Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الرحمن: الآيات ٣٥ - ٣٦ بِقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ(١) هَجَوْتكَ فَاخْتَضَعْتَ لها بِذُلِّ وقال رُؤبة : إنَّ لهم من وقُعِنَا أَقْيَاظَا ونارَ حربٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا(٢) وقال مجاهد: الشّواظ: اللهب الأخضر المنقطع من النار (٣). الضحَّاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب(٤). وقاله سعيد بن جبير(٥). وقدقيل: إنَّ الشواظَ النارُ والدخانُ جميعاً، قاله أبو عمرو، وحكاه الأخفش عن بعض العرب(٦). وقرأ ابن كثير: ((شِواظ)) بكسر الشين. الباقون بالضمِّ(٧)، وهما لغتان، مثل صُوَار وصٍوار لقطيع البقر (٨). ﴿وَتُمَاسُ﴾ قراءة العامَّة: ((ونُحَاسٌ)) بالرفع عطف على ((شُوَاظ)). وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وأبو عمرو: ((ونُحَاسِ)) بالخفض(٩) عطفاً على النار. قال المهدويُّ: (١) دیوان حسان ص١٤٢، وروايته فیه هكذا: مُجلِّلةً تُعمِّمه شناراً مضرَّمة تأجَّج كالشواظ وجاءت روايته في النكت والعیون ٤٣٥/٥ هكذا: همزتك فاختضغت بذل نفس بقافية تأجج كالشواظ (٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٤/٢، وتفسير الطبري ٢٢١/٢٢ - ٢٢٢، والصحاح (شوظ)، ولم نقف عليه في ديوان رؤبة، وذكره ابن دريد في جمهرة اللغة ١٢٣/٣ ونسبه للعجاج، ولم تقف عليه في ديوانه أيضاً. (٣) تفسير البغوي ٢٧١/٤، وتفسير مجاهد ٢/ ٦٤٢، وأخرجه عنه الطبري ٢٢٣/٢٢. (٤) أخرجه عنه الطبري ٢٢٣/٢٢ . (٥) النكت والعيون ٤٣٥/٥ . (٦) الوسيط ٢٢٣/٤، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٧٠٦/٢ . (٧) السبعة ص ٦٢١ ، والتيسير ص٢٠٦ . (٨) معاني القرآن للفراء ١١٧/٣ . (٩) قراءة ابن كثير وأبي عمرو في السبعة ص٦٢١، والتيسير ص٢٠٦ ، وقراءة مجاهد في إعراب القرآن للنحاس ٣١١/٤ . ١٤٢ سورة الرحمن: الآيتان ٣٥ - ٣٦ من قال: إنَّ الشّواظ النارُ والدخانُ جميعاً، فالجرُّ في ((نُحَاس)) على هذا بيِّن. فأمَّا الجرُّ على قول من جعل الشواظ اللهبَ الذي لا دخان فيه، فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنَّه قال: ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظُ مِنْ نَارٍ)) وشيءٌ من نحاس، فشيء معطوف على شواظ، و((من نحاس)) جملة هي صفة لشيء، وحذف شيء، وحذفت ((مِن))؛ لتقدُّم ذكرها في ((مِنْ نَارٍ))(١) كما حذفت ((على)) من قولهم: على من تنزل، أنزل عليه. فيكون ((نُحَاس)) على هذا مجروراً بـ ((من)) المحذوفة. وعن مجاهد وحُميد وعكرمة وأبي العالية: ((ونحاسٍ)) بكسر النون(٢)، لغتان كالشِّواظ والشُّواظ. والنِّحاس - بالكسر أيضاً -: الطبيعةُ والأصلُ، يقال: فلان كريم النِّحاس. والنُّحاس - أيضاً بالضمِّ - أي: كريم النُّجار(٣). وعن مسلم بن جُنْدَب: ((ونَحْسٌ)) بالرفع(٤). وعن حنظلة بن مرَّة بن النعمان الأنصاري: ((ونَحْسٍ)) بالجرِّ(٥) عطف على نار. ويجوز أن يكون ((ونحاسٍ)) بالكسر، جمع نَحْسٍ، كصَعْب وصِعاب، ((ونَحْسٌ)) بالرفع عطف على ((شواظ))، وعن الحسن: ((ونُحُسٍ)) بالضمِّ فيهنَّ(٦) جمع نَحْس. ويجوز أن يكون أصله: ونُحُوس، فقصر بحذف واوه؛ حسب ما تقدّم عند قوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة: ((وَنَحُسُ)) بفتح النون وضمِّ الحاء وتشديد السين(٧)، من حَسَّ يَحُسُّ حَسًا: إذا استأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمعنى: ونقتل بالعذاب. (١) حجة القراءات للفارسي ٢٥٠/٦ - ٢٥١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٧٠٦/٢ . (٢) القراءات الشاذة ص١٤٩ عن مجاهد والكلبي مع إمالة الحاء، وإعراب القرآن للنحاس ٣١١/٤، والمحرر الوجيز ٢٣١/٥ عن مجاهد، وينظر البحر المحيط ١٩٥/٨. (٣) الصحاح (نحس). (٤) القراءات الشاذة ص١٤٩، وإعراب القرآن للنحاس ٣١١/٤. (٥) القراءات الشاذة ص١٤٩ وسمَّاه حنظلة بن يعمر، ولم نعرفه. (٦) في (م): فيهما، والمثبت من النسخ الخطية، والقراءة في البحر المحيط ١٩٥/٨. (٧) القراءات الشاذة ص ١٤٩، والمحتسب ٣٠٤/٢، وما بعده منه. ١٤٣ سورة الرحمن: الآيات ٣٥ - ٤٠ وعلى القراءة الأولى: ((ونُحَاسٌ)) فهو الصُّفْرِ المذابِ يُصَبُّ على رؤوسهم، قاله مجاهد وقتادة، وروي عن ابن عباس(١). وعن ابن عباس أيضاً وسعيد بن جُبير أنَّ النحاس: الدخان الذي لا لهبَ فيه(٢)، وهو معنى قول الخليل(٣)، وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى، قال نابغة بني جَعْدة: يُضِيءُ كضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِي طِ لم يَجْعَلِ اللهُ فيه نُحَاسَا(٤) قال الأصمعيُّ: سمعتُ أعرابياً يقول: السَّليط: دهن السّمسم بالشام ولا دخانَ فیه. وقال مقاتل: هي خمسة أنهار من صُفْر مُذَاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار. وقال ابن مسعود: النُّحَاس: المُهْل(٥). وقال الضحَّاك: هو دُرْديُّ الزيت المغليّ. وقال الكسائيُّ: هو النار التي لها ريح شديدة. ﴿فَلَا تَنَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجنّ والإنس(٦). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَلَدِّهَانِ فَبِأَِ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا ٣٧ مُكَذِّبَانِ ٣٨ فَيُؤَمَِّذٍ لَّا يُكَلُ عَنَ ذَلِهِ، إِنسُِّ وَلَا جَانٌ (٢٦) فَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا ٤٥ تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنشَقَتِ السَّمَآءُ﴾ أي: انصدعت يوم القيامة ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٢، وأخرجه عنهم الطبري ٢٢٥/٢٢ . (٢) زاد المسير ١١٦/٨، وأخرجه عنهما الطبري ٢٢٤/٢٢ . (٣) في العين ٢٧٨/٦ . (٤) ديوان النابغة الجعدي ص٨١، والسليط: الزيت، عند عامة العرب، وهو دهن السمسم عند أهل اليمن. اللسان (سلط). (٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٢ . (٦) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٤/٢ عن قتادة. ١٤٤ سورة الرحمن: الآيات ٣٧ - ٤٠ كالدِّهَانٍ﴾ الدِّهَانُ: الدُّهْن، عن مجاهد والضحَّاك وغيرهما(١). والمعنى أنَّها صارت في صفاء الدهن، والدهان على هذا جمع دُهْن(٢). وقال سعيد بن جُبير وقتادة: المعنى: فكانت حمراء(٣). وقيل: المعنى: تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي: تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنّم، وتصير مثل الدُّهن؛ لرقَّتها وذوبانها. وقيل: الدّهان: الجلد الأحمر الصِّرف، ذكره أبو عبيد والفرَّاء(٤). أي: تصير السماء حمراء كالأديم؛ لشدة حَرِّ النار. ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الوَرْد(٥). يقال للكُمَیت: وَرْدٌ؛ إذا كان يتلوَّن بألوان مختلفة(٦). قال ابن عباس: الفرس الوَرْد؛ في الربيع كميت أصفر، وفي أوَّلِ الشتاء كُمَيت أحمر، فإذا اشتدَّ الشتاء كان كُمَيتاً أغبر. وقال الفرَّاء(٧): أراد الفرس الوَرْديَّة، تكون في الربيع وَرْدَةً إلى الصفرة، فإذا اشتدَّ البرد كانت وَرْدَةً حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وَرْدةً إلى الغُبرة، فشبَّه تلوُّن السماء بتلوُّن الْوَرْد من الخيل. وقال الحسن: ((كَالدِّهَانٍ» أي: كصبِّ الدُّهْن، فإنَّك إذا صبيته ترى فيه ألواناً. وقال زيد بن أسلم: المعنى أنَّها تصير كعَكّر الزيت، وقيل: المعنى أنَّها تمرُّ وتجيء. قال الزجَّاج: أصل الواو والراء والدال [للمجيء والإتيان. وهذا قريب مما قدَّمناه من أنَّ الفرس الوَرْدة تتغيَّر ألوانها. وقال قتادة]: إنَّها اليوم خضراء، وسيكون لها لون (١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٢/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٢٢٨/٢٢ - ٢٢٩، وقول مجاهد في تفسيره ٦٤٢/٢. (٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٣٩ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١٢/٤ عن قتادة، وأخرجه عنه الطبري ٢٢٨/٢٢. (٤) في معاني القرآن له ١١٧/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢٣١/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٢٧/٢٢ . (٦) معاني القرآن للزجاج ١٠١/٥. (٧) في معاني القرآن له ١١٧/٣ . ١٤٥ سورة الرحمن: الآيات ٣٧ - ٤٠ أحمر، حكاه الثعلبيُّ(١). وقال الماورديُّ (٢): وزعم المتقدمون أنَّ أصل لون السماء الحمرة، وأنَّها لكثرة الحوائل وبُعد المسافة تُرى بهذا اللون الأزرق، وشبَّهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة الدم، وتُرى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً فإنَّ السماء لقُربها من النواظر يوم القيامة وارتفاع الحواجز تُرى حمراء؛ لأنَّه أصل لونها. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَمَِّذٍ لَّا يُكَلُ عَن ذَلِهِ، إِسُْ وَلَا جَآَنٌّ﴾ هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْثَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] وأنَّ القيامة مواطن؛ لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض، وهذا قول عكرمة(٣). وقيل: المعنى: لا يسألون إذا استقرُّوا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأنَّ الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة. رواه العوفيُّ عن ابن عباس(٤). وعن الحسن ومجاهد أيضاً: المعنى: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنَّهم يعرفونهم بسيماهم، دليله ما بعده. وقاله مجاهد عن ابن عباس(٥). وعنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَتَشَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقوله: ((فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: ٣٩] وقال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم؛ لأنَّه أعلم بذلك منهم، ولكنَّه يسألهم لم عملتموها، سؤالَ توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن (١) والواحدي في الوسيط ٢٢٣/٤، وأخرجه الطبري ٢٢٨/٢٢ عن قتادة، وما بين حاصرتين ليست في (د). (٢) في النكت والعيون ٤٣٦/٥ . (٣) المحرر الوجيز ٢٣٢/٥، وتفسير البغوي ٢٧٢/٤ . (٤) تفسير البغوي ٢٧٢/٤، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٥/٢ عن الحسن، والطبري ٢٣٠/٢٢ عن قتادة. (٥) تفسير البغوي ٢٧٢/٤، والمحرر الوجيز ٢٣٢/٥، وأخرجه الطبري ٢٣٠/٢٢ عن مجاهد، وهو في تفسيره ٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣ بنحوه. ١٤٦ سورة الرحمن: الآيات ٣٩ - ٤٥ ذنب المجرم(١). وقال قتادة: كانت المسألة قَبْلُ، ثم ختم على أفواه القوم وتكلّمت الجوارح شاهدة عليهم(٢). وفي حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﴾ وفيه قال: ((فَيَلْقَى العبدَ فيقول: أي