Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة الحديد: الآيتان ٢٠ - ٢١
ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح؛ فأحسن طعامها العسل وهو بزقة
ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الدِّيباج وهو
نَسْجُ دودة، وأفضل المشموم المِسْك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها
يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال، واللَّهِ، إنَّ المرأة لتزيّن
أحسنها يراد به أقبحها.
ثم ضرب الله تعالى لها مثّلا بالزرع في غيث فقال: ﴿كُمَثَلِ غَيْتٍ﴾ أي: مطر
﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ﴾ الكفَّار هنا: الزرَّاعِ؛ لأنَّهم يغُون البَذْر. والمعنى أنَّ الحياة
الدنيا كالزرع يُعجِب الناظرين إليه، لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير
مشِيمًا كأَنْ لم يكن، وإذا أعجب الزرَّاع فهو غاية ما يستحسن(١). وقد مضى هذا
المثل في ((يونس)) و((الكهف))(٢) وقيل: الكفَّار هنا الكافرون بالله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّهم
أشدُّ إعجابًا بزينة الدنيا من المؤمنين(٣). وهذا قول حسن؛ فإنَّ أصل الإعجاب لهم
وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. وفي الموحِّدين من ذلك فروع
تحدث من شهواتهم، وتتقلَّل عندهم وتدِقُّ إذا ذكروا الآخرة. وموضع الكاف رفع
على الصفة (٤).
﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يجفُّ بعد خضرته ﴿فَتََّهُ مُصْفَرًا﴾ أي: متغيِّرًا عما كان
عليه من النضرة . ﴿ثُمّ يكُونُ حُطَمًا﴾ أي: فُتاتا وتِبْنًا فيذهب بعد حُسْنه، كذلك دنيا
الكافر (٥). ﴿وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: للكافرين. والوقف عليه حسن(٦)، ويبتدئ:
(١) معاني القرآن للزجاج ١٢٧/٥ .
(٢) ٤٧٧/١٠، وعند الآية (٤٥) من سورة الكهف.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٢٧/٥، وتفسير أبي الليث ٣٢٨/٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٢٧/٥.
(٥) النكت والعيون ٥/ ٤٨٠ .
(٦) لم نقف عليه .

٢٦٢
سورة الحديد: الآيتان ٢٠ - ٢١
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ﴾ أي: للمؤمنين. وقال الفرَّاء (١): ((وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ)) تقديره: إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يُوقَف على ((شَدِيدٌ)). ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ
اُلُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ هذا تأكيد ما سبق، أي: تغرُّ الكفَّار، فأما المؤمن فالدنيا له
متاعُ بلاغٍ إلى الجنَّةُ(٢). وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرورِ، تزهيداً في العمل
للدنيا، وترغيباً في العمل للآخرة.
قوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيِّكُمْ﴾ أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي
تُوجِب المغفرة لكم من ربّكم(٣). وقيل: سارعوا بالتوبة(٤)؛ لأنَّها تؤدي إلى المغفرة،
قاله الكلبيُّ. وقيل: التكبيرة الأولى مع الإمام، قاله مكحول. وقيل: الصف الأول(٥).
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لو وصل بعضها ببعض(٦). قال الحسن: يعني
جميع السماوات والأرضين مبسوطتان، كلُّ واحدة إلى صاحبتها. وقيل: يريد لرجل
واحد، أي: لكلِّ واحد جنَّة بهذه السَّعَة. وقال ابن كيسان: عنى به جنَّة واحدة من
الجنَّات. والعَرْض أقلُّ من الطول، ومن عادة العرب أنَّها تعبِّر عن سَعِة الشيء بعَرْضه
دون طوله. قال:
كَأَن بِلَادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ على الْخَائِفِ المطلوبِ كفَّةُ حابِلٍ
وقد مضى هذا كلُّه في ((آلٍ عمران))(٧). وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل
الحِيْرَة لعمر ﴾: أرأيتَ قولَ الله عزَّ وجلَّ: ((وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْض)»
فأين النارُ؟ فقال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا وَلَّى وجاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا:
لقد نزعت بما في التوراة مثله(٨).
(١) في معاني القرآن له ١٣٥/٣.
(٢) الوسيط ٤/ ٢٥٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٣/٤ .
(٤) مجمع البيان للطبرسي ١٥٥/٢٧ .
(٥) النكت والعيون ٤٨١/٥ .
(٦) تفسير البغوي ٢٩٩/٤ .
(٧) ٣١٣/٥ - ٣١٧، والبيت سلف تخريجه هناك ٣١٥/٥.
(٨) سلف تخريجه ٣١٥/٥ .

٢٦٣
سورة الحديد: الآيات ٢١ - ٢٤
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ شَرَط الإيمانَ لا غير، وفيه تقويةُ الرجاء(١).
وقد قيل: شَرَط الإيمانَ هنا، وزاد عليه في ((آل عمران)) فقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ
يُنْفِقُونَ فِى السَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِينَ اُلْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [الآية: ١٣٤]. ﴿ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدْ﴾ أي: إنَّ الجنَّة لا تُنال ولا تُدخَل إلا برحمة الله تعالى
وفَضْله(٢). وقد مضى هذا في ((الأعراف))(٣) وغيرها. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ
مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ » لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا
تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنكُمُّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ
(٢٣)
وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلُ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
قوله تعالى: ﴿مَّ أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: القَخْط وقلَّة النبات
والثمار. وقيل: الجوائح في الزرع(٤). ﴿وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ﴾ بالأوصاب والأسقام، قاله
قتادة. وقيل: إقامة الحدود، قاله ابن حيان. وقيل: ضيق المعاش، وهذا معنى رواية
ابن جريج(٥). ﴿إِلَّا فِ كِثَنِ﴾ يعني في اللوح المحفوظ. ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَهَا﴾ الضمير
في (نَبْرَ أَهَا)) عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع. وقال ابن عباس:
من قبل أن يَخْلق المصيبة(٦). وقال سعيد بن جبير: من قبل أن يخلق الأرض
والنفس (٧). ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: خَلْق ذلك وحِفْظ جميعه ((عَلَى الله يَسِيرٌ))
(١) الوسيط ٤/ ٢٥٢.
(٢) تفسير البغوي ٢٩٩/٤ .
(٣) ٢٢٣/٩ .
(٤) النكت والعيون ٥/ ٤٨١ دون عزوه لمقاتل، والجوائح: جمع جائحة، وهي الشدة والنازلة العظيمة
التي تجتاح المالَ من سَنّة أو فتنة. اللسان (جوح).
(٥) النكت والعيون ٤٨٢/٥، وما بعده منه أيضاً، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق في التفسير ٢٧٥/٢ ،
والطبري ٤١٩/٢٢ .
(٦) تفسير البغوي ٢٩٩/٤، وأخرجه عنه الطبري ٤٢٠/٢٢.
(٧) تفسير البغوي ٢٩٩/٤ دون عزو ، وما بعده منه أيضاً.

