Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة المجادلة: الآية ١
وقالت عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وَسِع سمعه كلَّ شيء، إنِّي لأَسمع
كلامَ خَوْلَةَ بنتِ ثعلبةً ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجَها إلى رسول الله ﴾.،
وهي تقول: يا رسولَ الله! أكَّلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبرت سنِّي،
وانقطع ولدي، ظاهَرَ منِّي، اللهمَّ إنِّي أشكو إليكَ! فما بَرِحتْ حتى نزل جبريلُ بهذه
الآية: ((قد سَمِعَ اللهُ قولَ التي تجادِلك في زوجِها وتَشْتَكِي إلى اللهِ» خرَّجه ابن ماجه
في ((السنن))(١).
والذي في البخاريِّ من هذا عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وَسِعَ سمعُه
الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله﴾، وأنا في ناحية البيت ما
أَسمعُ ما تقول، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ((قد سَمِعَ اللهُ قولَ التي تجادِلُكَ في زوجِها))(٢).
وقال الماورديُّ(٣): هي خَوْلة بنت ثعلبة. وقيل: بنت خويلد . وليس هذا
بمختلف؛ لأنَّ أحدهما أبوها، والآخر جدُّها، فنُسبت إلى كلِّ واحد منهما، وزوجها
أَوْس بن الصَّامِت(٤).
وقال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: هي خَوْلة بنت خويلد الخزرجيَّة، كانت تحت
= وابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٤٢/١٠ (١٨٨٤١) من طريق جرير بن حازم ، عن أبي يزيد المدني قال:
لقيت امرأةٌ عمرَ ، يقال لها : خولة بنت ثعلبة ... الخبر بنحوه ، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن له
٤/ ١٧٣٤ - ١٧٣٥ .
(١) برقم (٢٠٦٣)، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٧٨٠)، والطبري ٤٥٤/٢٢، والحاكم في المستدرك
٢/ ٤٨١، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٣٣ .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي. اهـ. ومعنى: نثرت له بطني:
أرادت أنها كانت شابة تلد الأولاد عنده. وامرأة نثور : كثيرة الولد . النهاية (نثر).
(٢) البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، قبل حديث (٧٣٨٦)
معلقاً بصيغة الجزم ، ووصله أحمد (٢٤١٩٥) واللفظ له، وابن ماجه (١٨٨)، والنسائي في المجتبى
١٦٨/٦، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٣٤ .
(٣) في النكت والعيون ٤٨٧/٥ .
(٤) بعدها في (م) : أخو عبادة بن الصامت .

٢٨٢
سورة المجادلة: الآية ١
أَوس بنِ الصَّامت أخو عُبادة بن الصامت، وكانت حسنةَ الجِسم، فرآها زوجها
ساجدةً، فنظر عجيزتها فأعجبه أَمْرَها، فلما انصرفت أَرادها، فأَبَتْ، فغضب عليها،
قال عُرْوة: وكان امرأً به لَمَم، فأصابه بعضُ لَمَمِه فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمِّي
- وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية - فسألت النبيَّ﴾ فقال لها: ((حَرُمْتِ
عليه)) فقالت: واللهِ ما ذَكَر طلاقًا. ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي
وفراق زوجي وابنٍ عمِّي، وقد نفضتُ له بطني(١). فقال: ((حَرُمْتِ عليه)) فما زالت
تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية.
وروى الحسن: أنَّها قالت: يا رسولَ الله! قد نسخ الله سننَ الجاهلية، وإنَّ
زوجي ظاهر منِّي. فقال رسول الله ﴾: «ما أوحي إليَّ في هذا شيء)) فقالت: يا
رسولَ الله، أوحي إليكَ في كلِّ شيء وطُويَ عنك هذا؟! فقال: ((هو ما قلتُ لكِ))
فقالت: إلى اللهِ أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: «قد سَمِعَ اللهُ قولَ التي تجادِلُكَ في
زوجِها وتَشْتَكِي إلى اللهِ)) الآية(٢).
وروى الدَّارَقظْنِيُّ من حديث قتادة أنَّ أنس بن مالك حدَّثه قال: إنَّ أَوْس بن
الصّامت ظاهَرَ من امرأته خُوَيْلَةَ بنتِ ثعلبةً، فشكت ذلك إلى رسول اللـه *، فقالت:
ظاهَرَني حين كَبِرَتْ سِنِّي ورقَّ عظمي. فأنزل الله تعالى آيةَ الظهار، فقال رسول الله الاول
الأوس: ((أَعتق رقبةً)) قال: مالي بذلك يدان. قال: ((فصم شهرين متتابعين)) قال: أما
إنّي إذا أخطأني أن آكل في اليوم (٣) يكِلُّ بصري. قال: ((فَأَطعم ستِين مسكيناً)) قال: ما
(١) نَفَضَتِ المرأةُ كَرِشَها، فهي نفوض: كثيرة الولد . اللسان (نفض)، والخبر أورده العيني في عمدة
القاري ٢٨١/٢٠ بنحوه .
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨، ولم نقف عليه عند غيره.
(٣) بعدها في (د) و(ز) و(ق) و(م): ثلاث مرات، والمثبت من (ظ)، والدارقطني (٣٨٥٣ طبعة مؤسسة
الرسالة)، وأخرجه أيضاً من طريقه الواحدي في أسباب النزول ص ٤٣٤ - ٤٣٥ ، وورد في مطبوع
الدارقطني (بتحقيق عبد الله هاشم اليماني) ٣١٦/٣ زيادة كلمة: مرَّتين. بعد قوله: أن آكل في اليوم.
وكذا أضافها محقق أسباب النزول، ولعله اعتمد على مطبوع الدارقطني الآنف الذكر. وفي إسناد
الحديث: سعيد بن بشير الدمشقي، الراوي عن قتادة، وهو ضعيف. تقريب التهذيب، والجرح
والتعديل للرازي ٦/٤-٧، والمغني في الضعفاء للذهبي ٢٥٦/١ .
وأخرجه الطبري ٤٤٧/٢٢-٤٤٨ عن قتادة من قوله بنحوه.