قُلْ، ألم أُكْرِمْك وأُسوِّدْك وأُزَوِّجْك وَأُسخِّرْ لك الخيل والإبلَ، وأَذرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى. فيقول: أفظننتَ أنَّك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: إنِّي أنساكَ كما نسيتني. ثم يَلقى الثاني فيقول له مثل ذلك بعينه، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربِّ آمنتُ بكَ وبكتابِكَ وبرسولِكَ، وصلَّيتُ وصمتُ وتصدَّقت، ويُثْني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: هاهنا إذاً. ثُمَّ يقال له: الآن نبعثُ شاهدَنا عليك فيفتكر في نفسه مَن هذا الذي يشهد عليَّ، فيُختَم على فِيْهِ، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انْطِقي، فتنطقُ فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يَسخطُ اللهُ عليه)) وقد مضى هذا الحديث في ((حم السجدة)) وغيرها(٣). قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَسِى وَالْأَقْدَاِ ﴾ فَأَتِّ ءَالَاِ رَيَّكُمَا هَذِهِهِ جَهَنَّمُ الَِّ يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ◌َانٍ ٤٣ ◌ُكَذِبَانِ 33. فَأَِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥ قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين(٤)، قال الله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٢ . (٢) النكت والعيون ٤٣٦/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٣٠/٢٢ . (٣) أخرجه مسلم (٢٩٦٨)، وسلف ٤٧٥/١٧ و٤٠٦/١٨، ومعنى: فُلْ: يا فلان، وليس ترخيماً له ... وقال قوم: إنه ترخيم فلان. وترأس: أي صرتَ رئيس القوم ومقدَّمهم. وتربع: تأخذ ربع الغنيمة. النهاية (فلل) و(رأس) و(ربع). (٤) المحرر الوجيز ٢٣٢/٥، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٥/٢، والطبري ٢٣١/٢٢. ١٤٧ سورة الرحمن: الآيات ٤١ - ٤٥ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَسِى وَالْأَقْدَاِ﴾ أي: تأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدَّم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار(١). والنواصي جمع ناصية. وقال الضحَّاك: يجمع بين ناصيته وقدمَيْه في سلسلة من وراء ظهره(٢). وعنه: يؤخذ برِجْلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندقَّ ظهره، ثم يُلقى في النار(٣). وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشدَّ لعذابه وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، تارةً تأخذ بناصيته وتجرُّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه(٤). قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ اٌلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِيُّونَ﴾ أي: يقال لهم: هذه النار التي أُخبِرتُم بها فكذبتم(٥). ﴿يَطُوفُونَ بَيِنَهَا وَبَيِّنَ حِيمٍ ءَانٍ﴾ قال قتادة: يطوفون مرَّةً بين الحميم، ومرَّةً بين الجحيم، والجحيم: النار. والحميم: الشراب(٦). وفي قوله تعالى: ((آنٍ)»: ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الذي انتهى حَرُّه وحميمه. قاله ابن عباس وسعيد بن جُبير والسُّدِّئُّ(٧)، ومنه قول النابغة الذُّنْياني: وتُخْضَب لِحْيَةٌ غَدَرتْ وخَانتْ بأحمرَ من نجيعِ الجوفِ آنٍ (٨) قال قتادة: ((آنٍ)»: طبخ منذ خلقَ الله السماوات والأرض(٩). يقول: إذا استغاثوا (١) تفسير الطبري ٢٣١/٢٢، وتفسير أبي الليث ٣٠٩/٣. (٢) الكشاف ٤٨/٤، وأخرجه عنه هناد في الزهد (٢٦٨). (٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ وعزاه إلى ابن المنذر. (٤) الكشاف ٤٨/٤، والمحرر الوجيز ٢٣٢/٥ بنحوه. (٥) الوسيط ٢٢٤/٤. (٦) النكت والعيون ٤٣٧/٥. (٧) النكت والعيون ٥/ ٤٣٧، وما بعده منه أيضاً، وأخرجه الطبري ٢٣٣/٢٢ عن ابن عباس وسعيد ابن جبير. (٨) ديوان النابغة ص ١٢٠، ونجيع الجوف: الدم. اللسان (نجع). (٩) أخرجه عنه الطبري ٢٣٤/٢٢ . ١٤٨ سورة الرحمن: الآيات ٤٣ - ٤٧ من النار، جعل غيائهم ذلك. وقال كعب: ((آن)): وادٍ من أودية جهنّم يجتمع فيه صديد أهل النار، فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلعَ أوصالهم، ثم يخرجون منها وقد أحدث الله لهم خَلْقاً جديداً فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: ((يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم آنٍ))(١). وعن كعب أيضاً: أنَّه الحاضر. وقال مجاهد: إنَّه الذي قد آنَ شربه وبلغ غايته(٢) . والنعمة فيما وصف من هول القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات. وروي عن النبيِّ # أنَّه أتى على شاب في الليل يقرأ: ((فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانٍ))، فوقف الشاب وخنقته العَبْرة وجعل يقول: وَيْحِي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي! فقال النبيُّ ﴾: ((وَيْحَك يا فتى مثلها، فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء لبكائك))(٣). ٤٧ فَأَتِ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ جََّانِ ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانٍ﴾ فيه مسألتان: الأولى: لما ذكر أحوال أهل النار ذكر ما أعدَّ للأبرار. والمعنى: خاف مقامه بين يدي ربِّه للحساب، فتَركَ المعصية. فـ ((مَقَامَ)) مصدر بمعنى القيام. وقيل: خاف قيام ربِّه عليه، أي: إشرافه واطلاعه عليه، بيانه