Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة النجم: الآيات ٤٧ - ٥٥
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((النَّشَاءَةَ)) بفتح الشين والمدّ(١)، أي: وعد ذلك، ووَعْده
صِدْق. ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَغْفَى وَأَقْنَى﴾ قال ابن زيد: أغنى من شاء، وأفقر من شاء(٢)، ثم قرأ:
﴿يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢] وقرأ: ﴿يَقِْضُ وَيَبْسُطٌ﴾
ء(٣)
[البقرة: ٢٤٥] واختاره الطبري
وعن ابن زيد أيضاً ومجاهد وقتادة والحسن: (أَغْنَى)): مَوَّلَ، ((وأَقْنَى)): أَخْدم(٤).
وقيل: ((أَقْنَى)) جعل لكم قِنْية تقتنونها(٥)، وهو معنى أخدم أيضاً(٦).
وقيل: معناه: أرضى بما أعطى، أي: أغناه ثم رضَّاه بما أعطاه، قاله ابن
عباس(٧) .
وقال الجوهريُّ(٨): قَنِيَ الرجل يَقْنَى قِنَّى، مثل غَنِيَ يَغْنَى غِنَّى، وأَقناه اللهُ، أي:
أعطاه الله ما يُقتَنَى من القُنْية والنَّشَب. وأقناه أيضاً، أي: أرضاه. والقِنَى: الرضا،
عن أبي زيد، قال: وتقول العرب: من أُعطِي مئةً من المعز، فقد أُعطِيَ القِنَى، ومن
أُعطِي مئةً من الضأن، فقد أُعطِيَ الغنى، ومن أعطي مئة من الإبل، فقد أُعطِيَ المُنى.
ويقال: أغناه الله وأقناه، أي: أعطاه ما یَسكُن إليه.
وقيل: ((أَغنى وأَقْنَى)) أي: أغْنَى نفسه، وأفقر خَلْقه إليه، قاله سليمان التيميُّ(٩).
(١) السبعة ص٤٩٨، والتيسير ص ١٧٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٩/٤ .
(٣) في التفسير ٨٥/٢٢ دون ذكر آية البقرة.
(٤) أخرجه الطبري ٢٢/ ٨٣ عن مجاهد وقتادة والحسن.
(٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٠.
(٦) تفسير البغوي ٢٥٦/٤ وعزاه إلى قتادة والحسن، وأخرجه عنهما الطبري ٨٣/٢٢.
(٧) تفسير البغوي ٢٥٦/٤، وأخرجه عنه الطبري ٨٣/٢٢ .
(٨) في الصحاح (قني).
(٩) أخرجه الطبري ٢٢/ ٨٤، وأبو الشيخ في العظمة (١٧٦).

٦٢
سورة النجم: الآيات ٤٨ - ٥٥
وقال سفيان: أغنى بالقناعة، وأقنى بالرضا (١). وقال الأخفش: أقنى: أفقر. قال ابن
کیسان: أولد(٢). وهذا راجع لما تقدَّم.
﴿وَنَّمُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ((الشِّعْرَى)): الكوكب المضيء الذي يطلع بعد
الجوزاء(٣)، وطلوعه في شدَّة الحرِّ، وهما الشِّعريان: العَبُور التي في الجوزاء،
والشِّعرى الغُمَيْصَاءُ التي في الذراع (٤)، وتزعم العرب أنَّهما أختا سُهَيل.
وإنَّما ذكر أنَّه رَبُّ الشِّعْرى وإن كان ربًّا لغيره؛ لأنَّ العرب كانت تعبده، فأعلمهم
اللهُ جلَّ وعزَّ أنَّ الشِّعْرى مربوب وليس بربِّ. واختلف فيمن كان يعبده، فقال
السديُّ: كانت تعبده حِمْيَر وخُزَاعة. وقال غيره: أوَّل من عبده أبو كبشة - أحدُ أجداد
النبيِّ# من قِبَلِ أمَّهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمُّون النبيَّ ﴾: ابنَ أبي كبشة،
حين دعا إلى الله وخالف أديانَهم، وقالوا: ما لقينا من ابنٍ أبي كبشة! وقال أبو
سفيان يوم الفتح وقد وقف في بعض المضايق وعساكرُ رسول الله ﴾ تمرُّ عليه: لقد
أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة - وقد كان من لا يعبد الشِّعْرى من العرب يعظّمها ويعتقد تأثيرها
في العالم، قال الشاعر:
مضَى أَيْلُولُ وارتفع الحَرُورُ وأَخْبَتْ نارَها الشِّعرى العَبُورُ(٥)
وقيل: إنَّ العرب تقول في خرافاتها: إن سُهيْلاً والشِّعرى كانا زوجين، فانحدر
(١) النكت والعيون ٤٠٥/٥ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٦ .
(٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٠ .
(٤) تفسير البغوي ٢٥٦/٤ .
(٥) النكت والعيون ٤٠٥/٥ عدا ما بين معترضتين فمن النهاية (كبش)، وشرح مشكل الآثار ١٨٥/٢
بنحوه، وقول أبي سفيان أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٢)، وأحمد (٢٣٧٠) عن ابن عباس رضي
الله عنهما. قال ابن الأثير في النهاية (أمر): ومنه حديث أبي سفيان: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة: أي:
كثر وارتفع شأنه، يعني النبي #. اهـ. والبيت لأبي نواس وهو في ديوانه ص٣٢١.