٢٨٣
سورة المجادلة: الآية ١
أَجِدُ إلا أن تعينني منك بعَوْنٍ وصِلَة. قال: فأَعانه رسول اللـه ﴾ بخمسة عشر صاعًا حتى
جمع الله له، والله رحيم(١)، قال: فكانوا يرون أنَّ عنده مثلَها، وذلك لستِّين مسكيناً.
وفي الترمذِّي و((سنن ابن ماجه)): أنَّ سلمة بنَ صخر البياضيَّ ظاهَرَ من امرأته،
وأنَّ النبيَّ:﴿ قال له: ((أعتق رقبةً)) قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا
والذي بعثك بالحقِّ ما أصبحتُ أَملكُ غِيرَها. قال: ((فصم شهرين)) فقلت: يا رسولَ
الله! وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام. قال: ((فأطعم ستِّين مسكيناً)) الحديث(٢).
وذكر ابن العربي في «أحكامه))(٣): روي أنَّ خولةَ بنت دُلَيْج ظاهَرَ منها زوجها،
فأتتِ النبيَّ# فسألته عن ذلك. فقال النبيُّ﴾: ((قد حَرُمْتِ عليه)) فقالت: أشكو إلى
الله حاجتي. [ثم عادت فقال رسول الله ﴾: ((حَرُمْتِ عليه)) فقالت: إلى الله أشكو
حاجتي إليه] وعائشة تغسل شقَّ رأسه الأيمن، ثم تحوَّلت إلى الشقِّ الآخر، وقد نزل
عليه الوحي، فذهبت أن تعيد، فقالت عائشة: اسكتي؛ فإنَّه قد نزل الوحي. فلما نزل
القرآن قال رسول الله لزوجها: ((أعتق رقبة)» قال: لا أجد. قال: «صم شهرين
متتابعين)) قال: إن لم آكل في اليوم ثلاث مرَّات خفت أن يعشوَ(٤) بصري. قال:
((فأطعم ستِين مسكينا)). قال: فأعنّي. قال: فأعانه بشيء.
قال أبو جعفر النحاس: أهل التفسير على أنَّها خولة وزوجها أَوْس بن الصّامت،
واختلفوا في نسبها، فقال بعضهم: هي أنصاريَّة وهي بنت ثعلبة، وقال بعضهم: هي
بنت دُلَيْج، وقيل: هي بنت خُوَيلد، وقال بعضهم: هي بنت الصامت(٥)، وقال
(١) بعدها في (م): ﴿إِنَ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
(٢) الترمذي (٣٢٩٩)، وابن ماجه (٢٠٦٦)، واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٢١٣)،
وأحمد (١٦٤٢١). قال الترمذي: هذا حديث حسن، وسليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن
صخر، ويقال: سلمة بن صخر، وسليمان بن صخر. اهـ.
(٣) في أحكام القرآن له ١٧٣٦/٤ ، وما بين حاصرتين منه ، والحديث أخرجه الطبري في التفسير
٤٤٦/٢٢ - ٤٤٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥ عن أبي العالية مرسلاً بنحوه ، وأورده
الزمخشري في الكشاف ٦٩/٤ مختصراً .
(٤) في (د) و(ظ) : يغشو .
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٢/٥ بنحوه .

٢٨٤
سورة المجادلة: الآيتان ١ - ٢
بعضهم: هي أمَة كانت لعبد الله بن أُبَيٍّ، وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ
عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَعَضُّنَا﴾ [النور: ٣٣] لأنَّه كان يُكرهها على الزنى(١). وقيل: هي بنت
حكيم. قال النخَّاس: وهذا ليس بمتناقض، يجوز أن تنسب مرَّةً إلى أبيها، ومرَّةً إلى
أمِّها ، ومرَّةً إلى جدِّها، ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبيٍّ، فقيل لها:
أنصارية بالولاء؛ لأنَّه كان في عداد الأنصار، وإن كان من المنافقين.
الثانية: قرئ: ((قَد سَّمِعَ اللهُ)) بالإدغام، و ((قَدْ سَمِعَ اللهُ)) بالإظهار(٢). والأصل
في السماع إدراك المسموعات، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن. وقال ابن فُورك:
الصحيح أنَّه إدراك المسموع. وقال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنَّه المدرِك
للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أُذن، وذلك راجع إلى
أنَّ الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غيرَ موصوف بالحِسِّ المركّب في الأذن،
كالأصمِّ من الناس لمَّا لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلًا لإدراك الصوت. والسمع
والبصر صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل
الخالق سبحانه وتعالى متَّصفاً بهما(٣).
وشكى واشتكى بمعنى واحد. وقرِئ: ((تُحَاوِرُكَ)»(٤) أي: تراجعك الكلام.
و(«تُجَادِلُكَ)) أي: تسائلك.
قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآءِهِمِ مَا هُشَ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا
الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ
٢
فيه ثلاث وعشرون مسألة:
(١) أورد الواحدي في أسباب النزول ص٣٣٩- ٣٤٠ عن مقاتل أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِفُوا فَتِكُمْ عَلَى
اَلْبِغَاءِ . .. ) الآية، نزلت في ستِّ جوارٍ لعبد الله بن أُبَيِّ، كان يُكْرِههنَّ ويأخذ أجورهنَّ، وهنَّ: معاذة،
ومُسَيْكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقُتيلة ... الخبر.
(٢) النشر ٣/٢ - ٤، والإدغام عن أبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف وهشام.
(٣) الأسنى ص ٢٧٨، وكلام الحاكم أبي عبد الله - وهو الحليمي - في كتابه شعب الإيمان ١٩٩/١.
(٤) وهي قراءة ابن مسعود ، القراءات الشاذة ص ١٥٣ .

٢٨٥
سورة المجادلة: الآية ٢
الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ﴾(١) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائيُّ
وخلف: ((يَظَّاهَرونَ)) بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو
ويعقوب: ((يَظَّهَّرُونَ)) بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء. وقرأ أبو العالية
وعاصم وزِرُّ بن حُبَيش: ((يُظاهِرُونَ)) بضمِّ الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء(٢).
وقد تقدَّم هذا في ((الأحزاب))(٣). وفي قراءة أُبَيِّ: ((يَتَظَاهَرُونَ))(٤) وهي معنى قراءة ابن
عامر وحمزة.
وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدميَّة إنَّما يُركَب بطنها، ولكن كنَّى عنه
بالظهر؛ لأنَّ ما يُركَب من غير الآدميَّات فإنَّما يركب ظهره، فكنَّى بالظهر عن
الركوب(٥). ويقال: نزل عن امرأته، أي: طلَّقها، كأنَّه نزل عن مركوب. ومعنى: أنتِ
عليَّ كظهر أمِّي: أي: أنتِ عليَّ محرَّمة لا يحلُّ لي ركوبك.
الثانية: حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهرٍ محلّل
بظهرٍ محرَّم(٦)، ولهذا أجمع الفقهاء على أنَّ من قال لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي.
أنَّه مظاهر (٧). وأكثرهم على أنَّه إن قال لها: أنتِ عليَّ كظهر ابنتي أو أختي أو غير
ذلك من ذوات المحارم، أنَّه مظاهر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما.
واختلف فيه عن الشافعي ﴾، فروي عنه نحو قول مالك؛ لأنه شبَّه امرأته بظهر محرَّم
(١) كذا في النسخ ، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ، وكذا سترد في كل المواضع الآتية
من هذه السورة .
(٢) السبعة ص٦٢٨، والتيسير ص٢٠٦- ٢٠٧، والنشر ٣٨٥/٢.
(٣) لم نقف عليه هناك ، بل أحال الكلام هناك على هذه السورة .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٥٣ .
(٥) تهذيب اللغة ٢٤٨/٦ - ٢٤٩.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٦/٤، ومسألة الظهار وأحكامه في المدونة ٤٩/٣-٨٤، وبدائع
الصنائع ٣/٥-٢٤، والأم ٢٦١/٥-٢٧٢، والمغني ٥٤/١١-١١٩، فلتراجع لمن أراد التوسع فيها.
(٧) الإجماع لابن المنذر ص ٩٢ .