قوله تعالى: ﴿أَفَّنْ هُوَ قَآَبِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وقال مجاهد وإبراهيم النخعيُّ: هو الرجل يَهُمُّ بالمعصية فيذكر اللهَ، فيدعها من خوفه(٤). الثانية: هذه الآية دليل على أنَّ من قال لزوجه: إن لم أَكن من أهل الجنَّة، فأنتِ (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٣ . (٢) النكت والعيون ٤٣٧/٥، وأخرجه الطبري ٢٣٣/٢٢ عن مجاهد، وهو في تفسيره ٢/ ٦٤٣ (٣) لم نقف عليه. (٤) تفسير البغوي ٢٧٣/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٢٣٥/٢٢ - ٢٣٦، وقول مجاهد أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠، وهناد في الزهد (٨٩٩). ١٤٩ سورة الرحمن: الآيتان ٤٦ - ٤٧ طالق. أنَّه لا يحنث إن كان هَمَّ بالمعصية وتركها خوفاً من الله وحياءً منه. وقاله سفيان الثوريُّ وأفتی به(١). وقال محمد بن عليٍّ الترمذيُّ: جنةٌ لخوفه من ربِّه، وجنةٌ لتركه شهوته(٢). وقال ابن عباس: من خاف مقام ربِّه بعد أداء الفرائض(٣). وقيل: المقام: الموضع، أي: خاف مقامه بين يدي ربِّه للحساب، كما تقدَّم(٤). ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى اللـه (٥)، وهو كالأجل في قوله: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] وقوله في موضع آخر: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ [نوح: ٤]. ﴿جَنَّتَانِ﴾ أي: لمن خاف جنَّتان على حِدَة، فلكلِّ خائف جنَّتان. وقيل: جنَّتان لجميع الخائفين(٦). والأوَّل أظهر. وروي عن ابن عباس عن النبيِّ ﴾ أنَّه قال: ((الجنَّتان بستانان في عرض الجنَّة، كلُّ بستان مسيرة مئة عام، في وسط كلِّ بستان دار من نور، وليس منها شيء إلا يهتز نغمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها ثابت)) ذكره المهدويُّ والثعلبيُّ أيضاً من حديث أبي هريرة(٧). وقيل: إنَّ الجنَّتين جنَّته التي خلقت له وجنَّ ورثها. وقيل: إحدى الجنّتين منزله، والأُخرى منزل أَزواجه، كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إنَّ إحدى الجنَّتين مسكنه، والأُخرى بستانه. وقيل: إنَّ إحدى الجثّتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنَّة عدن، وجنَّة النعيم(٨). (١) هذه اليمين ذُكرت عن هارون الرشيد، وأنَّ الليث بن سعد هو الذي أفتاه فيها كذلك، وقد أخرج القصة أبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤ ، ولم نقف على فتيا سفيان الثوري في المسألة. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٣ . (٣) النكت والعيون ٤٣٧/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٣٥/٢٢ . (٤) الوسيط ٢٢٥/٤ . (٥) تفسير الرازي ١٢٢/٢٩ . (٦) المحرر الوجيز ٢٣٣/٥. (٧) وأورده السيوطي في الدر المنثور ١٤٧/٦ وعزاه لابن مردويه عن عياض بن تميم. (٨) النكت والعيون ٤٣٨/٥، والوسيط ٢٢٥/٤ . ١٥٠ سورة الرحمن: الآيات ٤٦ - ٥١ وقال الفرَّاء: إنَّما هي جنَّة واحدة، فثنى؛ لرؤوس الآي. وأنكر القتبيُّ هذا وقال: لا يجوز أن يقال: خزنة النار عشرون، وإنَّما قال: تسعة عشر؛ لمراعاة رؤوس الآي. وأيضاً قال: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ))(١). وقال أبو جعفر النَّاس: قال الفرَّاء(٢): وقد تكون جنَّة فَتُثَنَّى في الشعر. وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله عزَّ وجلَّ، يقول الله عزَّ وجلَّ: ((جَتَّتَانِ)) ويصفهما بقوله: ((فِيهِمَا)» فيَدَعُ الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنَّة ويحتجُّ بالشعر! وقيل: إنَّما كانتا اثنتين؛ ليضاعف له السرور بالتنقُّل من جهة إلى جهة. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق ﴾ خَاصَّةً حين ذكر ذاتَ يومِ الجنَّة حين أُزْلِفَت، والنار حين بُرِّزَت، قاله عطاء وابن شَؤْذَب. وقال الضخَّاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأً فأَعجبه، فسأل عنه، فأُخبِرَ أنَّه من غير حِلِّ، فاستقاءَه ورسولُ الله * ينظر إليه، فقال: ((رحمك الله لقد أنزلت فيك آية)) وتلا عليه هذه الآية(٣). فَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا ؤُكَذِبَانِ (٨ فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِیَانِ قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَّاً أَقْنَانٍ (@) ٥١٠ فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَآ أَقَْذٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: أي: ذواتا ألوان من الفاكهة، الواحد: فَرٍّ(٤). وقال مجاهد: الأفنان: الأغصان، واحدها فَرُّ(٥). قال النابغة (٦): بكاءَ حمامةٍ تَدْعو هَدِيلاً مُفَجَّعَةٍ على فَنَنٍ تُغنِّي (١) تفسير أبي الليث ٣١٠/٣، وكلام القتبي في غريب القرآن له ص ٤٤٠ - ٤٤١. (٢) في معاني القرآن له ١١٨/٣ . (٣) النكت والعيون ٤٣٧/٥ . (٤) النكت والعيون ٤٣٨/٥ عن ابن عباس والضحاك، والوسيط ٢٢٦/٤ عن الضحاك وسعيد بن جبير، وأخرجه عنهم الطبري ٢٣٩/٢٢ - ٢٤٠ . (٥) تفسير البغوي ٢٧٤/٤، وأخرجه عنه الطبري ٢٤١/٢٢ . (٦) في ديوانه ص١٢٢ . ١٥١ سورة الرحمن: الآيات ٤٨ - ٥١ وقال آخر يصف طائرين : يُرَدِّدانِ لُحوناً ذاتَ أَلْوَانٍ (١) باتا على غُصْنٍ بَانٍ في ذُرَى فَنَنِ أراد باللحون: اللغات. وقال آخر : تَدْعو على فَنَنِ الغُصونِ حَماماً ما هاجَ شَوْقَك مِن هَدِيلٍ حمامةٍ ذا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقورِ قَطَامًا(٢) تدعو أبا فَرْخَيْن صادف ضارِياً والفنن جمعه: أفنان، ثم الأفانین، وقال يصف رحّی : لها زِمامٌ مِن أفانِينِ الشَّجَرْ وشجرة فَنَّاء، أي: ذات أفنان، وفنواء أيضاً على غير قياس(٣). وفي الحديث: ((إنَّ أهل الجنَّة مُرْدٌ مكخَّلون أولو أفانين)) يريد: أولو فَنَن، وهو جمع أفنان، وأفنان جمع فننٍ [وهو الخُصْلة] من الشعر شُبِّه بالغصن(٤). ذكره الهرويُّ. وقيل: ((ذَوَاتَا أَقْنَانٍ)) أي: ذواتا سعة وفَضْل على ما سواهما، قاله قتادة(٥). وعن مجاهد أيضاً وعكرمة: إنَّ الأفنان: ظلُّ الأغصان على الحيطان(٦). قوله تعالى: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانٍ﴾ أي: في كلِّ واحدة منهما عين جارية(٧). قال ابن عباس: تجريان ماءً بالزيادة والكرامة من الله تعالى على أهل الجنَّةَ(٨). وعن (١) أمالي القالي ٦/١، ولم ينسبه. (٢) سلف ١/ ٤٥ . (٣) الصحاح (فنن)، والبيت ذكره أيضاً ابن منظور في اللسان، ولم ينسبه. (٤) تهذيب اللغة ٤٦٦/١٥، وما بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه الترمذي (٢٥٣٩) عن أبي هريرة و(٢٥٤٥) عن معاذ بن جبل بنحوه، وقال بعدهما: هذا حديث حسن غريب. (٥) تفسير البغوي ٢٧٤/٤، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٥/٢، والطبري ٢٤١/٢٢. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٤ . (٧) تفسير الطبري ٢٢/ ٢٤٢، وتفسير الرازي ١٢٤/٢٩. (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٤ . ١٥٢ سورة الرحمن: الآيات ٥٠ - ٥٥ ابن عباس أيضاً والحسن: تجريان بالماء الزّلال، إحدى العينين التسنيم، والأخرى السلسبيل(١). وعنه أيضاً: عينان مثل الدنيا أضعافاً مضاعفةً، حصباؤهما الياقوت الأحمر والزَّبَرْجَد الأخضر، وترابهما الكافور، وحَمْأَتهما المسك الأذفر، وحافتاهما الزعفران. وقال عطيَّة: إحداهما من ماء غيرٍ آسنٍ، والأُخرى من خمر لذَّة للشاربين(٢). وقيل: تجريان من جبل مِسْكٍ(٣). وقال أبو بكر الورّاق: فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عزَّ وجلَّ (٤). مُتَّكِمِينَ ٥٣ فَأَيِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَلَكِهَوْ زَوْجَانِ فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ عَلَى فُرُتِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍّ وَحَى الْجَنَّيْنِ دَانٍ ( قوله تعالى: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانٍ﴾ أي: صنفان، وكلاهما حلوٌ يستلذُّ به. قال ابن عباس: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مُرَّة إلا وهي في الجنَّة حتى الحنظل إلا أنَّه حُلْوٌ (٥). وقيل: ضربان رطب ويابس، لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل والطّيب(٦). وقيل: أراد تفضيل هاتين الجنَّتين على الجنَّتين اللتين دونهما، فإنَّه ذكر هاهنا عينين جاريتين، وذكر ثَمَّ عينين تَنْضخان بالماء، والنَّضخ دون الجري، فكأنَّه قال: في تَيْنك الجنَّتين من كلِّ فاكهة نوع، وفي هذه الجنَّة من كلِّ فاكهة نوعان(٧). قوله تعالى: ﴿مُتَكِينَ عَلَى فُرُشٍ﴾ هو نصب على الحال(٨). والفُرُش: جمع (١) زاد المسير ٨/ ١٢٠ عن ابن عباس، والوسيط ٢٢٦/٤ عن الحسن. (٢) زاد المسير ١٢٠/٨، والأذفر: الطَّيِّب الريح. اللسان (ذفر). (٣) الكشاف ٤٩/٤ . (٤) زاد المسير ١٢٠/٨. (٥) تفسير البغوي ٢٧٤/٤ . (٦) زاد المسير ٨/ ١٢٠. (٧) تفسير الرازي ١٢٥/٢٩، ١٣٣ بنحوه. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/٤ . ١٥٣ سورة الرحمن: الآيتان ٥٤ - ٥٥ فراش(١). وقرأ أبو حَيْوة: ((فُرْشٍ)) بإسكان الراء (٢). ﴿بَطَآَيْنُهَا﴾ جمع بطانة، وهي التي تحت الظّهارة(٣). والإستبرق: ما غلظ من الديباج وخشن(٤)، أي: إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا، فما ظنُّك بالظهارة، قاله ابن مسعود وأبو هريرة (٥). وقيل لسعيد بن جُبير: البطائن من إستبرق، فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّنِ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ (٦) [السجدة: ١٧]. وقال ابن عباس: إنَّما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأمَّا الظواهر فلا يعلمها إلا الله(٧). وفي الخبر عن النبيِّ # أنَّه قال: ((ظواهرها نور يتلألأ))(٨). وعن الحسن: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد (٩). وعن الحسن أيضاً: البطائن هي الظواهر(١٠)، وهو قول الفرَّاء، وروي عن قتادة(١١). والعرب تقول للظهر بطناً فيقولون: هذا بطن السماء وظهر الأرض، وقال الفراء: قد تكون البطانة الظهارة، والظهارة البطانة؛ لأنَّ كل واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول(١٢): هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء، لظاهرها الذي نراه. وأنكر ابن قتيبة(١٣) وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلا (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٤ . (٢) المحرر الوجيز ٢٣٣/٥، والبحر المحيط ١٩٧/٨. (٣) زاد المسير ١٢١/٨. (٤) تفسير الطبري ٢٤٢/٢٢ . (٥) الوسيط ٢٢٦/٤، وتفسير البغوي ٢٧٤/٤، وأخرجه الطبري ٢٤٣/٢٢ عن ابن مسعود ﴾. (٦) تفسير أبي الليث ٣١٠/٣، والوسيط ٢٢٦/٤. (٧) النكت والعيون ٤٣٩/٥ . (٨) المحرر الوجيز ٢٣٣/٥، ولم نقف عليه