول: تُخرَّبت أرض بني النضير، وتخريبها إنما يضرُّ أرضَ من جاورها، وأرضكم [يعني أرض الأنصار] هي التي تجاورها فهي التي تتضرَّر لا أرضنا [يعني أرض قريش]. فتح الباري ٣٣٣/٧-٣٣٤. والبيتان الأول والثاني ذكرهما البخاري (٤٠٣٢) ضمن خبر ابن عمر الآتي قريباً، وكما أشرنا إليه هناك. (٣) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٠ - ١٩١، حيث ذكر أن هذه الغزوة كانت سنة أربع، وكذا ذكر = ٣٤٢ سورة الحشر: الآية ٥ الثالثة: ثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره عن ابن عمر أنَّ رسول الله 8# قطع نخل بني النَّضیر وحَرَّق، ولها يقول حسان: حريقٌ بالبُوَيْرة مستطيرُ وهان على سَرَاة بني لُؤَيِّ وفي ذلك نزلت: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ)) الآية(١). واختلف الناس في تخريب دار العدوِّ وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأوَّل: أنَّ ذلك جائز، قاله في ((المدوَّنة))(٢). الثاني: إن علم المسلمون أنَّ ذلك لهم، لم يفعلوا، وإن يئسوا، فعلوا، قاله مالك في ((الواضحة)). وعليه يناظر أصحاب الشافعي. ابن العربيّ(٣): والصحيح الأوَّل. وقد علم رسول اللـه﴿ أنَّ نخل بني النَّضير له، ولكنه قَطع وحَرَّق؛ ليكون ذلك نكايةٌ لهم، ووَهْناً فيهم، حتى يخرجوا عنها. وإتلافُ بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعاً، مقصودة عقلاً. الرابعة: قال الماورديُّ: إنَّ في هذه الآية دليلاً على أنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ. وقاله الكِيَا الطَّبَريّ(٤) قال: وإن كان الاجتهاد يَبعُد في مثله مع وجود النبيِّ # بين = البلاذري في فتوح البلدان ص٣١، وذكر السهيلي في الروض الأنف ٣/ ٢٥٠ أن ابن إسحاق ذكر هذه الغزوة في هذا الموضع - أي بعد غزوة أحد ۔ و کان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير بعد بدر بستة أشهر. اهــ وخبر الزهري في مغازيه ص٧١ ، وأخرجه البلاذري في فتوح البلدان ص٣١ ولكن ورد فيه أن وقيعة بني النضير من يهود كانت على ستة أشهر من يوم أحد. وعلّقه البخاري قبل حديث (٤٠٢٨) عن الزهري عن عروة، ووصله عبد الرزاق في المصنف ٣٥٧/٥، وردَّه ابن القيم في زاد المعاد ٢٢٣/٣، وذكر الواقدي في المغازي ٣٦٣/١ أنها كانت في ربيع الأول على رأس سبعة وثلاثين شهراً من مهاجرة النبي ﴾. (١) مسلم (١٧٤٦): (٣٠)، وأخرجه أيضاً البخاري (٤٠٣٢)، وزاد: فأجابه أبو سفيان بن الحارث: وحرَّق في نواحيها السعير أدام الله ذلك من صنيع وتعلم أيُّ أرضينا تضير ستعلم أيُّنا منها بنزه وسلفت قريباً. (٢) ٧/٣ - ٨، والمصنف نقله عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن له ١٧٥٦/٤، وما بعده منه أيضاً. (٣) في أحكام القرآن له ١٧٥٦/٤ . (٤) في أحكام القرآن له ٤٠٦/٤ . ٣٤٣ سورة الحشر: الآية ٥ أظهرهم، ولا شكَّ أنَّ رسول اللـه ﴾ رأى ذلك وسكت، فتلَقَّوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربيّ(١): وهذا باطل؛ لأنَّ رسول الله ﴾ كان معهم، ولا اجتهادَ مع حضور رسول اللـه ﴾، وإنَّما يدلُّ على اجتهاد النبيِّ ﴾ فيما لم ينزل عليه؛ أخذاً بعموم الأذِيَّة للكفار، ودخولاً في الإذن للكلِّ بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى: ((ولِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)». الخامسة: اختلف في اللينة ما هي، على أقوال عشرة: الأوَّل: النخل كلُّه إلا العَجْوةَ، قاله الزهريُّ ومالك وسعيد بن جُبير وعِكْرمة والخليل(٢). وعن ابن عباس ومجاهد والحسن: أنَّها النخل كلُّه، ولم يستثنوا عَجْوةً ولا غيرها (٣). وعن ابن عباس أيضاً: أنَّها لون من النخل. وعن الثوريِّ: أنَّها كرام النخل (٤). وعن أبي عبيدة(٥): أنَّها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبَرْنِي. وقال جعفر بن محمد: إنَّها العجوة خاصّةً(٦). وذكر أنَّ العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة. والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصلَ الإناث كلِّها، فلذلك شقَّ على اليهود قطعها، حكاه الماورديُّ(٧). وقيل: هي ضَرْبٌ من النخل، يقال لتمره: اللَّون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة يُرَى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضِّرس؛ النخلة منها أحبُّ إليهم من وَصِيف (٨). وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش: (١) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٥٧ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٦/٤، دون عزوه لسعيد بن جبير وعزاه له النحاس في إعراب القرآن ٣٩١/٤، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٥٠٧ عن عكرمة والزهري وابن عباس وآخرين. (٣) زاد المسير ٢٠٨/٨ عن ابن عباس. وإعراب القرآن للنحاس ٣٩١/٤ عن مجاهد، وهو في تفسيره ٢/ ٦٦٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٦/٤ عن الحسن. (٤) تفسير البغوي ٣١٦/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٥٠٩/٢٢ . (٥) في مجاز القرآن له ٢٥٦/٢ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٦/٤ . (٧) في النكت والعيون ٥/ ٥٠٢ . (٨) تفسير البغوي ٣١٦/٤ وعزاه لمقاتل، والوصيف: الخادم، غلاماً كان أو جارية. اللسان (وصف). ٣٤٤ سورة الحشر: الآية ٥ بفراق الأحباب من فوق لِينَهْ(١) قد شجاني الحمام حين تَغَنَّى وقيل: إنَّ اللِّينة: الفَسِيلة؛ لأنَّها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر: غَرَسُوا لِينها بمجرى مَعِين ثم حَفّوا النخيل بالآجامِ(٢) وقيل: إنَّ اللينة: الأشجارُ كلُّها؛ للينها بالحياة، قال ذو الرُّمَّة: طِراقُ الخَوَافي واقعٌ فوق لِينة نَدَى ليله في ريشه يترقرقُ(٣) والقول العاشر: أنَّها الدقَل، قاله الأصمعيُّ. قال: وأهل المدينة يقولون: لا تنتفخ (٤) الموائد حتى توجد الألوان، يعنون: الدَّقَل. قال ابن العربيّ(٥): والصحيح ما قاله الزهريُّ ومالك؛ لوجهين: أحدهما: أنَّهما أعرف ببلدهما وأشجارهما. الثاني: أنَّ الاشتقاق يَعْضُده، وأهل اللُّغة يصححونه؛ فإنَّ اللِّينة وزنها لُونة، واعتلَّت على أصولهم، فآلت إلى لِينة، فهي لون، فإذا دخلت الهاء كُسر أولها؛ كَبَرْك: الصَّدْرُ - بفتح الباء - وبِرْكة - بكسرها - لأجل الهاء. وقيل: لِينة، أصلها لِوْنة، فقلبت الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها. وجمع اللينة: لين. وقيل: لِيان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه : وسالفة كسَحُوقِ اللِّيا نِ أَضْرَمَ فيها الغَويُّ السُّعُرْ (٦) (١) لم نقف عليه. (٢) النكت والعيون ٥/ ٥٠٢ ولم ينسبه، وأورده الحميري في الروض المعطار ص ٦١٧، إلا أنه ورد فيه: الفسيل، بدل: النخيل، وكما نسبه لبعض ولد يثرب بن قانية أول من نزل مدينة النبي #، وسمِّيت باسمه. (٣) النكت والعيون ٥٠٢/٥، والبيت في ديوان ذي الرمة ٤٨٨/١ إلا أنه ورد فيه: ريعة، بدل: لينة. قال شارحه: طراق: أي بعضه على بعض. والخوافي: ما دون القوادم من جناح الطائر. والريعة: المكان المرتفع. ويترقرق: يجيء ويذهب. (٤) في (خ): لا ينتفخ. وفي أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٧/٤ والكلام منه: لا ننحى. وقول الأصمعي ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٣٧١/١٥ . (٥) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٥٧ . (٦) الصحاح (لون)، والبيت في ديوان امرئ القيس ص١٦٥، إلا أنه ورد فيه: اللُّبان، بدل: اللِّيان، قال شارحه: السالفة: العُنُق. وكسحوق اللُّبان: كالشجرة في الطول. واللُّبان: شجرة اللُّبان، وهو الكُندر. ٣٤٥ سورة الحشر: الآيات ٥ - ٧ وقال الأخفش: إنَّما سمِّيت لينةً؛ اشتقاقاً من اللَّون، لا من اللين(١). المهدويُّ: واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي من اللون، وأصلها لُونة. وقيل: أصلها لِينة، من لان يلين. وقرأ عبد الله: ((ما قطعتم مِن لِينةٍ ولا تركتم قُوَّماً على أصولها))(٢) أي: قائمة على سوقها. وقرأ الأعمش: ((ما قطعتم مِن لِينةٍ أو تركتموها قُوَّماً على أصولِها))(٣) المعنى: لم تقطعوها. وقرئ: ((قُوَّماً على أُصُلِها)). وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه جمع أصلٍ، كَرَهْن ورُهُن. والثاني: اكْتُفِي فيه بالضمَّة عن الواو. وقرئ: «قائماً على أصوله)) ذهاباً إلى لفظ ((ما))(٤). ﴿فَبَإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بأمره ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: لیذلَّ اليهودَ الكفّارَ به وبنبِّه و کتبه. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَقََّ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَمُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَخْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ◌َّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَشَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَِّ مِنْكُمْ وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ ٠ ٧ فَأَنْتَهُوَأَ وَأَتَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفّةَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ هذه الآية والتي بعدها إلى قوله: ((شَدِيدُ الْعِقَابِ)) فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَّةَ اللَّهُ﴾ يعني: ما ردَّه الله تعالى ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ من أموال بني النَّضِير. ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أوْضَعْتم عليه. والإيجاف: الإيضاع في السير، وهو الإسراع(٥)، يقال: وَجَف الفرسُ: إذا أسرع، وأوجفته أنا، أي: حرَّكته (١) النكت والعيون ٥٠٢/٥ . (٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٤ إلا أنه ورد فيه: أصوله، بدل: أصولها. (٣) البحر المحيط ٢٤٤/٨ . (٤) الكشاف ٤/ ٨١ . (٥) النكت والعيون ٥٠٣/٥ . ٣٤٦ سورة الحشر: الآيتان ٦ - ٧ وأتعبته، ومنه قول تميم بن مقبل : مَذاوِيد بالبِيض الحديثِ صِقالُها عن الركب أحياناً إذا الركب أوْجَفُوا(١) والركاب: الإبل، واحدها: راحلة(٢). يقول: لم تقطعوا إليها شُقَّة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقَّة؛ وإنَّما كانت من المدينة على مِيلَيْن، قاله الفرَّاء(٣). فمشَوْا إليها مَشْياً، ولم يركبوا خيلاً ولا إيلاً، إلا النبيَّ ﴾ فإنَّه ركب جملاً، وقيل: حماراً مخطوماً بليف، فافتتحها صلحاً، وأجلاهم، وأخذ أموالهم(٤). فسأل المسلمون النبيَّ ﴿ أن يَقسم لهم فنزلت: ((وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ) الآية. فجعل أموال بني النَّضير للنبيِّ # خاصَّةً يضعها حيث شاء، فقسمها النبيُّ # بين المهاجرين . - قال الواقديُّ: ورواه ابن وهب عن مالك - ولم يُعْطِ الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثةَ نفر محتاجين، منهم أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشة، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمَّة(٥). وقيل: إنَّما أَعطى رجلين، سهلاً وأبا دُجَانة. ويقال: أَعطى سعد بن معاذ سيفَ ابن أبي الحُقَيق، وكان سيفاً له ذِكْرٌ عندهم(٦). ولم يُسلم من