٦٣
سورة النجم: الآيات ٤٩ - ٥٥
سُهَيل فصار يمانيًّا، فاتبعته الشِّعرى العَبُور فعبرت المجرَّة فسمِّيت العبور، وأقامت
الغُمَيْصاء فبكت لفقد سُهَيل حتى غَمِصت عيناه فسمِّيت غميصاء؛ لأنَّها أَخفى من
الأخرى(١).
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادَا اُلْأُوْلَى﴾ سمَّاها الأولى؛ لأنَّهم كانوا مِن قبل ثمود. وقيل: إنَّ
ثمود مِن قبل (٢) عاد. وقال ابن زيد: قيل لها: عاد الأولى؛ لأنَّها أوَّل أمَّة أُهلِكت بعد
نوح عليه السلام(٣). وقال ابن إسحاق: هما عادان، فالأُولى أُهلِكت بالريح
الصَّرصر، ثم كانت الأُخرى فأهلكت بالصيحة. وقيل: عاد الأولى هو: عاد بن إِمَ
ابنِ عَوْصٍ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ، وعاد الثانية من ولد عادٍ الأولى(٤). والمعنى متقارب.
وقيل: إنَّ عاداً الآخرة الجبّارون، وهم قوم هود(٥).
وقراءة العامَّة: ((عَاداً الْأُولَى)) ببيان التنوين والهمز. وقرأ نافع وابن مُحَيصِن وأبو
عمرو: ((عَاداً لُّوْلَى))(٦) بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها، إلا أنَّ قالون
والسوسيَّ يُظهِران الهمزة الساكنة. وقلبها الباقون واواً على أصلها، والعرب تقلب
هذا القلب فتقول: قُمْ لَانَ عنَّا، وصُمْ لثْتَين، أي: ◌ُمِ الآنَ، وصُمِ الاثنين(٧).
﴿وَتَّهُودَا فَآَ أَبْقَ﴾ ثمود: هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة(٨). قُرئَ: ((ثمُوداً))
و (ثَمُود)) وقد تقدَّم(٩). وانتصب على العطف على عاد(١٠).
(١) مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٣٥٤ بنحوه.
(٢) في (ظ): نسل.
(٣) الكشاف ٤/ ١٢٠ ولم يعزه.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٨٠ وعزاه إلى ابن إسحاق.
(٥) المحرر الوجيز ٢٠٨/٥ .
(٦) السبعة ص ٦١٥، والتيسير ص ٢٠٤ - ٢٠٥، والنشر ١/ ٤١٠، وحجة القراءات لابن زنجلة ص ٦٨٧ .
(٧) معاني القرآن للفراء ١٠٢/٣ .
(٨) الوسيط ٤/ ٢٠٥ .
(٩) ٢٦٦/٩.
(١٠) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/٤.

٦٤
سورة النجم: الآيات ٥٢ - ٥٥
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ أي: وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَغْلَمَ
وَأَْفَى﴾ وذلك لطول مدَّة نوح فيهم(١)، حتى كان الرجل فيهم يأخذ بيد ابنه فينطلق إلى
نوح عليه السلام فيقول: احذر هذا؛ فإنه كذَّاب، وإنَّ أبي قد مشى بي إلى هذا وقال
لي مثلَ ما قلتُ لك(٢). فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصيّة أبيه.
وقيل: إنَّ الكناية ترجع إلى كلِّ مَن ذُكر من عاد وثمود وقوم نوح، أي: كانوا
أكفرَ من مشركي العرب وأطغى. فيكون فيه تسلية وتعزية للنبيِّ ﴾، فكأنَّه يقول له:
فاصبر أنت أيضاً، فالعاقبة الحميدة لك.
﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى﴾ يعني: مدائن قوم لوط عليه السلام ائتفكت بهم، أي:
انقلبت(٣)، وصار عالِيَها سافلها. يقال: أَفَكْته، أي: قلبته وصرفته(٤). ((أَهْوَى)) أي:
خسف بهم بعد رَفْعها إلى السماء، رفعها جبريل ثم أهوى بها إلى الأرض(٥). وقال
المبرِّد: جعلها تهوي. ويقال: هَوَى - بالفتح - يَهْوِي هُوِيًّا، أي: سقط(٦). و((أَهْوَى))
أي: أسقط(٧).
﴿فَفَشَّئُهَا مَا غَشَى﴾ أي: ألبسها ما ألبسها من الحجارة، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا
عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن سِجِيلٍ﴾(٨) [الحجر: ٧٤]، وقيل: إنَّ الكناية ترجع
إلى جميع هذه الأمم، أي: غَشَّاها من العذاب ما غشَّاهم، وأُبهم؛ لأنَّ كلَّا منهم
أهلِك بضرب غير ما أُهْلِك به الآخر. وقيل: هذا تعظيم الأمر.
(١) الوسيط ٤ /٢٠٥.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/٤، والمحرر الوجيز ٢٠٩/٥ بنحوه، وأخرجه الطبري ٨٩/٢٢ عن قتادة.
(٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٠ .
(٤) الصحاح (أفك).
(٥) تفسير أبي الليث ٢٩٥/٣ .
(٦) الصحاح (هوي).
(٧) تهذيب اللغة ٤٨٩/٦ .
(٨) تفسير أبي الليث ٢٩٥/٣ .

٦٥
سورة النجم: الآيات ٥٥ -٦٢
﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَيِّكَ نَتَمَارَى﴾ أي: فبأيِّ نِعَم ربِّك تشكُّ، والمخاطبة للإنسان
المكذِّب، والآلاء: النِّعَم، واحدها: أَلَّى إِلَّى وإِلْيٌّ(١). وقرأ يعقوب: ((تَمَّارَى))
بإدغام إحدى التاءين في الأخرى والتشديد(٢).
قوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُوْلَ ﴿٨ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ (٨٧) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ
وَتَضْحَكُونَ وَلَ نَبَّكُونَ (9) وَأَنْ سَيِّدُونَ
٥٩
اَللَّهِ كَاشِفَةُ ﴿﴿ أَفِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَمْجَبُونَ
٦٢
فَأَسْبُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُوا
قوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُوْلَ﴾ قال ابن جُرَيج ومحمد بن كعب: يريد أنَّ
محمداً * نذيرٌ بالحقِّ الذي أَنذر به الأنبياء قبله(٣)، فإن أطعتموه أفلحتم، وإلَّا حلَّ
بكم ما حلَّ بمكذِّبي الرسل السالفة.
.:
وقال قتادة: يريد القرآن، وأنَّه نذير بما أَنذرت به الكتب الأولى(٤).
وقيل: أي: هذا الذي أخبرنا به من أخبار الأمم الماضية الذين هلكوا تخويفٌ
لهذه الأمَّة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك من النذر، أي: مثل النذر(٥)، والنذر في
قول العرب بمعنى الإنذار(٦)، كالنُّكُر بمعنى الإنكار، أي: هذا إنذار لكم. وقال أبو
مالك: هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأمم الخالية هو في صحف إبراهيم
وموسى(٧). وقال السديُّ: أخبرني أبو صالح قال: هذه الحروف التي ذكر الله تعالى
من قوله تعالى: ((أَمْ لَمْ يُنَبَّأُ بِمَا فِي صُحُفٍ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ)) إلى قوله: ((هَذَا نَذِيرٌ مِنَ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٨٢.
(٢) النشر ٣٠٠/١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤٧ ونسبها إلى ابن محيصن.
(٣) النكت والعيون ٤٠٦/٥، والمحرر الوجيز ٢٠٩/٥ .
(٤) النكت والعيون ٤٠٦/٥ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٧٨/٥.
(٦) لسان العرب (نذر).
(٧) أخرجه الطبري ٢٢/ ٩٤ .