٢٨٦
سورة المجادلة: الآية ٢
عليه مؤَّد كالأم. وروى عنه أبو ثور: أنَّ الظهار لا يكون إلا بالأمِّ وحدها. وهو
مذهب قتادة والشعبي. والأوَّل قول الحسن والنخعيِّ والزهريِّ والأوزاعيِّ
والثوريٌّ(١).
الثالثة: أصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي. وإنَّما ذكر
الله الظهر كنايةً عن البطن وستراً. فإن قال: أنتِ عليَّ كأمِّي، ولم يذكر الظهر، أو
قال: أنتِ عليَّ مثل أمِّي؛ فإن أراد الظهار، فله نيته، وإن أراد الطلاق، كان مطلِّقاً
الْبَّة عند مالك، وإن لم يكن له نية في طلاق ولا في ظهار، كان مظاهراً. ولا ينصرف
صريح الظهار بالنية إلى الطلاق، كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له
إلى الظهار، وكناية الظهار خاصَّة تنصرف بالنية إلى الطلاق الْبتِّ(٢).
الرابعة: ألفاظ الظهار ضربان: صريح وكناية؛ فالصريح: أنتِ عليٍّ كظهر أمِّي،
وأنتِ عندي، وأنتِ منِّي، وأنتِ معي، كظهر أمِّي. وكذلك: أنتِ عليَّ كبطن أمِّي،
أو: كرأسها، أو: فرجها، أو نحوه، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو
رجلك عليَّ كظهر أمِّي، فهو مظاهر، مثل قوله: يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك
طالق، تطلق عليه. وقال الشافعيُّ في أحد قوليه: لا يكون ظهاراً. وهذا ضعيف منه؛
لأنَّه قد وافقنا على أنَّه يصحُّ إضافة الطلاق إليه خاصَّة حقيقة، خلافًا لأبي حنيفة،
فصحَّ إضافة الظهار إليه. ومتى شبَّهها بأمِّه أو بإحدى جدَّاته من قِبَلٍ أبيه أو أمه، فهو
ظهار بلا خلاف. وإن شبَّهها بغيرهنَّ من ذوات المحارم التي لا تحلُّ له بحال،
كالبنت والأخت والعمَّة والخالة، كان مظاهراً عند أكثر الفقهاء، وعند الإمام
الشافعيِّ ﴾ على الصحيح من المذهب، على ما ذكرنا(٣).
والكناية أن يقول: أنتِ عليَّ كأمِّي، أو: مثل أمِّي، فإنَّه يعتبر فيه النية. فإن أراد
الظهار، كان ظهاراً، وإن لم يرد الظهار، لم يكن مظاهراً عند الشافعيِّ وأبي حنيفة.
(١) المغني لابن قدامة ٥٨/١١ .
(٢) الكافي لابن عبد البر ٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤ .
(٣) المغني ٦٠/١١ وما بعدها .

٢٨٧
سورة المجادلة: الآية ٢
وقد تقدَّم مذهب مالك ﴾ في ذلك، والدليل عليه أنَّه أطلق تشبيه امرأته بأمِّه، فكان
ظهاراً. أصله إذا ذكر الظهر، وهذا قويٌّ؛ فإنَّ معنى اللفظ فيه موجود - واللفظ بمعناه -
ولم يلزم حكم الظهر للفظه، وإنَّما أُلْزِمَه بمعناه وهو التحريم، قاله ابن العربيّ(١).
الخامسة: إذا شبَّه جملة أهله بعضوٍ من أعضاء أمِّه، كان مظاهراً، خلافاً لأبي
حنيفة في قوله: إنَّه إن شبَّهها بعضوٍ يحلُّ له النظر إليه، لم يكن مظاهراً. وهذا لا
يصحُّ؛ لأنَّ النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحلُّ له، وفيه وقع التشبيه، وإِيَّاه قصد
المظاهر، وقد قال الإمام الشافعيُّ في قول: إنَّه لا يكون ظهاراً إلا في الظهر وحده.
وهذا فاسد؛ لأنَّ كلَّ عضو منها محرَّم، فكان التشبيه به ظهاراً كالظهر؛ ولأنَّ المظاهر
إنَّما يقصد تشبيه المحلَّل بالمحرَّم؛ فلزم على المعنى.
السادسة: إن شبَّه امرأته بأجنبيَّة، فإن ذكر الظهر، كان ظهاراً؛ حملًا على
الأوَّل، وإن لم يذكر الظهر، فاختلف فيه علماؤنا؛ فمنهم من قال: يكون ظهاراً.
ومنهم من قال: يكون طلاقاً. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: لا يكون شيئاً. قال ابنُ
العربيّ(٢): وهذا فاسد؛ لأنَّه شبَّه محلَّلًا من المرأة بمحرَّم، فكان مقيَّدًا بحكمه
كالظهر، والأسماء بمعانيها عندنا، وعندهم بألفاظها، وهذا نقض للأصل منهم.
قلت: الخلاف في الظهار بالأجنبية قويٌّ عند مالك، وأصحابُه منهم من لا يرى
الظهار إلا بذوات المحارم خاصَّة، ولا يرى الظهار بغيرهنَّ. ومنهم من لا يجعله
شيئاً. ومنهم من يجعله في الأجنبية طلاقاً. وهو عند مالك إذا قال: كظهر ابني أو
غلامي، أو كظهر زيد أو كظهر أجنبيّة، ظهار لا يحلُّ له وطؤها في حين يمينه. وقد
روي عنه أيضاً: أنَّ الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء (٣)، كما قال الكوفيُّ
والشافعيُّ. وقال الأوزاعيُّ: لو قال لها: أنتِ عليَّ كظهر فلانٍ - رجلٍ - فهو يمين
يكفِّرها. والله أعلم.
(١) في أحكام القرآن له ١٧٣٧/٤، وما بعده منه أيضاً .
(٢) في أحكام القرآن له ١٧٣٧/٤، وما قبله منه أيضاً .
(٣) الكافي ٢/ ٦٠٤ .