بني النَّضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأَحرزاها(٧) . وفي ((صحيح مسلم)) عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على (١) السيرة النبوية لابن هشام ١٩٣/٢ - ١٩٤، والبيت في ديوان تميم بن أبيٍّ بن مقبل ص٣٧٢، والذَّود: السَّوق والطرد والدفع. والبيض: جمع أبيض وهو السيف. المعجم الوسيط (ذود) و(بيض). (٢) تفسير الرازي ٢٨٤/٢٩ . (٣) في معاني القرآن له ١٤٤/٣. (٤) تفسير الرازي ٢٨٥/٢٩، عدا قوله: وقيل: حماراً مخطوماً بليف. فمن الكشاف ٧٩/٤ . (٥) تفسير البغوي ٣١٦/٤ عدا ما بين معترضتين. (٦) المغازي للواقدي ٣٧٩/١، والقول الأول أخرجه الطبري ٥٢٦/٢٢ عن عبد الله بن أبي بكر ﴾. (٧) الدرر لابن عبد البر ص ١٨٥، وورد فيه أنهما: يامين بن عمير، وأبو سعيد بن وهب، وكذا وردا في السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٢ . ٣٤٧ سورة الحشر: الآيتان ٦ - ٧ رسوله، مما لم يُوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبيِّ# خاصَّةً، فكان ينفق على أهله نفقةَ سنةٍ، وما بقي يجعله في الكُرَاعِ والسلاح عُدَّةً في سبيل الله تعالى(١). وقال العباس لعمر رضي الله عنهما: اقضٍ بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن - يعني: عليّاً ﴾، فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير - فقال عمر: أَتعلمانِ أنَّ النبيَّ ◌َ# قال: ((لا نُورث ما تركناه صدقة)) قالا: نعم. قال عمر: إنَّ الله عزَّ وجلَّ كان خصَّ رسوله ﴾ بخاصَّة ولم يُخَصِّص بها أحداً غيره. قال: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَللَّهِ وَلِلرَّسُولِ)» - ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا - فقسم رسول الله # بينكم أموال بني النَّضير، فو اللهِ ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله # يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسْوَةَ المال ... الحديث بطوله، خرَّجه مسلم (٢). وقيل: لما ترك بنو الَّضير ديارهم وأموالهم، طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظّ كالغنائم، فبيَّن الله تعالى أنَّها فَيْءٌ، وكان قد جرى ثَمَّ بعضُ القتال؛ لأنَّهم حوصِروا أياماً وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء. ولم يكن قتال على التحقيق، بل جرى مبادئ القتال وجرى الحصار، وخصَّ الله تلك الأموال برسوله 8 .. وقال مجاهد(٣): أَعلمهم الله تعالى وذَكَّرهم أنَّه إنَّما نصر رسوله ﴾ ونصرهم بغير كُراع ولا عُدَّة. ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَمُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ أي: من أعدائه. وفي هذا بيان أنَّ تلك الأموال كانت خاصَّةً لرسول الله# دون أصحابه. الثانية: قوله تعالى: ﴿مَّ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ قال ابن عباس: هي قُرَيْظَة والنَّضير، وهما بالمدينة، وفَدَك، وهي على ثلاثة أيام من المدينة وخَيْبَر. وقُرَى (١) مسلم (١٧٥٧)، وهو عند البخاري (٢٩٠٤)، وأحمد (١٧١)، والكراع: الدوابُّ التي تصلح للحرب. (٢) برقم (١٧٥٧): (٤٩)، وهو عند البخاري (٣٠٩٤)، وأحمد (٤٢٥). (٣) في تفسيره ٢/ ٦٦٣، وأخرجه عنه الطبري ٥١٤/٢٢ . ٣٤٨ سورة الحشر: الآية ٧ عُرَينة(١). ويَنْبُع جعلها الله لرسوله. وبيَّن أنَّ في ذلك المال الذي خصَّه بالرسول عليه السلام سُهْماناً لغير الرسول، نظراً منه لعباده. وقد تكلّم العلماء في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال، فقال قوم من العلماء: إنَّ قوله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخُمس لمن سُمِّيَ له، والأخماس الأربعة لمن قاتل. وكان في أوَّل الإسلام تُقسم الغَنِيمة على هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء. وهذا قول يزيد بن رُومان وقتادة وغيرهما(٢). ونحوه عن مالك. وقال قوم: إنَّما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا رِكاب، فيكون لمن سمَّى الله تعالى فيه فَيْئاً، والأُولى للنبيِّ﴾ خاصَّة، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر: الأولى للنبيِّ ﴾، والثانية هي الجزية والخراج، للأصناف المذكورة فيه. والثالثة الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين(٣). وقال قوم منهم الشافعيُّ: إنَّ معنى الآيتين واحد، أي: ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم؛ أربعة منها للنبيِ﴾. وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم: سهم لرسول الله # أيضاً، وسهم لذوي القربى - وهم بنو هاشم وبنو المطلب - لأنَّهم مُنِعوا الصدقة، فجعل لهم حقٌّ في الْفَيْء، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل(٤). وأما بعد وفاة رسول الله ﴾.، فالذي كان من الْفَيْء لرسول اللـه ﴾ يصرف عند الشافعيِّ في قولٍ إلى المجاهدين المترصِّدين للقتال في الثغور؛ لأنَّهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي قول آخر له: يُصرَف إلى مصالح المسلمين من سدِّ الثغور وحفر الأنهار وبناء (١) تفسير البغوي ٤/ ٣١٧ . (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٦/٣، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص٢٣٧، وأخرجه الطبري ٥١٧/٢٢ - ٥١٨ عن يزيد بن رومان وقتادة. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٩/٤ . (٤) الأم ٧٧/٤، وأحكام القرآن للشافعي جمع الإمام البيهقي ١٥٣/١ وما بعدها. ٣٤٩ سورة الحشر: الآية ٧ القناطر، يُقدَّم الأهمُّ فالأهمِّ، وهذا في أربعة أخماس الفيء(١). فأمَّا السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمین بعد موته 8# بلا خلاف، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس لي من غنائمكم إلا الخمس، والخمس مردودٌ فيكم))(٢). وقد مضى القول فيه في سورة ((الأنفال))(٣). وكذلك ما خلَّفه من المال غير موروث، بل هو صدقة يُصرَف عنه إلى مصالح المسلمين، كما قال عليه السلام: ((إنا لا نُورَث، ما تركناه صدقة))(٤). وقيل: كان مال الفيء لنبيِّهِ ﴾؛ لقوله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)) فأضافه إليه؛ غير أنَّه كان لا يتأثَّل(٥) مالاً، إنَّما كان يأخذ بقدر حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القاضي أبو بكر بنُ العربيّ(٦): لا إشكالَ أنَّها ثلاثةُ معانٍ في ثلاث آيات؛ أما الآية الأولى فهي قوله: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِیَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)) ثم قال تعالى: ((وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ)) يعني من أهل الكتاب معطوفاً عليهم. ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يريد كما بَيَّنًا؛ فلا حقَّ لكم فيه، ولذلك قال عمر: إنَّها كانت خالصةً لرسول الله ﴾، يعني بني النضير وما كان مثلها. فهذه آية واحدة ومعنّى مثَّحد. الآية الثانية: قوله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)) وهذا كلام مبتدأ غير الأوَّل لمستحقٌّ غيرِ الأوَّل. وسمَّى الآية الثالثة آيةً الغنيمة، ولا شكّ في أنَّه معنى آخر باستحقاق ثانٍ لمستحقٌّ آخر، بَيْدَ أنَّ الآية الأولى والثانية، اشتركتا في أنَّ كلَّ واحدة منهما تضمَّنت شيئاً (١) الأوسط لابن المنذر ٩٥/١١ . (٢) سلف ٩/ ٤٤٤ . (٣) ٢٤/١٠ وما بعدها. (٤) سلف تخريجه قريباً. (٥) أي: غير جامع، يقال: مال مؤثّل، ومجد مؤثَّل. أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله. النهاية (أثل). (٦) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٦٠ - ١٧٦١ . ٣٥٠ سورة الحشر: الآية ٧ أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنَّه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال أنَّه حاصل بقتال، وعرِيت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)» عن ذِكْر حصوله بقتال أو بغير قتال؛ فنشأ الخلاف من ها هنا، فمن طائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كلّه ونحوه. ومن طائفة قالت: هي ملحقة بالثانية، وهي آية الأنفال. والذين قالوا: إنَّها ملحقة بآية الأنفال، اختلفوا؛ هل هي منسوخة - كما تقدَّم - أو مُحكَمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالتي قبلها أَوْلى؛ لأنَّ فيه تجديد فائدة ومعنى. ومعلوم أنَّ حمل الحرف من الآية - فضلاً عن الآية - على فائدة متجدِّدة أَوْلى من حمله على فائدة معادة. وروى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى: ((فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ)) هي(١) النضير، لم يكن فيها خمس، ولم يُوجف عليها بخيل ولا ركاب. كانت صافيةً لرسول اللـه ﴾، فقَسَمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار، حسب ما تقدَّم. وقوله: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) هي قُرَيظة، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد. قال ابن العربيّ (٢): قول مالك: إنَّ الآية الثانية في بني قُريظة، إشارة إلى أنَّ معناها يعود إلى آية الأنفال، ويلحقها النسخ، وهذا أَقوى من القول بالإحكام، ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبيًَّّا أنَّ الآية الثانية لها معنَى مجدَّد حسب ما دلَّلنا عليه. والله أعلم. قلت: ما اختاره حَسَن. وقد قيل: إنَّ سورة ((الحشر)) نزلت بعد الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدِّمُ المتأخّرَ (٣). وقال ابن أبي نَجيح: المال ثلاثة: مَغْنم، أَوْفَيْءٌ، أو صَدَقة، وليس منه درهم إلا وقد بيَّن الله موضعه (٤). وهذا أشبه. (١) في (د) و(م): بني. والمثبت من (ظ) و(خ) و(ز)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٩/٤ - ١٧٦٠، والكلام منه. (٢) في أحكام القرآن له ١٧٦١/٤ . (٣) نواسخ القرآن لابن الجوزي ص٢٣٨ . (٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٥ وعزاه لابن المنذر. ٣٥١ سورة الحشر: الآية ٧ الثالثة: الأموال التي للأئمة والؤُلاة فيها مَدْخَلٌ، ثلاثةُ أضْرُب: ما أُخِذ من المسلمين على طريق التطهير لهم، كالصدقات والزكوات. والثاني: الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الْفَيْء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفْواً من غير قتال ولا إيجاف، كالصلح والجِزية والخراج والعشور المأخوذة من تجَّار الكفّار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارثَ له. فأمَّا الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها، حسب ما ذكره الله تعالى، وقد مضى في ((براءة))(١). وأمَّا الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبيِّ # يصنع فيها ما شاء، كما قال في سورة ((الأنفال)): ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الآية: ١]، ثم نسخ بقوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ)) الآية [٤١: من سورة الأنفال]. وقد مضى في الأنفال بيانه(٢). فأما الفَيْءُ فقسمته وقسمة الخمس سواء. والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين فَعَل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما، قَسَمه كلَّه بين الناس، وسؤَّى فيه بين عربِيِّهم ومَؤلاهم. ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يَغْنَوْا، ويعطوا ذَوُو القربى من رسول الله ﴾ من الفيء سهمهم على ما يراه الإمام، وليس له حدٌّ معلوم. واختلف في إعطاء الغنيِّ منهم؛ فأكثر الناس على إعطائه، لأنَّه حقٌّ لهم. وقال مالك: لا يُعطَى منه غير فقرائهم؛ لأنَّه جُعل لهم عِوَضاً من الصدقة(٣). وقال الشافعيُّ: أيّما حصل من أموال الكفّار من غير قتال كان يقسم في عهد النبيِّ على خمسة وعشرين سهماً: عشرون للنبيِّ ﴾ يفعل فيها ما يشاء. والخُمس يقسم على ما يقسم عليه خُمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد بن الدَّاوُديّ: وهذا قول (١) ٢٤٤/١٠ وما بعدها. (٢) ١٩/١٠ وما بعدها. (٣) الكافي لابن عبد البر ٤٧٨/١ . ٣٥٢ سورة الحشر: الآية ٧ ما سبقه به أحدٌ علمناه، بل كان ذلك خالصاً له، كما ثبت في الصحيح عن عمر (١) مبيِّناً للآية. ولو كان هذا لكان قوله: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] يدلُّ على أنَّه يجوِّز الموهوبةَ لغيره، وأنَّ قوله: ﴿خَالِصَةُ يَوْمَ اُلْقِيَّمَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] يجوِّز أن يشركهم فيها غيرهم. وقد مضى قول الشافعيِّ مستَوعَباً في ذلك، والحمد لله. ومذهب الشافعيِّ ﴾: أنَّ سبيل خمس الْفَيْء سبيل خمس الغنيمة، وأنَّ أربعة أخماسه كانت للنبيِّ#، وهي بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر: أنَّها بعده للمرصدين أنفسَهم للقتال بعده خاصة، كما تقدَّم. الرابعة: قال علماؤنا: ويُقسم كلُّ مال في البلد الذي جُبيّ فيه، ولا يُنقَل عن ذلك البلد الذي جُبِيَ فيه حتى يَغنَوا، ثم يُنقَل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي ◌ُبِيَ فيه فاقةٌ شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب ﴾ في أعوام الرَّمادة، وكانت خمسةً أعوام أو ستّة. وقد قيل: عامين. وقيل: عامٌ فيه اشتدَّ الطاعون مع الجوع. وإن لم يكن ما وصفنا، ورأى الإمام إيقافَ الْفَيْء، أوقفه لنوائب المسلمين، ويعطي منه المنفوس، ويبدأ بمن أبوه فقير. والْفَيْء حلال للأغنياء. ويسؤِّي بين الناس فيه إلا أنَّه يُؤْثِر أهل الحاجة والفاقة. والتفضيل فيه إنَّما يكون على قَدْر الحاجة. ويُعطى منه الغرماء ما يؤدُّون به ديونهم. ويُعطى منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلاً، ويرزق القضاة والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين. وأولاهم بتوفر الحظّ منهم أعظمهم للمسلمين نفعاً. ومن أخذ من الْفَيْء شيئاً في الديوان، كان عليه أن يغزو إذا غزى (٢). الخامسة: قوله تعالى: ﴿كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ﴾ قراءة العامة: ((يَكُونَ)) بالياء. ((دُولَةً» بالنصب، أي: كي لا يكون الفَيْء دُولةٌ(٣). وقرأ أبو جعفر والأعرج وهشام - عن ابن (١) سلف تخريجه عند الآية السادسة من هذه السورة. (٢) الكافي لابن عبد البر ٤٧٨/١، وأعوام الرمادة كانت سنة ثمان عشرة للهجرة، وخبرها في تاريخ الطبري ٩٦/٤-١٠١ . والمنفوس: المولود. معجم متن اللغة (نفس). (٣) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧٢٥/٢ . ٣٥٣ سورة الحشر: الآية ٧ عامر - وأبو حيوة: ((تكون)) بتاء، ((دُولةٌ)) بالرفع(١)، أي: كي لا تقع دُولة. فكان تامَّة. و((دُولَةٌ)) رفع على اسم كان، ولا خبرَ له. ويجوز أن تكون ناقصةً، وخبرها: ((بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)). وإذا كانت تامَّة فقوله: (بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) متعلِّق بـ الدولة)) على معنى: تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن يكون ((بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) وصفاً لـ الدُولة)). وقراءة العامة: ((دُولة)) بضمِّ الدال. وقرأها السُّلَمِيُّ وأبو حيوة بالنصب(٢). قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعيُّ: هما لغتان بمعنَى واحد(٣). وقال أبو عمرو بن العلاء: الدَّوْلَة - بالفتح - الظَّفَر في الحرب وغيره، وهي المصدر. وبالضمِّ: اسم الشيء الذي يتداول من الأموال (٤). وكذا قال أبو عبيدة: الدُّولة: اسم الشيء الذي يُتداول. والدَّوْلة: الفعل. ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفَيْء؛ كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء؛ لأنَّ أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا، أخذ الرئيس رُبْعها لنفسه، وهو المِرْباع، ثم يصطفي منها أيضاً بعد المزباع ما شاء(٥)، وفيها قال شاعرهم: لك المِرْباع منها والصَّفايا (٦) يقول: كي لا يُعمَل فيه كما كان يُعمَل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسولهلق﴾، يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعاً. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ ﴾ أي: ما (١) التيسير ص٢٠٩ عن هشام، والنشر ٣٨٦/٢، والمحتسب ٢/ ١٥٤ عن أبي جعفر، وما بعده منه، ومن الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي ٣١٦/٢ . (٢) القراءات الشاذة ص١٥٤ عن السلمي. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٦/٥ عن عيسى بن عمر، والنكت والعيون ٥٠٣/٥ عن يونس والأصمعي. (٤) النكت والعيون ٥٠٣/٥ . (٥) تفسير البغوي ٣١٨/٤ . (٦) هذا صدر بيت لعبد الله بن عَنَمة الضبي، وعجزه: وحُكْمك والنشيطة والفضول وسلف ١٠/ ٢٤ . ٣٥٤ سورة الحشر: الآية ٧ أعطاكم من مال الغَنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الأخذ والغُلول، فانتهوا، قاله الحسن وغيره. السُّدِّيُّ: ما أعطاكم من مال الْفَيْء، فاقبلوه، وما منعكم منه، فلا تطلبوه. وقال ابن جُريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. الماوردِيُّ(١): وقيل: إنَّه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بصلاح، ولا ینھی إلا عن فساد. قلت: هذا هو معنى القول الذي قبله. فهي ثلاثة أقوال. السابعة: قال المهدوِيُّ: قوله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) هذا يوجب أنَّ كلَّ ما أَمَرَ به النبيُّ :﴿ أَمْرٌ من الله تعالى. والآية وإن كانت في الغنائم، فجميع أوامره 8# ونواهيه دخل فيها. وقال الحَكّم بن عُمير - وكانت له صحبة -: قال النبيُّ﴾: ((إنَّ هذا القرآنَ صَعْبٌ مُسْتَضْعَب، عسير على من تركه، يسير علی من اتبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب، وهو الحگم، فمن استمسك بحديثي وحَفِظَه، نجامع القرآن، ومن تهاون بالقرآن وحديثي، خسر الدنيا والآخرة. وأُمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتشَّبعوا سُنَّتي، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن، ومن استهزأ بقولي، فقد استهزأ بالقرآن، قال الله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوُهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا))(٢). الثامنة: قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابنُ مسعود رجلاً مُخْرِماً وعليه ثيابه، فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عليَّ بهذا آيةً من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا))(٣). (١) في النكت والعيون ٥/ ٥٠٤، وما قبله منه أيضاً، وقول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة ٤٩٥/١٢ ، والطبري ٥٢٢/٢٢. (٢) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١٦٣٠) مقتصراً على طرفه الأول، وفي إسناده: عيسى بن إبراهيم القرشي، وهو منكر الحديث، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٠٨/٣ - ٣٠٩ وعدَّه من مناكيره. (٣) الكشاف ٤/ ٨٢ - ٨٣، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٢٣٨) عن عبد الرحمن بن یزید، دون ذكر ابن مسعود ﴾. ٣٥٥ سورة الحشر: الآية ٧ وقال عبيد الله بن محمد بن هارون الفِرْيَابِيُّ: سمعتُ الشافعيّ ﴾ يقول: سلوني عمَّا شئتم، أُخبركم من كتاب الله تعالى وسنَّة نبيِّكم﴾. قال: فقلت له: ما تقولُ - أصلحكَ اللهُ - في المُخْرِم يقتل الزُّنْبُور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)). وحذَّثنا سفيان بن عُيَيْنَة: عن عبد الملك بن عُمير، عن رِبْعِيٍّ بنِ حراش، عن حُذيفة بن اليَمَان، قال: قال رسول اللـه ﴾: ((اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر)). وحذَّثنا سفيان بن عُيينة، عن مِسْعر بن كِدَام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب - ﴾ - أنَّه أَمر بقَتْل الزُّنْبُور(١). قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحُسْنِ، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبيَّن أنَّه يَقتدي فيه بعمر، وأنَّ النبيَّ ﴿ أَمَرَ بالاقتداء به، وأنَّ الله سبحانه أَمَرَ بقبول ما يقوله النبيُّ ﴾، فجواز قَتْله مستنبط من الكتاب والسنة. وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سُئل عن أمهات الأولاد فقال: هنَّ أحرار. في سورة (النساء)) عند قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [الآية: ٥٩](٢). وفي ((صحيح مسلم)) وغيره عن علقمة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((لعن الله الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ، والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ (١) أخرجه بتمامه البيهقي في السنن الكبرى ٢١٢/٥ من طريق عبد الله بن وهب الدينوري، عن الفريابي، به، وهو عند أبي نعيم في الحلية ١٠٩/٩ - ١١٠ من طريق محمد يزيد بن حكيم، قال: رأيت محمد بن إدريس الشافعي في المسجد الحرام، وقد جعلت له طنافس يجلس عليها،. فأتاه رجل من أهل خراسان فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في أكل فرخ الزنبور؟ قال: حرام. فقال الخراساني: حرام؟! فقال: نعم، من كتاب الله وسنة رسول الله # والمعقول، ... الخبر، فذكر الآية المذكورة أعلاه، وخبر الاقتداء، وخبر عمر لكن بإسناد آخر عنه. وقوله :﴿: ((اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر)) أخرجه الترمذي (٣٦٦٢) بإسنادين، أحدهما: عن أحمد بن منيع، عن ابن عيينة، به. والآخر: عن الحسن بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، به. وهو عند أحمد (٢٣٢٤٥). قال الترمذي: وكان سفيان بن عيينة يُدلِّس في هذا الحديث، فربّما ذكره عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وربَّما لم يذكر فيه: عن زائدة. وقال أيضاً: هذا حديث حسن. اهـ. وبرقم (٣٦٦٣) من طريق عمرو بن هرم، عن ربعي، به. وقول عمر أورده الشافعي في الأم ٧/ ١٩٨، وسلف ١٨٣/٨ . (٢) ٦ /٤٣٠. ٣٥٦ سورة الحشر: الآية ٧ خَلْقَ الله)) فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: بلغني أنَّك لعنتَ كَيْتَ وكيت! فقال: ومالِيَ لا أَلعنُ مَن لَعَنَ رسولُ اللـهِ ﴾ وهو في كتاب الله! فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول؟! فقال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وَجَدْتِيه! أما قرأتِ: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوُهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا))! قالت: بلى. قال: فإنَّه قد نهى عنه .. الحديث. وقد