٢٦٤
سورة الحديد: الآيات ٢٢ - ٢٤
هيِّن. قال الربيع بن صالح: لما أُخِذَ سعيد بن جبير ﴾ بَكَيت، فقال: ما يبكيك؟
قلت: أبكي لما أرى بكَ، ولما تذهب إليه. قال: فلا تَبْكِ؛ فإنَّه كان في عِلْم الله أن
يكون، ألم تسمع قوله تعالى: ((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ))
الآية(١). وقال ابن عباس: لما خَلَق الله القَلَم قال له: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى
يوم القيامة(٢). ولقد ترك لهذه الآية جماعةٌ من الفضلاء الدواءَ في أمراضهم فلم
يستعملوه؛ ثقةً بربِّهم، وتوكُلًا عليه، وقالوا: قد علم الله أيَّام المرض وأيَّام الصحة،
فلو حرص الخَلْق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: ((مَا أَصَابَ من
مُصِيبَةٍ في الأرضِ ولا في أنفسِكم إلَّا في كتابٍ من قَبْلِ أن نَبْرَأَها)».
وقد قيل: إنَّ هذه الآية تتَّصل بما قبل، وهو أنَّ الله سبحانه هوَّن عليهم ما
يصيبهم في الجهاد من قَتْلٍ وجَرْح، وبيَّن أنَّ ما يخلِّفهم عن الجهاد من المحافظة على
الأموال وما يقع فيها من خسران، فالكلُّ مكتوب مقدَّر لا مدفع له، وإنَّما على المرء
امتثال الأمر.
ثم أدَّبهم فقال هذا: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: حتى لا تحزنوا على ما
فاتكم من الرزق. وذلك أنَّهم إذا علموا أنَّ الرزق قد فُرِغ منه لم يَأْسَوْا على ما فاتهم
منه. وعن ابن مسعود أنَّ نبيَّ اللـه ﴾ قال: ((لا يجد أحدكم طَعْمَ الإيمان حتى يعلم أنَّ
ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه)) ثم قرأ: ((لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا
فَاتَكُمْ))(٣). أي: كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، فإنَّه لم يُقدَّر لكم، ولو قُدِّر
(١) تفسير أبي الليث ٣٢٨/٣ .
(٢) سلف ٣٥٨/١ .
(٣) لم نقف عليه هكذا مرفوعاً، بل أخرج عبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٨٢) - ومن طريقه الطبراني في
الكبير (٨٧٩٠) - عن معمر ، عن قتادة أن ابن مسعود قال : ثلاث من كنَّ فيه يجد حلاوة الإيمان :
ترك المراء في الحق ، والكذب في المزاحة ، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن
ليصيبه . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٥ : رواه الطبراني، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود. اهـ.
وفي الباب عن جابر أنه قال: قال رسول الله ﴾: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرِّه، حتى
يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه . قال الترمذي : حديث غريب، لا
نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون ، وعبد الله بن ميمون منكر الحديث.

٢٦٥
سورة الحديد: الآيتان ٢٣ - ٢٤
لكم لم يفتْكم ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ أي: من الدنيا، قاله ابن عباس. وقال
سعيد بن جبير: من العافية والخِصْب(١). وروى ◌ِكرمة عن ابن عباس: ليس مِن أحد
إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرًا، وغنيمته شكراً (٢). والحزن
والفرح المنهيُّ عنهما هم اللَّذان يتعدَّى فيهما إلى ما لا يجوز، قال الله تعالى:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: متكبِّر بما أُوتِيَ من الدنيا، فخور به على الناس.
وقراءة العامة: ((آتَاكُمْ)) بمدِّ الألف، أي: أعطاكم من الدنيا. واختاره أبو حاتم.
وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو: ((أَتَاكُمْ)) بقَصْر الألف، واختاره أبو
عبيد(٣). أي: جاءكم، وهو معادل لـ((فَاتَكُمْ)) ولهذا لم يقل: أفاتكم.
قال جعفر بن محمد الصادق: يا بنَ آدَمَ مالَكَ تأسى على مفقود لا يردّه عليك
الفَوْت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت(٤). وقيل لِبُزُرْجُمِهْر: أيُّها
الحكيم! مالك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح بما هو آتٍ؟ قال: لأنَّ الفائت لا
يتلافى بالْعَبْرةِ، والآتي لا يُستدام بالحَبْرةِ (٥). وقال الفضيل بن عياض في هذا
المعنى: الدنيا مُبِيد ومُفِيد، فما أباد فلا رجعةً له، وما أفاد آذن بالرحيل. وقيل:
المختال: الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار. والفخور: الذي ينظر إلى الناس بعين
الاحتقار. وكلاهما شِرْكٌ خفيٍّ. والفخور بمنزلة المُصَرَّاةِ تُشَدُّ أخلافها ليجتمع فيها
(١) النكت والعيون ٤٨٢/٥، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٤٢١/٢٢، وابن أبي حاتم في التفسير
١٠/ ٣٣٤٠ (١٨٨٣٢).
(٢) النكت والعيون ٤٨٢/٥، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة ٣٧٣/١٣ - ٣٧٤، والطبري ٤٢١/٢٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٥/٤، والقراءة في السبعة ص ٦٢٦، والتيسير ص ٢٠٨ ، والحجة
للفارسي ٢٧٥/٦ .
(٤) تفسير البغوي ٢٩٩/٤ .
(٥) مجمع البيان للطبرسي ١٥٦/٢٧، والحَبْرة: السرور. القاموس (حبر). وبُزُرْجُمِهْر: وزير أنوشروان،
واسمه مركّب من جزأين : بُزُرْج، وهو معرَّب بزرك، أي: عظيم. ومهر بمعنى: شمس. تاج
العروس (بزرج) ، وإعجام الأعلام لمحمود مصطفى ص ٧٣ - ٧٤ .