٦٦
سورة النجم: الآيات ٥٦ - ٦٢
النُّذُرِ الْأُولَى)) كل هذه في صحف إبراهيم وموسى(١).
قوله تعالى: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾ أي: قربت الساعة ودَنَت القيامة. وسمَّاها آزفة؛
لقرب قيامها عنده(٢)، كما قال: ﴿يَرَوْنَهُ يَعِيدًا. وَثَرَّهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧]. وقيل:
سماها آزفة؛ لدنوِّها من الناس وقربها منهم (٣)؛ ليستعدُّوا لها؛ لأنَّ كلَّ ما هو آتٍ
قریب. قال :
أَزِفَ الثَّرَخُلُ غيرَ أنَّ رِكَابَنَا لمَّا تَزَلْ بِرِحالنا وكأَنْ قَدِ (٤)
وفي ((الصحاح))(٥): أَزِف الترخُل يَأْزَف أَزَفاً، أي: دنا وأَفِد، ومنه قوله تعالى:
((أَزِفَتِ الْآَزِقَةُ)) يعني القيامة، وأَزِفَ الرجلُ، أي: عَجِل، فهو آزِف على فاعل،
والمتآزِف: القصير وهو المتداني. قال أبو زيد: قلت لأعرابيٍّ ما الْمُحْبَنْطِئُ؟ قال:
المتَكَأُكِئُ. قلت: ما الْمُتَكأُكِئُ؟ قال: المتآزِف. قلت: ما المتآزف؟ قال: أنت
أحمق! وتركني ومَرَّ.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أي: ليس لها من دون الله من يؤخِّرها أو يقدِّمها.
وقيل: كاشفة، أي: انكشاف، أي: لا يكشف عنها ولا يبديها إلا الله، فالكاشفة
اسم بمعنى المصدر، والهاء فيه كالهاءِ في العاقبة والعافية والداهية والباقية (٦)،
كقولهم: ما لفلان من باقية، أي: من بقاء(٧). وقيل: أي: لا أحد يردُّ ذلك(٨)، أي:
(١) سلف ص٥٤ من هذا الجزء عن أبي مالك الغفاري بنحوه.
(٢) النكت والعيون ٤٠٦/٥ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٧٨/٥ .
(٤) القائل النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٨، وفيه: أفد، بدل: أزف، وهما بمعنى. وجاء البيت في
البيان والتبيين ٢/ ٢٨٠ كما في الرواية هنا.
(٥) مادة (أزف)، وحكاية أبي زيد الآتية ذكرها أبو طاهر المقرئ في كتابه أخبار النحويين، في ترجمة أبي
زید.
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٧ .
(٧) معاني القرآن للفراء ١٠٣/٣.
(٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٧ .

٦٧
سورة النجم: الآيات ٥٩ - ٦٢
إنَّ القيامة إذا قامت لا يكشفها أحدٌ من آلهتهم، ولا ينجِّهم غير الله تعالى. وقد
سمِّيت القيامةُ غاشيةً، فإذا كانت غاشية، كان ردُّها كشفاً، فالكاشفة على هذا نعت
مؤنث محذوف، أي: نفس كاشفة، أو: فرقة كاشفة، أو: حال كاشفة. وقيل: إِنَّ
(كاشِفة)) بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة، مثل راوية وداهية(١).
قوله تعالى: ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن. وهذا استفهام توبيخ(٢) ﴿تَعْجَبُونَ﴾
تكذيباً به ﴿وَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً ﴿وَلَا نَبْكُنَ﴾ انزجاراً وخوفاً من الوعيد(٣). وروي أنَّ
النبيَّ # ما رُئيَ بعد نزول هذه الآية ضاحكاً إلا تبسُّماً(٤).
وقال أبو هريرة: لما نزلت: ((أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ)) قال أهل الصُّفَّة: ﴿إِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما
سمع النبيُّ# بكاءَهم، بكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال النبيُّ ﴾: ((لا يَلِجُ النارَ مَن
بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنَّة مُصِرٌّ على معصيةِ الله، ولو لم تُذنبوا لذهب اللهُ
بكم، ولجاء بقوم يُذنبون، فيغفر لهم ويرحمهم، إنَّه هو الغفور الرحيم))(٥).
وقال أبو حازم: نزل جبريلُ على النبيِّ # وعنده رجل يبكي، فقال له: من هذا؟
قال: ((هذا فلان)). فقال جبريل: إنَّا نَزِنُ أعمالَ بني آدم كلَّها إلا البكاء، فإنَّ الله تعالى
ليطفئ بالدمعة الواحدة بحوراً من جهنّم (٦).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ سَيِدُونَ﴾ أي: لاهون معرضون. عن ابن عباس، رواه الوالبيُّ
والعوفيُّ عنه. وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة حِمْيَر - يقال: سمِّد لنا، أي: غنِّ لنا -
(١) المحرر الوجيز ٢١٠/٥ .
(٢) المحرر الوجيز ٢١٠/٥.
(٣) تفسير أبي الليث ٢٩٦/٣ .
(٤) الكشاف ٤/ ٣٥ .
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤٨٩/١ بنحوه.
(٦) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٥ عن رجل يقال له: خازم.