مسنداً. (٩) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٤ عن سعيد بن جبير. (١٠) تفسير أبي الليث ٣/ ٣١٠ عن مقاتل، وزاد المسير ١٢١/٨ عن قتادة. (١١) معاني القرآن للفراء ١١٨/٣، وقول قتادة في زاد المسير ١٢١/٨. (١٢) ليست في (م)، وكلام الفراء في معاني القرآن له ١١٨/٣، وينظر زاد المسير ١٢١/٨. (١٣) في غريب القرآن له ص٤٤٢ . ١٥٤ سورة الرحمن: الآيات ٥٤ - ٥٧ في الوجهين المتساويين إذا وَليَ كلُّ واحدٍ منهما قوماً، كالحائط بينك وبين قوم، وعلى ذلك أمر السماء. ﴿وَحَى الْجَنََّبِنِ دَانٍ﴾ الجَنَى: ما يُجتَنَى من الشجر، يقال: أتانا بجَنَاةٍ طيِّية لكلِّ ما يجتنى. وثمر جنِيٍّ - على فَعِيل - حين جُنِي(١)، وقال الشاعر: هذا جَنَايَ وخِيَاره فِيهِ إِذْ كلُّ جانٍ يَدُهُ إِلى فِيهُ(٢) وقرئ: ((جِنَى)) بكسر الجيم (٣). ((دانٍ)): قريب. قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها وليُّ اللهِ، إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً (٤)، وإن شاء مضطجعاً، لا يَرُدُّ يدَه بُعْدٌ ولا شوك(٥). قوله تعالى: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنٌْ قَبْلَهُمْ وَلَا جَنٌ ﴿﴿ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الَّرْفِ﴾ قيل: في الجنَّتين المذكورتَيْن. قال الزجَّاج (٦): وإنَّما قال: ((فيهِنَّ)) ولم يقل: فيهما؛ لأنَّه عنى الجنَّتين وما أعدَّ لصاحبهما من النعيم. وقيل: ((فِيهِنَّ)) يعود على الفُرُش(٧) التي بطائنها من إستبرق، أي: في هذه الفرش ((قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)) أي: نساء قاصرات الطَّرْف، قَصَرْنَ أعينهنَّ (١) الصحاح (جني). (٢) هذا مثل يضرب في إيثار الرجل على نفسه، والقائل عمرو بن عدي اللخمي، وقصة المثل في مجمع الأمثال للميداني ١٣٨/٢، ٣٩٧، والمستقصى للزمخشري ٣٨٦/٢ . (٣) القراءات الشاذة ص ١٥٠ عن محبوب. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٤ . (٥) النكت والعيون ٤٣٩/٥، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٥/٢، والطبري ٢٤٤/٢٢ . (٦) في معاني القرآن له ١٠٣/٥. (٧) زاد المسير ١٢٢/٨. ١٥٥ سورة الرحمن: الآيتان ٥٦ - ٥٧ على أزواجهنَّ فلا يَرَيْنَ غيرهم (١). وقد مضى في ﴿ وَلََّّفَّتِ﴾(٢) ووحِّد الطَّرْف مع الإضافة إلى الجمع؛ لأنَّه في معنى المصدر، من طَرَفت عينه تطرِف طَرْفاً(٣)، ثم سمِّيت العين بذلك، فأدَّى عن الواحد والجمع، كقولهم: قوم عَذْل وصَوْم. الثانية: قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطِمِتْهُنَّ﴾ أي: لم يُصِبْهنَّ بالجماع قبل أزواجهنَّ هؤلاء أحدٌ. الفرَّاء: والطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتَّدْمِية(٤)، طَمَثَها يَطِمِثُها ويَطمتُها طَمْئاً: إذا افتضَّها. ومنه قيل: امرأة طامِث، أي: حائض(٥). وغير الفرَّاء يخالفه في هذا ويقول: طمئها بمعنى وَطِئَها على أيِّ الوجوه كان. إلا أنَّ قول الفرَّاء أعرف وأشهر. وقرأ الكسائيُّ: ((لَمْ يَظْمُثْهُنَّ)) بضمِّ الميم(٦)، يقال: طَمَئت المرأة تطمُث - بالضم - حاضت. وطَمِئت بالكسر لغة، فهي طامث(٧)، وقال الفرزدق: وقَعْنَ إليَّ لم يُظْمَثْن قَبْلي وهنَّ أَصَحُ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ(٨) وقيل: ((لَمْ يَظْمِثْهُنَّ)) لم يَمْسسهنَّ(٩)، قال أبو عمرو: والطمث: المَسُّ، وذلك في كل شيء يُمَسُّ. ويقال للمَرْتع: ما طَمث ذلك المرتعَ قبلَنا أحدٌ، وما طَمَثَ هذه الناقةَ حَبْل، أي: ما مسَّها عِقال(١٠). وقال المبرِّد: أي: لم يذلِّلهنَّ إنس قبلهم ولا جانٌّ، والطمث: التذليل(١١). وقرأ الحسن: ((جَأن)) بالهمز(١٢). (١) الكشاف ٤٩/٤ . (٢) ٣٣/١٨. (٣) الصحاح (طرف). (٤) الوسيط ٢٢٧/٤. (٥) الصحاح (طمث). (٦) السبعة ص٦٢١، والتيسير ص٢٠٧ . (٧) الصحاح (طمث). (٨) ثمار القلوب ص٤٤٢، وفيه: خرجن، بدل: وقعن. وأغضُّ، بدل: أصحُ. ومنتهى الطلب ٤٠٨/٥، وفيه: مَشَيْنَ، بدل: وقعن. (٩) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٦/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٠٣/٥. (١٠) الصحاح (طمث). (١١) النكت والعيون ٤٣٩/٥ . (١٢) القراءات الشاذة ص١٤٩ - ١٥٠ عن عمرو بن عبيد، والمحتسب ٣٠٥/٢ عن الحسن وعمرو بن عبيد. ١٥٦ سورة الرحمن: الآيات ٥٦ - ٦١ الثالثة: في هذه الآية دليل على أنَّ الجِنَّ تغشى كالإنس(١)، وتدخل الجنَّة، ويكون لهم فيها جنِّيات(٢). قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين، فالإنسيات للإنس، والجِنِّيات للجنِّ(٣). وقيل: أي: لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجنِّ في الجنَّة من الحور العين من الجنِّيات جِنٌّ، ولم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الإنس في الجنَّة من الحور العين من الإنسيات إنس، وذلك لأنَّ الجِنَّ لا تَطَأُ بناتِ آدم في الدنيا. ذكره القشيريُّ. قلت: قد مضى في (النمل)) القول في هذا، وفي ((سبحان)) أيضاً (٤)، وأنَّه جائز أن تَطَأَ بناتٍ(٥) آدم. وقد قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يُسَمِّ، انطوى الجانُّ على إحليله فجامع معه. فذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾(٦) وذلك بأنَّ الله تبارك وتعالى وصف الحور العين بأنَّه لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولا جانٌّ، يعلمك