٢٨٨
سورة المجادلة: الآية ٢
السابعة: إذا قال: أنتِ عليَّ حرام كظهر أمِّي، كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأنَّ
قوله: أنتِ حرام عليَّ، يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلّقة، ويحتمل التحريم
بالظهار، فلما صرَّح به كان تفسيراً لأحد الاحتمالين يقضى به فيه (١).
الثامنة: الظهار لازم في كلِّ زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها، على أيِّ
الأحوال كانت، من زوج يجوز طلاقه. وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من
إمائه، إذا ظاهر منهنَّ، لزمه الظهار فيهنَّ. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: لا يلزم. قال
القاضي أبو بكر بنُ العربيّ(٢): وهي مسألة عسيرة جدًّا علينا؛ لأنَّ مالكاً يقول: إذا
قال لأمته: أنتِ عليَّ حرام. لا يلزم. فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصحُ
كنايته، ولكن تدخل الأمَّة في عموم قوله: ﴿مِنْ نِسَابِكُمْ﴾(٣) [النساء: ٢٣] لأنَّه أراد
من محلَّلاتكم(٤). والمعنى فيه أنَّه لفظ يتعلَّق بالبُضع دون رَفْعِ العقد، فصحَّ في الأمة،
أصله الحلف بالله تعالى.
التاسعة: ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك. ولا يلزم
عند الشافعيِّ وأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ((مِنْ نِسَائِهِمْ)) وهذه ليست من نسائه(٥). وقد
مضى أصل هذه المسألة في سورة ((براءة)) (٦) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾
[الآية : ٧٥].
العاشرة: الذمِّيُّ لا يلزم ظهاره. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيُّ: يصحُّ ظهار
الذمِّيّ؛ ودليلنا قوله تعالى: ((مِنْكُمْ)) يعني: من المسلمين. وهذا يقتضي خروج الذمِّيِّ
من الخطاب. فإن قيل: هذا استدلال بدليل الخطاب. قلنا: هو استدلال بالاشتقاق،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٣٧ .
(٢) في أحكام القرآن له ١٧٣٩/٤، وما قبله منه أيضاً.
(٣) في (م): ﴿مِن نِسَآيِهِمْ﴾.
(٤) في (م) : محللاتهم .
(٥) المغني ١١ / ٧٥ .
(٦) ٣٠٩/١٠.

٢٨٩
سورة المجادلة: الآية ٢
والمعنى: فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقّة الفسخ، فلا يتعلَّق بها حكم طلاقٍ ولا
ظِهار، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وإذا خلت الأنكحة
عن شروط الصحّة فهي فاسدة، ولا ظهارَ في النكاح الفاسد بحال(١).
الحادية عشرة: قوله تعالى: (مِنْكُمْ)) يقتضي صحَّة ظهار العبد، خلافاً لمن منعه.
وحكاه الثعلبيُّ عن مالك؛ لأنَّه من جملة المسلمين، وأحكام النكاح في حقِّه ثابتة،
وإن تعذّر عليه العتق والإطعام، فإنَّه قادر على الصيام.
الثانية عشرة: وقال مالك : ليس على النساء تظاهر، إنَّما قال الله تعالى:
((وَالَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)) ولم يقل: واللاتي يَظَّهَّرنَ منكم(٢) من أزواجهنَّ،
إنَّما الظهار على الرجال. قال ابن العربيّ(٣): هكذا روي عن ابن القاسم وسالم
ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد. وهو صحيح معنًى؛ لأنَّ الحلَّ والعقد [والتحليل
والتحريم] في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شيء، وهذا إجماع.
قال أبو عمر(٤): ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء. وقال الحسن بن
زياد: هي مظاهرة. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: ليس ظهار المرأة من الرجل
بشيء، قبل النكاح كان أو بعده. وقال الشافعيُّ: لا ظهار للمرأة من الرجل. وقال
الأوزاعيُّ: إذا قالت المرأة لزوجها: أنتَ عليَّ كظهر أمِّي فلانة، فهي يمين تكفِّرُهَا.
وكذلك قال إسحاق، قال: لا تكون امرأةٌ متظاهرةً من رجل، ولكن عليها يمين
تكفِّرها. وقال الزهريُّ: أرى أن تُكفِّر كفَّارة الظهار، ولا يَحُول قولُها هذا بينها وبين
زوجها أن يُصيبها، رواه عنه معمر. وابن جريج عن عطاء قال: حرَّمت ما أحلَّ الله،
عليها كفَّارة يمين. وهو قول أبي يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها(٥).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٨/٤، وما بعده منه أيضاً .
(٢) في (م) : منهن .
(٣) في أحكام القرآن له ١٧٣٩/٤ ، وما بين حاصرتين استدركناه منه .
(٤) في الاستذكار ١٢٦/١٧ - ١٢٨.
(٥) الاستذكار ١٢٦/١٧ - ١٢٧، وقول الزهري وعطاء أخرجه عنهما عبد الرزاق في المصنف (١١٥٩٣)
و (١١٥٩٥).

٢٩٠
سورة المجادلة: الآية ٢
الثالثة عشرة: من به لَمَمٍّ وانتظمت له في بعض الأوقات الكَلِم، إذا ظاهر، لزم
ظهارُه؛ لما روي في الحديث: أنَّ خَوْلة بنت ثعلبة، وكان زوجها أَوْس بن الصّامت،
وكان به لَّمَم، فأصابه بعض لَمَمِه، فظاهر من امرأته(١).
الرابعة عشرة: من غضب فظاهر من امرأته، أو طلَّق، لم يُسقط عنه غضبُه حكمَه.
وفي بعض طرق هذا الحديث: قال يوسف بن عبد الله بن سلام: حدَّثتني خَوْلة امرأة
أَوْسِ بنِ الصَّامت، قالت: كان بيني وبينه شيء، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمِّ. ثم
خرج إلى نادي قومه. فقولها: كان بيني وبينه شيء؛ دليل على منازعة أحرجته(٢)،
فظاهر منها. والغضب: لغو لا يرفع حكمًا ولا يغيِّر شرعاً، وكذلك السكران. وهي:
الخامسة عشرة: يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقَل قولَه ونظَم
كلامَهُ(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿حَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] على ما تقدَّم في
((النساء))(٤) بيانه. والله أعلم.
السادسة عشرة: ولا يَقرُب المظاهر امرأته، ولا يباشرها، ولا يتلذَّذ منها بشيء
حتى يكفِّر، خلافًا للشافعي في أحد قوليه؛ لأنَّ قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، يقتضي
تحريمَ كلِّ استمتاع(٥) بلفظه ومعناه، فإن وطئها قبل أن يكفِّر، وهي:
السابعة عشرة: اِسْتَغْفَر الله تعالى وأَمسكَ عنها حتى يكفِّر كفَّارة واحدة(٦). وقال
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٩/٤، والحديث سلف تخريجه في أول السورة .
(٢) في النسخ الخطية: أحوجته . والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٩/٤ والكلام منه ،
والحديث أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٢٥٨)، والطبري في التفسير
٤٥٥/٢٢ من طريق معمر بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، به. ومعمر بن عبد الله بن
حنظلة مجهول.
وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٣١٩)، وأبو داود (٢٢١٤) و(٢٢١٥) بلفظ: فراجعته بشيء. بدل: كان بيني
وبينه شيء. وحسَّنه الحافظ في الفتح ٩/ ٤٣٣.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٩/٤ .
(٤) ٦/ ٣٣٥ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٠ .
(٦) الكافي لابن عبد البر ٢/ ٦٠٦ .

