Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة الواقعة: الآيتان ٧٩ - ٨٠ من الملائكة والرُّسل من بني آدم، فجبريل النازل به مُطهّر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مُطَّرون. الكلبيُّ: هم السَّفَرة الكرام البرَرَةِ(١). وهذا كلُّه قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أَحسنُ ما سمعتُ في قوله: ((لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)»: أنَّها بمنزلة الآية التي في ((عَبَسَ وتَوَلَّى)): ﴿فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ. فِى سُفٍ مُكَرََّةٍ. ثَّْفُوَتِ ◌ُطَهَّرَقَم . بِأَيَدِى سَفَرَقِ كَِاِ بَ﴾ [عبس: ١٢- ١٦] ويريد أنَّ المطهّرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة ((عبس)) (٢). وقيل: معنى ((لا يَمَسُّهُ)) لا ينزل به ((إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)) أي: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء(٣). وقيل: لا يمسُّ اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهّرون(٤). وقيل: إنَّ إسرافيل هو الموثَّل بذلك، حكاه القشيريُّ. ابن العربي(٥): وهذا باطل؛ لأنَّ الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال. وأما من قال: إنَّه الذي بأيدي الملائكة من الصحف، فهو قول محتمل، وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا(٦)، وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أنَّ في كتاب عمرو بنٍ حزم الذي كتبه له رسول اللـه8# ونسخته: ((من محمَّد النبيِّ إلى شُرَخبيل بن عبد كُلَال والحارث بن عبد كُلَال ونُعَيْم بن عبد كُلَال قَيْل ذي رُعَين ومَعَافر وهَمْدان: أما بعد، وكان في كتابه: ألا يمسَّ القرآن إلا طاهر (٧). (١) تفسير البغوي ٢٨٩/٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٦/٤، وقول مالك في الموطأ ١٩٩/١. (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٦٤ وعزاه إلى ابن زيد. (٤) معاني القرآن للزجاج ١١٦/٥. (٥) في أحكام القرآن له ١٧٢٥/٤-١٧٢٦. (٦) النكت والعيون ٤٦٤/٥ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٦/٤، والحديث عند مالك في الموطأ ١٩٩/١ - ومن طريقه أبو داود في المراسيل (٩٣) - عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلاً. وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل = ٢٢٢ سورة الواقعة: الآيتان ٧٩ - ٨٠ وقال ابن عمر: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((لا تمسَّ القرآن إلا وأنت طاهر))(١). وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: ((لا يَمَسُهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ)) فقام واغتسل وأسلم (٢). وقد مضى في أوَّل سورة ((طه))(٣). وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: ((لَا يَمَسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ)) من الأحداث والأنجاس. الكلبي: من الشِّرْك. الربيع ابن أنس: من الذنوب والخطايا (٤). وقيل: ((لا يَمَسُّه)): لا يقرؤه ((إلا المطهّرون)) إلا الموحّدون، قاله محمد بن فضيل وعَبْدة. قال عكرمة: كان ابن عباس ينهى أن يُمكَّن أحدٌ من اليهود والنصارى من قراءة القرآن(٥) . وقال الفرَّاء(٦): لا يجد طعمَه ونفعَه وبركته إلا المطهّرون، أي: المؤمنون بالقرآن. ابن العربي(٧): وهو اختيار البخاريِّ، قال النبيُّ﴾: ((ذاق طَعْم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّد ﴿ نبياً)). وقال الحسين بن الفضل: = (٩٢) و(٩٤)، والدارقطني ١٢١/١ من طرق أخرى مرسلاً، قال أبو داود: روي هذا الحديث مسنداً، ولا يصحّ. اهـ وقال الدارقطني عن إحدى طرقه: مرسل، ورواته ثقات. اهـ. وأخرجه موصولاً ابن حبان في صحيحه (٦٥٥٩)، والدار قطني ١٢٢/١، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٩٧، والبيهقي ٨٩/٤ مطولاً، وفي إسناده: سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وقد أخطأ بعض الرواة فسمَّاه سليمان بن داود، ينظر التفصيل في ذلك في الجوهر النقي ٨٩/٤ . قال ابن عبد البر في الاستذكار ١٠/٨، وفي التمهيد ٣٩٧/١٧: وكتاب عمرو بن حزم هذا تلقَّاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل. (١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٢١٧)، وفي الصغير (١١٦٢)، والدار قطني ١٢١/١، والبيهقي ٨٨/١ . قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير والصغير، ورجاله موثقون. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٦/٤ . (٣) ٥/١٤-٦، وسلف تخريج الخبر هناك. (٤) النكت والعيون ٤٦٤/٥ . (٥) تفسير البغوي ٢٨٩/٤ . (٦) في معاني القرآن له ٣/ ١٣٠، والمصنف نقله عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٤٦٤/٥ . (٧) في أحكام القرآن له ١٧٢٦/٤، والحديث الآتي سلف ٨/ ٢٠٧ . ٢٢٣ سورة الواقعة: الآيتان ٧٩ - ٨٠ لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهَّره اللهُ من الشِّرْك والنفاق. وقال أبو بكر الورَّاق: لا يُوفَّق للعمل به إلا السُّعداء. وقيل: المعنى لا يمسّ ثوابه إلا المؤمنون. ورواه معاذ عن النبيِّ ﴾(١). ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع، أي: لا يمسُّه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ شرعاً، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي(٢). وأَبطل أن يكون لفظُه لفظَ الخبر، ومعناه الأمر. وقد مضى هذا المعنى في سورة ((البقرة)(٣). المهدويُّ: يجوز أن يكون أمراً، وتكون ضمَّة السين ضمَّة إعراب. ويجوز أن يكون نهياً وتكون ضمَّة السين ضمَّة بناء، والفعل مجزوم. السادسة: واختلف العلماء في مسِّ المصحف على غير وضوء، فالجمهور على المنع من مسِّه؛ لحديث عمرو بن حزم. وهو مذهب عليٍّ وابنٍ مسعود وسعد بنِ أبي وقاص وسعيد بنِ زيد وعطاء والزُّهريِّ والنَّخعيّ والحكم وحمَّاد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي(٤). واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنَّه يمسُه المحدِث(٥)، وقد روي هذا عن جماعة من السَّلف منهم ابن عباس والشعبيُّ وغيرهما(٦). وروي عنه أنَّه يمسُّ ظاهرَه وحواشيَه وما لا مكتوبَ فيه، وأما الكتاب فلا يمسُّه إلا طاهر. ابن العربيّ(٧): وهذا إن سُلِّمه مما يُقوِّي الحجَّة عليه؛ لأنَّ حريم (١) النكت والعيون ٤٦٤/٥، والحديث أخرجه ابن عدي في الكامل ٣٠٩/١، وفي إسناده: إسماعيل بن أبي زیاد، وهو منکر الحدیث. (٢) في أحكام القرآن له ١٧٢٦/٤ . (٣) ٤٩٠/٣ . (٤) التمهيد ٣٩٧/١٧-٣٩٩، والاستذكار ١٠/٨، وكلام الشافعي في الأم ١/ ٢٢١. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٢٧ ، ولم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من مصادر، بل الذي ورد أنه يحرم مسُّ المصحف للمحدث ــ كما ذهب إليه الجمهور - ورواية أخرى عن بعض مشايخ الحنفية أنه يكره له مسرُّ الموضع المكتوب دون الحواشي؛ لأنه لم يمسَّ القرآن حقيقة، والصحيح أنه إنَّما يكره مسُّ كلُّه، لأن الحواشي تابعة للمكتوب، فكان مسُّها مسًّا للمكتوب. بدائع الصنائع ٢٦٤/١-٢٦٦، وحاشية ابن عابدين ١/ ١٧٣ -١٧٤ . (٦) المحرر الوجيز ٢٥٢/٥ . (٧) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٢٧ ، وما قبله منه أيضاً. ٢٢٤ سورة الواقعة: الآيتان ٧٩ - ٨٧ الممنوع ممنوع. وفيما كتبه النبيُّ # لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غيرُ طاهر بعِلاَقة ولا على وسادة(١). وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حَمْله بعِلاَقة أو مسِّه بحائل(٢). وقد روي عن الحكم وحمَّاد وداود بن عليٍّ أنَّه لا بأس بحمله ومسِّه للمسلم والكافر، طاهراً أو محدثاً(٣)، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حَمْله. واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبيِّ# إلى قيصر، وهو موضع ضرورة، فلا حجَّةَ فيه. وفي مسِّ الصبيان إيَّاه على وجهين: أحدهما: المنع؛ اعتباراً، بالبالغ. والثاني: الجواز؛ لأنَّه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأنَّ تعلُّمه حال الصغر؛ ولأنَّ الصبيَّ وإن كانت له طهارة إلَّا أنَّها ليست بكاملة؛ لأنَّ النِّيَّة لا تصحُ منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة، جاز أن يَحْمله محدثاً. السابعة: قوله تعالى: ﴿تَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: منزل(٤)، کقولهم: ضَرْبُ الأميرِ ونَسْجُ اليَمَنِ(٥). وقيل: (تَنْزِيلٌ)) صفة لقوله تعالى: ((إِنَّهُ لَّقُرْآنٌّ كَرِيمٌ))(٦). وقيل: أي: هو تنزيل. (٨٢) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨١ قوله تعالى: ﴿أَفَهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم مُدْهِنُونَ وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن ٨٤ فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٧) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ لَّا نُّصِرُونَ (٨٥ فَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ تَرْجِعُونَهَا إِن كُّ صَدِقِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَفَهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿أَنْتُم مُدْهِنُونَ﴾ أي: مكذُّبون، قاله ابن عباس وعطاء وغيرهما (٧). والمُذْهِن: الذي ظاهره خلاف باطنه(٨)، كأنَّه شبّه (١) المحرر الوجيز ٢٥٢/٥، وما بعده منه أيضاً، ومن تفسير البغوي ٢٨٩/٤، وقول مالك في الموطأ ١٩٩/١، وفي المدونة ١١٢/١. (٢) مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١٥٦/١ . (٣) التمهيد ٣٩٨/١٧-٣٩٨، والاستذكار ١٢/٨. (٤) الوسيط ٤/ ٢٤٠ . (٥) الحلل للبطليوسي ص ١٥٥ . (٦) المحرر الوجيز ٢٥٢/٥. (٧) النكت والعيون ٤٦٤/٥ عن ابن عباس، وأخرجه عنه الطبري ٣٦٨/٢٢. (٨) الوسيط ٤/ ٢٤٠ . ٢٢٥ سورة الواقعة: الآيات ٨١ - ٨٧ بالدُّهن في سهولة ظاهره. وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مُذْهِنون: كافرون(١)، نظيره: ﴿وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيَّدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. وقال المؤرِّج: المدهِن: المنافق أو الكافر الذي يُلين جانبه ليُخْفِي كفره، والإدهان والمداهنة: التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللِّين، وأن يُسِرَّ خلافَ ما يظهر(٢)، وقال أبو قيس بنُ الأسْلَت: الحَزْمُ والقُوَّةُ خيرٌ مِنَ الـ إدهان والفهَّةِ والهَاعِ(٣) وأدهن وداهن واحد. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنتُ بمعنى غَشَشْت(٤). وقال الضحَّاك: ((مُدْهِنُونَ)»: معرضون. مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به(٥). ابن كيسان: المدهن: الذي لا يَعقِلُ ما حقُّ الله علیه، ويدفعه بالعلل. وقال بعض اللغويين: مدهنون: تاركون للجَزْم في قَبول القرآن. قوله تعالى: ﴿وَقْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ قال ابن عباس: تجعلون شكركم التكذيب(٦). وذكر الهيثم بنُ عديٍّ: أنَّ من لغة أزد شنوءة: ما رزقَ فلانٌ؟ أي: ما شكّره(٧). وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره؛ لأنَّ شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً على هذا المعنى. فقيل: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ)) أي: شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقاً لكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بالرزق، أي: تضعون الكذب مكان الشكر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥] أي: لم يكونوا يُصلُّون، ولكنَّهم كانوا يصفّرون ويُصفّقون (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٠ عن قتادة. (٢) الوسيط ٤/ ٢٤٠ . (٣) أمالي القالي ص٢١٥، والمفضليات ص ٢٨٥، وورد عندهما: والفكّة، بدل: والفهَّة. اهـ يقال: في فلان فكّة: أي استرخاء في رأيه. والفهَّة: مثل السَّقْطة والجهلة ونحوها. ورجل هاعٌ لاٌ: جبان ضعيف جزوع. اللسان (فكك) و(فهه) و(هوع). (٤) الصحاح (دهن). (٥) النكت والعيون ٥/ ٤٦٥ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٤/٤ . (٧) تفسير الطبري ٣٦٨/٢٢. ٢٢٦ سورة الواقعة: الآيات ٨٢ - ٨٧ مكان الصلاة. ففيه بيان أنَّ ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يَرَوه من قِبَلِ الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسباباً، بل ينبغي أن يَرَوْه من قِبَلِ الله تعالى، ثم يقابلونه بشكرٍ إن كان نعمةً، أو صبرٍ إن كان مكروهاً؛ تعبُّداً له وتذلّلاً. وروي عن عليّ بن أبي طالب ﴾ أنَّ النبيَّ ﴾ قرأ: ((وتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) حقيقة(١). وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرنا بنَوء كذا، رواه عليُّ بن أبي طالب عن النبيِّ ﴾(٢). وفي «صحيح مسلم))(٣) عن ابن عباس قال: مُطِر الناسُ على عهد النبيِّ #، فقال النبيُّ ﴾: ((أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافرٌ، قالوا: هذه رحمةُ الله. وقال بعضهم: لقد صَدَق نَوْءُ كذا وكذا. قال: فنزلت هذه الآية: ((فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِع النُّجُومِ)) حتى بلغَ: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»». وعنه أيضاً أنَّ النبيَّ# خرج في سفر فعطشوا، فقال النبيُّ #: «أرأيتم إن دعوتُ الله لكم، فسُقِيتم، لعلكم تقولون: هذا المطر بِنَوء كذا». فقالوا: يا رسول الله، ما هذا بحین الأنواء. قال: فصلَّی رکیتین ودعا ربَّه، فهاجت ريح، ثم هاجت سحابة، فمُطِروا؛ فمرَّ النبيُّ # ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو يقول: سُقينا بِنَوء كذا، ولم يقل: هذا من رزق الله، فنزلت: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) أي: شكركم لله على رزقه إيّاكم ((أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) بالنعمة وتقولون: سُقِينا بنوء كذا، كقولك: جعلتَ إحساني إليك إساءةً منكَ إليَّ، وجعلتَ إنعامي لديكَ أن اتّخذتني عدوًّا(٤). وفي ((الموطأ))(٥) عن زيد بن خالد الجُهنيّ أنَّه قال: صلَّى بنا (١) الكشاف ٥٩/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٥١، والمحتسب ٣١٠/٢. (٢) النكت والعيون ٤٦٥/٥، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٢٢/ ٣٧٠، وأما خبر علي المرفوع فأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند ٩٧/٢ (٦٧٧)، والطبري ٣٦٩/٢٢ . (٣) برقم (٧٣)، وأخرجه أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٤٢٩ ، والكلام - وما بعده - منه أيضاً. (٤) المحرر الوجيز ٢٥٢/٥. (٥) ١٩٢/١، والحديث سلف ٤٠٣/٨، وقوله: على إثر سماء كانت من الليل. فإنه أراد سحاباً حيث نزل من الليل، والعرب تسمي السحاب والماء النازل منه سماء. التمهيد ٢٨٥/١٦ . ٢٢٧ سورة الواقعة: الآيات ٨٢ - ٨٧ رسول الله # صلاة الصبح بالحُديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقْبَلَ على الناس وقال: ((أتدرون ماذا قال ربكم))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بالكوكب، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بنَوء كذا وكذا، فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي)). قال الشافعيُّ(١) رحمه الله: لا أحبُّ أحداً أن يقول: مُطِرنا بنَوء كذا وكذا، وإن كان النَّوء عندنا الوقت المخلوق لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبُّ أن يقول: مُطِرنا وقت كذا، كما تقول: مُطِرنا شهر كذا، ومن قال: مُطِرنا بنَوء كذا، وهو يريد أنَّ النَّوء أنزل الماء، كما عنى بعضُ أهل الشرك من الجاهلية بقوله، فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب. وقال أبو عمر بنُ عبد البر(٢): وأما قوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن الله سبحانه: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر)) فمعناه عندي على وجهين: أمَّا أحدهما: فإنَّ المعتقِد بأنَّ النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله عزَّ وجلَّ، فذلك كافر كفراً صريحاً يجب استتابته عليه وقَتْله؛ لنَبذِه الإسلام، وردِّه القرآن. والوجه الآخر: أن يعتقد أنَّ النَّوء يُنزِل اللهُ به الماءَ، وأَنَّه سببُ الماء على ما قدَّره الله وسَبَق في علمه، وهذا وإن كان وجهاً مباحاً، فإن فيه أيضاً كفراً بنعمة الله عزَّ وجلَّ، وجهلاً بلطيف حكمته في أنَّه يُنزِل الماء متى شاء، مرَّة بَنَوء كذا، ومرَّة دون النوء(٣)، وكثيراً ما يخوي (٤) النَّوء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النَّوء. وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مُطِر: مطِرنا بنَوء (١) في الأم ١/ ٢٢٣، والمصنف نقله عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٥/١٦. (٢) في التمهيد ٢٨٦/١٦ . (٣) في النسخ عدا (ظ): بنوء كذا، والمثبت من (ظ) والتمهيد ٢٨٦/١٦. (٤) في النسخ عدا (ظ): ينوء. والمثبت من (ظ) والتمهيد ٢٨٦/١٦، وخَوَت النجوم تخوي خيًّا: أُمْحَلَتْ، وقيل: خَوَت وأخوَت: إذا سقطت ولم تمطر في نوئها. اللسان (خوا). ٢٢٨ سورة الواقعة: الآيات ٨٢ - ٨٧ الفتح، ثم يتلو: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] قال أبو عمر(١): وهذا عندي نحو قول رسول الله ﴾: ((مُطِرنا بفَضْل الله ورحمته))(٢). ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به: يا عمَّ رسولِ الله، كم بقيَ من نَوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنَّها تعترض في الأُفُق سبعاً بعد سقوطها. فما مضت سابعة حتى مطروا، فقال عمر: الحمد لله، هذا بفَضَل الله ورحمته. وكأنَّ عمر قد عَلِمَ أنَّ نَوء الثُّريا وقت يُرجى فيه المطر ويؤمَّل، فسأله عنه: أخرج، أم بقيت منه بقيَّةً(٣)؟. وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أميّة أنَّ النبي # سمع رجلاً في بعض أسفاره يقول: مُطرنا ببعض عثَانين الأسد. فقال رسول الله ﴾: ((كذبتَ، بل هو سُقْيا الله عزَّ وجلَّ)) قال سفيان: عَثَانين الأسد: الذراع والجبهة (٤). وقراءة العامة: ((تُكَذِّبون)) من التكذيب. وقرأ المفضَّل عن عاصم ويحيى بن وَثَّاب: (تَكْذِبُونَ)) بفتح التاء مخفَّفاً (٥). ومعناه ما قدَّمناه من قول من قال: مِطِرنا بنَوْء کذا. وثبت من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله﴾: «ثلاثٌ لن يزلن في أمَّتي: التفاخر في الأحساب، والنِّياحة، والأنْواء))(٦) ولفظ مسلم(٧) في هذا: ((أربع في أمَّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنَّ: الفَخر في الأحساب، والطّعن في الأنساب، (١) في التمهيد ٢٨٦/١٦ . (٢) سلف قريباً. (٣) التمهيد ٢٨٦/١٦، وخبر عمر أخرجه الحميدي في مسنده (١٠٠٩)، والطبري ٢٢/ ٣٧٠-٣٧١ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٥٩/٣ مطوَّلاً. (٤) التمهيد ٢٨٤/١٦، والحديث أخرجه الطبري ٢١/ ٥٢١ و٢٢/ ٣٧٠ عن يونس، عن سفيان، به. (٥) قراءة عاصم في السبعة ص ٦٢٤ . (٦) أخرجه أبو يعلى (٣٩١١)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤٢/١٢ و٢٩٢/١٦ . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢/٣: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات. (٧) في صحيحه (٩٣٤)، وهو عند أحمد (٢٢٩١٢). ٢٢٩ سورة الواقعة: الآيات ٨٣ - ٨٧ والاستسقاء بالنجوم، والنِّياحة)). قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ أي: فهلًا إذا بلغت النفس أو الروح الخُلْقوم(١). ولم يتقدَّم لها ذِكْر؛ لأنَّ المعنى معروف، قال حاتم : أَمَاوِيُّ ما يُغْني الثَّرَاءُ عنِ الفتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضاقَ بِها الصَّدرُ(٢) وفي حديث: ((إنَّ مَلَك الموتِ له أعوان يقطعون العروق، ويجمعون الروح شيئاً فشيئاً، حتى ينتهي بها إلى الحُلْقوم، فيتوفاها مَلَك الموت))(٣). ﴿وَأَنْتُمْ حِفَيِذٍ نَنْظُرُونَ﴾ أَمْري وسلطاني(٤). وقيل: تنظرون إلى الميِّت لا تقدرون له على شيء. وقال ابن عباس: يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تَخرُج نفسه. ثم قيل: هو ردٌّ عليهم في قولهم لإخوانهم: ﴿لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: فهلَّا ردُوا رُوح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم. وقيل: المعنى: فهلًا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقومَ عند النزع وأنتم حضور، أمسکتم روحه في جسده، مع حرصكم على امتداد عُمُره، وحبِّكم لبقائه. وهذا ردٌّ لقولهم: ﴿نَمُوتُ وَغَيَا وَمَا يُهْلِكُآ إِلَّا الدَّهْرٌ﴾ [الجاثية: ٢٤]. وقيل: هو خطاب لمن هو في النزع، أي: إن لم يَكُ ما بِكَ من الله، فهلَّا حفظت على نفسك الروح. ﴿وَتَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي: بالقدرة والعِلم والرؤية(٥). قال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقربَ إليَّ منه. وقيل: أراد: ورسلنا الذين يتولُّون قَبْضه ((أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ)) ﴿وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ أي: لا تَرَوْنَهم(٦). قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ﴾ أي: فهلَّا إن كنتم غيرَ محاسبين ولا (١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٢ . (٢) ديوانه ص٣٩، والحشرجة: الغرغرة عند الموت وتردُّد النَّفَس. الصحاح (حشرج). (٣) لم نقف عليه. (٤) تفسير البغوي ٢٩٠/٤ . (٥) تفسير البغوي ٢٩١/٤ . والصحيح إثبات صفة القرب لله عز وجل على الوجه اللائق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل. (٦) المحرر الوجيز ٢٥٣/٥، وتفسير الطبري ٣٧٣/٢٢ . ٢٣٠ سورة الواقعة: الآيات ٨٦ - ٩٦ مجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيُّون محاسبون. وقد تقدم(١). وقيل: غير مملوكين ولا مقهورين. قال الفرَّاء وغيره: دَيَّنْتُه: ملَّكتْه، وأنشد للحطيئة : لقد دُيِّنتِ أمْرَ بَنِيكِ حَتَّى تَرَكتِهِمُ أدَقَّ مِن الظَّحِينِ(٢) يعني: مُلِّكْتِ. ودانه، أي: أذلَّه واستعبده، يقال: دِنْته فَدَان. وقد مضى في ((الفاتحة))(٣) القول في هذا عند قوله تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الآية: ٤]. ﴿َتَرْجِعُونَهَا﴾ ترجعون الروح إلى الجسد. ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ أي: ولن تُرجعوها، فبطل زعمكم أنَّكم غير مملوكين ولا محاسبين. و((ترجعونها)) جواب لقوله تعالى: ((فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ))، ولقوله: ((فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ)) أجيبا بجواب واحد، قاله الفرَّاء(٤). وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَتَّكُم مِّنِى هُدَى فَمَن تَّبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] أجيبا بجواب واحد؛ وهما شرطان. وقيل: حذف أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه. وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها: فلولا وهلّ إن كنتم غير مَدِينين تَرجِعونها، تردُّون نَفْس هذا الميِّت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم. قوله تعالى: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨َ فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَجَنَّثُ نَعِيمٍ (٧َ﴾ وَأَمَّاً إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ أَلْيَمِينِ ﴾ فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ ﴿ وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِِّنُّ ﴾ إِنَّ هَذَا لَمُوَ حَقٌ (٩٤ وَتَصْلَِهُ ◌َِيمٍ فَقُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ٩٦ فَسَبِحْ بِسْمِ رَيِّكَ اَلْعَظِ ٩٥ الیقینِ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ذكر طبقات الخَلْق عند الموت، وعند (١) ١٦٣/١٩ - ١٦٤ . (٢) الصحاح (دين) وما بعده منه أيضاً، والبيت في ديوان الحطيئة ص ٦٥، إلا أنه ورد فيه: فقد سوِّست، بدل: لقد دُیَّت. (٣) ٢٢١/١ . (٤) في معاني القرآن له ٣/ ١٣٠، وما بعده منه أيضاً. ٢٣١ سورة الواقعة: الآيات ٨٨ - ٩٦ البعث، وبيَّن درجاتهم فقال: ((فَأَمَّا إِن كَانَ)) هذا المتوفَّى ((مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)) وهم السابقون(١). ﴿فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ وَحَنَّثُ نَّعِيمٍ﴾ وقراءة العامة: ((فَرَوْحٌ)) بفتح الراء (٢)، ومعناه عند ابن عباس وغيره: فراحة من الدنيا (٣). وقال الحسن: الرَّوح: الرحمة(٤). الضخَّاك: الرَّوح: الاستراحة. القُتَبيُّ(٥): المعنى: له في القبر طيب نسيم. وقال أبو العباس بن عطاء: الرَّوح بالنظر إلى وَجْهِ الله، والريحان: الاستماع لكلامه ووحیه. (وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)) هو ألا يُحجَب فيها عن الله عزَّ وجلَّ. وقرأ الحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدريُّ ورُوَيس وزيد عن يعقوب: ((فَرُوحٌ)) بضمِّ الراء، ورويت عن ابن عباس(٦). قال الحسن: الرَّوح: الرحمة؛ لأنَّها كالحياة للمرحوم. وقالت عائشة رضي الله عنها: قرأ النبيُّ﴾: ((فَرُوحٌ)) بضمِّ الراء (٧) ومعناه: فبقاء له وحياة في الجنَّة، وهذا هو الرحمة. ((وَرَيْحَانٌ)) قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي: رزق(٨). قال مقاتل: هو الرزق، بلغة حمير، يقال: خرجت أطلب ريحانَ الله، أي: رزقه؛ قال النَّمِر بن تَوْلَب: سَلَامُ الإلهِ ورَيْحَانُه ورحمتُه وسَمَاءٌ دِرَرْ(٩) (١) تفسير البغوي ٢٩١/٤ . (٢) النشر ٣٨٣/٢. (٣) النكت والعيون ٤٦٦/٥، وأخرجه عنه الطبري ٣٧٦/٢٢-٣٧٧، وابن أبي حاتم ٣٣٣٥/١٠ (١٨٨٠٩). (٤) الكشاف ٤ / ٦٠ . (٥) في غريب القرآن له ص ٤٥٢ . (٦) القراءات الشاذة ص ١٥٢، والمحتسب ٣١٠/٢، والنشر ٣٨٣/٢. (٧) الكشاف ٦٠/٤، وأخرجه أحمد (٢٤٣٥٢)، وأبو داود (٣٩٩١)، والترمذي (٢٩٣٨)، والنسائي في الكبرى (١١٥٠٢). (٨) تفسير البغوي ٢٣٣/٤، وما بعده منه أيضاً، وأخرجه عنهما الطبري ٢٢/ ٣٧٧، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٥٣. (٩) سلف ص ١٢٢ من هذا الجزء. ٢٣٢ سورة الواقعة: الآيات ٨٩ - ٩٦ وقال قتادة: إنَّه الجنَّة. الضحَّاك: الرحمة. وقيل: هو الريحان المعروف الذي يُشَمُّ. قاله الحسن وقتادة أيضاً (١). الربيع بن خَيْثم: هذا عند الموت، والجنَّة مخبوءة له إلى أن يُبعَث. أبو الجوزاء: هذا عند قَبْضٍ روحه يتلقّى بضَبَائر الرَّيحان(٢). أبو العالية: لا يُفارِق أحد رُوحه من المقرَّبين في الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان، فيشمها ثم يقبض روحه فيها(٣)، وأصل ريحان واشتقاقه تقدَّم في أوَّل سورة ((الرحمن)) فتأمَّله. وقد سرد الثعلبيُّ في الرَّوْحِ والرَّيحان أقوالاً كثيرةً سوى ما ذكرنا من أرادها وجدها هناك. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَعْحَبِ آلْيَمِينِ﴾ أي: ((إنْ كَانَ)) هذا المتوفَّى ((مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)) ﴿فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَمْحَبِ الْبَعِينِ﴾ أي: لست ترى منهم إلا ما تحبُّ من السلامة فلا تهتمّ لهم، فإنَّهم يَسْلَمون من عذاب الله. وقيل: المعنى: سلام لك منهم، أي: أنت سالم من الاغتمام لهم. والمعنى واحد. وقيل: أي: إنَّ أصحابَ اليمين يَدْعُون لك يا محمَّد بأن يصلِّ اللهُ عليك ويُسلِّم. وقيل: المعنى إنَّهم يُسلِّمون عليك يا محمَّد(٤). وقيل: معناه: سَلِمتَ أيُّها العبد مما تكره، فإنَّك من أصحاب اليمين، فحذف: إنَّكَ(٥). وقيل: إنه يُحيًّا بالسلام؛ إكراماً. فعلى هذا في محلِّ السلام ثلاثة أقاويل: أحدها : عند قَبْضٍ روحه في الدنيا يُسلِّم عليه مَلَك الموت، قاله الضحَّاك. وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٦/٤، والنكت والعيون ٤٦٧/٥، وزاد المسير ١٥٧/٨، والمحرر الوجيز .. ٢٥٤/٥، وقول الحسن أخرجه الطبري ٣٧٨/٢٢ . (٢) تفسير السمعاني ٣٦٢/٥، والضبائر: الجماعات. اللسان (ضبر). (٣) تفسير البغوي ٢٩١/٤، وأخرجه عنه الطبري ٣٧٨/٢٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٧/٤، ومعاني القرآن للزجاج ١١٨/٥، وتفسير البغوي ٢٩١/٤ ، وزاد المسیر ١٥٨/٨ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٧/٤، ومعاني