٢٦٦
سورة الحديد: الآيتان ٢٣ - ٢٤
اللبن، فيتوهّم المشتري أنَّ ذلك معتاد وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه
حالًا وزينةً وهو مع ذلك مدَّع فهو الفخور.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ أي: لا يحب المختالين ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ)) فـ((الَّذِينَ))
في موضع خفض، نعتًا للمختال(١). وقيل: رفع بابتداء(٢)، أي: الذين يبخلون فالله
غنيٌّ عنهم. قيل: أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمَّد# التي في
كتبهم؛ لِئلا يؤمنَ به الناس، فتذهب مأكلتهم، قاله السديُّ والكلبيُّ. وقال سعيد بن
جبير: (الَّذِينَ يَبْخَلُون)) يعني: بالعلم (٣) ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: بألَّ
يعلِّموا الناس شيئاً. زيد بن أسلم: إنَّه البخل بأداء حقِّ الله عزَّ وجلَّ. وقيل: إنَّه البخل
بالصدقة والحقوق، قاله عامر بن عبد الله الأشعريُّ. وقال طاوس: إنَّه البخل بما في
يديه(٤). وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وفرَّق أصحاب الخواطِر بين البخل
والسخاء بفرقين: أحدهما: أنَّ البخيل الذي يلتذُّ بالإمساك. والسخيَّ الذي يلتذُّ
بالإِعطاء. الثاني: أنَّ البخيل الذي يُعطي عند السؤال، والسخيَّ الذي يعطي بغير
سؤال.
﴿وَمَن يَتَوَلَ﴾ أي: عن الإيمان ﴿فَإِنَّ اللََّ﴾ غنيُّ عنه(٥). ويجوز أن يكون لما
حثَّ على الصدقة أَعلمهم أنَّ الذين يبخلون بها، ويأمرون الناس بالبخل بها، فإنَّ الله
غنيُّ عنهم.
وقراءة العامة: ((بالْبُخْلِ)) بضمِّ الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس وعبيد بن عمير
ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن وحمزة والكسائيُّ: ((بِالْبَخَلِ))
(١) تفسير البغوي ٢٩٩/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/٤.
(٣) النكت والعيون ٤٨٢/٥ .
(٤) النكت والعيون ٥/ ٤٨٢، وما بعده منه أيضاً.
(٥) تفسير أبي الليث ٣٢٩/٣ .

٢٦٧
سورة الحديد: الآيات ٢٤ - ٢٦
بفتحتين(١)، وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية وابن السَّمَيْفع (بِالْبَخْلِ)) بفتح الباء
وإسكان الخاء. وعن نصر بن عاصم: ((الْبُخُلِ)) بضمَّتين، وكلُّها لغات مشهورة. وقد
تقدَّم الفرق بين البخل والشحِّ في آخر ((آل عمران)»(٢).
وقرأ نافع وابن عامر: ((فَإِنَّ اللّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) بغير ((هُوَ)) (٣). والباقون: (هُوَ
الْغَنِيُّ)) على أن يكون فصلًا. ويجوز أن يكون مبتدأ، و((الْغَنِيُّ)) خبره، والجملة خبر
((إنَّ). ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلًا؛ لأنَّ حذف الفصل أسهل من حذف
المبتدأ (٤).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ
يَنصُرُؤُ وَرُسُلَمُ بِالْغَيْبٍ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (٥)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى
ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُم مُّهْتَّدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: بالمعجزات البيِّنة والشرائع
الظاهرة(٥). وقيل: الإخلاص للَّه تعالى في العبادة، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بذلك
دعت الرسل، نوح فمَن دونه إلى محمَّد ◌َ﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ﴾ أي: الكتب،
أي: أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ قال ابن زيد: هو ما يُوزَن به
ويتعامل(٦) ﴿ِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل في معاملاتهم(٧). وقوله: ((بِالْقِسْطِ))
(١) السبعة ص ٢٣٣ ، والتيسير ص ٩٦ .
(٢) ٥/ ٤٤١ .
(٣) السبعة ص ٦٢٧، والتيسير ص ٢٠٨ .
(٤) الحجة للفارسي ٦/ ٢٧٦ .
(٥) الكشاف ٤ / ٦٦ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/٤ .
(٧) تفسير أبي الليث ٣٢٩/٣ .

٢٦٨
سورة الحديد: الآيتان ٢٥ - ٢٦
يدلُّ على أنَّه أراد الميزان المعروف. وقال قوم: أراد به العدل(١). قال القشيريُّ: وإذا
حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى: أنزلنا الكتابَ ووضعنا الميزان، فهو من
باب:
عَلَفْتُهَا تِبنًا وماءً باردًا(٢)
ويدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّمََّ رَفَّعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ
الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٧-٩] وقد مضى القول فيه. ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ﴾
روى عمر أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((إِنَّ الله أنزل أربع بركاتٍ من السماء إلى
الأرض: الحديد والنار والماء والملح)) (٣). وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاثة
أشياء نزلت مع آدمَ عليه السلام: الحجر الأسود وكان أشدَّ بياضاً من الثلج، وعصا
موسى وكانت من آسِ الجنَّة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه
ثلاثة أشياء: السندان والكَلْبَتَانِ والمِيقَعة، وهي المِطرقة، ذكره الماورديُّ(٤).
وقال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: نزل آدم من الجنَّة ومعه من الحديد خمسة أشياء
من آلة الحدَّادين: السَّنْدان، والْكَلْبَتَان، والمِيقَعة، والمِطْرقة، والإبرة. وحكاه
القشيريُّ قال: والمِيقَعة: ما يحدَّد به؛ يقال: وَقَعْتُ الحديدَةُ أَقَعُها، أي: حَدَدتها(٥).
وفي ((الصحاح)) (٦): والمِيقَعة: الموضع الذي يألفه البازِيُّ(٧) فيقع عليه، وخشبة
القَصَّار التي يَدَقُّ عليها، والمِطْرقة والمِسنُّ الطويل.
(١) زاد المسير ١٧٤/٨.
(٢) سلف ١/ ٢٩١.
(٣) أورده الواحدي في الوسيط ٢٥٣/٤، والديلمي في الفردوس ١٧٥/١، والبغوي في التفسير ٢٩٩/٤،
والطبرسي في مجمع البيان ١٥٧/٢٧، وابن حجر في الكافي الشاف ص ١٦٤ ولكن عن ابن عمر
رضي الله عنهما ، وعزاه - أي ابن حجر - للثعلبي ، وقال : وفي إسناده من لا أعرفه .
(٤) في النكت والعيون ٥/ ٤٨٣ ، وفيه : مثل طول موسى ، بدل : مع طول موسى .
(٥) تهذيب اللغة ٣٧/٣ .
(٦) مادة : (وقع) .
(٧) البازيُّ: واحد البُزاة التي تَصِيدُ، ضَرْبٌ من الصقور. اللسان (بزا).