أن نساءَ الآدمياتِ قد يطمثهنَّ الجانُّ، وأنَّ الحور العين قد بَرِثْنَ من هذا العيب ونُزِّهْنَ، والطمث: الجماع. ذكره بكماله الترمذيُّ الحكيم، وذكره المهدويُّ أيضاً والثعلبيُّ وغيرهما، والله أعلم. هَلْ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٨ قوله تعالى: ﴿كَنَّهُنَّ الْبَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَأَِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ @ قوله تعالى: ﴿ كَأَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْمَانُ﴾ روى الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ ◌َ﴿ قال: ((إنَّ المرأة من نساء أهل الجنَّة ليُرى بياض ساقيها من وراء سبعين حُلَّةً (١) معاني القرآن للزجَّاج ١٠٣/٥ . (٢) في (د) و(ظ): جنتان. (٣) نوادر الأصول ص١١٦، ٢٤٣، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٢٤٨، وأبو الشيخ في العظمة (١١٦٨). (٤) ١٦ / ١٧٧ و ١٢٠/١٣ . (٥) في (د) و(ظ): بني. (٦) تفسير البغوي ٢٧٥/٤، وأخرجه الطبري ٢٤٨/٢٢ . ١٥٧ سورة الرحمن: الآيات ٥٨ - ٦١ حتى يرى مخُّها)) وذلك بأنَّ الله تعالى يقول: ((كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ)) فأما الياقوت فإنّه حجر لو أُدخلت فيه سِلكاً ثم استصفیته لأُرِیته [من ورائه] ویروی موقوفاً(١). وقال عمرو بن ميمون: إنَّ المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حُلَّة فيرى مخُّ ساقها من وراء ذلك، كما يُرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء(٢). وقال الحسن: هنَّ في صفاء الياقوت، وبياض المرجان(٣). قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ﴾ ((هَلْ)) في الكلام على أربعة أوجه: تكون بمعنى ((قد)) كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، وبمعنى الاستفهام كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً﴾ [الأعراف: ٤٤]، وبمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وبمعنى ((ما)) في الجحد كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّ الْبَلَغُ﴾ [النحل: ٣٥] و((هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ))(٤). قال عكرمة: أي: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، إلا الجنَّة(٥). ابن عباس: ما جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعَمِلَ بما جاء به محمَّد ◌َ﴾ إلا الجنَّةِ(٦). وقيل: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يُحسَن إليه في الآخرة، قاله ابن زيد(٧). وروى أنس أنَّ النبيَّ ﴾ قرأ: ((هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)) ثم قال: ((هل (١) الترمذي (٢٥٣٣) مرفوعاً، و(٢٥٣٤) موقوفاً، وقال عنه: وهذا أصحُّ. اهـ وما بين حاصرتين منه، وفي الباب عن أبي هريرة في صفة الحور العين عند البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤) بلفظ: ((ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مخُّ سوقهما من وراء اللحم من الحُسن ... )) الحديث. (٢) تفسير البغوي ٢٧٦/٤، وأخرجه عنه هناد في الزهد (١٢)، والطبري ٢٢/ ٢٥٠ . (٣) أخرجه الطبري ٢٢/ ٢٥٠ . (٤) الأزهية للهروي ص٢٠٨- ٢٠٩، وحروف المعاني للزجاجي ص٢، ومغني اللبيب ص ٤٥٦ - ٤٦٠. (٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٤٩/٦ وعزاه إلى عبد بن حميد. (٦) تفسير البغوي ٢٧٦/٤ ، وزاد المسير ١٢٣/٨. (٧) النكت والعيون ٥/ ٤٤٠، وأخرجه عنه الطبري ٢٥٢/٢٢ - ٢٥٣. ١٥٨ سورة الرحمن: الآيات ٦٠ - ٦٥ تدرونَ ماذا قال ربكم)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((يقول: ما جزاء من أَنعمتُ عليه بالتوحيد إلا الجنَّة))(١). وروى ابن عباس أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قرأ هذه الآية فقال: ((يقول الله: هل جزاء من أنعمتُ عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أُسكِنه جنَّتي وحظِيرة قُدْسي برحمتي))(٢). وقال الصادق: هل جزاء من أحسنتُ عليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد (٣). وقال محمَّد بن الحنفيَّة والحسن: هي مُسْجَلة للبَرِّ والفاجر(٤)، أي: مرسلة عليه، الفاجر في الدنيا، والبَرِّ في الآخرة. مُدْهَآَمَتَانِ فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّثَانِ (٦٥) فَبِأَمِّ ءَالَاءِ رَيِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٤ قوله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنََّانٍ﴾ أي: وله من دون الجنَّتين الأُوليين جنَّتان أُخريان. قال ابن عباس: ومن دونهما في الدَّرَج. ابن زيد: ومن دونهما في الفَضْل(٥). ابن عباس: والجنَّات لمن خاف مقام ربِّه، فيكون في الأوليين النخل والشجر، وفي الأُخريين الزرع والنبات وما انبسط. الماورديُّ(٦): ويحتمل أن يكون ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانٍ)) لأتباعه؛ لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأُخرى (١) أخرجه البغوي في التفسير ٢٧٦/٤ . (٢) لم نقف عليه. (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٤٠ بنحوه. (٤) الكشاف ٤٩/٤ عن محمد بن الحنفية، وأخرجه عنه أبو عبيد في غريب الحديث ٣٤٩/٤ ، والبخاري في الأدب المفرد (١٣٠)، والطبري ٢٢/ ٢٥٣، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٥٢)، وأورده