٢٩١
سورة المجادلة: الآية ٢
مجاهد وغيره: عليه كفَّارتان (١). روى سعيد عن قتادة ومطر(٢)، عن رجاء بن حَيْوة،
عن قَبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بنِ العاص في المظاهر: إذا وَطِئَ قبل أن يكفِّر، عليه
كفَّارتان. ومعمر عن قتادة قال: قال قبيصة بن ذؤيب: عليه كفَّارتان(٣).
وروى جماعة من الأئمة - منهم ابن ماجه والنسائيُّ عن ابن عباس: أنَّ رجلًا
ظاهر من امرأته، فغشيها قبل أن يكفِّر، فأتى النبيَّ# فذكر ذلك له فقال: ((ما حَمَّلَكَ
على ذلك))؟ فقال: يا رسول الله! رأيتُ بياض خلخالها في ضوء القمر، فلم أملك
نفسي أن وقعت عليها. فضحك النبيُّ ◌َ﴾، وَأَمَرَه ألَّا يَقْرَبَها حتى يكفِّر (٤). وروى
ابن ماجه والدَّارقُظْنيُّ عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر أنَّه ظاهر في زمان
النبيِّ ﴾، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفِّر، فأتى رسولَ الله ﴿ فذكر ذلك له، فأمره أن
يكفِّر تكفيراً واحدًا(٥).
الثامنة عشرة: إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة، كقوله: أنتنَّ عليَّ كظهر
أمِّي، كان مظاهراً من كلِّ واحدة منهنَّ، ولم يجز له وَظْء إحداهنَّ، وأجزأته كفَّارة
واحدة. وقال الشافعيُّ: تلزمه أربع كفَّارات. وليس في الآية دليل على شيء من ذلك؛
لأنَّ لفظ الجمع إنَّما وقع في عامَّة المؤمنين، والمعوَّل على المعنى(٦). وقد روى
الدَّارِ قُظْنيُّ(٧) عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب ﴾ يقول: إذا كان تحت
الرجل أربع نسوة، فظاهر منهنَّ، يجزيه كفَّارة واحدة. فإن ظاهر من واحدة بعد
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٢ .
(٢) في (د) و(ظ) و(م): مطرف. والمثبت من (ق) وسنن الدارقطني (٣٨٥٧) والكلام منه ، وهو الصواب.
قال في التعليق المغني على الدارقطني: قال أحمد بن حنبل والدارقطني والبيهقي : إن قبيصة بن ذؤيب
لم يسمع من عمرو بن العاص .
(٣) الدار قطني (٣٨٥٨).
(٤) النسائي في المجتبى ١٦٧/٦، وابن ماجه (٢٠٦٥)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٢٢٥)، والترمذي
(١١٩٩) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٥) ابن ماجه (٢٠٦٤)، والدارقطني (٣٨٥٩) واللفظ له، وأخرجه أيضاً الترمذي (١١٩٨) وقال: هذا
حديث حسن غريب .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٠ .
(٧) في سننه (٣٨٦٥) .

٢٩٢
سورة المجادلة: الآية ٢
أخرى، لزمه في كلِّ واحدة منهنَّ كفَّارة(١). وهذا إجماع.
التاسعة عشرة: فإن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكنَّ فأنتنَّ عليَّ كظهر أمِّي، فتزوَّج
إحداهنَّ لم يَقْرَبْها حتى يكفِّر، ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهنَّ. وقد قيل: لا يطأ
البواقي منهنَّ حتى يكفِّر. والأوَّل هو المذهب(٢).
الموفية عشرين: وإن قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمِّ، وأنتِ طالق ألبَتّة. لزمه
الطلاق والظهار معًا، ولم يكفِّر حتى ينكحها بَعْدُ زوجٌ(٣)، ولا يطأها إذا نكحها حتى
يكفِّر، فإن قال لها: أنتِ طالق ألبتة، وأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، لزمه الطلاق، ولم يلزمه
الظهار؛ لأنَّ المبتوتةَ لا يلحقها طلاق.
الحادية والعشرون: قال بعض العلماء: لا يصحُّ ظهار غير المدخول بها. وقال
المزنيُّ: لا يصحُّ الظهار من المطلّقة الرجعية. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ أحكام الزوجيّة
في الموضعين ثابتة، وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار؛ قياسًا ونظرًا. والله
أعلم.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿مَّا هُنَ أُنَّهَتِهِمْ﴾ أي: ما نساؤهم بأمَّهاتهم.
وقراءة العامة: ((أُمَّهَاتِهِمْ)) بخفض التاء على لغة أهل الحجاز، كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا
بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]. وقرأ أبو معمر والسلميُّ وغيرهما: ((أُمَّهَاتُهُمْ)) بالرفع (٤) على لغة
تميم. قال الفرَّاء(٥): أهل نجد وبنو تميم يقولون: ((مَا هَذَا بَشَرٌ))، و((مَا هُنَّ أَمَّهَاتُهُمْ))
بالرفع. ﴿إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَذِنَهُمَّ﴾ أي: ما أمَّهاتهم إلا الوالدات. وفي المَثَل:
وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ(٦). وقد تقدَّم القول في اللائي في ((الأحزاب))(٧).
(١) الإقناع لابن المنذر ٣٢٠/١.
(٢) الكافي لابن عبد البر ٢/ ٦٠٥ ، وما بعده منه أيضاً .
(٣) بعدها في (م): آخر. والمثبت من النسخ الخطية، والكافي لابن عبد البر ٦٠٥/٢ .
(٤) السبعة ص ٦٢٨ عن عاصم في رواية المفضل عنه .
(٥) في معاني القرآن له ١٣٩/٣.
(٦) أي : مَن نَّفِسْتِ به. مجمع الأمثال للميداني ٣٩/١.
(٧) لم نقف عليه هناك .