مضى القول فيه في ((النساء)) مستوفّى(١). التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وإن جاء بلفظ الإيتاء: وهو المناولة، فإنَّ معناه الأمر؛ بدليل قوله تعالى: ((وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا))، فقابله بالنهي، ولا يُقابل النهي إلا بالأمر، والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبل(٢)، مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أمرتكم بأمرٍ فَأُتُوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه))(٣). وقال الكلبيُّ: إنَّها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسولُ الله﴾ من أموال المشركين: يا رسولَ الله، خُذ صَفِيَّك والرُّبع، ودعنا والباقي؛ فهكذا كنّا نفعل في الجاهلية. وأنشدوه: لك المِرْباع منها والصَّفايَا وحُكْمُكَ والنَّشِيطة والفُضُولُ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٤). العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: عذاب الله، إنَّه شديد لمن عصاه(٥). وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيّعوها(٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ لمن خالف ما أمره به. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٦٢/٤ - ١٧٦٣ بتمامه، والحديث عند مسلم (٢١٢٥)، ولم يرد منه عبارة: قال رسول الله ﴾. والحديث سلف ٧/ ١٤٢ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٢ . (٣) سلف ٢١٦/٥ - ٢١٧. (٤) النكت والعيون ٥٠٤/٥، والبيت لعبد الله بن عَنّمة الضبي، وسلف ٢٤/١٠. (٥) تفسير أبي الليث ٣٤٤/٣ . (٦) الكشاف ٤/ ٨٢ . ٣٥٧ سورة الحشر: الآية ٨ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ (@)﴾ أي: الفَيْءُ والغنائمُ (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ». وقيل: «کَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَیْن الْأَغْنِيَاءِ» ولكن يكون ((لِلْفُقَرَاءِ»(١). وقيل: هو بيان لقوله: ((وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ))(٢) فلما ذُكروا بأصنافهم، قيل: المال لهؤلاء؛ لأنَّهم فقراء ومهاجرون، وقد أُخرجوا من ديارهم؛ فهم أحقُّ الناس به. وقيل: ((وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)) للفقراء المهاجرين؛ لكيلا يكون المال دولةً للأغنياء من بني الدنيا. وقيل: والله شديد العقاب للمهاجرين؛ أي: شديد العقاب للكفَّار بسبب الفقراء المهاجرين ومن أَجْلهم. ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدِّم ذكرهم في قوله تعالى: ((وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى)). وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأتِ بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لِبَكْر لفلان لفلان. والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبيِّ ﴾؛ حُبّاً فيه ونُضْرَةً له. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان، حبّاً لله ولرسوله، حتى إنَّ الرجل منهم كان يَعْصِب الحجر على بطنه؛ ليقيم به صُلبه من الجوع، وكان الرجل يتَّخذ الحَفِيرة في الشتاء ماله دِثار غيرها(٣). وقال عبد الرحمن بن أبزى وسعيد بن جُبَير: كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحجُّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى الفَقْر، وجعل لهم سهماً في الزكاة(٤). ومعنى ((أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ))، أي: أخرجهم كفَّار مَّة، أي: أخْوَجُوهم إلى الخروج، وكانوا مئةً رجل. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون. ﴿فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: غنيمة في الدنيا ﴿ وَرِضْوَنًا﴾ في الآخرة، أي: (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٦/٤. (٢) المحرر الوجيز ٢٨٦/٥ . (٣) تفسير البغوي ٣١٨/٤، وأخرجه عنه الطبري ٥٢٣/٢٢. (٤) أخرجه الطبري ٥٢٣/٢٢ عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. ٣٥٨ سورة الحشر: الآيتان ٨ - ٩ مرضاة ربِّهم. ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهْ﴾ في الجهاد في سبيل الله . ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِّقُونَ﴾ في فعلهم ذلك. ورُويَ أنَّ عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أُبَيَّ بنَ كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيدَ بنَ ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتِ معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإنَّ الله تعالى جعلني له خازناً وقاسماً. ألا وإنِّي بادٍ بأزواج النبيِّ # فمعطيهنَّ، ثم بالمهاجرين الأوَّلين؛ أنا وأصحابي أُخْرِجنا من مكّة من ديارنا وأموالنا (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَّؤَُّو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَّصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَّؤَُّو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لا خلافَ أنَّ الذين تبوَّؤوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها(٢). ((وَالْإِيمَانَ)) نصب بفعل غير تبوَّأ؛ لأنَّ التبوُّءَ إنَّما يكون في الأماكن. و﴿مِن قَبْلِهِم﴾ ((مِنْ)) صلة تبوَّأ، والمعنى: والذين تبوَّؤوا الدار من قبل المهاجرين، واعتقدوا الإيمان وأَخلصوه؛ لأنَّ الإيمان ليس بمكان يتبوَّأ، كقوله تعالى: ﴿فَأَخِعُواْ أَنَْكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أي: وادعوا شركاءكم؛ ذكره أبو عليٍّ والزمخشري(٣) وغيرهما. ويكون من باب قوله : (١) النكت والعيون ٥/ ٥٠٥ وعزاه إلى علي بن رباح اللخمي، وأخرجه عنه أبو عبيد في الأموال (٥٤٨). وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٣٧٩٥) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه. وقال: لم يروِ هذا الحديث عن داود بن الحصين إلا ابنه سليمان، تفرَّد به عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٣٥: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله موثقون. (٢) تفسير البغوي ٣١٩/٤ . (٣) في الكشاف ٨٣/٤ ، وما بعده منه أيضاً. ٣٥٩ سورة الحشر: الآية ٩ عَلَفْتُهَا تِبناً وماءً بارداً(١) ويجوز حمله على حذف المضاف، كأنه قال: تبؤَّؤوا الدارَ ومواضعَ الإيمان. ويجوز حمله على ما دلّ عليه تبوَّأ، كأنَّه قال: لزموا الدارَ ولزموا الإيمانَ، فلم يفارقوهما. ويجوز أن يكون تبوَّأ الإيمان على طريق المَثَل، كما تقول: تبوَّأ من بني فلان الصميم(٢). والتبوُّء: التمكُّن والاستقرار. وليس يريد أنَّ الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبيِّ # إليهم. الثانية: واختلف أيضاً هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها، أو معطوفة؟ فتأوَّل قوم أنَّها معطوفة على قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) وأنَّ الآياتِ التي في الحَشْر كلَّها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأمَّلوا ذلك وأنصفوا، لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا)) إلى قوله: ((الْفَاسِقِينَ)) فأخبر عن بني النَّضِير وبني قَيْنُقاع. ثم قال: ((وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)) فأخبر أنَّ ذلك للرسول ﴿؛ لأنَّه لم يُوجف عليه حين خَلَّوه. وما تقدَّم فيهم من القتال وقَطْع شجرهم، فقد كانوا رجعوا عنه، وانقطع ذلك الأمر. ثم قال: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) وهذا كلام غيرُ معطوف على الأوَّل. وكذا: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ)) ابتداءُ كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم؛ فإنَّهم سلَّموا ذلك الْفَيْءَ للمهاجرين؛ وكأنَّه قال: الفيء للفقراء المهاجرين، والأنصار يُحبُّون لهم، لم يحسدوهم على ما صَفًا لهم من الْفَيْء. وكذا ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) ابتداءُ كلام، والخبر: ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا)». وقال إسماعيل بن إسحاق: إنَّ قوله: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ))، ((وَالَّذِينَ جَاءُوا)) (١) سلف ١/ ٢٩١. (٢) قال المبرِّد في الكامل ١٠٩٣/٣: الصميم: الخالص من كل شيء، يقال: فلان من صميم قومه، أي: من خالصهم. ٣٦٠ سورة الحشر: الآية ٩ معطوف على ما قبلُ، وأنَّهم شركاء في الفيء، أي: هذا المال للمهاجرين والذين تبوّؤوا الدار. وقال مالك بن أوْس: قرأ عمر بن الخطاب ﴾ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّمَا أُلْصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ [التوبة: ٦٠] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ ◌ُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)) حتى بلغ: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ))، ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ))، ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) ثم قال: لئن عشتُ ليأتينَّ الراعِيّ وهو بسَرْوِ حِمْيَر نصيبُه منها لم يَعْرَق فيها جبينه(١). وقيل: إنَّه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتحَ الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبَّتوا الأمر وتدبَّروه، ثم اغدوا عليَّ. ففكّر في ليلته فتبيَّن له أنَّ هذه الآيات في ذلك أُنزلت. فلما غدَوْا عليه قال: قد مررت البارحةَ بالآيات التي في سورة ((الحشر)) وتلا: ((مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) إلى قوله: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) فلما بلغ قوله: ((أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) قال: ما هي لهؤلاءِ فقط. وتلا قوله: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) إلى قوله: (رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)). ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. والله أعلم. الثالثة: روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنَّ عمر قال: لولا من يأتي من آخِرِ الناس ما فُتحت قريةٌ إلا قسمتها، كما قسم رسولُ اللـه :﴿ خَيْبر (٢). وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أنَّ عمر أَبقى سوادَ العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم (٣)؛ لتكونَ من أُعْطِيات المقاتلة وأرزاق الحِشْوة والذَّراري، وأنَّ الزبير وبِلالاً (١) أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق في التفسير ٢٨٤/٢، وأبو عبيد في الأموال (٥٢٦)، وهو عند البخاري (٤٠٣٣)، ومسلم (١٧٥٧) مطولاً بنحوه. قال أبو عبيد في غريب الحديث ٢٦٧/٣ عن أبي عمرو: السرو: ما انحدر من حزونة الجبل، وارتفع عن منحدر الوادي، فما بينهما سرو. (٢) أخرجه البخاري (٢٣٣٤) من طريق عبد الرحمن، عن مالك، به، وهو عند أحمد (٢٨٤)، ومن طريقه أبو داود (٣٠٢٠) وسلف ٩/١٠ . (٣) الأوسط لابن المنذر ١١/ ٤٤ - ٤٥، ومختصر اختلاف العلماء للجصاص ٤٩٥/٣. والسواد: جماعة النخل والشجر؛ لخضرته واسوداده، والسواد: ما حوالي الكوافة من القرى والرساتيق. اللسان (سود).