٢٦٩
سورة الحديد: الآيتان ٢٥ -٢٦
وروي أنَّ الحديد أُنزل في يوم الثلاثاء. ((فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)) أي: لإهراق الدماء.
ولذلك نُهيّ عن الفَصْد والحجامة في يوم الثلاثاء؛ لأنَّه يوم جرى فيه الدم. وروي عن
رسول الله # أنَّه قال: ((في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم))(١). وقيل: ((أَنْزَلْنَا
الْحَدِيدَ)) أي: أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنَْمِ ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجٍ﴾(٢)
[الزمر: ٦] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء(٣). وقال أهل
المعاني: أي: أخرج الحديد من المعادن وعلَّمهم صنعته بوحيه (٤). ((فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)»
يعني: السلاح والكُرَاعِ والجُنَّة(٥). وقيل: أي: فيه من خشية القتل خوف شديد(٦).
﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال مجاهد: يعني: جُنَّةَ(٧). وقيل: يعني انتفاع الناس بالماعون من
الحديد، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه(٨).
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُؤُ﴾ أي: أنزل الحديد؛ ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف
على قوله تعالى: ((لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسطِ)) أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب،
وهذه الأشياء؛ ليتعامل الناس بالحقِّ، ((وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرَهُ)) ولیری الله من ينصر
دينه(٩) ﴿وَ﴾ ينصر ﴿رُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ﴾ قال ابن عباس: ينصرونهم: لا يكذّبونهم،
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٦٢) عن أبي بكرة نفيع الحارث الثقفي ، والراوية عنه ابنتُه كَيِّسة، ولا يُعرف
حالها. كذا قال ابن حجر في لسان الميزان ٥٢٩/٧ . وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود
٣٤٩/٥: في إسناده: أبو بكرة بكَّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة. قال يحيى بن معين: ليس حديثه
بشيء. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. اهـ. وعدَّه ابن الجوزي في الموضوعات (١٦٢٤).
ومعنى يرقأ: ينقطع. اللسان (رقا).
(٢) زاد المسير ١٧٤/٨ .
(٣) النكت والعيون ٤٨٣/٥ .
(٤) تفسير البغوي ٣٠٠/٤ .
(٥) الكراع: السلاح، وقيل: اسم يجمع الخيل والسلاح. والجُنَّة: ما واراك من السلاح واستترت به منه.
اللسان (كرع) و(جنن).
(٦) النكت والعيون ٥/ ٤٨٣ .
(٧) تفسير مجاهد ٢/ ٦٥٨، وأخرجه عنه الطبري ٤٢٦/٢٢.
(٨) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٤ .
(٩) تفسير البغوي ٤/ ٣٠٠ .

٢٧٠
سورة الحديد: الآيات ٢٥ - ٢٧
ويؤمنون بهم ((بِالْغَيْبِ)) أي: وهم لا يرونهم. ﴿إِنَّ اللََّ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ ((قَوِيٌّ)) في أخذه
((عَزِيزٌ)) أي: منيع غالب. وقد تقدَّم (١). وقيل: ((بِالْغَيْبِ)) بالإخلاص.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ﴾ فصَّل ما أجمل من إرسال الرُّسل بالكتب،
وأخبر أنَّه أرسل نوحًا وإبراهيم وجعل النبوَّة في نسلهما(٢) ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَبِّ﴾ أي: جعلنا بعض ذرِّيَّتهما الأنبياء، وبعضهم أُمماً يتلون الكتب المنزلة من
السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان(٣). وقال ابن عباس: الكتاب: الخطُ
بالقلم (٤) ﴿فَيِنْهُم﴾ أي: منِ ائتمَّ بإبراهيم ونوح ﴿ُّهْتَدٍ﴾. وقيل: ((فَمِنْهُمْ مُهتَدٍ)) أي:
من ذرِّيَّتهما مهتدون. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ كافرون خارجون عن الطاعة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّتِّنَا عَلَى ءَاتَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ
اُلْإِنِجِيلٌ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ اَلَّذِينَ أَتَّعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةُ وَرَهْبَانِيَةُ ابْتَدَعُوهَا مَا
كَتَبْتَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٢٧
مِنْهُمْ أَجْرَهُمّ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّتِنَا﴾ أي: أَتبعنا ﴿عَ ءَاثَِّهِمْ﴾ أي: على آثار الذرِّيَّة.
وقيل: على آثار نوح وإبراهيم(٥) ﴿بِرُسُلِنَا﴾ موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس
وغيرهم ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فهو من ذرِّيَّة إبراهيم من جهة أمِّه ﴿وَءَاتَيْنَهُ
اُلْإِنِيلَ﴾ وهو الكتاب المنزل عليه. وقد تقدَّم اشتقاقه في أوَّل سورة ((آل عمران))(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبٍ الَّذِينَ أَتَّعُوهُ﴾ على دينه، يعني الحواريين
(١) ١٤ / ٤١٢ - ٤١٣ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٣٠/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٦٩/٥ .
(٤) الكشاف ٤ / ٦٧ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٦٧ .
(٦) ١١/٥.