٢٩٣
سورة المجادلة: الآيات ٢ - ٤
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي:
فظيعًا من القول لا يُعرَف في الشرع. والزور: الكذب (١) ﴿وَإِنَّ اللََّ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ إذ
جعل الكفَّارة عليهم مخلِّصة لهم من هذا القول المنكر.
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّنْ قَبْلِ
أَنْ يَتَمَآَشَأَ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَا ذَلِكَ
لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهُ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فيه اثنتا عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّهَّرُونَ مِن نِسَآِهِمْ﴾ هذا ابتداء، والخبر: ((فَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ)) وحذف: عليهم؛ لدلالة الكلام عليه (٢)، أي: فعليهم تحرير رقبة. وقيل: أي:
فكفَّارتهم عتق رقبة. والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنتِ
عليَّ كظهر أمِّي(٣). وهو قول المنكر والزور الذي عنى الله بقوله: ((وإنَّهم ليقُولُونَ
مُنْكَراً من القولِ وزُورًا)) فمن قال هذا القول، حرم عليه وطء امرأته. فمن عاد لِمَا
قال، لزمته كفَّارة الظهار؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ((والذين يظَّهَّرون من نِسَائهم ثم يعودونَ
لِمَا قالوا فتحريرُ رقبةٍ)) وهذا يدلُّ على أنَّ كفَّارة الظهار لا تلزم بالقول خاصَّة حتى
ينضمَّ إليها العَوْد(٤)، وهذا حرف مُشكِل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة (٥):
الأوَّل: أنَّه العزم على الوطء، وهو مشهور قول العراقيين أبي حنيفة وأصحابه(٦).
(١) تفسير البغوي ٣٠٤/٤ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٣٤.
(٣) الإجماع ص ٩٢ .
(٤) الكافي لابن عبد البر ٢/ ٦٠٤ .
(٥) الأقوال السبعة في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٠ - ١٧٤١، والاستذكار ١٢٩/١٧ وما بعدها ،
والمغني ٧٣/١١ وما بعدها .
(٦) بدائع الصنائع ٢٢/٥ .

٢٩٤
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
وروي عن مالك: فإن عزم على وطئها، كان عَوْدًا، وإن لم يعزم، لم يكن عَوْدًا.
الثاني: العزم على الإمساك بعد التظاهر منها، قاله مالك.
الثالث: العزم عليهما. وهو قول مالك في ((موطئه))(١)، قال مالك في قول الله عزَّ
وجلَّ: ((والذين يظَّهَّرون من نِسَائهم ثم يعودونَ لِمَا قالوا)) قال: سمعت أنَّ تفسير ذلك
أن يظاهر الرجل من امرأته، ثم يجمع على إصابتها وإمساكها؛ فإن أجمع على ذلك،
فقد وجبت عليه الكفَّارة، وإن طلَّقها ولم يُجمِع بعد تظاهره منها على إمساكها
وإصابتها، فلا كفَّارة عليه. قال مالك: وإن تزوَّجها بعد ذلك لم يمسَّها حتى يكفِّر
كفَّارة التظاهر.
القول الرابع: أنَّه الوطء نفسه، فإن لم يطأ لم يكن عَوْدًا، قاله الحسن ومالك
أيضًا(٢).
الخامس: وقال الإمام الشافعيّ(٣)﴾: هو أن يُمسكها زوجةً بعد الظهار مع
القدرة على الطلاق؛ لأنَّه لما ظاهر قصد التحريم، فإن وصل به الطلاقَ، فقد جرى
على خلاف ما ابتدأه من إيقاع التحريم، ولا كفَّارة عليه. وإن أمسك عن الطلاق، فقد
عاد إلى ما كان عليه فتجب عليه الكفَّارة.
السادس: أنَّ الظهار يوجب تحريمًا لا يرفعه إلا الكفَّارة، ومعنى العَود عند
القائلين بهذا: أنَّه لا يستبيح وطأها إلا بكفَّارة يُقدِّمها، قاله أبو حنيفة وأصحابه
والليث بن سعد (٤).
السابع: هو تكرير الظهار بلفظه. وهذا قول أهل الظاهر النافين للقياس(٥)،
(١) ٥٦٠/٢ .
(٢) المنتقى للباجي ٤٩/٤ .
(٣) في الأم ٨/ ٢٦٥ .
(٤) الاستذكار ١٧/ ١٣٢ .
(٥) المحلى ١٠/ ٥٢ .

٢٩٥
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
قالوا: إذا كرَّر اللفظ بالظهار، فهو العَوْد، وإن لم يكرِّر، فليس بِعَود. ويسند ذلك إلى
بكير بن الأشجِّ(١) وأبي العالية وأبي حنيفة(٢) أيضًا، وهو قول الفرَّاء(٣). وقال أبو
العالية: وظاهر الآية يشهد له؛ لأنَّه قال: ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)) أي: إلى قول ما
قالوا. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عزَّ وجلَّ: ((والذين يظَّهَّرون
من نِسَائهم ثم يعودونَ لِمَا قالوا)) هو أن يقول لها: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي. فإذا قال لها
ذلك، فليست تحلُّ له حتى يكفِّر كفَّارة الظهار (٤).
قال ابن العربي(٥): فأما القول بأنَّه العَوْد إلى لفظ الظهار، فهو باطل قطعًا لا
یصُّ عن بکیر، وإنَّما يشبه أن یکون من جهالة داود وأشیاعه. وقد رویت قصص
المتظاهرين وليس في ذِكْر الكفَّارة عليهم ذِكْر لِعَود القول منهم، وأيضًا فإنَّ المعنى
ينقضه؛ لأنَّ الله تعالى وصفه بأنَّه مُنكَر من القول وزور، فكيف يقال له: إذا أَعَدْتَ
القول المحرَّم والسببَ المحظور، وجبت عليك الكفَّارة، وهذا لا يعقل؛ ألا ترى أنَّ
كلَّ سبب يوجب الكفَّارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم أو غيره.
قلت: قوله: یشبه أن یکون من جهالة داود وأشیاعه. حملٌ منه علیه، وقد قال
بقول داود من ذکرناه عنهم.
وأما قول الشافعيّ: بأنَّه ترك الطلاق مع القدرة عليه، فينقضه ثلاثة أمور أمهات:
(١) الاستذكار ١٣٤/١٧، وبكير هو : ابن عبد الله بن الأشج، أبو عبد الله، ويقال: أبو يوسف
القرشي ، مولى بني مخزوم ، معدود في صغار التابعين (ت ١٢٧ هـ). الكاشف ١٠٩/١، وسير أعلام
النبلاء للذهبي ٦ / ١٧٠.
(٢) لم نقف على قوله فيما بين أيدينا من مصادر ، ولعلَّ المصنّف اشتبه عليه بما عند ابن حزم في المحلى
٥١/١٠ ، حيث ذكر ابن حزم تعليل قول أبي حنيفة - السالف الذكر في القول السادس آنفاً - بما
نصه: والظهار قول كانوا يقولونه في الجاهلية ، فنهوا عنه ، فكل من قاله فقد عاد لما قال . اهـ. وينظر
لزاماً الاستذكار ١٣٢/١٧، وتفسير ابن كثير ٣٩/٨ .
(٣) في معاني القرآن له ١٣٩/٣.
(٤) أخرجه الطبري ٢٢/ ٤٦٠ - ٤٦١ من طريق معاوية، عن علي بن أبي طلحة، به.
(٥) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٤١ .