٦٨
سورة النجم: الآيات ٦١ - ٦٢
فكانوا إذا سمعوا القرآنَ يتلى، تغنوا ولعبوا حتى لا يسمعوا(١). وقال الضحَّاك:
سامدون: شامخون متكبِّرون(٢). وفي ((الصحاح))(٣): سمَدَ سُمُوداً: رفع رأسه تكبِّراً،
وكلُّ رافع رأسه، فهو سامد، قال:
سَوَامِدَ اللَّيْلِ خِفَافَ الْأَزْوَادُ (٤)
يقول: ليس في بطونها عَلَف. وقال ابن الأعرابيّ: سَمَدْتُ سُمُوداً: علوتُ.
وسَمَدتِ الإبلُ في سيرها: جدَّتْ. والسُّمُود: اللَّهو، والسامد: اللَّهي، يقال للقَيْنة:
أَسمِدينا، أي: أَلهينا بالغناء. وتسميد الأرض: أن يجعل فيها السماد، وهو سِرْجين
ورَمَاد. وتسميد الرأس: استئصال شعره، لغة في التَّسبِيد. واسمأَذَّ الرجلُ - بالهمز -
اسْمِتْداداً، أي: وَرِم غضباً.
وروي عن عليٍّ أنَّ معنى ((سَامِدُونَ)): أن يجلسوا غير مصلِّين ولا منتظرين
الصلاة. وقال الحسن: واقفون للصلاة قبل وقوف الإمام، ومنه ما روي عن النبيِّ *
أنَّه خرج والناس ينتظرونه قياماً فقال: ((ما لي أراكم سامدين)) حكاه الماورديُّ(٥).
وذكره المهدويُّ عن عليٍّ، وأنَّه خرج إلى الصلاة فرأى الناسَ قياماً فقال: ((ما لكم
سامدون)) قاله المهدويُّ(٦).
(١) تفسير البغوي ٢٥٧/٤ عدا ما بين معترضتين فمن غريب الحديث لأبي عبيد ٤٨١/٣، وقول عكرمة
أخرجه الطبري ٩٧/٢٢ عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه الطبري ٩٨/٢٢، وأبو يعلى (٢٦٨٥) عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) مادة (سمد).
(٤) الراجز رؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه ص٣٩ ، وقبله:
قلَّصن تقليص النعام الوتّاد
(٥) في النكت والعيون ٥/ ٤٠٧، وفيه قول علي والحسن، والحديث أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث
٣/ ٤٨٠ مرفوعاً، وذكر محققه أن في بعض النسخ الخطية: عن علي رحمة الله عليه. اهـ. ولم نقف عليه
مرفوعاً، وسيأتي من قول علي في التعليق الآتي.
(٦) وأخرجه ابن أبي شيبة ٤٠٥/١، والطبري ١٠٠/٢٢.

٦٩
سورة النجم: الآيات ٦١ - ٦٢
والمعروف في اللغة: سَمَد يَسْمُد سُمُوداً: إذا لَهَا وأعرض. وقال المبرِّد:
سامدون خامدون، قال الشاعر:
بمَقْدورٍ سَمَدْنَ له سُمُودَا(١)
أَتَّى الحدثَانُ نِسوَ آلٍ حَرْبٍ
وقال صالح أبو الخليل: لما قرأ النبيُّ ﴾: ((أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ.
وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ)) لم يُرَ ضاحكاً إلا مبتسِّماً حتى مات #. ذكره
النخَّاس(٢).
قوله تعالى: ﴿فَأَعْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾﴾ قيل: المراد به سجود تلاوة القرآن. وهو قولُ
ابن مسعود (٣). وبه قال أبو حنيفة والشافعيّ(٤). وقد تقدَّم أوَّل السورة(٥) من حديث
ابن عباس أنَّ النبيَّ # سجد فيها، وسجد معه المشركون. وقيل: إنَّما سجد معه
المشركون؛ لأنَّهم سمعوا أصواتَ الشياطين في أثناء قراءةِ رسول الله 8# عند قوله:
((أَفَرَ أَيْتُمُ اللََّتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)) وأنَّه قال: تلك الغَرَانِيقُ الْعُلَا
وشفاعتهنَّ تُرْتَجَى. كذا في رواية سعيد بن جُبير: ترتجى. وفي رواية أبي العالية:
وشفاعتهنَّ ترتضى، ومثلهنَّ لا يُنسى. ففرح المشركون وظنُّوا أنَّه من قول محمد ﴿،
على ما تقدَّم بيانه في ((الحج))(٦). فلما بلغ الخبرُ بالحبشة مَن كان بها من أصحاب
النبيِّ # رجعوا ظنًّا منهم أنَّ أهل مكة آمنوا، فكان أهل مكة أشدَّ عليهم، وأخذوا في
(١) النكت والعيون ٥/ ٤٠٧، والبيت اختلف في نسبته، فنسبه المرزباني في معجم الشعراء ص١٧٧ ،
وابن قتيبة في عيون الأخبار ٦٧/٣ إلى فضالة بن شريك، ونسبه القالي في ذيل الأمالي ١١٥/٣ إلى
الكميت الأسدي، ونسبه المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ٢/ ٩٤١ لعبد الله بن الزبير الأسدي.
(٢) لم نقف عليه عند النحاس، وسلف ص٦٧ من هذا الجزء.
(٣) النكت والعيون ٤٠٧/٥ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٣/٣.
(٥) ص٥ من هذا الجزء.
(٦) ١٤ / ٤٢٥.

٧٠
سورة النجم: الآية ٦٢
تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم.
وقيل: المراد سجود الفرض في الصلاة، وهو قول ابن عمر، كان لا يراها من
عزائم السجود(١). وبه قال مالك.
وروى أبيُّ بن كعب﴾: كان آخر فِعْلِ النبيِّ # ترك السجود في المفضَّل.
والأوَّل أصحُ، وقد مضى القول فيه آخر ((الأعراف))(٢) مبيناً، والحمد لله ربِّ
العالمين.
تم تفسير سورة ((والنجم))
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٣/٣.
(٢) ٤٣٦/٩ .