القرآن للفراء ١٣١/٣. ٢٣٣ سورة الواقعة: الآيات ٩١ - ٩٦ المؤمن قال: ربُّك يقرئك السلام. وقد مضى هذا في سورة ((النحل)»(١) عند قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ نَوَُّهُمُ الْمَئِكَةُ طَيِبِينٌ﴾ [الآية: ٣٢]. الثاني: عند مساءلته في القبر یُسلِّم علیه منکر ونکیر. الثالث: عند بعثه في القيامة تُسلِّم عليه الملائكة قبل وصوله إليها(٢). قلت: وقد يحتمل أن تُسَلِّم عليه في المواطن الثلاثة، ويكون ذلك؛ إكراماً بعد إكرام. والله أعلم. وجواب ((إنْ)) عند المبرِّد محذوف، التقدير: مهما يكن من شيء (فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)) إن كان من أصحاب اليمين ((فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابٍ الْيَمِينِ)) فحذف جواب الشرط؛ لدلالة ما تقدَّم عليه، كما حذف الجواب في نحو قولك: أنت ظالم إن فعلتَ؛ لدلالة ما تقدَّم عليه. ومذهب الأخفش أنَّ الفاء جواب ((أمَّا)) و((إنْ))، ومعنى ذلك أنَّ الفاء جواب ((أمَّا)) وقد سدَّت مسدَّ جواب ((إنْ)) على التقدير المتقدِّم، والفاء جواب لهما على هذا الحدِّ. ومعنى ((أمَّا)) عند الزجَّاج: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دَعْ ما كنَّا فيه، وخذ في غيره(٣). قوله تعالى: ﴿وَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث ﴿الضَّالِينَ﴾ عن الهدى وطريق الحقِّ(٤) ﴿فَقُلٌ مِّنْ حَيْرٍ﴾ أي: فلهم رزق من حميم، كما قال: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لَآ كِلُونَ» وكما قال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْرًا مِنْ خَيرٍ﴾ [الصافات: ٦٧]. ﴿وَتَّصْلِيَّةٌ ◌َِيمٍ﴾ إدخال في النار. وقيل: إقامة في الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها، يقال: أصلاه النار وصَلَاه، أي: جعله يَضْلَاها، والمصدر ههنا أُضيف إلى المفعول، كما يقال: لفلان إعطاء مالٍ، أي: يُعطَى المال. وقرئ: ((وَتَصْلِيةٍ)) بكسر التاء، أي: ونزلٌ من تصلية جحيم. ثم أدغم أبو عمرو التاء في (١) ٣٢٠/١٢. (٢) الأقوال الثلاثة في النكت والعيون ٥/ ٤٦٧ . (٣) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧١٤/٢-٧١٥، وقول المبرِّد في المقتضب ٢٧/٢. (٤) تفسير البغوي ٢٩١/٤ . ٢٣٤ سورة الواقعة: الآيات ٩٤ - ٩٦ الجيم، وهو بعيد(١). ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَُّّ الْيَفِينِ﴾ أي: هذا الذي قصصناه مَخْضُ اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحقِّ إلى اليقين، وهما واحد؛ لاختلاف لفظهما. قال المبرِّد: هو كقولك: عين اليقين، ومحض اليقين، فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين. وعند البصريين: حقُّ الأمر اليقين، أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد. وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتاً للحقِّ، فأُضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع والمجاز، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾(٢) [يوسف: ١٠٩]. وقال قتادة في هذه الآية: إنَّ الله ليس بتارِك أحداً من الناس حتى يَقِفه على اليقين من هذا القرآن، فأمَّا المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين. ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: نَزّه الله تعالى عن السُّوء. والباء زائدة، أي: سبِّح اسم ربِّك، والاسمُ المسمَّى (٣). وقيل: ((فَسَبِّحْ)) أي: فَصَلِّ بذِكر ربِّك وأَمْرِهِ(٤). وقيل: فاذكر اسمَ ربِّك العظيم وسبِّحه. وعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِعْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال النبيُّ ﴾: ((اجعلوها في ركوعكم))، ولما نزلت: ﴿سَيِّعٍ أَسْمَ رَبِّكَ اٌلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال النبيُّ ﴾: ((اجعلوها في سجودكم)) خرَّجه أبو داود(٥)، والله أعلم. (١) القراءات الشاذة ص ١٥٢، والكشاف ٦٠/٤، والبحر المحيط ٢١٦/٨. (٢) الإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري ٤٣٦/٢-٤٣٨، وإعراب القرآن للنحاس ٣٤٨/٤. (٣) الوسيط ٢٤٣/٤. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٢ . (٥) برقم (٨٦٩)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٨٨٧)، وأحمد (١٧٤١٤)، والحاكم ٤٧٧/٢ وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. سورة الحديد مدنيّةٌ في قول الجميع، وهي تسع وعشرون آية (١) . عن العِرباض بن سارية أنَّ النبيَّ # كان يقرأ بالمسبِّحات قبل أن يرقد، ويقول: ((إنَّ فيهنَّ آيَةً أفضلُ من ألفِ آيةٍ))(٢) يعني بالمسبِّحات: ((الحديد)) و((الحشر)) و((الصف)) و((الجمعة)) و ((التغابن)). بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ ﴾ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِّ يُحِى، وَيُمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ هُوَ الْأَوَّلُّ وَاُلَّخِرُ وَهِرُ وَالْبَالِّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿سَبِّحَ لِلَِّ مَا فِىِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مَجَّد الله، ونزّهه عن السوء. وقال ابن عباس: صلَّى لِله ((مَا فِي السَّمَواتِ)) ممن خَلَق من الملائكة ((وَالْأَرْض)) من شيء فيه رُوح أو لا رُوح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجَّاج (٣) هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهورٍ آثار الصنعة لكانت مفهومةً؛ فلِمَ قال: ﴿وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وإنَّما هو تسبيح مقال. واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فلو كان هذا تسبيح دلالة، فأيُّ تخصيص لداود؟! قلت: وما ذكره هو الصحيح، وقد مضى بيانه والقول فيه في ((سبحان))(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [الآية: ٤٤]. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٣. (٢) أخرجه أبو داود (٥٠٥٧)، والترمذي (٢٩٢١)، والنسائي في الكبرى (٧٩٧٢)، وأحمد (١٧١٦٠). قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب. (٣) في معاني القرآن له ٥/ ١٢١. (٤) ١٣/ ٨٩. ٢٣٦ سورة الحديد: الآيات ٢ - ٦ قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: انفرد بذلك. والْمُلك عبارة عن المَلْك ونفوذ الأمر، فهو سبحانه الملك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن المطر والنبات وسائر الرزق . ﴿يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾ يميت الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث. وقيل: يُحيي النُّطَف وهي موات، ويُميت الأحياء. وموضع ((يُحْيِي وَيُمِيتُ)) رفع على معنى: وهو يحيي ويميت. ويجوز أن يكون نصباً بمعنى ((لَهُ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ» محيياً ومميتاً على الحال من المجرور في ((لَهُ)) والجار عاملاً فيها (١). ﴿وَهُوَ عَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: الله لا يُعجِزه شيءٍ. قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلْأَوَّلُ وَالَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِزٌ﴾ اختلف في معاني هذه الأسماء وقد بيَّنَّاها في الكتاب (الأسنى))(٢). وقد شرحها رسول الله # شرحاً يغني عن قول كلِّ قائل، فقال في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة: ((اللهمَّ أنت الأوَّل فليس قَبْلك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضٍ عنا الدَّيْن، واغننا من الفقر))(٣) عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم، والله أعلم. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ بما كان أو يكون، فلا يخفى عليه شيء. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِنَّ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَبْنَ مَا كُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿ لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يُولِجُ الَِّلَ فِ النََّارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَلِّ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِنْ﴾ (١) معاني القرآن للزجاج ١٢١/٥. (٢) ص ١٣٣، ١٥١، ٢٠٩ . (٣) مسلم (٢٧١٣): (٦١)، وهو عند أحمد (٨٩٦٠). ٢٣٧ سورة الحديد: الآيات ٤ - ٦ تقدّم في ((الأعراف))(١) مستوفّی. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: يَدخُل فيها من مطر وغيره ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من نبات وغيره ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ من رِزْق ومطر ومَلَك ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد(٢) ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يعني: بقدرته وسلطانه وعِلْمِه(٣) ﴿أَيْنَ مَا كُنُمَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يبصر أعمالكم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها. وقد جمع في هذه الآية بين ((اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) وبين ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) والأخذ بالظاهرين تناقض، فدلَّ على أنَّه لا بُدَّ من التأويل، والإعراضُ عن التأويل اعتراف بالتناقض. وقد قال الإمام أبو المعالي: إنَّ محمَّداً # ليلة الإسراء لم يكن بأقربَ إلى الله عزَّ وجلَّ من يونس بن متى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدَّم(٤). قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ هذا التكرير؛ للتأكيد، أي: هو المعبود على الحقيقة ﴿وَإِلَى الَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: أمور الخلائق في الآخرة. وقرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو خَيْوة وابن مُحَيصن وحميد والأعمش وحمزة والكسائي وخَلَف: ((تَرْجِع))(٥) بفتح التاء وكسر الجيم، الباقون: (تُرْجَعُ)). قوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ﴾ تقدَّم في ((آل عمران))(٦). ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: لا تخفى عليه الضمائر(٧)، ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن يُعبد من سواه. (١) ٩/ ٢٣٧ . (٢) معاني القرآن للزجاج ١٢٢/٥ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٧٠ . (٤) ١٨ / ٩٦ . (٥) النشر ٢٠٨/٢ - ٢٠٩. (٦) ٥/ ٨٥ - ٨٦ . (٧) تفسير الطبري ٣٨٨/٢٢. ٢٣٨ سورة الحديد: الآيات ٧ - ٩ قوله تعالى: ﴿َامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيَةٍ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَنَفَقُواْ لَهُمْ أَبْرٌ كَبِيرٌ ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِثُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَّكُمْ إِن كُ مُؤْمِنَ ﴿ هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ يَِّنَتٍ لَيُخْرِصَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ قوله تعالى: ﴿مَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾ أي: صدِّقوا أنَّ اللـه واحد، وأنَّ محمداً رسوله(١) ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾ تصدَّقوا. وقيل: أنفقوا في سبيل الله. وقيل: المراد الزكاة المفروضة. وقيل: المراد