٢٩٦
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
الأوَّل: أنَّه قال: (ثُمَّ)) وهذا بظاهره يقتضي التراخي.
الثاني: أنَّ قوله تعالى: ((ثُمَّ يَعُودُونَ)) يقتضي وجود فعل من جهة، ومرور الزمان
لیس بفعل منه.
الثالث: أنَّ الطلاق الرجعيَّ لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظهار
كالإيلاء. فإن قيل: فإذا رآها كالأمِّ، لم يمسكها؛ إذ لا يصحُّ إمساك الأمّ بالنكاح.
وهذه عمدة أهل ما وراء النهر. قلنا (١): إذا عزم على خلاف ما قال، ورآها خلاف
الأمّ، كفَّر وعاد إلى أهله. وتحقيق هذا القول: أنَّ العزم قولٌ نفسيٍّ، وهذا رجل قال
قولًا اقتضى التحليل وهو النكاح، وقال قولًا اقتضى التحريم وهو الظهار، ثم عاد لما
قال وهو التحليل، ولا يصحُّ أن يكون منه ابتداء عقد؛ لأنَّ العقد باقٍ، فلم يَبْقَ إلا أنَّه
قول عزم يخالف ما اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله: أنتِ عليَّ
كظهر أمِّي، وإذا كان ذلك، كفَّر وعاد إلى أهله؛ لقوله: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا)). وهذا
تفسير بالغ [في فنه].
الثانية: قال بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى: ((والذين
يظَّهَّرون من نِسَائهم ثم يعودونَ)) إلى ما كانوا عليه من الجماع ((فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ)) لما
قالوا، أي: فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا، فالجار في قوله: ((لِمَا قَالُوا)) متعلِّق
بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء، وهو: عليهم، قاله الأخفش(٢). وقال الزجَّاج(٣):
المعنى: ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. وقيل: المعنى الذين كانوا
يَظَّهَّرون من نسائهم في الجاهلية، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في
(١) القائل ابن العربي في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٤٠ - ١٧٤١، وما بين حاصرتين منه ، وما قبله منه
أيضاً.
(٢) ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن له ٣٧٣/٤، وينظر معاني القرآن للأخفش ٧٠٥/٢ - ٧٠٦.
(٣) في معاني القرآن له ١٣٥/٥.

٢٩٧
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
الإسلام، فكفَّارة من عاد أن يحرِّر رقبة(١). الفرَّاء(٢): اللام بمعنى ((عن)) والمعنى: ثم
يَرجعون عمَّا ما قالوا ويريدون الوطء. وقال الأخفش: لما قالوا، وإلى ما قالوا،
واحد، واللام و((إلى)) يتعاقبان، قال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ اَلَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]
وقال: ﴿فَأَهْدُوُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا﴾
[الزلزلة: ٥] وقال: ﴿وَأُوجِىَ إِلَى نُوج﴾ [هود: ٣٦].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ﴾ أي: فعليه إعتاق رقبة، يقال: حرَّرته،
أي: جعلته حرًّا. ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملةً سليمةً من كلِّ عيب، ومن كمالها
إسلامها عند مالك والشافعي، كالرقبة في كفَّارة القتل. وعند أبي حنيفة وأصحابه
تُجزئ الكافرة ومن فيها شائبة رِقٌّ، كالمكاتبة وغيرها(٣).
الرابعة: فإن أعتق نصفي عبدين، فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة. وقال
الشافعيُّ: يجزئ؛ لأنَّ نصف العبدين في معنى العبد الواحد(٤)؛ ولأنَّ الكفَّارة بالعتق
طريقها المال، فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزِّي، كالإطعام، ودليلنا قوله تعالى:
(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)) وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس برقبة، وليس
ذلك مما يدخله التلفيق؛ لأنَّ العبادة المتعلّقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين
مقامها؛ أصله إذا اشترك رجلان في أضحيتين؛ ولأنَّه لو أَمَرَ رجلين أن يحجًّا عنه
حجَّة، لم يجز أن يحجَّ عنه واحد منهما نصفها، كذلك هذا، ولأنَّه لو أوصى بأن
تشترى رقبة فتعتق عنه، لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين، كذلك في مسألتنا، وبهذا
يبطل دليلهم. والإطعام وغيره لا يَتَجَزَّى في الكفَّارة عندنا.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَا﴾ أي: يجامعها، فلا يجوز للمظاهر
(١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٦ - ٤٥٧ .
(٢) في معاني القرآن له ١٣٩/٣ .
(٣) المسألة في أحكام القرآن للجصاص ٤٢٥/٣، والمغني ١١/ ٨١، والكافي ٦٠٦/٢، والأم ٢٦٦/٥ ،
والمبسوط ٧/ ٢ .
(٤) بداية المجتهد ١٥٨/٣ .

٢٩٨
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
الوطء قبل التكفير(١)، فإن جامعها قبل التكفير، أَثِمَ وعصى، ولا يسقط عنه التكفير.
وحكي عن مجاهد: أنَّه إذا وَطِئَ قبل أن يُشرع في التكفير، لزمته كفَّارة أخرى(٢).
وعن غيره: أنَّ الكفَّارة الواجبة بالظهار تسقط عنه، ولا يلزمه شيء أصلاً؛ لأنَّ الله
تعالى أوجب الكفَّارة وأمر بها قبل المسيس، فإذا أخّرها حتى مسَّ، فقد فات وقتها.
والصحيح ثبوت الكفَّارة؛ لأنَّه بوطئه ارتكب إثماً، فلم يكن ذلك مسقطاً للكفَّارة،
ويأتي بها قضاءً، كما لو أخّر الصلاة عن وقتها(٣). وفي حديث أَوْس بن الصامت لما
أخبر النبيَّ # بأنَّه وطئ امرأته، أمره بالكفَّارة(٤). وهذا نصٍّ، وسواء كانت كفَّارة
بالعتق أو الصوم أو الإطعام. وقال أبو حنيفة: إن كانت كفَّارته بالإطعام، جاز أن
يطأ، ثم يطعم(٥).
فأمَّا غير الوطء من القُبلة والمباشرة والتلذُّذ، فلا يحرم في قول أكثر العلماء.
وقاله الحسن وسفيان، وهو الصحيح من مذهب الشافعيِّ(٦). وقيل: وكلُّ ذلك محرَّم
وكلُّ معاني المسيس، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعيِّ(٧). وقد تقدَّم.
السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بٍِ﴾ أي: تؤمرون به ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ من التكفير وغيره.
السابعة: من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أو كان مالكاً لها إلا أنَّه شديد الحاجة
(١) تفسير البغوي ٤/ ٣٠٥ .
(٢) سلف تخريجه قريبًا .
(٣) الاستذكار ١٢٣/١٧، وأحكام القرآن للجصاص ٤٢٠/٣.
(٤) لم يرد في حديث أوس المتقدم أنه وطئ امرأته ، بل ورد في حديث سلمة بن صخر ، كما مرَّ في أول
السورة ، عند المسألة السابعة عشرة.
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٥/٥ ، ولم نقف عليه في المظانِّ من كتبه ، وذكره الكاساني في بدائع الصنائع
٣٧/٥ وعزاه لمالك .
(٦) تفسير البغوي ٣٠٥/٤، والاستذكار ١٢٣/١٧، وأخرجه الطبري ٤٦١/٢٢ عن الحسن وسفيان.
(٧) المغني ١١/ ٦٧ .