سورة القمر
مكيَّة كلُّها في قول الجمهور. وقال مقاتل: إلا ثلاثَ آيات من قوله تعالى: ﴿أَمْ
يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْنَصِرٌ﴾ [الآية: ٤٤] إلى قوله: ﴿ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمٌَ﴾(١) [الآية: ٤٦] ولا
يصحُّ على ما يأتي(٢). وهي خمس وخمسون آيةٌ(٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُوا
سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ ﴿ وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمَّ وَكُلُ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ وَلَقَدْ
جَآءَهُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ ﴾ حِكْمَةٌ بَلِغَّةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ
فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ ﴾ خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ
اُلْأَمْدَاثِ كَهُمْ جَرَدٌ مُنْتَشِرٌ ٣ مُهْطِعِينَ إِلَى النَّاعَ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ((اقْتَرَبَت)): أي: قربت، مثل ﴿أَزِفَتِ
الْأَزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] على ما بيَّنَّاه. فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنَّه قد مضى أكثرُ
الدنيا، كما روى قتادة عن أنس قال: خطب رسولُ اللـه # وقد كادتِ الشمسُ تغيب
فقال: ((ما بقي من دنياكم فيما مضى إلّا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى)) وما نرى
من الشمس إلا يسيراً(٤). وقال كعب ووهب: الدنيا سنَّة آلاف سنة. قال وهب: قد
(١) النكت والعيون ٤٠٨/٥ .
(٢) عند الآية (٤٥) من هذه السورة.
(٣) الوسيط ٢٠٦/٤.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١٢١/٧، وأخرجه أيضاً ابن عدي في
الكامل ٢٣٤٤/٦ بنحوه، قال ابن عدي: ولموسى بن خلف عن قتادة، عن أنس غير هذا يرويه عن
موسی ابنه خلف وغير ابنه، ولا أرى بروايته بأساً.
وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٤٤ عن ابن عمر ﴾ بنحوه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: كُثَيِّر [من رجال الإسناد] ضعَّفه النسائي، ومشَّاه غيره.

٧٢
سورة القمر: الآيات ١ - ٨
مضى منها خمسة آلاف سنة، وستُّ مئة سنة. ذكره النخَّاس.
ثم قال تعالى: ((وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)) أي: وقد انشقَّ القمر. وكذا قرأ حُذيفة: ((اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ وَقَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ)) (١) بزيادة ((قد)»، وعلى هذا الجمهور من العلماء، ثبت ذلك
في ((صحيح البخاري)) وغيره من حديث ابن مسعود(٢) وابن عمر (٣) وأنس (٤) وجبير
ابن مُطْعِم(٥) وابن عباس(٦) ﴾. وعن أنس قال: سأل أهلُ مكّة النبيَّ # آيةً، فانشقَّ
القمر بمكّة مرَّتين فنزلت: ((اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ)) إلى قوله: ((سِحْرٌ مُسْتَمِرٍّ))
يقول: ذاهب. قال أبو عيسى الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح(٧).
ولفظ البخاريّ(٨) عن أنس قال: انشقَّ القمر فرقتين. وقال قوم: لم يقع انشقاق
القمر بعدُ وهو منتظر، أي: اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر، وأنَّ الساعة إذا قامت
انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره (٩). وكذا قال القشيريُّ. وذكر الما ورديُّ(١٠):
أنَّ هذا قول الجمهور، وقال: لأنَّه إذا انشقَّ ما بقي أحد إلا رآه؛ لأنه آية، والناس في
الآيات سواء. وقال الحسن: اقتربت الساعة، فإذا جاءت انشقَّ القمر بعد النفخة
الثانية. وقيل: ((وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)) أي: وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر مثلاً
فیما وضح، قال:
أقيمُوا بَنِي أمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ
فإِنِّي إلى حَيٍّ سواكمْ لَأَمْيَلُ
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٧/٢ .
(٢) البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠)، وأحمد (٣٥٨٣).
(٣) مسلم (٢٨٠١).
(٤) البخاري (٣٦٣٧)، ومسلم (٢٨٠٢)، وأحمد (١٢٦٨٨).
(٥) الترمذي (٣٢٨٩)، وأحمد (١٦٧٥٠).
(٦) البخاري (٣٦٣٨)، ومسلم (٢٨٠٣).
(٧) الترمذي (٣٢٨٦)، وهو عند أحمد (١٢٦٨٨)، ومسلم (٢٨٠٢)، ولم يرد ذكر الآيتين عند مسلم.
(٨) برقم (٤٨٦٨)، وهو عند مسلم (٢٨٠٢): (٤٧)، وأحمد (١٣٩١٨).
(٩) المفهم ٧/ ٤٠٥ وعزاه للحسن البصري.
(١٠) في النكت والعيون ٤٠٩/٥ .

٧٣
سورة القمر: الآيات ١ - ٨
وشُدَّتِ لِطيَّاتٍ مَطايا وأَرْحُلُ(١)
فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌ
وقيل: انشقاق القمر: هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يُسمَّى
الصبح فَلَقاً؛ لانفلاق الظلمة عنه. وقد يعبّر عن انفلاقه بانشقاقه، كما قال النابغة:
دعانا عِند شَقِّ الصُّبحِ داع (٢)
فلمَّا أذْبَرُوا ولَهُمْ دَوِيٌّ
قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أنَّ القمر انشقَّ بمكّة، وهو ظاهر التنزيل،
ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنَّها كانت آيةً ليليّة، وأنَّها كانت باستدعاء النبيِّ لَ﴾
من الله تعالى عند التحدِّي(٣). فروي أنَّ حمزة بن عبد المطلب - حين أسلم غضباً من
سبِّ أبي جهلِ الرسولَ # - طلب أن يُريَه آيةً يزداد بها يقيناً في إيمانه(٤). وقد تقدَّم في
((الصحيح)) أنَّ أهل مكَّة هم الذين سألوا وطلبوا أن يُريَهم آيةً، فأراهم انشقاق القمر
فلقتين كما في حديث ابن مسعود وغيره .
وعن حذيفة أنَّه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إنَّ الساعة قد اقتربت، وإنَّ القمر قد
انشقَّ على عهد نبيِّكم ﴾(٥).
وقد قيل: هو على التقديم والتأخير، وتقديره: انشقَّ القمر واقتربت الساعة، قاله
ابن كيسان. وقد مرَّ عن الفرَّاء أنَّ الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى، فلك أن تقدِّم
وتؤخِّر، عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌َنَا فَدَلََّ﴾(٦).
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِفُواْ﴾ هذا يدلُّ على أنَّهم رأوا انشقاق القمر(٧).
(١) القائل الشنفرى الأزدي، وهو في ذيل أمالي القالي ص٢٠٣، وخزانة الأدب ٤٣٠/٣، وقوله: أقيموا
بني أمِّي ... إلخ، يقال: أقام صدر معطيّته: إذا جدَّ في السير، يؤذن قومه بالرحيل. وقوله: حمَّت
الحاجات ... إلخ، يريد: تنَّهوا من رقدتكم فهذا وقت الحاجة. والطّيَّة: النّيَّة. الخزانة ٣٤١/٣.
(٢) النكت والعيون ٤٠٩/٥، ونسبه للنابغة الجعدي، ولم نقف عليه في ديوانه.
(٣) المفهم ٧/ ٤٠٤ .
(٤) النكت والعيون ٤٠٩/٥ .
(٥) أخرجه بهذا اللفظ الزجَّاج في معاني القرآن له ٨٤/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٥٢٨٥)، وابن أبي
شيبة ١١٥/٢، و٣٧٨/١٣، والطبري ١٠٧/٢٢ - ١٠٨، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٧٠٦)
و(٧٠٧) عن أبي عبد الرحمن السلمي.
(٦) الآية (٨) من سورة النجم، وسلفت ص١٦ من هذا الجزء.
(٧) الوسيط ٤/ ٢٠٧ .