٢٧١
سورة الحديد: الآية ٢٧
وأتباعهم(١) ﴿رَأْنَةُ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: مَودَّةً، فكان يوادُّ بعضهم بعضًا (٢). وقيل: هذا إشارة
إلى أنَّهم أُمروا في الإنجيل بالصلح وتَرْكِ إيذاء الناس، وأَلانَ الله قلوبهم لذلك،
بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعه. والرأفة: اللين،
والرحمة: الشفقة. وقيل: الرأفة: تخفيف الْكَلِّ. والرحمة: تحمُّل الثقل(٣). وقيل:
الرأفة: أشدُّ الرحمة. وتمَّ الكلام. ثم قال: ﴿وَرَهْبَانِيَةُ أَبْتَدَعُوهَا﴾ أي: من قِبَلِ أنفسِهم.
والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبةً بإضمار فعل (٤)، قال أبو عليٍّ: وابتدعوها
رهبانيةٌ ابتدعوها. وقال الزجَّاج(٥): أي: ابتدعوها رهبانيةً، كما تقول: رأيت زيداً
وعَمْراً كلَّمتُ. وقيل: إنَّه معطوف على الرأفة والرحمة(٦)، والمعنى على هذا أنَّ الله
تعالى أعطاهم إياها فغيَّروا وابتدعوا فيها.
قال الماورديُّ(٧): وفيها قراءتان؛ إحداهما: بفتح الراء، وهي الخوف من
الرَّهب. الثانية: بضمِّ الراء (٨)، وهي منسوبة إلى الرُّهبان، كالرُّضْوانيّة من الرُّضْوان؛
وذلك لأنَّهم حَمَلوا أنفسهم على المشقَّات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح
والتعلُّق بالكهوف والصوامع(٩)، وذلك أنَّ ملوكهم غيَّروا وبَدَّلوا، وبقي نفر قليل
فترهَّبوا وتبثّلوا. قال الضحَّاك: إنَّ ملوكًا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم
ثلاث مئة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا
بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يَسَعُنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتَّخذوا
(١) زاد المسير ١٧٦/٨ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٠٠ .
(٣) النكت والعيون ٤٨٤/٥، والكُلُّ: المصيبة تحدث. اللسان (كلل).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/٤ .
(٥) في معاني القرآن له ٥/ ١٣٠.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/٤ .
(٧) في النكت والعيون ٥/ ٤٨٤ .
(٨) الكشاف ٦٧/٤، والبحر المحيط ٢٢٨/٨ .
(٩) تفسير البغوي ٤/ ٣٠٠ .

٢٧٢
سورة الحديد: الآية ٢٧
الصوامع(١). وقال قتادة: الرهبانيَّة التي ابتدعوها رَفْضُ النساء واتِّخاذ الصوامع. وفي
خبر مرفوع: هي لحوقهم بالبراري والجبال(٢).
﴿مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما فرضناها عليهم ولا أَمرناهم بها، قاله ابن زيد (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ﴾ أي: ما أمرناهم إلا بما يُرضِي الله، قاله ابن
مسلم. وقال الزجَّاج (٤): (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم)) معناه: لم نكتب عليهم شيئًا البتّة. ويكون
(ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ)) بدلًا من الهاء والألف في ((كَتَبْنَاهَا))، والمعنى: ما كتبناها
عليهم، إلا ابتغاءَ رضوان الله. وقيل: ((إِلَّ ابْتِغَاءَ)) الاستثناء منقطع(٥)، والتقدير: ما
كتبناها عليهم، لكن ابتدعوها؛ ابتغاء رضوان الله.
﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: فما قاموا بها حقَّ القيام. وهذا خصوص؛ لأنَّ
الذين لم يَرْعوها بعض القوم، وإنَّما تسبَّبوا بالترهُّب إلى طلب الرياسة على الناس
وأَكْلٍ أموالهم، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ
لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٤] وهذا في قوم أدَّاهم
الترهُّب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر.
وروى سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
في قوله تعالى: ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)) قال: كانت ملوكٌ بعد عيسى بدَّلوا التوراة
والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، ويَدْعُون إلى دين الله
تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلتَ هذه الطائفة. فقال المؤمنون: نحن نكفيكم
أنفسنا. فطائفة قالت: ابنوا لنا اسطوانةً ارفعونا فيها، وأعطونا شيئًا نَرفعُ به طعامنا
(١) النكت والعيون ٤٨٤/٥، وفيه: فاعتزلوا النساء ، بدل : فاعتزلوا الناس .
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٨٤ والقول الثاني فيه هكذا : أنها لحوقهم بالجبال ، ولزومهم البراري ، وروي
فيه خبر مرفوع . اهـ. وقول قتادة أخرجه الطبري ٤٢٨/٢٢، والحديث المرفوع سيأتي ص ٢٧٤ -٢٧٥
من هذا الجزء عن ابن مسعود ، وثمة تخريجه هناك .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/٤، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٧٦/٢، والطبري ٤٢٨/٢٢ .
(٤) في معاني القرآن له ٣/ ١٣٠.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/٤ - ٣٦٨، وما بعده منه أيضاً.

٢٧٣
سورة الحديد: الآية ٢٧
وشرابنا ولا نَرِدُ عليكم. وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما
تشرب الوحوش في البرِّيَّة، فإذا قَدَرْتم علينا فاقتلونا. وطائفة قالت: ابنوا لنا دُوراً في
الفيافي، ونحتفر الآبار، ونَحترِث البقول، فلا تروننا - وليس أحد من هؤلاء إِلا وله
حميم منهم - ففعلوا، فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخَلَف قوم من بعدهم ممن قد
غيَّر الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبَّد كما تعبَّد أولئك، وهم على شِرْكهم لا عِلْم لهم
بإيمانِ مَن تقدَّم من الذين اقْتَدَوْا بهم، فذلك قوله تعالى: ((ورهبانيَّةٌ ابتدعُوها ما كَتَبْنَاها
عَلَيْهم إلا ابتغاءَ رضوانِ اللهِ) الآية(١). يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون ((فَمَا رَعَوْهَا))
المتأخِّرون ((حَقَّ رِعَايَتِهَا)) ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يعني الذين ابتدعوها أوَّلًا
وَرَعوها ﴿وَّكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ يعني المتأخِّرين، فلما بعث الله محمَّدًا ﴾ ولم يَبْقَ
منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف والصَّوَامع والغِيران فآمنوا بمحمَّد ﴾(٢).
الثالثة: وهذه الآية دالَّة على أنَّ كلَّ مُحدَثة بدعةٌ، فينبغي لمن ابتدعَ خيراً أن يدوم
عليه، ولا يعدل عنه إلى ضدِّه؛ فيدخل في الآية (٣). وعن أبي أمامة الباهلي - واسمه:
صُدَيُّ بن عَجْلان - قال: أَحدثتم قيامَ رمضان ولم يُكتَب عليكم، إنَّما كُتبَ عليكم
الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإنَّ ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا
بِدَعًا لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رَعَوها حقَّ رعايتها، فعاتَبهم
الله بتَرْكها فقال: «ورهبانيَّة ابتدعُوها ما كَتَبْنَاها عَلَيهم إلا ابتغاءَ رضوانِ اللهِ فَمَا
رَعَوْها حقَّ رعايَتِها))(٤).
(١) تفسير البغوي ٣٠١/٤، والأثر أخرجه النسائي في المجتبى ٢٣١/٨-٢٣٣، وفي الكبرى (٥٩٠٨)
و(١١٥٠٣) من طريق الفضل بن موسى، عن سفيان، به. والأسطوانة: السارية. المعجم الوسيط
(أسطوانة).
(٢) تفسير البغوي ٣٠١/٤ .
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٤١٦/٣ - ٤١٧.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٣/٣، والخبر أخرجه الطبري ٤٣٣/٢٢ عن أبي أمامة موقوفاً.
وأخرجه عنه مرفوعاً الطبراني في الأوسط (٧٤٤٦)، وقال : لا يروى هذا الحديث عن أبي أمامة إلا
بهذا الإسناد ، تفرَّد به إسماعيل بن عمرو. اهـ. وهو إسماعيل بن عمرو بن نجيح البَجَلي الكوفي ثم =