٢٩٩
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
إلیها لخدمته، أو کان مالكاً لثمنها إلا أنَّه یحتاج إلیه لنفقته، أو كان له مسکن ليس له
غيره، ولا يجد شيئًا سواه، فله أن يصوم عند الشافعيِّ. وقال أبو حنيفة: لا يصوم
وعلیه عتق، ولو کان محتاجًا إلى ذلك. وقال مالك: إذا كان له دار وخادم، لزمه
العتق (١)، فإن عجز عن الرقبة، وهي:
الثامنة: فعليه صوم شهرين متتابعين. فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر، استأنفهما،
وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض، فقيل: يبني، قاله ابن المسيّب والحسن وعطاء بن
أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي. وهو أحد قولي الشافعيٍّ، وهو الصحيح من
مذهبه(٢). وقال مالك: إنَّه إذا مرض في صيام كفَّارة الظهار، بنى إذا صحَّ. ومذهب
أبي حنيفة أنَّه يبتدئ. وهو أحد قولي الشافعيّ(٣).
التاسعة: إذا ابتدأ الصيام ثم وجد الرقبة، أتمَّ الصيام وأجزأه عند مالك
والشافعيِّ؛ لأنَّه بذلك أُمِرَ حين دخل فيه. ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة
وأصحابه(٤)؛ قياسًا على الصغيرة المعتدَّة بالشهور ترى الدم قبل انقضائها، فإنَّها
تستأنف الحيضَ إجماعًا من العلماء. وإذا ابتدأ سفرًا في صيامه فأفطر، ابتدأ الصيام
عند مالك والشافعيِّ وأبي حنيفة؛ لقوله: ((مُتَتَابِعَيْنٍ)). ويبني في قول الحسن
البصري(٥)؛ لأنَّه عُذر [وقياسًا على رمضان، فإن تخلَّلها زمان لا يحلُّ صومه في
الكفَّارة، كالعيدين وشهر رمضان، انقطع] (٦).
العاشرة: إذا وطئ المتظاهر في خلال الشهرين نهارًا، بطل التتابع في قول
الشافعيّ، وليلًا، فلا يبطل؛ لأنه ليس محلًّا للصوم. وقال مالك وأبو حنيفة: يبطل
(١) المسألة في الإشراف لابن المنذر ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١، والمغني ٨٥/١١ - ٨٦، والأم ٢٦٩/٥.
(٢) المغني ٨٨/١١ بنحوه، وأخرجه عنهم الطبري ٢٢/ ٤٦٢ - ٤٦٤ .
(٣) المسألة في الإشراف لابن المنذر ٢٤٩/٤، والكافي لابن عبد البر ٦٠٧/٢، والمبسوط ١٢/٧.
(٤) المسألة في الإشراف ٤/ ٢٥٠، والمدونة ٦٤/٣، والأم ٢٧٠/٥، والمبسوط ١٢/٧.
(٥) المسألة في الإشراف ٢٤٩/٤، والمنتقى للباجي ٤/ ٤٤، والأم ٢٧٠/٥، والمبسوط ١٢/٧.
(٦) ما بين حاصرتين لم يرد في (ظ) .

٣٠٠
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
بكلِّ حال، ووجب عليه ابتداء الكفَّارة(١)؛ لقوله تعالى: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا)) وهذا
الشرط عائد إلى جملة الشهرين، وإلى أَبعضهما، فإذا وطئ قبل انقضائهما، فليس
هو الصيام المأمور به، فلزمه استئنافه، كما لو قال: صلِّ قبل أن تُكلِّم زيدًا. فكلّم
زيدًا في الصلاة، أو قال: صلِّ قبل أن تبصر زيدًا. فأبصره في الصلاة، لزمه
استئنافها؛ لأنَّ هذه الصلاة ليست هي الصلاة المأمور بها، كذلك هذا، والله أعلم.
الحادية عشرة: ومن تطاول مرضه طولاً لا يُرجَى برؤه، كان بمنزلة العاجز من
كِبَر، وجاز له العدول عن الصيام إلى الإطعام. ولو كان مرضه مما يُرجَى برؤه
واشتدَّت حاجته إلى وطء امرأته، كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على
الصيام. ولو كفَّر بالإطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام، أجزأه(٢).
الثانية عشرة: ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر، لم يجزه الصوم. ومن تظاهر وهو
موسر ثم أعسر قبل أن يكفِّر، صام. وإنما يُنْظر إلى حاله يوم يكفِّر. ولو جامعها في
عدمه وعسره، فلم یصم حتی أیسر، لزمه العتق. ولو ابتدأ بالصوم ثم أُيسر، فإن كان
مضى من صومه صدر صالح نحو الجمعة وشبهها، تمادى. وإن كان اليوم واليومين
ونحوهما، ترك الصوم وعاد إلى العتق، وليس ذلك بواجب عليه. ألا ترى أنَّه غير
واجب على من طرأ الماء عليه وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة، أن يقطع ويبتدئ
الطهارة عند مالك.
الثالثة عشرة: ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار وقتل أو فطر في رمضان، وأَشرك
بينهما في كلِّ واحدة منهما، لم يجزه. وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة من كفَّارتين.
وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كلِّ واحدة منهما شهرين. وقد قيل :
إنَّ ذلك يجزيه(٣).
ولو ظاهر من امرأتين له، فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها، لم يجز له وطء
(١) المسألة في المغني ٩١/١١ - ٩٢، والأم ٢٦٥/٥، والمدونة ٦٦/٣، والمبسوط ١٤/٧.
(٢) الكافي ٦٠٨/٢، وما بعده منه أيضًا .
(٣) الكافي ٦٠٨/٢ - ٦٠٩، وما بعده منه أيضًا .