غيرها من وجوه الطاعات وما يقرب منه (٢) ﴿مِمَّا جَمَلَكُمْ ◌ُسْتَتْلَفِينَ فِيهِ﴾ دليل على أنَّ أصل الملك لله سبحانه، وأنَّ العبد ليس له فيه إلا التصرُّف الذي يُرضِي الله، فيثيبه على ذلك بالجنَّة، فمن أَنفق منها في حقوق الله وهانَ عليه الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أَذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأَجْر العظيم(٣). وقال الحسن: ((مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)) بوراثتكم إِيَّاه عمَّن كان قبلكم(٤). وهذا يدلُّ على أنَّها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النُّوَّاب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحقِّ قبل أن تُزال عنكم إلى من بعدكم(٥). ﴿قَالَّذِينَءَامَنُوا﴾ وعملوا الصالحات ﴿مِنْكُرُ وَأَنفَقُواْ﴾ في سبيل الله ﴿لَمْ أَبْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ استفهام يُراد به التوبيخ. أي: أيُّ عُذْرٍ لكم في ألَّ تؤمنوا وقد أُزيحت العلل؟! ﴿وَالرَّسُولُ بَدْعُوكُمْ﴾ بَيَّن بهذا أنَّه لا حكم قبل ورود الشرائع. وقرأ أبو عمرو: ((وقد أُخِذَ ميثاقُكُم)) على غير مسمَّى الفاعل(٦). والباقون على (١) معاني القرآن للزجاج ١٢٢/٥. (٢) النكت والعيون ٥/ ٤٧١ . (٣) الكشاف ٤/ ٦١ بنحوه . (٤) النكت والعيون ٥/ ٤٧١ . (٥) الكشاف ٤/ ٦١ . (٦) السبعة ص ٦٢٥، والتيسير ص ٢٠٨ . ٢٣٩ سورة الحديد: الآيات ٨ - ١٠ مسمَّى الفاعل؛ أي: أخذ الله ميثاقكم. قال مجاهد: هو الميثاق الأوَّل الذي كان وهم في ظهر آدم بأنَّ الله ربّكم لا إله لكم سواه(١). وقيل: أخذ ميثاقكم بأن رگّب فيكم العقول، وأقام عليكم الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول ﴾(٢). ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذ كنتم. وقيل: أي: إن كنتم مؤمنين بالحُجَج والدلائل(٣). وقيل: أي: إن كنتم مؤمنين بحقِّ يوماً من الأيام؛ فالآن أَحرى الأوقات أن تؤمنوا؛ لقيام الحُجَج والأعلام ببعثة محمَّد ﴿، فقد صحَّت براهينه(٤). وقيل: إن كنتم مؤمنين بالله خالقكم. وكانوا يعترفون بهذا. وقيل: هو خطاب لقوم آمنوا، وأخذ النبيُّ# ميثاقَهم، فارتدُّوا. وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: إن كنتم تقرُّون بشرائط الإيمان. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ يريد القرآن(٥). وقيل: المعجزات؛ أي: لزمكم الإيمان بمحمَّد ﴾؛ لما معه من المعجزات، والقرآنُ أكبرها وأعظمها. ﴿لِيُخْرِعَكُ﴾ أي: بالقرآن. وقيل: بالرسول. وقيل: بالدعوة. ﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ﴾ وهو الشرك والكفر ﴿إِلَى النُّورِّ﴾ وهو الإيمان(٦). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُ لَرَءُوفٌ تَّحِـ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُنْ أَلَّا نُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيْرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فیه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُنْ أَلَّا نُنفِقُواْ فِي سَبيلِ الَّهِ﴾ أي : أيُّ شيء یمنعكم من (١) تفسير مجاهد ٦٥٦/٢، وأخرجه عنه الطبري ٣٩٠/٢٢. (٢) تفسير البغوي ٢٩٤/٤ . (٣) زاد المسير ١٦٣/٨. (٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٣٩٠ . (٥) الوسيط ٤/ ٢٤٥ . (٦) تفسير البغوي ٢٩٤/٤ . ٢٤٠ سورة الحديد: الآية ١٠ الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقرِّبكم من ربّكم، وأنتم تموتون وتخلِّفون أموالكم، وهي صائرة إلى الله تعالى(١). فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق. ﴿وَلَّهِ مِيَرَّتُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: إنَّهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحقِّ له(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ﴾ أكثر المفسِّرين على أنَّ المراد بالفتح فتح مكة. وقال الشعبيُّ والزهريُّ: فتح الحُدَيْبية(٣). قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضلُ من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضلُ من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكّة أفضلَ من القتال والنفقة بعد ذلك(٤). وفي الكلام حذف، أي: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف؛ لدلالة الكلام عليه(٥). وإنَّما كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأنَّ حاجة الناس كانت أكثر؛ لضعف الإسلام، وفِعْلُ ذلك كان على المنفقين حينئذٍ أشقّ، والأَجْر على قدر النَّصَب(٦)، والله أعلم. الثالثة: روى أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يُقدَّم أهل الفَضْل والعزم، وقد قال الله تعالى: ((لا يَسْتَوي مِنْكُم من أَنْفَقَ من قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ)). وقال الكلبيُّ: نزلت في أبي بكر ؛ ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر ﴾ وتقديمه؛ لأنَّه أوَّل من أَسلم. وعن ابن مسعود: أوَّل من أظهر الإسلام بسيفه النبيُّ ﴾ وأبو بكر؛ ولأنَّه أوَّل من أنفق على نبيِّ الله#. وعن ابن عمر قال: كنت عند النبيِّ ﴾ وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خَلَّلَها في صدره بِخِلال، فنزل جبريل فقال: يا نبيَّ الله! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٤ . (٢) النكت والعيون ٤٧١/٥ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٤ . (٤) النكت والعيون ٤٧١/٥، وأخرجه عنه الطبري ٣٩٣/٢٢. (٥) الكشاف ٤/ ٦٢ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٩/٤، وما بعده منه أيضاً.