٧٤
سورة القمر: الآيات ٢ - ٨
قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول اللـه ﴿، وقالوا: إن كنتَ صادقاً فاشقق
لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قُبَيس ونصف على قُعَيْقِعَان، فقال لهم رسول الله ﴾:
((إن فعلتُ تؤمنون))؟ قالوا: نعم؟ وكانت ليلةً بدر، فسأل رسولُ الله ﴾ ربَّه أن يعطيَه
ما قالوا، فانشقَّ القمر فرقتين، ورسولُ اللـه # ينادي المشركين: ((يا فلان يا فلان
اشهدوا))(١).
وفي حديث ابن مسعود: انشقَّ القمر على عهد رسولِ الله #، فقالت قريش :.
هذا من سحر ابن أبي كبشة، سَحَرَكم فاسألوا السُّفَّار. فسَأَلوهم فقالوا: قد رأينا القمر
انشقَّ، فنزلت: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا))(٢). أي: إن يروا
آيَةً على صِدْقٍ محمَّد ﴾ أعرضوا عن الإيمان(٣).
﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ أي: ذاهب، من قولهم: مَرَّ الشيءُ واستمرَّ: إذا
ذهب(٤)، قاله أنس وقتادة ومجاهد والفرَّاء والكسائيُّ وأبو عبيدة (٥)، واختاره
النخَّاس. وقال أبو العالية والضحَّاك: محكّم قويٌّ شديد(٦). وهو من المِرَّة: وهي
القوَّة(٧)، كما قال لقيط:
حتى استمرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِیرَتهُ
مُرُّ العَزِيمَةِ لَا رَتّاً(٨) ولا ضَرَعا
(١) زاد المسير ٨/ ٢٨٧، وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٠٩) بتمامه، وضعَّفه ابن حجر في فتح
الباري ١٨٣/٧. وأخرجه أيضاً الزجَّاج في معاني القرآن له ٨٤/٥-٨٥ عن ابن زيد مختصراً. وأبو
قبيس وقعيقعان: جبلان بمكة. معجم البلدان ١/ ٨٠ و٣٧٩/٤ .
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٩٥)، والطبري ١٠٦/٢٢ - ١٠٧، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢١١).
(٣) الوسيط ٤/ ٢٠٧.
(٤) الصحاح (مرر).
(٥) النكت والعيون ٥/ ٤١٠ عن أنس وأبي عبيدة، والمحرر الوجيز ٢١٢/٥ عن قتادة ومجاهد والكسائي،
وأما قول الفراء فهو في معاني القرآن له ١٠٤/٣، وقول مجاهد في تفسيره ٦٣٥/٢، وأخرجه عنه
- وعن قتادة أيضاً - الطبري ١١٣/٢٢.
(٦) تفسير البغوي ٢٥٨/٤، وزاد المسير ٨٩/٨ .
(٧) الصحاح (مرر).
(٨) في (م): لا قحماً. وكذا جاءت الرواية في الكامل للمبرد ١٣٥٠/٣، والقحم: الكبير المسنّ. اللسان
(قحم)، والبيت سلف ص١٣ من هذا الجزء.

٧٥
سورة القمر: الآيات ٢ - ٨
وقال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل، وهو شدَّة فَتْله(١).
وقيل: معناه: مُرٍّ من المرَارة. يقال: أَمَرَّ الشيءُ: صار مُرّاً، وكذلك مَرَّ الشيءُ
[يَمَرُّ] بالفتح مرارةً، فهو مُرٍّ، وأمَرَّه غيرُه ومرَّرَه(٢). وقال الربيع: مستمرٌّ: نافذ. يمان:
ماضٍ. أبو عبيدة: باطل.
وقيل: دائم. قال:
وليس على شيء قوِيم بمُسْتمِرّ (٣)
أي: بدائم. وقيل: يُشبِهِ بعضه بعضاً (٤)، أي: قد استمرَّت أفعال محمد على هذا
الوجه فلا يأتي بشيء له حقيقة، بل الجميع تخييلات. وقيل: معناه: قد مرَّ من
الأرض إلى السماء(٥).
﴿وَكَذَّبُواْ﴾ِ نِبِيَّنَا ﴿وَّعُوْ أَهْوَهُ﴾ أي: ضلالاتهم واختياراتهم. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ
مُسْتَفِرٌ﴾ أي: يستقرُّ بكلِّ عامل عمله، فالخير مستقرٌّ بأهله في الجنة، والشَّرُّ مستقرٌّ
بأهله في النار (٦).
وقرأ شيبة: (مُسْتَقَر)) بفتح القاف(٧)، أي: لكلِّ شيء وقت يقع فيه من غير تقدُّم
وتأخّر. وقد روي عن أبي جعفر بن القَعْقاع: ((وَكُلُّ أَمْرٍ مسْتَقِرِ)) بكسر القاف
والراء (٨)، جعله نعتاً لـ ((أمرٍ))، و ((كُلُّ) على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء، والخبر
(١) النكت والعيون ٤١٠/٥ .
(٢) الصحاح (مرر)، وما بين حاصرتين منه.
(٣) القائل امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص١٠٩، وصدره:
ألا إنَّما الدنيا ليالٍ وأَعْصُرٌ
(٤) النكت والعيون ٤١٠/٥ .
(٥) النكت والعيون ٤١٠/٥ وعزاه إلى مجاهد.
(٦) النكت والعيون ٤١٠/٥ وعزاه إلى قتادة، وأخرجه عنه الطبري ١١٤/٢٢ - ١١٥.
(٧) الكشاف ٣٦/٤ ولم يعزها، وعزاها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٢/٥ إلى نافع وابن نصاح.
(٨) القراءات الشاذة ص١٤٧، والمحتسب ٢٩٧/٢، والنشر ٣٨٠/٢.