٢٧٤
سورة الحديد: الآية ٢٧
الرابعة: وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك
مندوب إليه عند فساد الزمان وتغيُّر الأصدقاء والإخوان. وقد مضى بيان هذا في سورة
((الكهف))(١) مستوفَی، والحمد لله.
وفي ((مسند أحمد بن حنبل)) من حديث أبي أمامة الباهليِّ ﴾ قال: خرجنا مع
رسول الله في سَرِيَّة من سراياه قال: فمَرَّ رجلٌ بغارٍ فيه شيءٌ من ماء، فحدَّث نفسه
بأن يقيم في ذلك الغارِ، فَيَقُوته ما كان فيه من ماء، ويُصِيب ما حوله من البَقْل،
ويتخلّى عن الدنيا. قال: لو أنّي أتيت النبيَّ ﴾ فذكرتُ ذلك له، فإن أَذِنَ لي، فَعَلْتُ،
وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبيَّ الله! إنِّي مررتُ بغارٍ فيه ما يَقُوتني من الماء
والبقل، فحدَّثتني نفسي بأن أُقيم فيه وأتخلَّى من الدنيا. قال: فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنِّي لم
أُبعَث باليهوديّة ولا بالنصرانيَّة، ولكنِّ بُعِثتُ بالحنيفيَّة السَّمْحة، والذي نفسُ محمَّد
بيده لغَدْوةٌ أو رَوْحةٌ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولَمَقام أحدِكم في الصفِّ
الأوَّل خيرٌ من صلاته ستِّين سنةً))(٢).
وروى الكوفيون عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله﴾: «هل تدرِي أيُّ
الناس أَعلم))؟ قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: ((أعلم الناس أبصرهم بالحقِّ إذا
اختلف الناس فيه وإن كان مقصِّرًا في العمل، وإن كان يزحف على اسْتِهِ، هل تدري
من أين اتخذ بنو إسرائيل الرهبانيَّة؟ ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون
بمعاصي الله، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاثَ مرَّات، فلم
يَيْقَ منهم إلا القليل فقالوا: إن أَفنونا فلم يَبْقَ الدِّين أَحَدٌ يدعوا إليه، فتعالوا نفترق في
= الأصبهاني ، قال ابن عدي : حدَّث بأحاديث لا يتابع عليها . وقال أبو حاتم والدارقطني : ضعيف .
ميزان الاعتدال ٢٣٩/١ .
(١) ٢١٧/١٣.
(٢) أحمد (٢٢٢٩١)، وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٧٨٦٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٩/٥:
رواه أحمد والطبراني ، وفيه : علي بن يزيد الألهاني ، وهو ضعيف . اهـ. وفي الباب عن أبي هريرة ﴾
بنحو هذه القصة أخرجه عنه الترمذي (١٦٥٠)، وأحمد (٩٧٦٢). قال الترمذي : حديث حسن .

٢٧٥
سورة الحديد: الآية ٢٧
الأرض إلى أن يبعث الله النبيَّ الأُمِّيَّ الذي وعدنا عيسى - يعنون محمَّداً﴾ - فتفرَّقوا
في غِيران الجبال وأحدثوا رهبانيةً، فمنهم من تمسّك بدينه، ومنهم من كفر - وتلا :
((وَرَهْبَانِيَّةً)) الآية - أتدري ما رهبانيَّة أُمَّتي: الهجرة: والجهاد، والصوم، والصلاة،
والحجّ، والعمرة، والتكبير على التلاع، يا ابن مسعود اختلف مَن كان قبلكم من
اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فنجا منهم ثلاثة، وهلك سائرها(١)، فرقة أزَّت(٢)
الملوكَ وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى - عليه السلام - حتى قُتِلوا، وفرقة لم تكن
لهم طاقة بمؤازاة(٣) الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين
عيسى ابن مريم، فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم
طاقة بمؤازاة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعونهم إلى دين الله ودين
عيسى ابن مريم، فساحوا في الجبال وترَّبوا فيها، وهي التي قال الله تعالى فيهم:
((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوَهَا)) - الآية - فَمَن آمن بي واتَّبَعني وصدَّقِنِي، فقد رعاها حقَّ رعايتها،
ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون)»(٤). يعني الذين تهوَّدوا وتنصَّروا. وقيل:
(١) في (ظ) : سائرهم. وكذا في الموضع الآتي .
(٢) في (ظ) و(ق): وارت . وفي (م): وازت . والمثبت من مصادر التخريج ، ومن النهاية (أزي) حيث
قال: وفي الحديث : (وفرقة آزت الملوك)) أي: قاومتهم. يقال: فلانٌ إزاء لفلانٍ: إذا كان مقاوماً له.
(٣) في (ظ) : بمواراة . وفي (م): بموازاة . وكذا في الموضع الآتي .
(٤) من قوله : وروى الكوفيون ... إلى قوله: وإن كان يزحف على استه. فمن أحكام القرآن لابن العربي
١٧٣٢/٤. ومن قوله : هل تدري من أين اتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ... إلى نهاية الحديث ، فمن
تفسير البغوي ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١ ، والحديث أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٢٩/٨،
والطبراني في الكبير (١٠٣٥٧) من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان ، عن القاسم بن عبد
الرحمن ، عن أبيه ، عن ابن مسعود بنحوه مقطَّعًا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٠ - ٢٦١ :
رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف ، وثّقه أحمد وغيره، وفيه
ضعف .
وأخرجه أيضاً المروزي في السنة (٥٤)، والطبري ٢٢/ ٤٣٠ - ٤٣١، والطبراني في الكبير
(١٠٥٣١)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٨٠ من طريق الصَّعِق بن حَزْن، عن عقيل ، عن أبي إسحاق
الهمداني ، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود بنحوه مقطَّعًا. قال الحاكم : هذا صحيح الإسناد
ولم يخرجاه . وقال الذهبي : ليس بصحيح ، فإن الصعق بن حزن ، وإن كان موثقاً ، فإن شيخه منكر
الحديث ، قاله البخاري . اهـ .