الطبرسي في مجمع البيان ١٠٣/٢٧ عن علي ، وعزاه إلى العياشي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩١٥٤) عن ابن عباس مرفوعاً، وفي إسناده الهيثم بن عدي، متروك الحديث. (٥) تفسير البغوي ٢٧٦/٤، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٣٣٣/١٢ و٢٥٣/٢٢، وأبو الشيخ في العظمة (٢٢٨)، وقول ابن زيد أخرجه أيضاً الطبري ٢٥٤/٢٢ . (٦) في النكت والعيون ٥/ ٤٤٠ - ٤٤١، وما قبله منه أيضاً. ١٥٩ سورة الرحمن: الآيات ٦٢ - ٦٥ الولدان المخلَّدين؛ ليتميَّز بهما الذكور عن الإناث. وقال ابن جريج: هي أربع: جنَّتان منها للسابقين المقرَّبين «فيهما من كلِّ فاكهة زوجان)) و ((عينان تجريان))، وجنَّتان لأصحاب اليمين ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)) و((فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانٍ))(١). وقال ابن زيد: إنَّ الأُوليين من ذهب للمقرَّبين، والأُخريين من وَرِقٍ لأصحاب اليمين (٢). قلت: إلى هذا ذهب الحَلِيميُّ أبو عبد الله الحسين بن الحسن(٣) في كتاب (منهاج الدين))(٤) له، واحتجَّ بما رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ)) إلى قوله: ((مُدْهَامَّتَانٍ)) قال: تانك للمقرَّبين، وهاتانٍ لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحوه. ولما وصف الله الجنَّتين أشار إلى الفَرْق بينهما فقال في الأولتين: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانٍ)»، وفي الأُخريين: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)) أي: فوَّارتان، ولكنَّهما ليستا كالجاريتين؛ لأنَّ النضخ دون الجري. وقال في الأولتين: ((فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانٍ)) فعمَّ ولم يخصَّ. وفي الأُخريين: ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)) ولم يقل: من كلِّ فاكهة، وقال في الأولتين: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ)) وهو الديباج، وفي الأُخريين: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ)) والعبقرِيُّ: الوَشْي(٥)، ولا شكَّ أنَّ الديباج أعلى(٦) من الوشي، والرفرف: كِسَر الخِباء، ولاشكَّ أنَّ الفرش المعدّة للاتكاء عليها أفضل من فَضْل الخِباء. وقال في الأولتين في صفة الحور: ((كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ»، وفي الأخرتين: ((فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)) وليس كلُّ حسنٍ كحُسن الياقوت والمرجان. (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٦ . (٢) النكت والعيون ٤٤١/٥ . (٣) في النسخ: الحسن بن الحسين. وكذا وقع في التذكرة ص ٤٤٠-٤٤١ والكلام منه، وما أثبتناه هو الصواب، وتنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٣١. (٤) المنهاج في شعب الإيمان ١/ ٤٧٤ - ٤٧٦ . (٥) سيأتي التعريف بها قريباً. (٦) في المنهاج: أغلى. ١٦٠ سورة الرحمن: الآيات ٦٢ - ٦٥ وقال في الأولتين: ((ذَوَاتَا أَقْنَانٍ)) وفي الأُخرتين: ((مُدْهَامَّتَانٍ)) أي: خضروان، كأنَّهما من شدَّة خضرتهما سوداوان، ووصف الأولتين بكثرة الأغصان، والآخرتين بالخضرة وحدها، وفي هذا كلِّه تحقيق للمعنى الذي قصدناه بقوله: ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَتَانٍ)) ولعلَّ ما لم يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر. فإن قيل: كيف لم يَذكُر أهل هاتين الجنَّتين كما ذَكَر أهل الجنَّتين الأولتين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربِّه إلا أن الخائفين لهم مراتب، فالجثّتان الأُوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنَّتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله تعالى(١). ومذهب الضحَّاك أنَّ الجنَّتين الأُولتين من ذهب وفضَّة، والأُخرتين من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأولتين، وقوله: ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنََّانٍ)» أي: ومن أمامهما ومن قبلهما(٢). وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول))(٣) فقال: ومعنى ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانٍ)) أي: دون هذا إلى العرش، أي: أقرب وأدنى إلى العرش. وأخذ يفضِّلهما على الأولتين بما سنذكره عنه. وقال مقاتل: الجنَّتان الأولتان جثّة عدن وجنَّة النعيم، والآخرتان جنَّة الفردوس وجنَّة المأوى (٤). قوله تعالى: ﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾ أي: خضراوان من الرِّيِّ، قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: مُسْودَتان. والدُّهْمة في اللغة: السواد(٥)، يقال: فرس أَدهَم، وبعير أَدهَم، وناقة دَهْماء، أي: اشتدَّت ورقته(٦) حتى ذهب البياض الذي فيه، فإن زاد على ذلك (١) إلى هنا نهاية النقل من المنهاج في شعب الإيمان، وما بعده من التذكرة ص٤٤١ . (٢) تفسير البغوي ٢٧٦/٤ . (٣) ص١٢٩ . (٤) التذكرة ص٤٤١، وذكر الماوردي قول مقاتل في النكت والعيون ٤٤١/٥ . (٥) النكت والعيون ٤٤١/٥، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٢٥٥/٢٢، والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٨)، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٤٣، وأخرجه عنه الطبري ٢٥٧/٢٢ . (٦) في (م): زرقته، والتصويب من النسخ والصحاح (دهم)، والكلام منه.