٧٦
سورة القمر: الآيات ٣ - ٨
محذوف، كأنَّه قال: وكلُّ أمر مستقر في أمّ الكتاب كائن(١). ويجوز أن يرتفع بالعطف
على الساعة، المعنى: اقتربت الساعة وكلُّ أمرٍ مستقر (٢)، أي: اقترب استقرار
الأمور يوم القيامة(٣). ومن رفعَه جعله خبراً عن ((كلّ)).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَلَّتَهُم مِّنَ الْأَثْبَاِ﴾ أي: من بعض الأنباء، فذكر سبحانه من
ذلك ما علم أنَّهم يحتاجون إليه، وأنَّ لهم فيه شفاء. وقد كان هناك أمور أكثر من
ذلك، وإنَّما اقتصَّ علينا ما عَلِمَ أنَّ بنا إليه حاجة، وسكت عمَّا سوى ذلك، وذلك
قوله تعالى: ((وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ» أي: جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم
الخالية(٤) ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه(٥). وأصله:
مُزْتَجَر، فقلبت التاء دالاً؛ لأنَّ التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور، فأبدل
من التاء دالاً توافقها في المخرج، وتوافق الزاي في الجهر(٦). و ((مُزْدجَر)) من الزجر:
وهو الانتهاء(٧)، يقال: زَجَره وازدَجَره، فانزجَر وازدَجَر(٨)، وزجرته أنا فانزجر،
أي: کففته فکفّ، كما قال:
فأصبحَ ما يطلبُ الغانيا تُ مُزْدَجَراً عن هواه ازدجارا(٩).
وقرئ: ((مُزَّجَرٌ)) بقلب تاء الافتعال زاياً، وإدغام الزايِّ فيها، حكاه
الزمخشريُ (١٠).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٦/٤ .
(٢) الكشاف ٣٦/٤ .
(٣) المحتسب ٢٩٧/٢ .
(٤) النكت والعيون ٤١٠/٥ .
(٥) تفسير أبي الليث ٢٩٨/٣ .
(٦) البيان لابن الأنباري ٢/ ٤٠٣، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢/ ٦٩٧ .
(٧) المحرر الوجيز ٢١٢/٥ .
(٨) الصحاح (زجر).
(٩) القائل الأعشى ميمون بن قيس، وهو في ديوانه ص ٩٥ بنحوه.
(١٠) في الكشاف ٣٦/٤ .

٧٧
سورة القمر: الآيات ٥ - ٨
﴿حِكْمَةُ بَلِّنَةٌ﴾ يعني: القرآن(١)، وهو بدل من ((ما)) من قوله: ((مَا فِيهِ
مُزْدَجَرٌ)). ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، أي: هو حكمة(٢).
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ إذا كذَّبوا وخالفوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ
عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) [يونس: ١٠١] فـ((مَا)) نفي، أي: ليست تغني عنهم النذر. ويجوز
أن يكون استفهاماً بمعنى التوبيخ، أي: فأيُّ شيء تغني النذر عنهم وهم معرضون
عنها (٤). و((النُّذُرُ)) يجوز أن تكون بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون جمع نذير (٥).
قوله تعالى: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: أَعرِض عنهم(٦). قيل: هذا منسوخ بآية السيف(٧).
وقيل: هو تمام الكلام.
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ العامل في ((يَوْمَ)): ((يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ))، أو
(خُشَّعاً))(٨)، أو فعل مضمر تقديره: واذكر يوم. وقيل: على حذف حرف الفاء وما
عملت فيه من جواب الأمر، تقديره: فتولَّ عنهم فإنَّ لهم يوم يدعو الداعي. وقيل:
تَوَلَّ عنهم يا محمَّد، فقد أقمت الحجَّة، وأبصرهم يوم يدعو الداعي. وقيل: أي
أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، فإنَّهم يدعون ﴿إِلَى شَىْءٍ
ذُكُرٍ﴾ وينالهم عذاب شديد. وهو كما تقول: لا تسأل عما جرى على فلان: إذا
أخبرته بأمر عظيم. وقيل: أي: وكلّ أمر مستقرّ يوم يدعو الداعي.
وقرأ ابن كثير: ((نُكْرِ)) بإسكان الكاف(٩)، وضمَّها الباقون، وهما لغتان، كعُسْر
(١) تفسير أبي الليث ٢٩٨/٣ .
(٢) الكشاف ٣٦/٤.
(٣) تفسير البغوي ٢٥٩/٤ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٨٥/٥ .
(٥) تفسير البغوي ٢٥٩/٤ .
(٦) تفسير أبي الليث ٢٩٨/٣ .
(٧) زاد المسير ٩٠/٨ .
(٨) إعراب القرآن لمكي ٦٩٨/٢ .
(٩) السبعة ص ٦١٧، والتيسير ص ٢٠٥ .