٢٧٦
سورة الحديد: الآيات ٢٧ - ٢٩
هؤلاء الذين أدركوا محمداً﴾ فلم يؤمنوا به، فأولئك هم الفاسقون(١). وفي الآية
تسلية للنبيِّ#؛ أي: إنَّ الأوَّلين أصرُّوا على الكفر أيضًا، فلا تَعْجَبْ من أهل عصرك
إن أصرُّوا على الكفر. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن
لِثَلَّا يَعْلَمَ
رَّحْمَتَّهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨)
أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ
وَاَللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: آمنوا بموسى وعيسى ﴿أَتَّقُوا اللَّهَ
وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهٍ﴾ بمحمَّد ◌َ﴾ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ.﴾ أي: مِثْلين من الأجر على
إيمانكم بعيسى ومحمد صلى الله(٢) عليهما وسلم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ
يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّزَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] وقد تقدَّم القول فيه(٣). والكِفْل: الحظّ
والنصيب، وقد مضى في ((النساء)) (٤)، وهو في الأصل كِساء يكتفل به الراكب،
فيحفظه من السقوط، قاله ابن جريج(٥). ونحوه قال الأزهريُّ(٦)، قال(٧): اشتقاقه من
الكِساء الذي يُحوِّيه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه، لئلا يسقط. فتأويله: يؤتكم
نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي، كما يحفظ الكِفْلُ الراكبَ(٨). وقال أبو موسى
الأشعريُّ: ((كِفْلَينٍ)): ضعفين، بلسان الحبشة(٩). وعن ابن زيد: ((كِفْلَيْن)) أجر الدنيا
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/٤ .
(٢) تكررت هذه العبارة في (ظ) مرَّة ثانية ، والكلام من النكت والعيون ٤٨٥/٥.
(٣) ٢٩٥/١٦ .
(٤) ٦ / ٤٨٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ١٣٧/٣ دون نسبة .
(٦) في تهذيب اللغة ١٠/ ٢٥٠.
(٧) ليست في (ظ).
(٨) معاني القرآن للزجاج ١٣١/٥.
(٩) المحرر الوجيز ٢٧١/٥، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة ٤١٧/١٠، ومجاهد في التفسير ٦٥٨/٢،
والطبري ٤٣٨/٢٢ .

٢٧٧
سورة الحديد: الآيتان ٢٨ - ٢٩
والآخرة(١). وقيل: لمَّا نزلت: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٤]
افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبيِّ ﴾، فنزلت هذه الآية(٢) .
وقد استدلَّ بعض العلماء بهذه الآية على أنَّ الحسنة إنَّما لها من الأجر مِثْل
واحد، فقال: الحسنة اسم عامٌّ ينطلق على كلِّ نوع من الإيمان، وينطلق على
عمومه، فإذا انطلقت الحسنة على نوع واحد فليس له عليها من الثواب إلا مِثْل واحد.
وإن انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين، كان الثواب عليها مِثْلين؛ بدليل هذه
الآية فإنَّه قال: ((كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)) والكِفْل: النصيب، كالمِثْل، فجعل لمن اتقى الله
وآمن برسوله نصيبين؛ نصيباً لتقوى الله، ونصيباً لإيمانه برسوله، فدلَّ على أنَّ الحسنة
التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو الإيمان الذي
جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾
[الأحزاب: ٣٥] الآية بكمالها. فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها،
فيكون لكلِّ نوع منها مِثْل، وهذا تأويل فاسد؛ لخروجه عن عموم الظاهر في قوله
تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠] بما لا يحتمله تخصيص
العموم؛ لأنَّ ما جمع عشر حسنات فليس يُجزَى عن كلِّ حسنة إلا بِمِثْلها. وبطل أن
يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها، والأخبار دالَّة عليه. وقد تقدَّم ذكرها(٣). ولو كان
كما ذكر لما كان بين الحسنة والسيئة فرقان.
﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا﴾ أي: بيانًا وهدّى، عن مجاهد. وقال ابن عباس: هو
القرآن (٤). وقيل: ضياء ﴿تَمْثُونَ بِهِ﴾ في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى
الجنَّة. وقيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام، فتكونون رؤساء في دين
(١) النكت والعيون ٤٨٥/٥، وأخرجه عنه الطبري ٤٣٨/٢٢.
(٢) الكشاف ٦٨/٤، وتفسير الرازي ٢٤٧/٢٩ .
(٣) ١٣٦/٩، ٢٢٣/١٦.
(٤) النكت والعيون ٤٨٦/٥، وتفسير البغوي ٣٠٢/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٤٤٢/٢٢، وقول مجاهد
في تفسيره ٦٥٨/٢ .