٧٨
سورة القمر: الآيات ٦ - ٨
وعُسُر، وشُغْل وشُغُل(١)، ومعناه: الأمر الفظيع العظيم، وهو يوم القيامة(٢). والداعي
هو: إسرافيل عليه السلام(٣). وقد روي عن مجاهد وقتادة أنَّهما قرأا: ((إِلَى شَيْءٍ نُكِرَ))
بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول (٤).
﴿خُشَّعَا أَبْصَرُهُمْ﴾ الخشوع في البصر: الخضوع والذّلَّة، وأضاف الخشوع إلى
الأبصار؛ لأنَّ أثر العزِّ والذُّل يتبيَّن في ناظر الإنسان(٥)، قال الله تعالى: ﴿أَبْصَرُهَا
خَشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩] وقال تعالى: ﴿خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾
[الشورى: ٤٥]. ويقال: خَشَع واختَشَع: إذا ذلَّ. وخَشَع ببصره، أي: غضَّه(٦).
وقرأ حمزة والكسائيُّ وأبو عمرو: ((خَاشِعاً)) بالألف(٧)، ويجوز في أسماء
الفاعلين إذا تقدَّمت على الجماعة التوحيدُ، نحو: ((خَاشِعاً أَبْصَارُهُم)) والتأنيث نحو:
(خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ))(٨) ويجوز الجمع نحو: ((خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ)) قال:
وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهِهُمْ مِنْ إِيادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدَ(٩)
و ((خُشَعاً)) جمع خاشع، والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في ((عَنْهُمْ))
فيقبح الوقف على هذا التقدير على ((عَنْهُمْ)). ويجوز أن يكون حالاً من المضمر في
(١) حجة القراءات لابن زنجلة ص٦٨٨ .
(٢) الكشاف ٣٦/٤ .
(٣) تفسير أبي الليث ٢٩٨/٣ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٤٧، والمحتسب ٢٩٨/٢، ونسباه إلى مجاهد والجحدري وأبي قلابة. وينظر
البحر المحيط ٨ /١٧٥ .
(٥) الكشاف ٣٦/٤ .
(٦) الصحاح (خشي).
(٧) السبعة ص٦١٨، والتيسير ص ٢٠٥ .
(٨) معاني القرآن للزجاج ٨٦/٥، وما بعده منه، و((خاشعة)) قراءة أبيٍّ وابن مسعود. القراءات الشاذة
ص١٤٧ .
(٩) القائل: أبو دؤاد الإيادي، وهو في ديوانه ص ٣٠٥ .

٧٩
سورة القمر: الآيات ٦ - ٨
((يَخْرُجُونَ)) فيوقف على ((عَنْهُمْ))(١). وقُرئَ: ((خُشَعٌ أَبْصَارُهُمْ)) على الابتداء والخبر،
ومحلُّ الجملة النصب على الحال، كقوله:
حَاضِرَاه الجودُ والْكَرَمُ (٢)
﴿يَخْرُونَ مِنَ الْأَمْدَاثِ﴾ أي: القبور، واحدها: جَدَث. ﴿كَهُمْ جَرَادٌ مُتَّثِرٌ * مُّهْطِعِينَ
إِلَى الَّعِ﴾. وقال في موضع آخر: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْتُونِ﴾ [القارعة: ٤]
صفتان في وقتين مختلفين، أحدهما: عند الخروج من القبور، يخرجون فزِعين لا
يهتدون أين يتوجَّهون، فيدخل بعضُهم في بعض، فهم حينئذٍ كالفراش المبثوث بعضه
في بعض لا جهة له يقصدها. فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر؛
لأنَّ الجراد له وجه يقصدها(٣).
و((مُهْطِعِينَ)) معناه: مسرعين، قاله أبو عبيدة. ومنه قول الشاعر:
بدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ(٤)
بدِجْلَةَ دَارُهمْ ولقد أراهم
الضحاك: مقبلين. قتادة: عامدين. ابن عباس: ناظرين. عكرمة: فاتحين آذانهم
إلى الصوت(٥). والمعنى متقارب.
يقال: هَطَع الرجلُ يَهْطَعُ هُطُوعاً: إذا أَقبل على الشيء ببصره لا يُقلِع عنه،
وأهطع: إذا مدَّ عنقه وصوَّب رأسه. قال الشاعر:
(١) مشكل إعراب القرآن لمكي ٦٩٨/٢، وذكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٩١٣/٢ أن الوقف
على ((فتولَّى عنهم): وقف غير تامّ .
(٢) الكشاف ٣٦/٤، والقراءة في البحر المحيط ١٧٦/٨، والبيت للأخطل، وهو في ديوانه ص٣٩،
وروایته هکذا:
إذا أتيت أبا مروان تسأله
(٣) المحرر الوجيز ٢١٣/٥.
وجدته حاضراه الجود والحسَبُ
(٤) النكت والعيون ٤١١/٥، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢/ ٢٤٠، والبيت ليزيد بن مفرِّغ،
وسلف ١٥٨/١٢ .
(٥) النكت والعيون ٤١١/٥ .
.

٨٠
سورة القمر: الآيات ٨ - ١٧
تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بنُ سَعْدٍ وقد أرَى ونِمْرُ بنُ سَعْدِلِي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ
وبعير مُهْطِعٍ: في عنقه تصويبٌ خِلْقةً. وأهطع في عَدْوه، أي: أَسرَع(١).
﴿يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَبِرٌ﴾ يعني: يوم القيامة؛ لما ينالهم فيه من الشِّذَّةِ(٢).
قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ
أَنِ مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَاءِ مُّنْهَمِرٍ ﴾ وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا
فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٧) وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجٍ وَدُسُرٍ (٣) تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءَ
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ
لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تَّرَكْتَهَآ ءَايَةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ (٥)
(١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ذكر جملاً من وقائع الأمم الماضية؛
تأنيساً للنبيِّ ﴾، وتعزيةً له. ((قَبْلَهُمْ)) أي: قبل قومك. ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ يعني: نوحاً(٣).
الزَّمخشَرِي(٤): فإن قلتَ: ما معنى قوله: ((فَكَذَّبُوا)) بعد قوله: ((كَذَّبَتْ))؟ قلت:
معناه: كَذَّبوا فكَذَّبوا عبدنا، أي: كذَّبوه تكذيباً على عقب تكذيب، كلما مضى منهم
قَرْن مكذِّب تبعه قَرْن مكذِّب، أو كذَّبت قومُ نوح الرسلَ فكذَّبوا عبدنا، أي: لما كانوا
مكذِّبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً، كذَّبوا نوحاً؛ لأنَّه من جملة الرسل.
﴿وَقَالُواْ بَحْنُونٌ﴾ أي: هو مجنون ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ أي: زجر عن دعوى النبوّة بالسبِّ
والوعيد بالقتل(٥). وقيل: إنَّما قال: ((وَازْدُجِرَ)) بلفظ ما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنَّه رأس آية.
﴿فَدَمَا رَبَّهُ﴾ أي: دعا عليهم حينئذٍ نوح وقال: رَبِّ ﴿أَنِّ مَغْلُوبٌ﴾ أي: غلبوني
(١) الصحاح (هطع)، والبيت ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٧/٤ ، ولم ينسبه، ولم نقف على قائله.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤١١ .
(٣) تفسير أبي الليث ٢٩٨/٣ .
(٤) الكشاف ٤/ ٣٧ .
(٥) تفسير البغوي ٢٦٠/٤ .