٢٧٨
سورة الحديد: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها، وذلك أنَّهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا
بمحمَّد عليه السلام. وإنَّما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضَّعَفَة بتحريف أحكام
الله، لا الرياسة الحقيقيّة في الدين. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿ِثَلَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ أي: ليعلم، و((أن لا)) صلة زائدة مؤكدة؛
قاله الأخفش. وقال الفرَّاء: معناه: لأن يعلم، و((لا)) صلة زائدة في كلِّ كلام دخل
عليه جَحْد(١). قال قتادة: حسَد أهلُ الكتاب المسلمين فنزلت: ((لِئَلَا يَعْلَمُ أَهْلُ
الْكِتَابِ))(٢). أي: لأن يعلم أهل الكتاب أنَّهم ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ
اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. وقال مجاهد: قالت اليهود: يُوشِك أن يخرج منا نبيٌّ يقطع الأيدي
والأرجل. فلما خرج من العرب كفروا، فنزلت: ((لِئَلَّا يَعْلَمَ)) أي: ليعلم أهل الكتاب
((أَنْ لَا يَقْدِرُونَ)) أي: أنَّهم لا يقدرون(٣)، كقوله تعالى: ﴿أَلَّ يَرَّجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾
[طه: ٨٩].
وعن الحسن: (لَيْلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)) وروي ذلك عن ابن مجاهد. وروى
قُظْرُب: بكسر اللام وإسكان الياء(٤). وفتح لام الجرِّ لغة معروفة. ووجه إسكان الياء
أنَّ همزة ((أَنْ)) حذفت فصارت ((لَنْ) فأدغمت النون في اللام، فصار ((للَّا)) فلما
اجتمعت اللَّامات أُبدلت الوسطى منها ياء، كما قالوا في أَمَّا: أَيْمًا. وكذلك القول
في قراءة من قرأ: ((لِيْلَا)) بكسر اللام، إلا أنَّه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها،
فهو أقوى من هذه الجهة.
وعن ابن مسعود: (لِكَيْلَا يَعْلَمَ))(٥)، وعن حِظَّان بنِ عبد الله: ((لأَنْ يَعْلَمَ))(٦)،
(١) النكت والعيون ٤٨٦/٥، وكلام الأخفش في معاني القرآن له ٢/ ٧٠٥، وكلام الفراء في معاني
القرآن له ٣/ ١٣٧ .
(٢) أخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٧٦/٢، والطبري ٤٤٣/٢٢ - ٤٤٤.
(٣) تفسير البغوي ٣٠٢/٤ .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٥٣، والمحتسب ٣١٤/٢، وما بعده منه أيضًا.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٥٣ عن عبد الله بن أبي سلمة، والكشاف ٦٨/٤ ولم ينسبها.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٥٣ .

٢٧٩
سورة الحديد: الآيتان ٢٨ - ٢٩
وعن عِكرمة (لِيَعْلَمَ)) (١)، وهو خلاف المرسوم.
﴿مِّنْ فَضْلِ اَللَّهِ﴾ قيل: الإسلام. وقيل: الثواب. وقال الكلبيُّ: من رزق الله.
وقيل: نِعَمُ الله التي لا تُحصى(٢). ((وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ) ليس بأيديهم فيصرفون النبوّة
عن محمَّد ◌َ﴾ إلى من يحبُّون. وقيل: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ أي: هو له ﴿يُؤْتِيهِ مَن
يَآءُ﴾.
وفي ((البخاري)): حدَّثنا الحكم بن نافع، قال: حدَّثنا شعيب، عن الزهريِّ،
قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أنَّ عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾
يقول وهو قائم على المنبر: ((إنَّما بقاؤكم فيما سلف قَبْلَكم من الأُمم، كما بين صلاة
العصر إلى غروب الشمس، أُعطي أهلُ التوراةِ التوراةَ، فعملوا بها حتى انتصف
النهار، ثم عَجَزوا، فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُعطي أهلُ الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا
به حتى صلاة العصر، ثم عَجَزوا، فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُعطيتم القرآنَ، فعملتم
به حتى غروب الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة: ربَّنا هؤلاءِ أقلُّ
عملًا وأكثرُ أجراً؟ قال: هل ظلمتكم من أَجْرِكم من شيء؟ قالوا: لا. فقال: فَضْلي
أُوتيه من أشاء)). وفي رواية: ((فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ربنا)) الحديث(٣).
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
تم تفسير سورة الحديد، والحمد لله
(١) القراءات الشاذة ص ١٥٣ عن عبد الله، والكشاف ٦٨/٤ ولم ينسبها.
(٢) النكت والعيون ٤٨٦/٥ دون ذكر قوله : وقيل: الثواب .
(٣) البخاري (٧٤٦٧)، وهو عند أحمد (٦٠٢٩)، والرواية الأخرى برقم (٢٢٦٨) و(٢٢٦٩)، وهي عند
أحمد (٤٥٠٨) .

تفسير سورة المجادلة
وهي اثنتان وعشرون آية
مدنيّة في قول الجميع، إلا رواية عن عطاء: أنَّ العشر الأوَّل منها مدنِيٌّ وباقيها
مكيٍّ، وقال الكلبيُّ: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَ ثَلَةٍ
إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [الآية: ٧] نزلت بمكّة (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَ الـ
قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَِّىِ تُّجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنْ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ
يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِعٌ بَصِيُ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اَللَّهِ﴾ التي
اشتكت إلى الله هي خَوْلة بنت ثعلبة. وقيل: بنت حكيم. وقيل: اسمها جميلة. وخَوْلة
أصحُ، وزوجها أَوْس بن الصَّامِت أخو عُبادة بن الصامت، وقد مرَّ بها عمر بن
الخطاب في خلافته - والناس معه - على حمار، فاستوقفته طويلًا ووعظته
وقالت: يا عمر قد كنتَ تدعى عُمَيرًا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير
المؤمنين، فاتَّقِ اللهَ يا عمر؛ فإنَّه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب
خاف العذاب. وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقفُ لهذه
العجوز هذا الوقوف؟ فقال: واللهِ لو حبستني من أوَّل النهار إلى آخره لا زلتُ إلا
للصلاة المكتوبة، أتدرونَ من هذه العجوز؟ هي خَوْلة بنت ثعلبة، سمع اللهُ قولَها من
فوقٍ سبع سماوات، أيسمع ربُّ العالمين قولَها ولا يسمعه عمر(٢)؟!
(١) النكت والعيون ٥/ ٤٨٧ .
(٢) التعريف والإعلام للسهيلي ص ١٦٤ - ١٦٥، والخبر أخرجه الدارمي في الرد على الجهميَّة ص٢١، =